Indexed OCR Text
Pages 61-80
صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٣، ٤]. روى البخاري ٤٩١٢ ومسلم ١٤٧٤ عن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَت: كان رسول الله وَله يشربُ عَسَلاً عند زينب بنت جَحْش ويمكُثُ عندها ، فتواطَتْتُ أنا وحَقْصَة على أَيَّتُنا دخل عليها فلتقل له : أَكَلْتَ مَغَافِيْرَ ؟ ، قَالَ: (( لا ، ولكنى كنتُ أشربُ عسلاً عند زينب بنت جحش ، فلن أعود له ، وقد حلفتُ ، ولا تخبري بذلك أحداً)) فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرَّمُ مَا أَحَلَ اللهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ تَتَوْبَا﴾ لعائشة وحفصة. ﴿وإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيْثاً﴾ لقوله: ((بل شَرِبْتُ عَسَلاً)). وروى البخاري ٥٢١٦ ومسلم ١٤٧٤ من حديث عائشة أن حفصة سقت النَّبِيّ وَّ عسلاً، فالقصة تعدَّدَتْ والله أعلم . ((مَغَافِئْر)) : جمع مُغْفُور، وهو صمغ حلو له رائحة كريهة. وآية التخيير هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتَّعْكُنَّ وَأُسَرَّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]. حديث سقيفة بني ساعدة ٣٠- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنْتُ أُقْرِئُّ رِجَالاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِى مَنْزِهِ بِنَّى، وَهْوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِ آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، إِذْ رَجَعَ إِلَىَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: لَوْ رَأَيْتَ رَجُلاً أَنَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ فِ فُلاَنٍ ؟ يَقُولُ: لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلانًا، فَوَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِ بَكْرٍ إِلَّا فَلْتَّةً فَتَمَّتْ. فَغَضِبَ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّى إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَقَائِمُ الْعَشِيَّةَ فِ النَّاسِ، فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِيْنَ لاَ تَفْعَلْ، فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ حِينَ تَقُومُ فِ النَّاسِ، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيُِّهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِرٍ ، وَأَنْ لاَ يَعُوهَا ، وَأَنْ لاَ يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ ، فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ ، فَتَقُولَ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنَا، فَيَعِى أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَكَ ، وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فِى عَقِبٍ ذِى الْحَجَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ عَجَّلْنَا الرَّوَاحَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، حَتَّى أَجِدَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ جَالِسًا إِلَى رُكْنِ الْمِنْبَرِ، فَجَلَسْتُ حَوْلَهُ تَسُّ رُكْبَتِى رُكْبَتَهُ، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ مُقْبِلاً قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: ٦٢ لَيَقُولَنَّ الْعَشِيَّةَ مَقَالَةً لَمْ يَقُلْهَا مُنْذُ اسْتُخْلِفَ . فَأَنْكَرَ عَلَىَّ وَقَالَ: مَا عَسَيْتَ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ ؟ فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى الِْنْبَرِ، فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤذِّنُونَ قَامَ فَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِّ قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِ أَنْ أَقُولَهَا، لاَ أَدْرِى لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَىْ أَجَلِىِ، فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتْهُ، وَمَنْ خَشِىَ أَنْ لاَ يَعْقِلَهَا فَلا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَىَّ. إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا وَهِ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ وَ رَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِى كِتَابِ اللَّهِ. فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْخَبَلُ أَوْ الإِعْتِرَافُ. ثُمَّ إِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ : أَنْ لاَ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِّكُمْ، أَوْ إِنَّ كُفْرًا بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ . أَلَا ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَ قَالَ: ((لاَ تُطْرُونِ كَمَا أُطْرِىَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)). ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِى أَنَّ قَائِلاً مِنْكُمْ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلانًا. فَلاَ يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ إِنَّا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِ بَكْرٍ فَلْتَةً وَمَّتْ، أَلا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا ، وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِ بَكْرٍ. مَنْ بَايَعَ رَجُلاً عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلاَ يُبَايَعُ هُوَ وَلاَ الَّذِى بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلا. وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ خَبَرِنَا حِينَ تَوَلَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ وَ لّهِ أَنَّ الأَنْصَارَ خَالَفُونَا وَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ فِى سَقِيفَةِ بَنِ سَاعِدَةَ، وَخَالَفَ عَنَّا عَلِىٌّ وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا ، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِ بَكْرٍ فَقُلْتُ لأَِّ بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرِ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا هَؤُلاءِ مِنَ الأَنْصَارِ . فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ فَلَمَّ دَنَوْنَا مِنْهُمْ لَقِيَنَا مِنْهُمْ رَجُلاَنِ صَالِحَانِ، فَذَكَرَا مَا تَالأَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ فَقَالَا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقُلْنَا: نُرِيدُ إِخْوَانَنَا هَؤُلاَءِ مِنَ الأَنْصَارِ . فَقَالَا: لا عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَقْرَبُوهُمُ، اقْضُوا أَمْرَكُمْ . فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ . فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُمْ فِى سَقِيفَةِ بَنِى سَاعِدَةَ ، فَإِذَا رَجُلٌ مُزَمَّلٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ . فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ قَالَوا: يُوعَكُ. فَلَمَّا جَلَسْنَا قَلِيلاً تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ : فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَكَتِيْبَةُ الإِسْلامِ ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ ، وَقَدْ دَفَّتْ دَافَةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا مِنْ أَصْلِنَا وَأَنْ يَحْضُنُونَا مِنَ الأَمْرِ. فَلَمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَكُنْتُ زَوَّرْتُ مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِ أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَىْ أَبِ بَكْرٍ ، وَكُنْتُ أُدَارِى مِنْهُ بَعْضَ الْخَدِّ ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى رِسْلِكَ. فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ مِّ وَأَوْقَرَ ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِى فِى تَزْوِ يرِى إِلَّا قَالَ فِى بَدِيْهَتِهِ مِثْلَهَا أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا حَتَّى سَكَتَ، فَقَالَ: مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ، ٦٣ وَلَنْ يُعْرَفَ هَذَا الأَمْرُ إِلَّا لِهَذَا الْخَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا، وَقَدْ رَضِيْتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَائِعُوا أَيُّهُمَا شيءٌتُمْ. فَأَخَذَ بِيَدِى وَبِيَدِ أَبِ عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَا، فَلَمْ أَكْرَهْ مِمَّا قَالَ غَيْرَهَا، كَانَ وَاللَّهِ أَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِى لاَ يُقَرِّبُنِى ذَلِكَ مِنْ إِثْمِ، أَحَبَّ إِلَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُسَوِّلَ إِلَّ نَفْسِى عِنْدَ الْمَوْتِ شيئاً لاَ أَجِدُهُ الآنَ. فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَُّكُ، وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ، مِنَّا أَمِيْرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ. فَكَثُرَ اللَّغَطُ ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ حَتَّى فَرِقْتُ مِنَ الإِخْتِلافِ . فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَلَ يَا أَبَا بَكْرٍ . فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ ، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَتْهُ الأَنْصَارُ ، وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ. فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ . قَالَ عُمَرُ: وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا فِيهَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُّبَايَعَةٍ أَبِ بَكْرٍ ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلاً مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لا نَرْضَى، وَإِمَّ نُخَالِفُهُمْ فَيَكُونُ فَسَادٌ. فَمَنْ بَايَعَ رَجُلاً عَلَى غَيْرِ مَثُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلاَ يُتَابَعُ هُوَ وَلَا الَّذِى بَايَعَهُ . تَغِرَّةَ أَنْ يُقْتَلَا. رواه البخاري ٦٨٣٠ ومسلم ١٦٩١ مختصرًا جدًا فيه حديث الرجم فقط . شرح الغريب: ((فَلْتَةً)»: فجأة .((رَعَاعَ الناسِ وغَوْغَاءَهم)): هم الجَهَلَة الرُّذَلاء. ((لَمْ أَنْشَبْ)): لم أتعلق بشيء غير ما كنت فيه . ((الحَبَلُ)) : الحمل . ((لا تُطْرُؤْنِي)» : الإطراء مجاوزة الحد في المدح. ((تُقْطَعُ الأعناق إليه)): مَثَلٌ يقَالَ للفرس الجواد تَقَطَّعَتْ أعناق الخيل دون لحاقه . ((تَغِرَّةً أن يُقْتَلا)»: حَذَراً من القتل ، والمعنى أن من فعل ذلك فقد غَرَّرَ بنفسه وبصاحبه وعرَّضهما للقتل . (بِأَسْرِهِم)) : بجمعهم. ((سَقِيْفَة بَنِي ساعِدة)): السَّقِيْفَة هي المكان المظلل بجانب الدار . (تَالَأ): تَوَاطَأً واتَّفَقَ. ((مُزَمَّل)): مُلَفَّف . (بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ)): وسطهم (يُؤْعَلُكُ)): يحصل له الوَعُْكُ وهو أَلَمُ الحُمَّى. ((كَتِيْبَة)): الجيش المجتمع الذي لا ينتشر . ((رَهْطٌ)) أي : قليل وأصله للعشرة فما دونها . ((دَفَّتْ دَافَّةٌ)) أي : عدد قليل ، وأصله من الدَّفِّ وهو السير البطيء في جماعة . ((يَخْتَزِلُونا)) أي : يقتطعونا عن الأمر و ینفردوا به دوننا . ((يَحْضُنُونا)): حضنه واحتضنه عن الأمر أخرجه في ناحية عنه واستبدَّ به أو حبسه عنه. ((زَوَّرْتُ مَقَالَةً)): هَيَأْتُ وحَسَّنْتُ مقَالَة. ((على رِسْلِك): على مَهْلِكَ . (تَزْوِ يْرِي)): تحسيني. (الحَدِّ)) أي: الحِدَّة. (بَدِيْهَتِهِ)): البَدِيْهَة: أول كل شيء وما يَفْجَأُ منه. ٦٤ ((تُسَوِّلَ إِلَىَّ نفسي)) : تُزَيِّن . ((جُذَيْلُها المُحَكَّك)): الْجُذَيْلِ: تصغير الجِذْل وهو عود يُنصَبُ للإبل الجَربَى تحتُك به فتستَشْفِي، والمُحَكَّك : الذي كثر به الاحتكاك حتى صار أملس . ((عُذَيْقُها المُرَجَّبُ)): عُذَيقُها تصغير عِذْق وهو النخلة، والمُرَجَّب: المُسنَد بالرُّجْبة وهي خشبة ذات شعبتين ، وذلك إذا طالت الشجرة وكثر حملها اتخذوا ذلك لها لضعفها عن كثرة حملها، والمعنى : أني ذو رأي يُستَشفَى به في الحوادث، لاسيما في مثل هذه الحادثة. (اللَّغَط)): كثرة الأصوات واختلاطها واختلافها . ((فَرِقْتُ)): الفَرَق الخوف والفزع. ((نَزَوْنا)) : وَتَّبْنا . من فوائد الحديث : ١ - أخذ العلم عن أهله وإن صغرت سن المأخوذ عنه الآخذ ، وكذ لو نقص قدره عن قدره ، لأن ابن عباس كان يقرئ عبد الرحمن بن عوف وهو أسن منه وأفضل . ٢- التنبيه على أن العلم لا يودع عند غير أهله، ولا يُحدَّث القليل الفهم بما لا يحتمله . ٣- جواز إخبار السلطان بكلام من يخشى منه وقوع أمر فيه إفساد للجماعة ، ولا يعد ذلك من النميمة ، لكن محل ذلك أن يبهمه صوناً له وجمعاً بين المصلحتين . ٤- وفيه أن عظيم القدر يحتمل في حقه من الأمور المباحة ما لا يحتمل في حق غيره ، لقول عمر: (( وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر )) أي : فلا يلزم من احتمال المبادرة إلى بيعته عن غير تشاور عام أن يباح ذلك لكل أحد من الناس لا يتصف بمثل صفة أبي بكر . ٥- وفيه أن الخلافة لا تكون إلا في قريش ، وأدلة ذلك كثيرة . ٦- جواز الإعتراض على الإمام في الرأي إذا خشي أمرًا وكان فيما أشار به رجحان على ما أراده الإمام ، وهذا مأخوذ من اعتراض عبد الرحمن بن عوف على عمر أن لا يتكلم إلا بعد الرجوع إلى المدينة . ٧- اهتمام الصحابة وأهل القرن الأول بالقرآن والمنع من الزيادة في المصحف ، وكذا منع النقص بطريق الأولى . ٨- فيه دليل على أن من خشي من قوم فتنة وأن لا يجيبوا إلى امتثال الأمر الحق أن يتوجه إليهم ويناظرهم ويقيم عليهم الحجة . ٩- وفيه المنع من أن يكون للمسلمين أكثر من إمام. ١٠ - وفيه إشارة ذي الرأي على الإمام بالمصلحة العامة بما ينفع عموماً أو خصوصاً، وإن لم يستشره الإمام ، ورجوعه إلیه عند وضوح الصواب. ٦٥ حديث شرب أبي هريرة اللبن ٣١- عن أبي هُرَ يْرَةَ رَضَلَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: واللَّهِ الَّذِى لا إِلَهَ إِلَّ هُوَ إِنْ كُنْتُ لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِى عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِى مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ فَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِ يقِهِمُ الَّذِى يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ ، فَسَأَلْتُّهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِى، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ ، ثُمَّ مَرَّ بِ عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيَسْتَشْبِعَنِي - وفي رواية: لِيُشْبِعَنِى -، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِ أَبُو الْقَاسِمِقَلِّ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِ وَعَرَفَ، مَا فِى نَفْسِى وَمَا فِى وَجْهِى ثُمَّ قَالَ: ((أَبَا هِرِّ)). قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((الْحَقْ)). وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ ، فَأَذِنَ لِى، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنَا فِى فَدَحِ فَقَالَ: ((مِنْ أَيْنَ هَذَا اللََّزُ؟)). قَالَوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلاَنٌ أَوْ فُلَانَةُ. قَالَ: (( أَبَا هِرٍّ))، قُلْتُ: لَبَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِ)). قَالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلاَمِ ، لا يَأْوُوْنَ إِلَى أَهْلِ وَلاَ مَالٍ، وَلا عَلَى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شيئاً، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ ، وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا ، فَسَاءَنِ ذَلِك فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللََّنُ فِى أَهْلِ الصُّفَّةِ؟! كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِ فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِى مِنْ هَذَا اللَّبَنِ؟، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَله بُدٌّ ، فَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذُنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا ◌َجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ. قَالَ: (( يَا أَبَا هِرَّ)). قُلْتُ: لَبِّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((خُذْ فَأَعْطِهِمْ)). قَالَ: فَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيْهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيّ ◌َّهِ وَقَدْ رَوِىَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَىَّ فَتَبَسَّمَ فَقَالَ:((أَبَا هِرِّ)). قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: (بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ)). قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ: ((اقْعُدْ فَاشْرَبْ)). فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ . فَقَالَ: (( اشْرَبْ)). فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: (( اشْرَبْ)). حَتَّى قُلْتُ: لاَ وَالَّذِى بَعَتَكَ بِالْحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا. قَالَ: ((فَأَرِ)). فَأَعْطَيْتُ الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ . رواه البخاري٦٤٥٢ . شرح الغريب: (لِيَسْتَتْبِعَنِي)) أي : يطلب مني أن أتبعه ليُطعمني . (أَباهِرِّ)): يعني: يا أبا هُرَيْرَةَ، وهو من رَدِّ الاسم المؤنَّث إلى المذكَّر والمصغَّر إلى المكبّر. ((الصُّفَّة)): سَقِيْفَة مظللة في جانب مسجد النَّبِيّ وَلِّ كان يأوي إليها المساكين. ٦٦ من فوائد الحديث : ١- فيه أن كتمان الحاجة والتلويح بها أولى من إظهارها والتصريح بها . ٢- كرم النَّبِيّ ◌َّه وإيثاره على نفسه وأهله وخادمه . ٣- فضل أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وتعففه عن التصريح بالسؤال واكتفاؤه بالإشارة إلى ذلك ، وتقديمه طاعة النَّبِيّ ◌َّ على حظ نفسه مع شدة احتياجه. ٤- فيه ما كان عليه بعض الصحابة في زمن النَّبِيّ وَّ من ضيق الحال. ٥ - وفيه أن المدعو إذا وصل إلى منزل الداعي لا يدخل بغير استئذان . ٦- وفيه جلوس كل أحد في المكان اللائق به . ٧- وفيه إشعار بملازمة أبي بكر وعمر للنبي وَل. ٨- وسؤال الرجل عما يجده في بيته مما لا عهد له به ليرتب على ذلك مقتضاه . ٩- وقبول النَّبِيّ وَّ الهدية وتناوله منها وإرساله ببعضها إلى الفقراء ، وامتناعه من تناول الصدقة ووضعه لها فیمن يستحقها . ١٠- وفيه جواز الشبع ولو بلغ أغصى غايته ، أخذاً من قول أبي هريرة : ((لا أجد له مسلكا)) وتقرير النَّبِيّ ◌َِّ له، ولكن بحيث لا يضايقه في نَفَسِهِ وشرابه، جمعاً بينه بين حديث: ((ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه)). وأما ما ورد في ذم الشبع فكله ضعيف. ١١ - وفيه الشرب من قعود . ١٢ - والتسمية عند الشرب . ١٣ - وشرب الساقى آخرًا وشرب صاحب المنزل بعده . ١٤ - وحمد الله على نعمه . ١٥ - وفيه معجزة للنبي وَلّ بالبركة في اللبن القليل فكفى العدد الكثير. حديث صلح الحديبية ٣٢ - عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ شَخْرَمَةَ رََّلَّهُ عَنْهُ، وَمَرْوَانَ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِوَلِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، حَتَّى كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيم فِى خَيْلٍ لِقُرَيْشِ طَلِعَةً، فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ)). فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَزْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ ، وَسَارَ النَّبِيّ ◌َّهِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالَِّيَّةِ الَّتِى ◌ُهُبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا ، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتْهُ. فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ. فَأَلَّتْ، فَقَالُوا: خَلَّتِ الْقَصْوَاءُ، خَلَأَّتِ الْقَصْوَاءُ. فَقَالَ النَّبِيّ ◌َّهِ: (( مَا خَلَأَّتِ الْقَصْوَاءُ ، وَمَا ذَالَكَ لَهَا بِخُلُقٍ ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ)»، ثُمَّ قَالَ: ((وَاَلَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ يَسْأَلُونِ خُطَّةً ٦٧ يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا)) . ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ ، قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى تَدِ قَلِيلِ الْمَاءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبَتْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ ، وَشُكِىَ إِلَى رَسُولِ اللّه ◌َ الْعَطَشْ ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّىِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ . فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ ، إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِىُّ فِى نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ ، وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، فَقَالَ: إِنَّى تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤٍَّّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَىِّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوَكَ وَصَادُّوَ عَنِ الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (( إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَّهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً ، وَيُخُلُّوا بَيْنِى وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيهَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا ، وَإِلَّا فَقَدْ جُمُّوا ، وَإِنْ هُمْ أَبُوا فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِى هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِى، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ)). فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبلِّغْهُمْ مَا تَقُولُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَى قُرَيْشًا، قَالَ: إِنَّا قَدْ جِتْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلاً، فَإِنْ شيء تُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ بِشَىْءٍ . وَقَالَ: ذَوُو الرَّأْىِ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ. قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا ، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَِّيَِّّ. فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَىْ قَوْمٍ، أَسْتُمْ بِالْوَالِدِ؟ قَالَوا: بَلَى. قَالَ: أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى . قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِى؟. قَالَوا: لا. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِى اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظِ ، فَمَّا بَلَّحُوا عَلَىَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِى وَوَلَدِى وَمَنْ أَطَاعَنِى؟ قَالَوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ لَكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ ، اقْبَلُوهَا وَدَعُونِ آَتِهِ . قَالُوا: اثْتِهِ . فَأَتَاهُ ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيّ ◌َّهِ، فَقَالَ النَّبِيّ ◌َّهِ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَىْ مُحَمَّدُ ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ؟ وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى ، فَإِّ وَاللَّهِ لا أَرَى وُجُوهًا ، وَإِنِى لأَرَى أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوَكَ . فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: امْصُصْ بَظْرَ اللَّتِ ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟! فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: أَمَا وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْلاَ يَدُ كَانَتْ لَكَ عِنْدِى لَمْ أَجْزَِكَ بِهَا لِأَجَبْتُكَ. قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَِّّ ◌َِّ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّنَّه وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحِيَةِ النَّبِيّ ◌َّ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ لَهُ: أَخِّرْ يَدَلَكَ عَنْ لِحِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَه. فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. فَقَالَ: أَىْ غُدَرُ، أَلَسْتُ أَسْعَى فِ غَدْرَتِكَ؟ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِىِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَتَلَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ فَقَالَ النَّبِيّ ◌َّهِ: (( أَمَّا الإِسْلاَمَ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا الْمَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِى شَىْءٍ)). ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيّ ◌َّه بِعَيْنَيْهِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَله نُخَامَةً إِلََّّ وَقَعَتْ فِىِ كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ ٦٨ عَلَى وَضُوئِهِ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ . فَرَجَعَ عُرْوَةٌ إِلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ: أَىْ قَوْم، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِىِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ ، يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا ، وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِىِ كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ ، وَ إِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتُهُمْ عِنْدَهُ ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطََّ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى كِنَانَةَ: دَعُونِ آَتِهِ. فَقَالُوا: انْتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيّ ◌َّهِ وَأَصْحَابِهِ ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ له: ((هَذَا فُلاَنٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ فَابْعَثُّوهَا لَهُ)) . فَبُعِثَتْ لَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا يَنْبَغِى لِهَؤُلاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ . فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ . فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالَ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَقْصٍ فَقَالَ: دَعُوِ آَتِهِ. فَقَالُوا: اثْنِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيّ ◌َ: ((هَذَا مِكْرَزٌ وَهْوَ رَجُلٌّ فَاجِرٌ)). فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيّ ◌َّهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍوٍ. قَالَ مَعْمَرٌ فَأَخْبَرَبِ أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ لَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍ و قَالَ النَّبِيّ ◌َِّ: ((لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ)). قَالَ مَعْمَرٌ قَالَ الزُّهْرِىُّ فِى حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: هَاتِ، اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا، فَدَعَا النَّبِيّ ◌َِّ الْكَاتِبَ، فَقَالَ النَّبِيّ ◌َّهِ: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)). قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّ الرَّحْمَنُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِى مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. كَمَا كُنَّتَ تَكْتُبُ. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لاَ نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ النَِّّ ◌َّهِ: ((اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ)). ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ نُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ)). فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلا قَاتَلْنَكَ ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ. فَقَالَ النَّبِّ وَّهِ: ((وَاللَّهِ إِنَّى لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَّبْتُونِ، اكْتُبْ: تُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ». قَالَ الزُّهْرِىُّ: وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: (( لاَ يَسْأَلُونِى خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا)». فَقَالَ لَّهُ النَّبِيّ وَّ: ((عَلَى أَنْ تُخُلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ)). فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لاَ تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ. فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لاَ يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ ، إلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا. قَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! كَيْفَ يُرَّةُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟ ! . فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِ قُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا نُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَىَّ. فَقَالَ النَّبِيّ ◌َّهِ: ((إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ)). قَالَ: فَوَالَّهِ إِذَا لَمْ أُصَالِكَ عَلَى شَىْءٍ أَبَدًا. قَالَ النَِّيّ ◌َّ: (( فَأَجِزُهُ لِ)). قَالَ: مَا أَنَا بِجِيزِهِ لَكَ. قَالَ: (بَى، فَافْعَلْ)). قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ. قَالَ أَبُو جَنْدَلِ: أَىْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمَا أَلاَ تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ؟ ، وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِىِ اللَّهِ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِىَّ اللَّهِ وَ لِ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِىَّ اللَّهِ حَقًّا؟ ٦٩ قَالَ: (بَلَى)). قُلْتُ: أَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: ((بَلَى)). قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِىِ دِينِنَا إِذَا؟ قَالَ: ((إِنَّى رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهْوَ نَاصِرِى)). قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِ الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: ((بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ ؟)). قَالَ: قُلْتُ: لا. قَالَ: ((فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوَّفٌ بِهِ)). قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبًا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِىَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى . قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِى الَّنِيَّةَ فِىِ دِينِنَا إِذَا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ وَلَيْسَ يَعْصِى رَبَّهُ وَهْوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكُ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ. قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثْنَا أَنَّا سَنَأْتِى الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى ، أَفَأَخْبَرَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوَّفٌ بِهِ . قَالَ الزُّهْرِىِّ قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِك أَعْمَالاً . قَالَ: فَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ لِأَصْحَابِهِ: ((قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا)). قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، فَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمَّ سَلَمَةَ ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِىَ مِنَ النَّاسِ . فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِفَكَ . فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ. فَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَامُوا فَنَحَرُوا ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمَّا . ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُّهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذِ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِىِ الشِّرْكِ ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِ سُفْيَانَ، وَالأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةً . ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيّ ◌َّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ - رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشِ - وَهْوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِ طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِى جَعَلْتَ لَنَا. فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْخُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرِ لَهُمْ ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَالَّهِ إِنَّى لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلاَنُ جَيِّدًا. فَاسْتَلَهُ الآخَرُ فَقَالَ: أَجَلْ ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيّدٌ ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ. فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِ أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ ، وَفَرَّ الآخَرُ، حَتَّى أَفَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ حِينَ رَآهُ: ((لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا)). فَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيّ ◌َّهِ، قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِى وَإِنِّى لَقْتُولٌ . فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْنَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِى إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِ اللَّهُ مِنْهُمْ. قَالَ النَّبِّ ◌َّ: (( وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ )) . فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَنَى سِيفَ الْبَحْرِ . قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ ، فَلَحِقَ بِأَبِ بَصِيرٍ. فَجَعَلَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشِ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إلَّا لَحِقَ بِأَبِ بَصِيرٍ، حَتَّى اْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرِ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّ اعْتَرَضُوا لَا، فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ. فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشُ إِلَى النَّبِيّ ◌ََّ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ لَّا أَرْسَلَ: ٧٠ فَمَنْ أَتَاهُ فَهْوَ آمِنٌ. فَأَرْسَلَ النَّبِيّ ◌َّهِ إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤-٢٦]. وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِىُّ اللَّهِ ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْتِ . رواه البخاري ٢٧٣١ . شرح الغريب : ((الحُدَيْبِيَة)): قرية قريبة من مكة أكثرها في الحَرَم، والحُدَيبِية بئر سُمِّيَ المكان بها ، وقيل : شجرة حَدْباء صُغِّرَتْ وسُمِّي المكان بها . ((الغَمِيْم)): مكان قريب من مكة بين رابغ والُجُحْفَة. (طَلِيْعَة)): مُقَدِّمة الجيش. ((قَتَرَة)): غبار أسود (الثَّنِيَّة)): مُنْعَطَف الوادي. ((حَلْ حَلْ)): كلمة تقَالَ للناقة إذا تركت السير . ((فَأَلَّتْ)) أي: تَادَتْ على عدم القيام وهو من الإلحاح . ((خَلَأَّتِ القَصْوَاء)): الخَلَاء للإبل كالحِران للخيل، والقصواء: اسم ناقة رسول الله وَّد . (حَبَسَها حابِسُ الفِيْل)) أي: حبسها اللهُ عَزَّ وجَلَّ عن دخول مكة كما حبس فيل أَبْرَهَةَ عن دخولها . ((خُطّةٍ)): خَصْلَة. ((أَمَدِ)) : حفيرة فيها ماء مَتمُود أي : قليل . (يَتَبَرَّضُهُ)): هو الأخذ قليلاً قليلاً. (يُلَبَّنْهُ)) : يتركوه يَلبَث أي : يقيم. ((نَزَحُوْهُ)): اسْتَقَوا جميع ماءه. ((كِنَانَتِهِ)) : جُعْبَتِهِ وهي الجراب الذي توضع فيه السهام. ((يَجِيْش)): يفور. ((صَدَرُوا عنه)): رجعوا رِوَاءً بعد وِرْدِهِم. ((عَيْبَة نُصْح)): العَيْبَة: ما توضع فيه الثياب لحفظها، أي: أنهم موضع النُّصح له والأمانة على سره. (تِهَامَة)) : مكة وما حولها ، وأصلها من التَّهَم وهو شدة الحر وركود الريح. ((أَعْدَاد)) : جمع عِدّ وهو الماء الذي لا انقطاع له . ((الْعُوْذُ الَطَافِيْلُ)): جمع عائِذ وهي الناقة ذات اللبن، والْمَطَافِيْلُ: الأمَّهات اللائي معها أطفالها. (نَهَكَتْهُم)): أضعفتهم. ((ما دَدْتُهُم)) : جعلتُ بيني وبينهم مدة بترك الحرب بيننا وبينهم فيها . (جَمّو))ا: استراحوا . (تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي)»: السَّالِفَة : صفحة العُنُق وتنفرد يعني تنفصل ، والمراد الموت. ((وَلَيُنْفِذَنَّ)) أي : لَيُمْضِيَنَّ. ((اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظ)): دَعَوتُهم إلى نصركم ، وعُكَاظ : موضع بقرب مكة كان به سوق عظيم . (بَلَّحُوا)): امتنعوا . (خُطَّة رُشْد)): خَصْلة خير وصلاح وإنصاف. ((اجْتَاحَ أَهْلَهُ)) : أهلكهم بالكُلِّية واستأصلهم أي : اقتلعهم من أصلهم. ٧١ ((أَشْوَاب)): أَخْلاط من أنواع شتى، والأَّوْباش: الأخلاط من السَّفَلة. ((خَلِيْقاً)): حقيقاً وجَدِيراً. ((امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ)): البَظْر: قطعة تبقي بعد الختان في فرج المرأة ، واللات اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها ، وكانت عادة العرب الشتم بذلك لكن بلفظ الأم ، فأراد أبوبكر المبالغة في سب عروة بإقامة من كان يُعْبَدُ مقام أُمِّه . (لَوْلا يَدُ) أي: نِعمة. ((لَمْ أَجْزَِكَ بها)»: لم أُكافئك بها . (المِغْفَر)): ما يُجعل على الرأس من الزَّرد مثل القَلَنْسَوة. ((بِنَعْلِ السَّيف)) : هو ما يكون أسفل القِراب من فضة أو غيرها . (غُدَر)) : معدول عن غادِر مبالغة في وصفه بالغدر . ((أَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟)) أي: أَلَسْتُ أَسْعَى في دفع شَرِّ غدرتك (يَرْمُقُ)): يَلْحَظُ . ((الْبُدْن)): الإبل . ((قُلِّدَتْ)): عُلِّقَتْ في أعناقها القَلائِد. ((أُشْعِرَتْ)) : إشعار البُدْن هو أن يُشَقَّ أحد جنبتي السِّنام حتى يسيل الدم ويُجعل ذلك علامة لها يعرف بها أنها هَذْي، وكذلك القَلائد . ((ضُغْطَةً)) : قَهْراً. ((يَرْسُفُ)): يمشي مشياً بطيئاً بسبب القيود . (بِغَرْزِهِ)): الغَرْزُ للإبل بمنزلة الركب للفرس والمراد به التمسك بأمره وترك مخالفته. ((فَعَمِلْتُ لذلك أعمالاً)) أي: أعمالاً صالحة ليكفِّر الله عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداءً . (بِعِصَمِ الكَوَافِرِ)): جمع عِصْمَة وهي عُقْدَة النّكاح، والكَوَافِر: النساء الكافرات. ((فَضَرَبَهُ حتى بَرَدَ)) أي: خَدَتْ حواسُّه (ذُعْراً)): خوفاً. (وَيْلُ أُمِّهِ)): كلمة ذَمِّ تقولها العرب في المدح. (مِسْعَرَ حربٍ)) أي: يُسْعِرُها يعني: يُشعِلُها (سِيْفَ البحر)): ساحله. ((عِصابة)): جماعة. (الحَمِيَّة)): الأَنَفَة والغضب. من فوائد الحديث : ١ - أن ذا الحليفة ميقات أهل المدينة للحاج والمعتمر . ٢- وأن سَوق الهدي سُنَّة للحاج والمعتمر إلا أن الأفضل ترك سوقه في الحج لأن النَّبِيّ ◌َّ في حجة الوداع تمنى أنه لم يكن ساق الهدي حتى يحل ويجعلها عمرة . ٣- وأن تقليد الهدي وإشعاره سنة وأن الإشعار سنة وليس مُثْلَة . ٤ - وأن الحلق أفضل من التقصير . ٥- وأن المحصر ينحر هديه حيث أحصر ولو لم يصل إلى الحرم. ٦ - الاستتار عن طلائع العدو ومفاجأتهم بالجيش لطلب غفلتهم. ٧٢ ٧ - جواز التنكب عن الطريق السهل إلى الطريق الوعر لدفع المفسدة وتحصيل المصلحة. ٨- استحباب تقديم الطلائع والعيون بين يدي الجيش . ٩ - الأخذ بالحزم في أمر العدو لئلا ينالوا غِرَّة المسلمين . ١٠ - جواز الخداع في الحرب . ١١ - فضل الاستشارة لاستخراج وجه الرأي. ١٢ - وأن التابع لا يليق به الاعتراض على المتبوع بمجرد ما يظهر في الحال ، بل عليه التسليم، لأن المتبوع أعرف بمآل الأمور غالباً بكثرة التجربة ، ولاسيما من هو مؤيد بالوحي. ١٣ - وفيه أن أبابكر الصديق كان أكمل الصحابة وأعرفهم بأحوال رسول الله وَ له وأعلمهم بأمور الدين وأشدهم موافقة لأمر الله وأمر رسوله. ١٤ - وفيه أن كثيراً من المشركين كانوا يعظمون الإحرام والحرم تمسكا ببقاياً من دين إبراهيم عليه السلام. ١٥- وفيه ما كان عليه الصحابة من المبالغة في تعظيم النَّبِيّ ◌َلّ وتوقيره ومراعاة أموره، وردع من جفا عليه بقول أو فعل ، والتبرك بآثاره . ١٦ - وأنه لا يحل أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدراً. ١٧ - وفيه معجزة للنبي وَّ إِذ فار الماء من سهمه وَله فروي كل الجيش. ١٨ - وأن الأصل في الأمر أنه على الوجوب والفور، ولذلك لما توقف الصحابة في امتثال أمره ◌َ له بالنحر والحلق ظهر منه إنكار ذلك . ١٩ - جواز مشاورة المرأة والأخذ بإشارتها . ٢٠ - فضل أم سلمة رضي الله عنها ووفور عقلها . حديث المسيح الدجال ٣٣ - عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَضِلَّهُ عَنْهُ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا فَقَالَ: ((مَا شَأَنْكُمْ؟)) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّلَ غَدَاةً فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَقَالَ: ((غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَقُنِي عَلَيْكُمْ ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيَكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِئَةٌ، كَأَنِيّ أُشَبَّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأُ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُوْرَةِ الْكَهْفِ. إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةَ بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا)). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا لَبْتُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: (( أَرْبَعُونَ يَوْمًا ، يَوْمُ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، ٧٣ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ)). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمِ؟ قَالَ: (لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ)). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: ((كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَرُونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحُونَ تُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا ◌ُمْتَلِمَا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَيْنِ، رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَّ رَأْسَهُ قَطَرَ وَ إِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُقٍ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّ مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ. فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابٍ لُدٌّ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمْ اللّهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُّ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُخَيْرَةِ طَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَهُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ. وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمْ الْيَوْمَ ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلى اللهِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِئْرٍ إِلَّ مَلَّهُ زَهُمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًّا لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزََّفَةِ، ثُمَّ يُقَالَ لِلْأَرْضِ: أَنْبِي ثَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ. فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنْ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ، حَتَّى أَنَّ اللَّقْحَةَ مِنْ الْإِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنْ النَّاسِ، وَاللَّقْحَةَ مِنْ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنْ النَّاسِ، وَاللَّقْحَةَ مِنْ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنْ النَّاسِ . فَبَيْنَهَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيَِّةً، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ، يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ)). رواه مسلم ٢٩٣٧. شرح الغريب : ((فَخَفَّضَ فيه ورَفَّعَ)): قَلَّلَ من شأنه ورفع. ((طائِفَة النَّخْل)» : ناحيته وجانبه. ((حَجِيْجُهُ)): المُحاجِج ، وهو المجادل والمخاصِم الذي يطلب الحُجَّة وهي الدليل. ((شابٌّ قَطَط)): أي شديد جُعُودة الشعر. (طافِئَة)) أي : ناتئة بارزة. ٧٤ ((خارجُ خَلًَّ)) أي: أنه يخرج قصداً وطريقاً بين الجهتين ، والتَّخلُّل: الدخول في الشيء. ((فَعَاثَ)): العَيْثُ: أشد الفساد. ((لَبْتُهُ)): مُكْنُّهُ. ((اقْدُرُوا له)) أي : اقدروا قدر يوم من أيامكم المعهودة، وصلُّوا فيه، كل يوم بقدر ساعاته. ((سارِحَتُهم)): ماشِيَتُهم، لأنها تسرح إلى المرعى. ((ذُرًا)) : أعالي الأسنمة ، جمع ذروة. ((أَسْبَغَهُ ضُرُوعاً)) : أكمله لكثرة ما فيها من لبن . ((أَمَدَّهُ خَوَاصِرَ)). لكثرة امتلائها من الشبع، جمع خاصِرة. (ُمْحِلِيْنَ)» : مُجْدِبَةٌ أَرْضُهم. ((الْخَرِبَة)): الموضع الخراب. ((كَيَعَاسِيْبِ النَّحْلِ)»: ذكور النحل . (جَزْلَتَيْنِ)): قطعتين، الواحدة جَزْلَة. ((َرَمْيَةَ الغَرَضِ)) أي: كرمية النَّشَّاب إلى الهدف. ((بين مَهْرُ وْدَتَيْنِ)): المُهْرود هو الثوب المصبوغ بالهُرْد وهو صبغ أصفر . ((ُمَان)): جمع جُمانة وهي كاللؤلؤ. (لُّ)): قرية بفلسطين. ((فَحَرِّزْ)) أي: احْفَظ واجعلهم في الحِرْز. ((حَدَب)): الأَّكَمَة والمرتفع من الأرض. ((يَنْسِلُونَ)): يُسْرِعُونَ)). ((يُحْصَر)) : يُحْبَس. (النَّغَف)): دود يكون في أنوف الإبل والغنم، واحدها : نَغَفَة . ((فَرْسَي)»: جمع فَرِيس وهو القتيل ((زَهُمُهُم)): رائحة لحمهم المنتِنة. ((الْبُخْت)): الإبل ذات السِّنامَيْن. ((يَكُنُّ)) : یستتر. ((بَيْتِ مَدَر)): بيت طين. (بيت وَبَر)) : بيت من صوف الإبل . ((كالزََّفَة)): كالمرآة لنظافتها واستوائها. ((العِصابة)): الجماعة. ((الفَخِذ من الناس)): دون القبيلة. (يَتَهَارَجُونَ)): التَّهارُج: الاختلاف والاختلاط ، وتهارج الحُمُر أي: يُجامع الرجال النساء علانيةً بحضرة الناس کما تفعل الحمیر ولا یکترثون لذلك . من فوائد الحديث : ١- فضل سورة الكهف ، وأن قراءة الآيات الأول منها عصمة من فتنة المسيح الدجال ، وهي الآيات العشر الأول کما ثبت في صحيح مسلم . ٢- فضل الشام ودمشق وما حولها خاصة إذ ينزل المسيح ابن مريم هناك. ٣- حرص الصحابة على أداء الفرائض حتي وقوع الفتن العظيمة، فقد سألوا رسول الله وَل عن عدد صلواتهم في اليوم الذي كسنة من أيام ظهور الدجال. حدیث الجساسة ٣٤- عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا قَالَتْ: نَكَحْتُ ابْنَ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ مِنْ خِيَارِ شَبَابٍ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ، فَأُصِيبَ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ. فَلَمَّا تَأَمْتُ خَطَبَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي نَفَرٍ مِنْ ٧٥ أَصْحَابٍ ◌َّهِ، وَخَطَبَنِي رَسُولُ اللّهِ وَه عَلَى مَوْلَاهُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَكُنْتُ قَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه قَالَ: ((مَنْ أَحَبَِّي فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ)). فَمَّا كَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، قُلْتُ: أَمْرِي بِيَدَِكَ فَأَنْكِحْنِي مَنْ شيءتَ، فَقَالَ: (( انْتَقِي إِلَى أُمِّ شَرِيكِ)) . - وَأُمُّ شَرِيكِ امْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضِّيفَانُ - . فَقُلْتُ: سَأَفْعَلُ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلِي إِنَّ أُمَّ شَرِيكِ امْرَأَةٌ كَثِيرَةُ الصِّيفَانِ، فَإِنِّ أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارُكِ أَوْ يَنْكَشِفَ الثَّوْبُ عَنْ سَاقَيْكِ فَيَرَى الْقَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ مَا تَكْرَهِينَ، وَلَكِنْ انْتَقِلِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ أُمِّ مَكْثُومٍ)) . - وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ فِهْرِ قُرَيْشٍ وَهُوَ مِنْ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ. فَانْتَقَلْتُ إِلَيْهِ . فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي، سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي، مُنَادِي رَسُولِ اللّهِ وَله يُنَادِي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِ فَكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِي ◌َلِيِ ظُهُورَ الْقَوْمِ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَ صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ: ((لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّهُ)) ثُمَّ قَالَ: (أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟)) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ: ((إِنِّيّ وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لِأَنَّ تَمِيمَا الدَّارِيّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَالِ. حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ، فَلَعِبَ بِهِمْ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَرْفَتُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبْ السَّفِينَةِ فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ. قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: أَيُّهَا الْقَوْمُ انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ. قَالَ: لَّ سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً . قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟، قَالَ: قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنْ الْعَرَبِ رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا ثُمَّ أَرْفَأْنَا إِلَى جَزِ يرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ. قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: اعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ. فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا وَفَزِعْنَا مِنْهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً . فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ. قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ ؟ قَالَ: أَسْأَلْكُمْ عَنْ نَخْلِهَا هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ. قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ بُخَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ. قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالَوا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ. قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ. قَالَ: أَخْبِرُوِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ. قَالَوا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ ؟ قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا. قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِّ الْأُمَِّينَ مَا ٧٦ فَعَلَ؟ قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ. قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنْ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ. قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَالَكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي ◌ُخْبِكُمْ عَنِّي، إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنَّ أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ فَسِيرَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا أَدَعَ قَرْيَةً إِلَّ هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، فَهُمَا ◌ُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْتَقْبَنِي مَلَكُ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْنَا يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله وَطَعَنَ بِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ:((هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ - يَعْنِي الْمَدِينَةَ - أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟- فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ - فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ وَعَنْ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلاَ إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّْمِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا، بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ)) وَأَوْمَاً بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ. قَالَتْ: فَحَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ . رواه مسلم ٢٩٤٢. شرح الغريب: (تَأَمَتْ)): المرأة إذا مات زوجها أو فارقها. ((لَخْم وجُذَامٍ)»: قبيلتان من قبائل العرب. ((أَرْفَتُوا)) : أَرْفَأَت السفينة قربت إلى الشَّطِّ ودَنَت من البَرِّ، وذلك الموضع مرفاً. (أَقْرُب)) : جمع قارِب وهو سفينة صغيرة تكون إلى جانب السفن البحرية يستعجلون بها حوائجهم من البر، وتكون معهم خوفاً من غرق السفينة الكبيرة. ((دابَّةٌ أَهْلَبُ)): الأَهْلَب : الغليظ الشعر الخشن. ((الَجَسَّاسَة)): فَعَّالة، من التجسس وهو الفحص عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقَالَ ذلك في الشر. ((الدَّيْر)): خان النصارى . «فَرِقْنا»: خِفُنا . ((اغْتَلَمَ)): البحر إذا اضطربت أمواجه وهاجت. ((اعْمِدُوا)) : اقصدوا . (بَيْسَان): موضع باليمامة. (زُغَر)): قرية بالشام.(صَلْتاً): مسلولا (نَقْب)): طريق في الجبل. ((بِخْصَرَتِهِ)) أي : بعصاه أو بقضيبه . من فوائد الحديث : ١- صحة توكيل المرأة الثيب لمن ينكحها بمن شاء. ٢ - وأن المرأة تستضيف الرجال في بيتها بشرط عدم الخلوة والاختلاط . ٣- وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر، فهذه القصة يرويها النَّبِيّ ◌َّ عن الصحابي تميم الداري . ٤- جواز الضحك على المنبر بين يدي الخطبة . ٥- قبول رواية المسلم ، ولو روی شیئاً سمعه أو شاهده في حال کفره ثم أداه بعد إسلامه. ٧٧ ٦- وأن السُّنَّة أن يكون كل إنسان في مصلاه في حال الخطبة ولا ينتقلون ولا يتحلقون حول الخطيب. ٧- فرح العالم بما يوافق ما عنده من الحق من برهان حسي أو معنوي. ٨- جواز حمل الخطيب بيده عصا ونحوها والإشارة بها . ٩- فضل مكة والمدينة ، إذ لا يستطيع المسيح الدجال دخولهما ، والملائكة تحرسهما . حديث ابن صياد ٣٥- عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ فِ رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ ◌ََّ مَعَ النَّبِيّ ◌ََّ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمُ بَنِى مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ يَوْمَئِذِ ابْنُ صَيَّادِ يَحْتَلِمُ . فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيّ ◌ََّ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيّ ◌َةِ: (أَتَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ؟)). فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمَِّينَ. فَقَالَ ابْنُ صَيَّادِ لِلنَِّّوَِّ: أَتَشْهَدُ أَنِى رَسُولُ اللَّهِ؟. قَالَ لَهُ النَّبِيّ ◌َِّ: (( آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)). قَالَ النَّبِيّ ◌َ: ((مَاذَا تَرَى؟)). قَالَ ابْنُ صَيَّادِ: يَأْتِيْنِى صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. قَالَ النَّبِيّ ◌َّ: ((خُلِطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ)). قَالَ النَِّيّ ◌َ: (( إِنَّ قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِنًا [وخَبَّأْ لَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِيِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِيْنٍ﴾])». قَالَ ابْنُ صَيَّارٍ: هُوَ الدُّخُّ .. قَالَ النَّبِيّ ◌َةِ: ((اخْسَأُ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ)). قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اْذَنْ لِ فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ النَّبِيّ ◌َّهِ: ((إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلا خَيْرَ لَكَ فِى قَتْلِهِ)). وَقَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ و ◌َلِهِ وَأَبِىُّ بْنُ كَعْبِ الأَنْصَارِىُّ إِلَى النَّخْلِ الَّتِى فِيهَا ابْنُ صَيَّدٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ النَّخْلَ طَفِقَ يَتَّقِى بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادِ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ، فَرَآهُ رَسُولُ اللّهِ وَ له وَهُوَ مُضْطَجِعُ عَلَى فِرَاشِ فِى قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا زَمْزَمَةٌ. فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّدٍ رَسُولَ وَّه وَهُوَ يَتَّقِى بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لِإِبْنِ صَيَّادٍ: يَا صَافِ - وَهُوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ - هَذَا تُحَمَّدٌ. فَارَ ابْنُ صَيَّدٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَه: (( لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ)). قَالَ سَالِمٌ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِوَه فِ النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: ((إِنِّى لأُنْذِرُكُمُوهُ ، مَا مِنْ نَبِّ إِلَّ وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ ، وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِىٌّ لِقَوْمِهِ: تَعَلَّمُوا أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ)). رواه البخاري٣٠٥٥ ومسلم ٢٩٣٠. والزيادة بين المعقوفین لأبي داود ٤٣٢٩ والترمزي ٢٢٥٠. شرح الغريب: ((أُطُم)): بناء مرتفع. ((اخْسَأُ)): خَسَأْتُ الكلب إذا طردته.(يَخْتِلُ)»: يُخادِعِ ويُراوغ. ((زَمْزَمَة أو رَمْرَمة)) : هي حركة الشفتين بالكلام. ٧٨ من فوائد الحديث : ١- اهتمام الإمام بالأمور التي يخشى منها الفساد والتنقيب عنها . ٢ - إظهار كذب مدعي الباطل وامتحانه بما يكشف حاله. حديث الشفاعة ٣٦- عَنْ أَبِ هُرَيْرَةَ رَضَّنَّهُ قَالَ: أُنِىَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بِلَحْمٍ، فَرُفعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً ثُمَّ قَالَ: (( أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يُجْمَعُ النَّاسُ الأَوَلِينَ وَالآخِرِينَ فِ صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِىِ، وَيَنْفُذُّهُمُ الْبَصَرُ ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لاَ يُطِيقُونَ وَلاَ يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلاَ تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلاَ تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟. فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ ، فَأْتُونَ آدَمَ عليه السلام فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَك، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِى عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرَّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَقَدْ سَمََّكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَقُولُ: إِنَّ رَبِّ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِ دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِى، نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ، فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ ، أَنْتَ نَبِىُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّى قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِ الْحَدِيثِ. نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ عَلَى النَّاسِ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنِّى قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا ، نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى، فَيَأْتُّونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِ الْمَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ - وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا - نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى، اذْهَبُوا إِلَى تُحَمَّدٍ ، فَيَأْتُونَ تُحَمَّدًا وَ فَيَقُولُونَ: يَا تُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟. فَأَنْطَلِقُ فَآَتِى تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَىَّ مِنْ تَحَامِدِهِ ٧٩ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شيئاً لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِ، ثُمَّ يُقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِى ، فَأَقُولُ: أُمَّتِى يَا رَبِّ، أُمَّتِى يَا رَبِّ. فَيُقَالَ: يَا نُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَّمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكََّ وَبُصْرَى)) . رواه البخاري ٤٧١٢ ومسلم ١٩٤ . شرح الغريب: ((فَنَهَسَ منها نَهْسَةً)) : النَّهس هو أكل اللحم بأطراف الأسنان . ((يُسْمِعُهم الدَّاعِي)) : صوت الداعي يبلغهم جميعاً. ((ويَنْفُذُّهم الْبَصَر)): أي يبلغهم البصر جميعاً لا يحجبه منهم شيء. (المِصْراعَيْنِ)): بابان منصوبان ينضمان جميعاً مدخلهما في الوسط منهما . هَجَر)» : بلد معروف من ناحية البحرين . (بُصْرَى)) : بلد معروف بالشام وقيل هي مدينة حَوْران. من فوائد الحديث : ١ - أن من طلب من كبير أمرًا مُهِمّاً ، أن يقدم بين يدي سؤاله وصف المسئول بأحسن صفاته وأشرف مزاياه ليكون ذلك أدعى لإجابته لسؤاله . ٢ - وأن المسئول إذا لم يقدر على تحصيل ما سئل يعتذر بما يقبل منه. ٣- وأن النَّبِيّ ◌َّ سيد الناس وأفضل البشر. ٤- وفيه شدة خوف الأنبياء من الله تعالى ، مع أن الله قد غفر لمن وقع منه ما وقع ، فكان خوفهم بالامتناع من الشفاعة بين يدي الله، وكان خوف نبينا محمد ◌َّيه بالتذلل والتضرع إلى الله تعالى. ٥- وأن نوحاً عليه السلام أول رسول إلى أهل الأرض بعد ظهور الكفر ، وإنما كان آدم رسول إلى بنيه وكانوا على التوحيد، وإنما يبين لهم الشرائع ، ولم يثبت أن إدريس كان قبل نوح. ٦- وفيه إجابة الدعوة ، وأكل ما يستطاب، وتقديم الموعظة بحضرة الطعام والأكل . ٧- وفيه فضل أمة محمد وَل على سائر الأمم. حدیث إسلام أبي ذر الغفاري ٣٧- عن أَبِي ذَرِّ الغِفَارِيِّ رَضِ لَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمِّنَا، فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا فَأَكْرَمَنَا خَالْنَا وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسُ . فَجَاءَ خَالُنَا فَتَنَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ فَقُلْتُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ ٨٠ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيهَا بَعْدُ، فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا، وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ فَجَعَلَ يَبْکی. يـ ـي فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةٍ مَكَّةَ، فَنَافَرَ أُنَيْسُ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَتَيَا الْكَاهِنَ فَخَيَّرَ أُنَيْسًا، فَأَتَانَا أُنَيْسُ بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا. قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ بَلَ بِثَلَاثِ سِنِينَ، قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ. قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُنْقِيتُ كَأَنَّ خِفَاءٌ، حَتَّى تَعْلُوَنِ الشَّمْسُ. فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةَ بِكَّةَ فَاكْفِي. فَانْطَلَقَ أُنَيْسُ حَتَّى أَنَى مَكَّةَ فَرَاثَ عَلَيَّ، ثُمَّ جَاءَ فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِكَّةَ عَلَى دِينِكَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ. قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ شَاعِرٌ كَاهِنٌ سَاحِرٌ. وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ، قَالَ أُنَيْسُ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ، فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. قَالَ: قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ . قَالَ: فَأَتَيْثُ مَكَّةَ، فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَقَالَ: الصَّابِيِّ! فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلِّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ، حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ. قَالَ: فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ كَأَنِّ نُصُبٌ أَحْمَرُ. قَالَ: فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ، مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّ مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ مُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ. قَالَ: فَبَيْنَا أَهْلِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إِضْحِيَانَ، إِذْ ضُرِبَ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ، فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ. قَالَ: فَأَتَنَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الْأُخْرَى. قَالَ: فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا. قَالَ: فَتَتَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: هَنٌّ مِثْلُ الْخَشَبَةِ، غَيْرَ أَنِّ لَا أَكْنِي. فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ وَتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا؟ قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا هَا بِطَانِ. قَالَ: ((مَا لَكُمَا؟» قَالَتَا: الصَّابِىُّ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا! قَالَ: ((مَا قَالَ لَكُمَا؟)) قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلَأُ الْفَمَ . وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: ( وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ)) ثُمَّ قَالَ: (مَنْ أَنْتَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ. قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَرِهَ أَنْ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ، فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّيَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: (( مَتَّى كُنْتَ هَاهُنَا؟)) قَالَ: قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ. قَالَ: ((فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّ مَاءُ زَهْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ. قَالَ: ((إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُّعْمٍ)) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اثْذَنْ لِ فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ. فَانْطَقَ ٨١