Indexed OCR Text
Pages 541-560
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٤١ علو الهمة في التوبة وقال: (لو قُضى شيء لكان))، فصلوات الله وسلامه عليه))(١). ومن علو الهمّة في التوبة: عِلمُك وعملك بأسرارها: ■ قال شيخ الإسلام الهروي: ((وسرائرٌ حقيقة التوبة ثلاثةُ أشياء: تمييز التَّقِيَّة مِن العِزَّة، ونسيانُ الجناية، والتوبةٌ من التوبة؛ لأن التائب داخل في ((الجميع)) من قوله تعالى: ﴿ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ [النور]، فأمر التائب بالتوبة))(٢). ٣١ تُفْلِحُونَ تمييز التقية من العِزّة من علو الهمة: (تمييزُ التقية من العزة: أن يكون المقصودُ من التوبة تقوى الله، وهو خوفُه وخشيته، والقيامُ بأمره، واجتنابُ نهيه، فيعملُ بطاعة الله على نور من الله، يرجو ثواب الله، ويتركُ معصية الله على نورٍ من الله، يخافُ عقاب الله، لا يريدُ بذلك عزَّ الطاعة؛ فإن للطاعة وللتوبة عزَّا ظاهرًا وباطنًا، فلا يكونُ مقصودُه العزة، وإن علم أنها تحصلُ له بالطاعة والتوبة، فمَن تاب لأجل العزة فتوبتُه مدخولة. وفي بعض الآثار: ((أوحى اللهُ تعالى إلى نبيٍّ من الأنبياء: قلْ لفلان الزاهد: أما زهدُك في الدنيا: فقد تَعَجَّلتَ به الراحة. وأما انقطاعُك إليَّ: فقد اكتسبت به العزّة، ولكن ما عملت فيما لي عليك؟ قال: يا رب، وما لك عليَّ بعد هذا؟ قال: هل واليتَ فيَّ وليًّا، أو عاديتَ فيَّ عدوًّا؟)). يعني أن الراحةَ والعزَّ حظّك، وقد نِلتهما بالزهد والعبادة، ولكن أين القيامُ بحقي، وهو الموالاة والمعاداة فيَّ؟ (١) المصدر السابق (ص١/ ١٩٦ - ١٩٧). (٢) المصدر السابق (٢٠١/١). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٤٢ صلاح الأمة في علو الهمة فالشأنُ في التفريق في الأوامر بين حظَّك وحقٌّ ربك علمًا وحالًا. وكثيرٌ من الصادقين قد يلتبسُ عليهم حالُ نفوسهم في ذلك، ولا يميّزُه إلَّا أولو البصائر منهم، وهم في الصادقين كالصادقين في الناس))(١). ومن علو الهمة: وَعي التائب بالمسائل المتعلقة بالتوبة وفيها تفصيل، ومنها : أ- نسيانُ الجناية: ■قال عكرمة: ((كل حُزن يبلَى إلَّا حُزن التائب))(٢). ■ قال ابن القيم زَمّهُ: ((وأما نسيانُ الجناية: فهذا موضعُ تفصيل، فقد اختلف فيه أرباب الطريق. فمنهم: مَن رأى الاشتغالَ عن ذِكر الذنب والإعراض عنه صفحًا. فصفاءُ الوقت مع الله تعالى أولى بالتائب وأنفع له. ولهذا قيل: ((ذِكرُ الجفا في وقت الصفا جفا». ومنهم: مَن رأى أن الأولى ألَّا ينسى ذنبه، بل لا يزالُ جاعلًا له نُصب عينيه يلاحظُه كل وقت، فيُحْدِثُ له ذلك انكسارًا وذلًا وخضوعًا، أنفعَ له من جمعیته وصفاء وقته. قالوا: ولهذا نقشَ داودُ الخطيئة في كَفِّه، وكان ينظر إليها ويبكي. قالوا: ومتى تُهْتَ عن الطريق فارجع إلى ذنبك تجد الطريق. ومعنى ذلك: أنك إذا رجعتَ إلى ذنبك انكسرتَ وذَلَلت، وأطرقتَ بين يدي الله وَّ، خاشعًا ذليلًا خائفًا، وهذه طريق العبودية. (١) ((مدارج السالكين)) (١/ ٢٠١). (٢) ((حلية الأولياء)) (١٠١/٨). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com علو الهمة في التوبة ٥٤٣ والصوابُ: التفصيل في هذه المسألة. وهو أن يقال: إذا أحسَّ العبدُ من نفسه حالَ الصفاء غَيْمًا من الدعوى، ورقيقةً من العُجب ونسيانِ المنَّةَ، وخَطَفَتْه نفسه عن حقيقة فقره ونقصه، فذِكْرُ الذنب أنفعُ له، وإن كان في حال مشاهدته مِنَّة الله علیه، وكمالِ افتقاره إلیه، وفَنائه به، وعدم استغنائه عنه في ذرةٍ من ذراته، وقد خالط قلبَه حالُ المحبة، والفرح بالله، والآنس به، والشوقُ إلى لقائه، وشهودُ سَعَةِ رحمته وحلمه وعفوه، وقد أشرقتْ على قلبه أنوارُ الأسماء والصفات، فنسيانُ الجناية والإعراضُ عن الذنب: أولى به وأنفع؛ فإنه متى رجع إلى ذِكر الجناية توارى عنه ذلك. ونزل من عُلُوٍ إلى أسفل، ومِن حالٍ إلى حال، بينهما من التفاوت أبعدُ مما بين السماء والأرض. وهذا من حسدِ الشيطان له، أراد أن يحطّه عن مقامه، وسَيْرٍ قلبه في ميادين المعرفة والمحبة والشوق: إلى وحشة الإساءة، وحصر الجناية. والأول يكون شهودُه لجنايته مِنَّةً من الله منَّ بها عليه، ليؤمِّنه بها من مقت الدعوى، وحجاب الكبر الخفي الذي لا يشعرُ به، فهذا لونٌ وهذا لون. وُ وهذا المحلّ فيه أمرٌ وراءَ العبارة، وبالله التوفيق، وهو المستعان))(١). ب- التوبة من التوبة (استغفارنا يحتاج إلى استغفار): ■ قال ابن القيم وَمّثهُ: ((وأما التوبةٌ من التوبة: فهي من المجمَلات التي يُرادُ بها حقّ وباطل، ويكونُ مرادُ المتكلم بها حقّاً، فيطلقُه من غير تمييز. فإن التوبةَ من أعظم الحسنات، والتوبةٌ من الحسنات من أعظم السيئات وأقبح الجنايات، بل هي كفر، إن أخذت على ظاهرها، ولا فرق بين التوبة من التوبة، والتوبة من الإسلام والإيمان، فهل يسوعُ أن يقال (١) ((مدارج السالكين)) (٢٠٢/١ - ٢٠٣). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٤٤ صلاح الأمة في علو الهمة بالتوبة من الإيمان؟. ولكنَّ مرادَهم: أن يتوبَ من رؤية التوبة، فإنها إنما حَصَلت له بمنةِ الله ومشيئته، ولو خُلِّي ونفسه لم تسمح بها ألبتة، فإذا رآها وشهد صدورها منه ووقوعها به. وغفل عن مِنَّة الله عليه: تاب من هذه الرؤية والغفلة، ولكنَّ هذه الرؤيةَ والغفلةَ ليست هي التوبة، ولا جزءً منها، ولا شرطًا لها، بل هي جنایةٌ أخری عرضت له بعد التوبة، فیتوبُ من هذه الجنایة، کما تاب من الجناية الأولى. فما تاب إلَّا من ذنب، أولًا وآخرًا. فكيف يقال: يتوب من التوبة؟. هذا کلامٌ غيرُ معقول. ولا هو صحيحٌ في نفسه. بل قد يكونُ في التوبة علٌَّ ونقصٌ وآفةٌ تمنع کمالهما، وقد يشعرُ صاحبها بذلك، وقد لا يشعرُ به، فيتوبُ من نقصان التوبة، وعدم توفيتها حقَّها. وهذا أيضًا ليس من التوبة، وإنما هو توبةٌ من عدم التوبة، فإن القَدْر الموجودَ منها طاعةٌ لا يُتابُ منها، والقدْرُ المفقود: هو الذي يحتاجُ أن يتوب منه. فالتوبةُ من التوبة إنما تُعقل على أحد هذين الوجهين. نعم، هاهنا وجهٌ ثالثٌ لطيفٌ جدًّا، وهو أنَّ من حَصَل له مقامُ أُنْسٍ بالله، وصَفَى وقتُه مع الله، بحيث يكونُ إقبالُه على الله، واشتغالُه بذكر آلائه وأسمائه وصفاته أنفعَ شيءٍ له، حتى نزل عن هذه الحالة، واشتغل بالتوبة من جنايةٍ سالفة قد تاب منها، وطالَع الجناية، واشتغل بها عن الله، فهذا نقصٌّ ينبغي له أن يتوبَ إلى الله منه، وهو توبةٌ من هذه التوبة؛ لأنه تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٤٥ علو الهمة في التوبة نزولٌ من الصَّفاء إلى الجفاء. والله أعلم)) (١). التائب عالي الهمّة ورؤيته لمشهد الأسماء والصفات: لماذا خلى الله بينه وبين الذنب؟ : ] قال شيخ الإسلام الهروي صاحب المنازل: ((إن الله وَّ إنما خَلَّى العبد والذنب لأجل معنیین: أحدهما: أن يعرف عِزَّته في قضائه، وبِرَّه في سِتره، وحِلمَه في إمهال راکبه، و کرمه في قبول العذر منه، وفضله في مغفرته. والثاني: أن يُقيم على عبده حجةَ عدْله، فيعاقبَه على ذنبه بحجّته)(٢). حين ينظرُ العبدُ إلى تمكين الله له من المعصية، وتخليته بينه وبينها، وتقديرِها عليه، وأنه لو شاء لعصمه منها. فيُحدثُ له ذلك أنواعًا من المعرفةِ بالله وأسمائه وصفاته، وحكمتِهِ، ورحمته، ومغفرتِه وعفوه، وحلمِه وكرمِه. وتوجب له هذه المعرفةُ عبوديةً بهذه الأسماء، لا تحصُلُ بدون لوازمها ألبتة. ويعلمُ ارتباطَ الخلق والأمر، والجزاءَ والوعد والوعيد بأسمائه وصفاته، وأن ذلك موجبُ الأسماء والصفات، وأثرُها في الوجود، وأن کل اسم وصفةٍ مقتضٍ لأثره وموجبه، متعلَّقُ به لابد منه. وهذا المشهد يُطْلِعه على رياضٍ مُونِقَة من المعارف والإيمان، وأسرارٍ القدَر والحكمة، يَضيقُ عن التعبير عنها نطاقُ الكَلِم: ■ فمن بعضها: ما ذكره الشيخ «أن يعرف العبدُ عزَّته في قضائه» وهو أنه سبحانه العزيزُ الذي يقضي بما يشاء، وأنه لكمالِ عزَّته حكَمَ على العبد (١) ((مدارج السالكين)) (٢٠٣/١ - ٢٠٤). (٢) ((مدارج السالكين)) (١/ ٢٠٤). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٤٦ صلاح الأمة في علو الهمة وقضَى عليه، بأن قَلِّب قلبه وصَرَّف إرادته على ما يشاء. وحال بين العبد وقلبه، وجعله مريدًا شائيًا لما شاء منه العزيزُ الحكيم، وهذا من كمال العزة، إذ لا يقدرُ على ذلك إلَّا الله. وغايةُ المخلوق: أن يتصرَّف في بدنك وظاهرك، وأما جعلُك مريدًا شائيًا لما يشاؤه منك ويريده: فلا يقدرُ عليه إلَّا ذو العَزَّة الباهرة. فإذا عرف العبدُ عَزَّ سیده ولاحظه بقلبه، وتمكّن شهودُه منه، كان الاشتغال به عن ذلِّ المعصية أولى به وأنفعَ له؛ لأنه يصيرُ مع الله لا مع نفسه. ■ ومن معرفة عزَّته في قضائه: أن يعرفَ أنه مدبّرٌ مقهور، ناصيتُه بيد غيره، لا عصمةً له إلَّا بعصمته، ولا توفيقَ له إلَّا بمعونته، فهو ذليلٌ حقیر، في قبضة عزيز حمید. ■ ومن شهود عزَّته أيضًا في قضائه: أن يشهدَ أن الكمالَ والحمد، والغَناءَ التام، والعزَّةَ كلَّها لله، وأن العبدَ نفسَه أولى بالتقصير والذم والعيبٍ والظلم والحاجة. وكلما ازداد شهودُه لذله ونقصه وعيبه وفقره، ازداد شهودُه لعزَّة الله وكماله، وحمدِه وغناه، وكذلك بالعكس، فنقصُ الذنب وذلَّتُه يطلعُه على مشهد العزة. ومنها: أن العبدَ لا يريدُ معصيةَ مولاه من حيث هي معصية، فإذا شَهِد جَرَيان الحُكم، وجعله فاعلًا لما هو غيرُ مختار له، مريدٍ بإرادته ومشيئته واختياره، فكأنه مختارٌ غيرُ مختار، مريدٌ غيرُ مريد، شاءٍ غير شاء، فهذا يَشهدُ عزَّةَ الله وعظمته، وكمال قدرته. ومنها: أن يعرف بِرَّه سبحانه في سِتره عليه حالَ ارتكاب المعصية، مع كمال رؤیته له، ولو شاء لفضحه بین خلقه فحذروه، وهذا من کمال برِّه، تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٠ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٤٧ علو الهمة في التوبة ومن أسمائه ((البَرُّ))، وهذا البِرُّ من سيده كان عن به كمال غناه عنه، وکمالٍ فقر العبد إليه. فيشتغلُ بمطالعة هذه المنة، ومشاهدةٍ هذا البر والإحسان والكرم، فيذهلُ عن ذِكر الخطيئة، فيبقى مع الله سبحانه، وذلك أنفعُ له من الاشتغال بجنايته، وشهودِ ذُلِّ معصيته، فإن الاشتغالَ بالله والغفلة عما سواه: هو المطلَبُ الأعلى، والمقصدُ الأسنى، ولا يوجبُ هذا نسيانَ الخطيئة مطلقًا، بل في هذه الحال، فإذا فَقَدها فليرجع إلى مطالعةِ الخطيئة، وذِكرِ الجناية، ولكل وقتٍ ومقام عبوديةٌ تليقُ به. ومنها: شهودُ حِلم الله سبحانه وتعالى في إمهالِ راکب الخطيئة، ولو شاء لعاجَله بالعقوبة، ولكنه الحليمُ الذي لا يَعْجَل، فيُحدِثُ له ذلك معرفةَ ربه سبحانه باسمه ((الحليم))، ومشاهدةَ صفة ((الحِلم))، والتعبدَ بهذا الاسم. والحكمةُ والمصلحة الحاصلة من ذلك بتوسط الذنب: أحبُّ إلى الله، وأصلح للعبد، وأنفعُ من فَوتها، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع. ومنها: معرفةُ العبد كرمَ ربِّه في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه بنحو ما تقدَّم من الاعتذار، لا بالقَدَر، فإنه مخاصمةٌ ومحاجة، كما تقدم. فيَقبلُ عُذْرَه بكرمه وجوده، فيوجبُ له ذلك اشتغالًا بذكره وشكره، ومحبةً أخرى لم تكن حاصلةً له قبل ذلك، فإن محبتك لمن شَكَرك على إحسانك وجازاك به، ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها: أضعافُ محبتك على شكر الإحسان وحده، والواقع شاهدٌ بذلك، فعبوديةُ التوبة بعد الذنب لونٌ، وهذا لونٌ آخر. ومنها: أن يَشهدَ فضلَه في مغفرته، فإن المغفرة فضل من الله وإلّا فلو أخذك بمحض حقه كان عادلًا محمودًا وإنما عفوه بفضله لا باستحقاقك، تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٠ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٤٨ صلاح الأمة في علو الهمة فيوجب لك ذلك أيضًا شكرًا له ومحبة، وإنابةً إليه، وفرحًا وابتهاجًا به، ومعرفة له باسمه ((الغفار)) ومشاهدة لهذه الصفة، وتعبدًا بمقتضاها، وذلك أكمل في العبودية، والمحبة والمعرفة. ومنها: أن يُكَمِّلَ لعبده مراتب الذل والخضوع والانكسار بين يديه، والافتقار إليه، فإن النفس فيها مضاهاةٌ للربوبية، ولو قَدرت لقالت كقول فرعون، ولكنه قدَر فأظهر، وَغَيْرُه عجز فأضمر، وإنما يُخُلِّصها من هذه المضاهاة ذل العبودية، وهو أربع مراتب: المرتبة الأولى: مشتركة بين الخلق، وهي ذلُّ الحاجة والفقرِ إلى الله، فأهل السموات والأرض جميعًا محتاجون إليه، فقراء إليه، وهو وحده الغني عنهم. وكل أهل السماوات والأرض يسألونه، وهو لا يسأل أحدًا. المرتبة الثانية: ذلُّ الطاعةِ، والعبودية. وهو ذلُّ الاختيار، وهذا خاصّ بأهل طاعته. وهو سرُّ العبودية. المرتبة الثالثة: ذلَّ المحبة، فإن المُحِبَّ ذليلٌ بالذات، وعلى قدْر محبته له يكون ذلَّه، فالمحبةُ أُسّست على الذِّلة للمحبوب، كما قيل: حُكم الهوى أنْف یُشَال ويعقد اخضَعْ وَذِلَّ لمن تحبُّ فليس في ■ وقال آخر: مساکینُ أهلُ الحب، حتی قبورهم عليها ترابُ الذل بين المقابر (١) المرتبة الرابعة: ذل المعصية والجناية. فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع: كان الذلُّ لله والخضوعُ له أكملَ (١) أذل لمن أهوى لاكسب عزة وكم عزة قد نالها المرء بالذل .. ذليلا له، فاقرى السلام على الوصل إذا کان من تھوی عزیزًا ولم تكن تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٤٩ علو الهمة في التوبة وأتم. إذ يَذِلَّ له خوفًا وخشية، ومحبةً وإنابةً، وطاعةً، وفقرًا وفاقة. وحقيقة ذلك: هو الفقرُ الذي يُشير إليه القوم. وهذا المعنى أجلُّ من أن يسمى بالفقر، بل هو لُبُّ العبودية وسرُّها، وحصوله أنفعُ شيءٍ للعبد، وأحبُّ شيءٍ إلى الله. فلابد من تقدير لوازمه: من أسباب الضعف، والحاجة، وأسباب العبودية والطاعة، وأسباب المحبة والإنابة، وأسباب المعصية والمخالفة، إذ وجودُ الملزوم بدون لازمه ممتنع، والغايةٌ من تقدير عدم هذا الملزوم ولازمه، مصلحةُ وجوده خيرٌ من مصلحة فَوْته، ومفسدةُ فوته أكبرُ من مفسدة وجوده، والحكمةُ مبناها على دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما. وقد فُتح لك الباب، فإن كنت من أهل المعرفة فادخل، وإلّا فردّ الباب وارجِعْ بسلام. ومنها: أن أسماءه الحسنى تقتصي آثارُها اقتضاءَ الأسباب التامة لمسبباتها، فاسم ((السميع، البصير)) يقتضي مسموعًا ومبصرًا، واسم ((الرزاق)) يقتضي مرزوقًا، واسم ((الرحيم)) يقتضي مرحومًا، وكذلك أسماء ((الغفور، والعفو، والتواب، والحليم)) يقتضي من يغفر له، ويتوب عليه، ويعفو عنه، ويحلم، ويستحيل تعطيل هذه الأسماء والصفات، إذ هي أسماء حسنى وصفات كمال، ونعوت جلال، وأفعال حكمة وإحسان وجود. فلابد من ظهور آثارها في العالم. وقد أشار إلى هذا أعلم الخلق بالله، صلوات الله وسلامه عليه، حيث يقول: ((لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون فيغفرُ لهم)). وأنت إذا فرضتَ الحيوان بجملته معدومًا، فمَن يرزقُ الرزاقُ سبحانه؟ وإذا فرضتَ المعصيةَ والخطيئةَ منتفيةً من العالم. فلمن يغفر، تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٥٠ صلاح الأمة في علو الهمة وعمن يعفو؟ وعلى من يتوبُ ويحلُم؟ وإذا فرضت الفاقات كلَّها قد سُدَّت، والعبيد أغنياءَ معافَون. فأين السؤال والتضرع والابتهال؟ والإجابة وشهود الفضل والمنة، والتخصيص، بالإنعام والإكرام؟ فسبحان من تعرَّف إلى خلقه بجميع أنواع التعرفات، وَدَهُم عليه بأنواع الدلالات، وفتح لهم إليه جميع الطرقات، ثم نصب إليه الصراط المستقيم، وعَرَّفهم به ودلهم عليه ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْتِى مَنْ حَبَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعُ عَلِيهُ [الأنفال]))(١) التائب عالي الهمة واعتباره بالمعصية: عالي الهمة صاحبُ البصيرة إذا صدرت منه الخطيئةُ، فله نظرٌ إلى أمور: أحدها: أن ينظر إلى أمر الله ونهيه. فيُحدثُ له ذلك الاعتراف بكونها خطيئة، والإقرارَ على نفسه بالذنب. الثاني: أن ينظر إلى الوعد والوعيد. فيُحدِث له ذلك خوفًا وخشية، تحمله على التوبة. الثالث: أن ينظر إلى تمكين الله له منها، وتخليته بينه وبينها، وتقدیرها عليه، وأنه لو شاء لعصمه منها، فيحدث له ذلك أنواعًا من المعرفة بالله وأسمائه وصفاته))(٢). النظر الرابع: النظرُ إلى محل الجناية ومصدرِها، وهو النفسُ الأمارة بالسوء، ويفيدُه نظرُه إليها أمورًا: (١) ((مدارج السالكين)) (٢٠٤/١ - ٢٠٩). (٢) ((مدارج السالكين)) (٢٠٤/١). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٥١ علو الهمة في التوبة ءِ منها: أن يعرفَ أنها جاهلةٌ ظالمة، وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كلّ قول وعمل قبيح، وَمَن وَصفُه الجهلُ والظلمُ لا مطمع في استقامته واعتداله ألبته. فيوجب له ذلك بذْلَ الجَهد في العلم النافع الذي يخرجُها به عن وصف الجهل. والعملُ الصالح الذي يخرجُها به عن وصف الظلم، ومع هذا فجهلُها أكثر من علمها وظلمُها أعظمُ من عدلها. فحقيقٌ بمن هذا شأنُه أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن يَقِيَها شرَّها. وأن يؤتيَها تقواها ويزكيها، فهو خير من زكاها؛ فإنه رَبُّها ومولاها، وأن لا يَكِلَه إليها طَرْفَةَ عين، فإنه إن وَكَله إليها هلك. فما هلك من هلك إلَّا حیث وُكِلَ إلى نفسه. • وقال النبي وَلّ الحُصين بن المنذر: «قل: اللهمَّ أَلهِمْني رُشْدِي، وَقِني شرّ نفسي». • وفي خطبة الحاجة: ((الحمدُ لله. نحمده ونستعينُهُ، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا)). * وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُوْءٍ ﴾ [يوسف: ٥٣]. * فمن عرف حقيقة نفسه وما طُبعت عليه: علم أنها مَنْبَع كل شر، ومأوى كل سوء، وأن كل خير فيها ففضلٌ من الله مَنَّ به عليها، لم یکن منها، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ,مَا زَّكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا [النور: ٢١]. * وقال تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمـ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٥٢ صلاح الأمة في علو الهمة [الحجرات] فهذا الحب ٧ اَلْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَاَلْعِصْيَانَّ أُوْلَتِكَ هُمُ الرَّشِدُونَ وهذه الكراهة لم يكونا في النفس ولا بها، ولكن هو الله الذي مَنَّ بهما، فجعل العبدَ بسببهما من الراشدين ﴿ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحجرات] ((عليم)) بمن يصلح لهذا الفضل ويزكوا عليه وبه، ويثمر عنده، «حکیم)) فلا يضعه عند غير أهله فيضيعه بوضعه في غير موضعه. ومنها: ما ذكره صاحب المنازل فقال: ((اللطيفة الثانية: أن يعلمَ أن نظر البصير الصادق في سيئته لم يُبِقِ له حسنةً بحال؛ لأنه يسيرُ بين مشاهدة المِنَّةِ، وتَطَلَّبٍ عيب النفس والعمل)). يريد: أن من له بصيرةٌ بنفسه، وبصيرة بحقوق الله، وهو صادقٌ في طلبه: لم يُبِقِ له نظرُه في سيئاته حسنةً ألبتة، فلا يلقى الله إلَّا بالإفلاس المحض، والفقر الصِّرف؛ لأنه إذا فتش عن عيوب نفسه وعيوب عمله علم أنها لا تصلح لله، وأن تلك البضاعة لا تُشتَرى بها النجاة من عذاب الله. فضلًا عن الفوز بعظيم ثواب الله، فإن خَلَص له عمل وحال مع الله، وصفًا له معه وقتٌ شاهدَ مِنَّة الله علیه به، ومجرد فضله، وأنه لیس من نفسه، ولا هي أهلٌ لذاك، فهو دائمًا مشاهد لمنة الله عليه، ولعيوبٍ نفسه وعمله؛ لأنه متى تطلّبَها رآها. وهذا من أجلِّ أنواع المعارف وأنفعها للعبد. ولذلك كان سيدُ الاستغفار: ((اللهمَّ أنت ربِّي لا إله إلا أنت، خلقتَني، وأنا عبدكُ، وإنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذُ بك من شر ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفرُ الذنوب إلَّا أنت)). فتضمَّن هذا الاستغفار: الاعترافَ من العبد بربوبية الله، وإلهيته وتوحيده. والاعتراف بأنه خالقه، العالِمُ به: إذا أنشأة نشأة تستلزمُ عجزه تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٥٣ علو الهمة في التوبة عن أداء حقُّه وتقصيره فيه، والاعتراف بأنه عبده الذي ناصيتُه بيده وفي قبضته، لا مهربَ له منه، ولا وليَّ له سواه، ثم التزام الدخولَ تحت عهده -وهو أمرُه ونهيه - الذي عَهدُه إليه على لسان رسوله، وأن ذلك بحسب استطاعتي، لا بحسب أداءِ حقُّك، فإنه غير مقدور للبشر، وإنما هو جَهْدِ المقِلِّ، وقدرُ الطاقة، ومع ذلك فأنا مصدقٌ بوعدك الذي وعدتَه لأهل طاعتك بالثواب، ولأهل معصيتك بالعقاب، فأنا مقيمٌ على عهدك، مصدِّقٌ بوعدك، ثم أفزع إلى الاستعاذة والاعتصام بك من شَرِّ ما فَرَّطت فيه من أمرك ونهيك، فإنك إن لم تُعذْني من شرِّه، وإلَّا أحاطت بي الهلَكَة؛ فإن إضاعة حقك سبب الهلاك، وأنا أقِرُّ لك وألتَزِم بنعمتكم عليّ. وأقر وألتزم وأنْخَعُ بذَنْبي، فمنك النعمة والإحسان والفضل. ومني الذنبُ والإساءة، فأسألك أن تغفر لي بمحْو ذَنبي، وأن تُعْفِيني من شَرِّه، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. فلهذا كان هذا الدعاء سيدَ الاستغفار، وهو متضمنٌ لمحض العبودية، فأي حَسَنة تبقى للبصير الصادق، مع مشاهدته عيوبَ نفسه وعملِه، ومنةٍ الله عليه؟ فهذا الذي يُعطيه نظرُه إلى نفسه ونقصه. النظر الخامس: نظره إلى الآمر له بالمعصية، المزَيِّن له فعلَها، الحاض له عليها، وهو شيطانه الموكّل به. فيفيده النظر إليه، وملاحظتُه: اتخاذَه عدوًا، وكمال الاحتراز منه، والتحفظ واليقظة: والانتباه لما يريد منه عدوه وهو لا يشعر. فإنه يريد أن يظفر به في عَقَبة من سبع عَقَبات، بعضها أصعبُ من بعض. لا ينزل منه تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٥٤ صلاح الأمة في علو الهمة من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلَّا إذا عجَز عن الظَفر به فيها))(١). تدرج الشيطان في الإغواء بعقباته السبع: العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه، وبصفات كماله، وبما أخبرت به رسله عنه، فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردَتْ نارُ عداوته واستراح، فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية، وسلم معه نور الإیمان طلبه على. العقبة الثانية: وهي عقبة البدعة، إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسلَ الله به رسوله، وأنزل به كتابه، وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله: من الأوضاع والرسوم المِحدَثة في الدين، التي لا يقبل الله منها شيئًا، والبدعتان في الغالب متلازمتان. قَلِّ أن تنفعك إحداهما عن الأخرى، كما قال بعضهم: تزوجت بدعةُ الأقوال ببدعة الأعمال. فاشتغل الزوجان بالعرس، فلم يفاجئهم إلّا وأولاد الزنا يعيثون في بلاد الإسلام، تضج منهم العباد والبلاد إلى الله تعالى. ■ وقال شيخنا: «تزوجت الحقيقة الكافرة، بالبدعة الفاجرة، فتولَّد بینھما خسران الدنيا والآخرة)». فإن قطع هذه العقَبة، وخلص منها بنور السنة، واعتصم منها بحقيقة المتابعة، وما مضى عليه السلف الأخيار، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهيهات أن تسمح الأعصارُ المتأخرة بواحد من هذا الضرب! فإن سمَحَتْ به نَصَب له أهلُ البدع الحبائل، وبغَوُه الغوائل، وقالوا: مبتدع محدث. (١) (مدارج السالكين)) (٢١٩/١ - ٢٢٢). https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٥٥ علو الهمة في التوبة فإذا وفقه الله لقطع هذه العقبة طلبه على: العقبة الثالثة: وهي عقبة الكبائر، فإن ظفر به فيها زَيَّنها له، وحَسَّنها في عینه، وسوف به، وفتح له باب الإرجاء. وقال له: الإيمان هو نفس التصديق. فلا تقدح فيه الأعمال (١)، وربما أجرى على لسانه وأذنه كلمة طالما أهلك بها الخلق، وهي قوله: ((لا يَضُرُّ مع التوحيد ذنب، كما لا ينفع مع الشرك حسنة)) والظفر به في عقبة البدعة أحب إليه. لمناقضتها الدين، ودفعها لما بعث الله به رسوله. وصاحبها لا يتوب منها، ولا يرجع عنها، بل يدعو الخلق إليها، ولتضمنها القول على الله بلا علم. ومعاداة صريح السنة، ومعاداة أهلها، والاجتهاد على إطفاء نور السنة، وتولية مَنْ عَزَله الله ورسوله، وعَزْل من وَلّاء الله ورسوله. واعتبار مارده الله ورسوله، ورد ما اعتره، وموالاة من عاداه، ومعاداة من والاه. وإثبات ما نفاه، ونفي ما أثبته، وتكذيب الصادق، وتصديق الكاذب. ومعارضة الحق بالباطل، وقلب الحقائق، بجعل الحق باطلًا، والباطل حقّا، والإلحاد في دين الله، وتعمية الحق على القلوب، وطلب العِوَج لصراط الله المستقيم، وفتح باب تبديل الدين جملة. فإن البدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها، حتى ينسلخ صاحبها من الدين، كما تنسل الشعرة من العجين، فمفاسد البدع لا يقف عليها إلَّا أرباب البصائر، والعميان ضالون في ظلمة العمى ﴿ وَمَن ◌ََّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا (١) يعني أعمال الفسوق والعصيان. والمعنى المراد: أن الشيطان يقول له -عند فتح باب الإرجاء- إن الإيمان هو نفس التصديق فلا تقدح فيه الأعمال السيئة والمعاصي، وهذا وما بعده هو معنى الإرجاء الذي هو من شر البدع التي أفسدت الدین. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٥٦ صلاح الأمة في علو الهمة لَهُمِن نُّورِن [النور]. فإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله، أو بتوبة نصوح تنجيه منها، طلبه على: العقبة الرابعة: وهي عقبة الصغائر، فكال له منها بالقُفْزان، وقال: ما عليك إذا اجتنبت الكبائر ما غشيت من اللَّمَم، أوَ ما علمت أنها تكفَّر باجتناب الكبائر وبالحسنات، ولا يزال يهون عليه أمرها حتى يُصِر عليها، فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالًا منه، فالإصرار على الذنب أقبح منه. ولا كبيرة مع التوبة والاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. وقد قال وثيقة: ((إياكم ومحقرات الذنوب .. ثم ضرب لذلك مثلًا بقوم نزلوا بفلاة من الأرض، فأعوزهم الحطب، فجعل هذا يجيء بعود، وهذا بعود. حتى جمعوا حطبًا كثيرًا، فأوقدوا نارًا، وأنضجوا خُبزتهم، فكذلك فإن محقرات الذنوب تجتمع على العبد -وهو يستهين بشأنها- حتى تهلكه)». فإن نجا من هذه العقبة بالتحرُّز والتحفظ، ودوام التوبة والاستغفار، وأتبع السيئة الحسنة، طلبه على: العقبة الخامسة: وهي عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها، فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات، وعن الاجتهاد في التزود لمعاده، ثم طمع فيه أن يستدرجه منها إلى ترك السنن، ثم من ترك السنن إلى ترك الواجبات، وأقل ما ينال منه: تفويته الأرباح، والمكاسب العظيمة، والمنازل العالية، ولو عرف السعر لما فوت على نفسه شيئًا من القربات، ولكنه جاهل بالسعر. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٥٧ علو الهمة في التوبة فإن نجا من هذه العقبة ببصيرة تامة ونور هاد، ومعرفة بقدر الطاعات والاستكثار منها، وقلة المقام على الميناء، وخطر التجارة، وكرم المشترى، وقدر ما يعوض به التجار، فبخل بأوقاته، وصن بأنفاسه أن تذهب في غير ربح، طلبه العدو على: العقبة السادسة: وهي ((عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات))، فأمرهم بها، وحسَّنها في عينه، وزيَّنها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسبًا وربحًا؛ لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له. ولكن أين أصحاب هذه العقبة؟ فهم الأفراد في العالم، والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأولى. فإن نجا منها بفقه في الأعمال ومراتبها عند الله، ومنازلها في الفضل، ومعرفة مقاديرها، والتمييز بين عاليها وسافلها، ومفضولها وفاضلها، ورئيسها ومرؤسها، وسيدها ومسودها، فإن في الأعمال والأقوال سيدًا ومسودًا، ورئيسًا ومرؤسًا، وذروة وما دونها، كما في الحديث الصحيح: ((سيد الاستغفار: أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلّا أنت)) - الحديث، وفي حديث الآخر: ((الجهاد ذروة سنام الأمر))، وفي الأثر الآخر: ((إن الأعمال تفاخرت، فذكر كل عمل منها مرتبته وفضله، وكان للصدقة مزية في الفخر عليهن))، ولا يقطع هذه العقبة إلّا أهل البصائر والصدق من أولى العلم، السائرين على جادة التوفيق، قد أنزلوا الأعمال منازلها، وأعطوا كل ذي حق حقه. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٥٨ صلاح الأمة في علو الهمة فإذا نجا منها لم يبق هناك عقبة يطلبه العدو عليها سوى واحدة لابد منها. ولو نجا منها أحد لنجا منها رسل الله وأنبياؤه، وأكرم الخلق عليه، وهي: عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الأذى، باليد واللسان والقلب، على حب مرتبته في الخير. فكلما عَلتْ مرتبته أجلب عليه العدو بخيله ورجله، وظاهر عليه بجنده، وسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط، وهذه العقبة لا حيلة له في التخلص منها؛ فإنه كما جد في الاستقامة والدعوة إلى الله، والقيام له بأمره، جد العدو في إغراء السفهاء به، فهو في هذه العقبة قد لبس لأمة الحرب، وأخذ في محاربة العدو لله وبالله، فعبوديته فيها عبودية خواص العارفين، وهي تسمى عبودية المراغمة))(١). التائب عالي الهمة له من عبودية المراغمة النصيب الوافر: ] قال ابن قيم الجوزية عن ((عبودية المراغمة)): ((ولا ينتبه لها إلَّا أولو البصائر التامة، ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه، وإغاظته له، وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه. وَمَن يُّهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِ اُلْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًا أحدها: قوله: ج [النساء] سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغمًا يراغم به وسعة # عدو الله وعدوه، والله يحب من وليه مراغمة عدوه، وإغاظته؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأُ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِىِ سَبِيلِ اللّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوِْئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُ وٍ تَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم ج [التوبة]. ١٢٠ بِهِ عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١) ((مدارج السالكين)) (٢٢٢/١ - ٢٢٦). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٥٩ علو الهمة في التوبة وقال تعالى في مَثل رسول الله وَ لَه وأتباعه: ﴿﴿ وَمَثَلُهُمْ فِى الْإِنِيلِ كَزَرِع أَخْرَجَ سَطْئَهُ، فَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ﴾ [الفتح: ٢٩]، فمغليظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له، فموافقته فيها من كمال العبودية. وشرع النبي ◌َّله للمصلي إذا سها في صلاته سجدتين، وقال: ((إن كانت صلاته تامة كانت ترغمان أنف الشيطان))، وفي رواية: ((ترغيما للشيطان))، وسماهما: ((المرغمتين)). فمن تعبد الله بمراغمة عدوه، فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه، وموالاته ومعاداته لعدوه، يكون نصيبه من هذه المراغمة؛ ولأجل هذه المرغمة حمد التبختر بين الصفين، والخيلاء والتبختر عند صدقة السر، حيث لا يراه إلّا الله، لما في ذلك من إرغام العدو، وبذل محبوبه من نفسه وماله لله وجلَّ- وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلّا القليل من الناس، ومن ذاق طعمه بكى على أيامه الأول. وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلّا بالله. وصاحب هذا المقام إذا نظر إلى الشيطان، ولا حظه في الذنب، راغَمه بالتوبة النصوح، فأحدثت له هذه المراغمة عبودية أخرى)) (١). ترقّي عالي الهمة في التوبة: عالي الهمة يترقى في مقام التوبة من: ١ - رؤيته حسناته و کثرتها. (١) ((مدارج السالكين)) (٢٢٦/١ - ٢٢٧). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٥٦٠ صلاح الأمة في علو الهمة ٢ - إلى استقلاله المعصية وهو عين الجرأة والمبارزة لله. ٣- إلى توبته من تضييع المراقبة لله والحضور. ٤ - إلى التوبة مما دون الله. ١- التوبة من رؤيتهم لكثرة طاعتهم، ورؤية كثرة الطاعة توبة مدخولة منقوصة وحسنات الأبرار المقرّبين .. ورؤية كثرة الطاعة متضمِّنٌ لثلاث مفاسد: إحداها: أن حسناتهم التي يأتون بها: سيئات بالنسبة إلى مقام الخاصة، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين فهم محتاجون إلى التوبة من هذه الحسنات فلغفلتهم -باستكثارها- عن عيوبها ورؤيتها وملاحظتها: هم جاحدون نعمة الله في سترها عليهم وإمهالهم، كثرة على أهل الذنوب الظاهرة تحت ستره وإمهاله، لكن أهل الذنوب مقرون بتره وإمهاله، وهؤلاء جاحدون لذلك؛ لأنهم قد توفرت هممهم على استكثارهم من الحسنات، دون مطالعة عيب النفس والعمل، والتفتيش على دسائسهما، ومحاسبة النفس عليها، والتمييز بين ما فيها من الحظ والحق. لَشَغلَهم ذلك عن استكثارها؛ ولأجل هذا كان مَنْ عَدِم الحضور والمراقبة والجمعية في العمل، خَفَّ عليه واستكثر منه، فكثر في عينه، وصار بمنزلة العادة؛ فإذا أخذ نفسه بتخليصها من الشوائب، وتنقيتها من الكدر، وما في ذلك من شوك الرياء وشبرق الإعجاب، وجمعية القلب والهم على الله بكليته: وجد له ثقلا کالجبال، وقل في عينه، ولكن إذا وجد حلاوته سهل عليه حمل أثقاله، والقيام بأعبائه، والتلذذ والتنعيم به مع ثقله. وإذا أردت فهم هذا القدر كما ينبغي، فانظر وقت أخذك في القراءة إذا أعرضت عن واجبها وتدبرها وتعلقها، وفهم ما أريد بكل آية، وحظك تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com