Indexed OCR Text
Pages 241-260
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٤١ علو الهمة في طلب العلم ونفع بكتابه هذا وبسائر مؤلفاته، وجعلنا وإِيَّاه وسائر إخواننا من الهداة المهتدين الداعين إلى الله على بصيرة؛ إنه سميع قريب. قاله ممليه الفقير إلى الله تعالى عبد العزيز بن عبد الله بن باز سامحه الله، وصلى الله وعلى نبينا محمد وآله وصحبه وسلم)). ■ ثم أسعد العباد بشرح لمعة الاعتقاد، ثم اتخذ فهمه مطية، فشرح الواسطية، وهكذا عاش رَحمّلهُ يخوض بحور العلم بحرًا بحرًا، ثم يأتي إلى أمة بأبدع ما فيها، وأجمل معانيها، كذلك نهجه في النحو واللغة والتفسير والفرائض والخطابة وغيرها، روائع زاهية، وفضائل باقية، ومناهل صافية، وموارد كافية، وشروح شافية، وأنهٌ بالعلم جارية، كتبها تذكرة لتعيها قلوب داعية، وآذان صاغية، فنسأل الله أن يعظم له الأجر، وأن يثبت مقامه يوم ترى كل أمة جاثية .. ما قاله اللهُ بالآيات في الكتب قد کان یری الوری شیخًا يعلمهم علمٌ من الفقه والتوحيد في دأب وما أتى عن رسول الله بيَّنه إذا بغت حليةَ الياقوت والذهب قد كان بحرًا لأهل العلم تشرعُه وظلَّ بحرًا لهم في العمق والرحَب قد کان للناس نهرًا في عذوبته كم من علوم لأهل العلم أتقنها في كل فنّ تراه عالمًا حذقًا يمشي على الأرض قرآنًا نشاهدُه فقد حوى صدره القرآن أجمعه وصار فيها إمامَ الحق ذا الأرب ينالُ منها بجدٌّ أرفعَ الرتب فالآيُ فوق الثرى تمشي على خَبَب ولم يزل في ربيع العمر لم يشب تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٤٢ صلاح الأمة في علو الهمة ٥- عالم العامة: كان الشيخ زَمّهُ عالماً لعامة المسلمين، فهو لم يكن حكرًا لفئة معينة أو طبقة محددة، أو عالمًا لا يعرف إلَّا محبرته وأوراقه وجدران منزله، أو مفتيًا يصدر فتواه من برج عاجي، بل امتزج بالناس واختلط بالأمة، ومازج العامة، يُعلِّم ويعظ، ويفتي ويدرس، ويوجه وينصح، ويعين ويساعد، ويدعم ويساند، يحل القضايا، ويزور المرضى، ويسعى بالإصلاح، ويشارك في الآلام والآمال، ويضرب بالقدوه أحسن الأمثال بأجمل الأقوال وأصدق الأفعال .. ويُمسي إذا أمسى يُناجي ويَضْرُ يجاهد حتى لا يملَّ نهارَه يكابدُ فيها كلِّ همٍّ ویَنزِعُ ولم يألُ جهدًا في الهداية قائمًا ويسكنُ مکروب، ويُنفق موسِعُ ◌ُجیب على سؤل، فيُرشد حائرٌ مرَّةَ مكلومٍ يتوجِعُ ويسأل عن حالِ الضعاف، ويبتغي تحاشاهمُ ذو شروٍ لیس یشبعُ ويُدني اليتامى والأراملَ كلما يسيرُ على نهج الرسول ويَتبعُ ويترك للأجيال سيرةَ عالم ■ لقد انتفعت الأمة بجميع فئاتها، وشتى طبقاتها بعلم الشيخ الرقراق وفهمه البراق، وأصبح ابن عثيمين يسكن في وجدان كل مسلم، وضمير كل مؤمن، تذهب إلى المستشفيات فتجد المرضى يقرؤون كتبه، ويستنيرون بفقهه، ويعلق في غرفهم رسائل الشيخ عن كيفية طهارة المريض وصلاته، وتنظر إلى المسافرين جوًّا أو بحرًا أو برًّا فتراهم يحملون كتيبات الشيخ عن كيفية صلاة المسافر، وتدلف إلى الجمعيات الخيرية، والمنتديات الإسلامية فتراها تفخر بتزكيات الشيخ وتوصياته، وتأتي إلى تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٤٣ علو الهمة في طلب العلم المدارس والمعاهد، وإذا بكتب العقيدة، وروائع الفقه تقدم لك تحمل اسم الشيخ وتوقيعه، وتزور كبار المسؤولين، فإذا بهم يتساءلون عن آرائه، ويستنيرون بفتاواه، وتسأل عن مدارس البنات، ومنتديات المسلمات، فإذا بالنصيب الأوفى، والحظ الأوفر من الاهتمام بالمرأة والنصح لها، وشرح الأحكام الفقهية المتعلقة بها قد قام بها ابن العثيمين. وهكذا في كل المجالات وشتى القطاعات سرى عبير علم الشيخ وتدفق بحر عطائه، لترتوي منه القلوب، وتسعد به النفوس. ک لله در ابن عثیمین: عنصر کریم، ومعدن شرف عظيم، أصل راسخ، وفرع شامخ، ومجد باذخ، متمکن في علمه، متأن في کلامه، مدقق في عباراته، مو ثق لنصوصه، محترم لجمهوره، مهتم بطلابه، معتن بمريديه، مكرم لمجيئيه، مسعد المسامريه، مؤنس لمجالسيه. عالي الهمة، عظيم الغيرة، ساكن الهيبة رقيق الحاشية، خفيض الصوت، ذكي الفؤاد. وهبه الله توقد القريحة، ونفاذ البصيرة، وقوة الفهم، ووضوح الحجة وبيان المحجة، وجمال الروية، وصفاء النية، وسلامة الطوية -كما نحسبه- وحسن التأني لما يحاول، مع كريم الخلق، وطيب التعامل، ونقاء السيرة، وحسن الإبانة، وعميق الديانة، وأداء الأمانة، وتألق اللغة، وتأنق العبارة، ودقة الإشارة، وعذوبة اللفظ، وغزارة الحفظ، وإحكام الإبرام والنقض، ومتانة الكلام، وإجادة الإفهام، وجزالة الأسلوب، وكسب القلوب، وحسن الشرح عما يعن من سوانح الفكر، وما وعاه صدره من أفانين العلم، وقطوف المعرفة. دقيق الفهم لأسرار الكتاب والسنة، واسع تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٤٤ صلاح الأمة في علو الهمة الإطلاع على آراء المفسرين، والمحدثين، والفقهاء، والأصوليين، والمتكلمين واللغويين، والبلاغيين. ألقت إليه رئاسة العلم مقاليدها، وملكته طريفها وتليدها، فأظهر مكنون قديمها في ثوب جديدها، واختار بذكائه أفضل الآراء وسديدها. طلعت شمس الفقه من أفق أفكاره، وتفجرت ينابيع العلم من خلال آثاره. وجرت في أنفس المحبين روائع أنهاره. جلّى بكلامه الأبصار الكليلة، وشحذ بمواعظه الأذهان العليلة، وسلك في طريق العلم خير وسيلة، ولن ◌ُهزم من كان الكتاب والسنة دليله. إنه بدر العلوم اللائح، وقطرها الغادي الرائح، وعقال الأفكار عن كل جامح، وعنوان اللطف والعفو والتسامح، تستخرج الجواهر من بحوره، وتحلى الأوراق بقلائد سطوره. شيخ المعارف وإمامها، ومن في يديه زمامها يحوك الألفاظ على قدر المعاني، ويسوق الكلام حسب الأماني. إذا أذكى سراج الفكر، أضاء ظلام الأمر، واستنبط روائع العلوم، وأبان عن بديع الفهوم. لقد كان -رَمّتُهُ فيما نحسبه- من حزب الله المفلحين، وأوليائه الناصحين، ومن أئمة الإسلام المعدودين الذين حفظوا على الأمة روعة الدين، وصانوه عن التغيير، ونقّوه من التكدير، وأرسلوا لكل جاهل صيحة نذير، ووَرَدوا بالناس على مناهل من العلم نقية، ومشارب زكية، ومراتع رضية. سقوهم من العلم ماءً نميرًا، عيونًا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرًا، ونفع الله بهم نفعًا كبيرًا؛ لأنهم كانوا يوفون بالعهد ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا ويبذلون العلم لا يرجون من الناس تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٤٥ علو الهمة في طلب العلم جزاءً ولا شكورًا. ■ ولله در الدکتور الزهراني وهو یقول في قصيدته «حادي الرکب»: والهمُّ يَكوي حنايانا بنیرانِ مات العثيمينُ فالألباب ذاهلةٌ يا واهبَ العلم لم تُغْفِل أمانتَه هذي الفضائلُ مِن علم ومن عمل تظلُّ تُتلى على الأيام روعتُها قد كنتَ عطرًا على أنسامه انبعثت بل كنتَ بحرًا بعيد الغَور أکسبنا بل كنتَ غيئًا زلالًا طاب مورده جاءت وفودُ الهدى والعلمِ طامعةً مقدِّمٌ لدليل الوحي ما شطحت ما ضلَّ نهجٌ رسولُ الله رائدُه نهجٌ أصيلٌ متينٌ محكمٌ نُسجت في همةٍ تبلغ الجوزاءَ ما وهنت تلك العزیمةُ لو أمست على جبل العلم شعلة خير نافع هبطت ومزقت عن وجوه الجهل أغشية العلم نور إلهي وحامله وأنت فيه إمام عامل علم يومًا وما كنتَ عن نفع به واني هيهاتَ يُسلِّمُها دهرٌ لنسيان يفوز بالأنس منها كلُّ إنسان أرواحُنا من شذّى علم وتبيان إبحارُنا فيه من درِّ ومرجان لكل قلب لفيضِ العلم ظمئآن تأوي إلى ظلَّه في خير أكنان أقوالُه لفلانٍ أو لعلان وصوتُه العذب من آياتٍ قرآن خيوطه من هُدى الباري بإتقان وما ارتضى أن تُرى في منزلٍ دان لأصبح الصخرُ منه مثلَ كثبان من السماء بأنوار وبرهان وعن ظلام الليالي بؤس كفران يسير في الناس يهدي كل ولهان مبجل ممسك منه بأرسان تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٤٦ صلاح الأمة في علو الهمة بسنة المجتبى من آل عدنان زيَّنتَه بالتقى والزهد مقتديًا فجاء عذبًا لأرواح وأذهان أعدت للفقه بين الناس رونقه لعالم رائع الأنباء شيباني مضیت في بحره الأنقى على أسس وصنتها من لظى زور وبهتان أما العقيدة كم ألبستها حللًا وكنت في الأرض كالطود الأشم ضربت صفحًا عن المتفلسفين إلى أفضت من نهرك الرقراق أودية فازت بآلائك الحسناء وانتفعت يبقى ضياؤك لأرجاء يسعدها وسوف تبقى حروف الشعر يا روعة العصر يا بحر العلوم ویا يا ابن العثيمين والأوزان واجمة تحمي حماها وتردي أيّ عدوان علامة ثاقب الآراء حرّاني نقية النبع تسقي كل عطشان وأخلصت لك في سر وإعلان ويزدهي بسجاياك الجديدان ترتل المدح من آن إلى آن أنسًا ببث الرضى في كل ميدان ومجدكم يرتقي عن ألف ديوان ١٩- فضيلة الشيخ أبو عبدالله عبد العزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن ابن باز: الممثَّل في شخصه الكريم مشيخةُ الإسلام في هذا العصر، إمام أهل السنة في هذا العصر، المحدِّث الأثري، الفقيه النابغة، مُفتي الديار السعودية، ومرجع المستفتين من مختلف أنحاء العالم. حفظ الشيخُ القرآنَ عن ظهر قلبٍ قبل أن يبدأ مرحلة البلوغ. وبحفظ، لكتاب الله باشرَ انطلاقَه في طلب العلم، وجهادَه فيه، فما ينفكُّ عالماً ومتعلِّمًا، وواعظًا ومذكِّرًا، لا يكاد يجدُ في غير سبيله هذه متعةً تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٤٧ علو الهمة في طلب العلم ولا فائدةً. لم يحبس الشيخُ وقته على أستاذٍ واحد؛ بل اتصل بالعديد من المشایخ یتلقّی عنهم العلم کلّ في حدود تخصُّصه. ويعدِّد الشيخ من أساتذته الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن، والشيخ محمد بن إبراهيم ابن عبد اللطيف. ويُشيد الشيخ بمشايخه هؤلاء وآثارِهم في تشجيعه على المثابرة في تحقيق الخير والعلم والتَّبخُر في عقيدة السلف. ومن مشايخه: الشيخ سعد بن حمد بن آل عتيق، والشيخ حمد بن فارس، والشيخ سعدو البخاري بمكة الذي أخذ عنه علم التجويد. على أن أطول سِنِيهِ الدراسية تلك التي قضاها في التتلمذ على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والذي استمر ملازمًا له نحو عشر سنوات. وقد فقد الشيخ ابنُ باز البصر في التاسعة عشر من سِنِيهِ (١). [ واستمر الشيخ يطلبُ العلم بعد فقده لعينيه، ولكنَّ قلبَهُ يزدادُ نورًا، وعَوَّضه الله بذكاءٍ في القلب. يقول أحد الشعراء: بقلبك حتى صرتَ فَجْرًا مُبَلَّجَا رأيتُك أعمى العينِ صار ضياؤها يَنظِمُ من نورِ الشريعة مَنْهَجَا فصار سوادُ العين في القلب فاقتدی ■ عوَّضه الله بصبرٍ على العلم ومثابرةٍ وذكاءٍ مُفرِط ((فالشيخ حافظ العصر في علم الحديث، فإذا سألته عن حديث من الكتب الستة، أو من عند غيرهم، ففي الغالب تجده مذياعًا فصيحًا يستحضر الحديث سندًا ومتنا ومن تكلّم فيه، ورجاله وشرحه، فأَتُوني بأهل العيون المبصرة (١) من ترجمة للشيخ من كتاب: ((علماء ومفكرون عرفتهم)). لمحمد المجذوب. طبع دار الاعتصام. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٤٨ صلاح الأمة في علو الهمة یکونوا کالشیخ في علمه وفقهه»١). يقول الشيخ عائض القرني في ترجمته للشيخ ابن باز نَخمّثهُ: ((وتستمر الحال بالشيخ؛ فلا يفتُّرُ ليلًا ولا نهارًا، يبحث عن العلم ويطلبُه من مظانِّه، وفي حياته درسَ العلم على قلّةٍ ذات اليد ومع الفقر، ومع العَمَى ومع العَوَز، إذا صَدَق المسلمُ في طلب العلم، ونوى الفائدة. قال الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَأْ وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ ﴾ [العنكبوت]. الْمُحْسِنِينَ (١) جُزتَ البحارَ والفَلاحَ بهمَّةٍ إذا سألتَ اللهَفي كلِّ ما أمَّلْتَه قولَ حاسدٍ أو مقولةَ بَاهتٍ تُخرجُ ماءُ الصفاءِ ما شابها ■ والذي يودُّ الحصول على العلم عليه أن يقرأ سيرة الشيخ، فإن من السلف الصالح منْ هو أعلم من الشيخ بكثير، لكن علينا أن ننظر إلى سيرة رجل حيٍّ بين أظهرنا يمثَلُ العلمَ في قمته، وقد حصل له في حياته فقرٌ وعَوَز، والكتبُ وقتها ليست متوفّرةً، والطباعة كانت ضعيفة، ووسائل التَّقُّل ما كانت بذاك، والرجلُ أعمى، ومع ذلك حصَّل وحصَّل، ووصل إلى ما وصل إليه، فأين الشباب؟! فالعلم متوفر، والطباعة سهلة، والمجلدات كثيرة، والجامعات مفتوحة والأساتذة كُثر، والعلماء متوفّرون، وفي الثقافة غزارة، فأين من يطلب العلم؟ !. خرج الإمام القفّال -وقيل: الإمام الشاشي - إلى أحدِ الأمصار لطلب العلم وعمرُه أربعون سنة .. لِمَ لا نطلبُ العلم في الأربعين وفي الخمسين (١) ((الممتاز في مناقب الشيخ ابن باز)) لعائض القرني (ص١٣، ١٤) دار الصميعي للنشر والتوزيع. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٤٩ علو الهمة في طلب العلم وفي الستين؟! فالإمام البخاري يقول في ((الصحيح))، في ((كتاب العلم): ((وقد تعلَّم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في الكِبَرَ)). فلم لا نتعلّم ولو كبارًا؟ !. · ذهب القَفَّالُ وعمره أربعون فقال: «كيف أطلُب العلم، ومتى أحفظ، ومتى أفهم، ومتى أُعلِّم الناس؟! فرجع فمرَّ بصاحبٍ ساقيةٍ يسوق على البقر، وكان الرِّشاء -هذا الحبل- يقطعُ الصخر من كثرة ما مرَّ، قال: أطلبُهُ واتضجَّرُ من طلبه !!.. فَآفةُ الطَّالِبِ أن يَضْجَرَا اطلُبْ ولا تَضَّجِرْ من مطلبٍ على صليبِ الصَّخْرِ قد أثّرا أُمَا تَرَى الَحَبْلَ بَطُولِ المَدَى واستمرَّ يطلبُ العلم، وأصبح إمامًا من كبار الأئمة الشافعية، ومِنْ جهابذة الدنیا. إذ الطُّموحُ والهمَّةُ العالية واستعذابُ المنايا والمخاطرة بالنفس حتى تصل إلى المطلوب وإلى الهدف السامي))(١). ((والشيخ ابن باز نَحْوِيٌّ يجيد اللغةَ العربية الفصحى ويشرحُها ويملیها على طلابه. وله في الفرائض قَدَم، وأمَّا في الحديث فهو محدِّثٌ جِهِْذ، يعرف الرجال، وتسأله في الرجال، وقد سألته قبل ما يُقاربُ أربع سنوات عن (الحجاج بن أرطاة))، قال: ((ضعيف ومدلِّس)). وغيره من الرجال، وهو يحفظ مئات، بل آلاف الرجال في ذهنه، إذا سألته عن الرجل أخبرك عنه وما قيل فيه، وهو مُغرَمٌ بعلم الرجال، يُطالع كثيرًا في ((تهذيب التهذيب)) (١) ((الممتاز في مناقب الشيخ ابن باز)). لعائض القرني (١٧ - ٢٠). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٥٠ صلاح الأمة في علو الهمة لابن حجر، وهو كتابه المفضَّل فيما أعلم .. وقال لبعض محبِيه: ((رُبَّما حفظتُ ثمانين في المئة من هذا الكتاب)). و((فتح الباري))، قد قرأه مراتٍ عديدة من وقت طلبه للعلم إلى الآن، وهو الذي تولَّى الإشراف على إخراجه وتحقيقه للناس، بالاشتراك مع الفاضِلَيْنِ محبِّ الدين الخطيب ومحمد فؤاد عبد الباقي -رحمهما الله تعالى- والذي مكث فیه ابنُ حجر يؤلّفه اثنتين وثلاثين سنة، وهو كتاب، لو كان في العصر معجزة، لكان هذا الكتاب)). وللشيخ مشوارٌ مع الفَجْر في تعليم طلبة العلم من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس؛ یدرِّس الشیخ في کتاب «فتح الباري))، و(فتاوى ابن تيمية))، و((بلوغ المرام))، و(الكتب الستة))، و(شرح العقيدة الطحاوية)(١)، و(تفسير ابن كثير))، و(البداية والنهاية)) و((جامع العلوم والحكم)) ومجلس العشاء، ما بين الأذان والإقامة من ((رياض الصالحين))(٢). ■ يقول الشيخ محمد المجذوب في الشيخ ابن باز رحماللهُ: فقُلْنا حديثُ الْحُبِّ ضَرْبٌ من الوهْم روى عنك أهلُ الفضل كلَّ فضيلةٍ سمعْنا به في العِلْم والأدب الجمِّ فلمّا تلاقينا وجدناك فوق ما يصيدُ فلم يُؤذِ المَصِيدَ بدَم فلم نَرَ شیخًا قَبْلَ بازِنا ■ يقول عائض في مدح الشيخ ابن باز رَحمّلهُ: قاسمتُكَ الحُبَّ من ينبوعِهِ الصَّافي فقمتُ أُنشد أشواقي وألطافي (١) ((الممتاز)) (ص ٤٤، ص ٦٦ - ٦٧). (٢) ((ابن باز الداعية الإنسان)). طبع مؤسسة عكاظ (ص٤٩ - ٥١). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٥١ علو الهمة في طلب العلم فَهْوَ الغَفورُ لزلّاتي وإسرافي لا أبتغي الأجرَ إلَّا من كريم عطاءٍ عفوًا لك الله قد أحببتُ طَلْعَتكم يا دمعُ حَسْبُك بُخلًا لا تجودُ لَنْ يا شيخُ يكفيك أن الناسَ قد شُغِلوا أغراهمُ المالُ والدنيا تُجاذِبُهُمْ مجالسُ اللغو مَنْداهم وروحتُهم وأنت جالستَ أهْلَ العلم فانتظمتْ بين الصحيحينِ تغدو في خمائِلِها يكفي ◌ُحَيَّاك أن القَلْب يَعْمُرهُ أراك کالضَّوء تجري في محاچِرنا كالشَّدْو في أشواقي حتمًا وتأسِرُها ما أَنْصَفَتْك القوافي وهي عاجزةٌ سعة علم ابن باز (٢): لأنَّها ذكَّرَتْنِي سَيْرَ أسلافي أجرى الدموع كمِثْلِ الوابِلِ السَّافي بالُغرياتِ وأنت الثَّابِتُ الوافي ما بين مُنْتَعِل منهم ومن حافي أكْلُ اللحوم كأكْلِ الأقْطِ في العافي لكَ المعالي ولم تُولَعْ بإرجاف كما غدا الظُّلَّ في إشراقها الضافي مِن ◌ُبُكم ولَدَيْ أضعاف أضعافٍ فلا تراك عيونُ الأجْلَفِ الجافي بنَغْمةِ الوحْي مِنْ طه ومِن قافٍ وعُذْرُها أنَّها في عصر إنصافي (١) أما هذه الصفة العظيمة وتمثلها فيه فلا تحتاج إلى برهان ودليل؛ بل هي فيه أوضح من الشمس في رابعة النهار، صِدقً في المقصد، وصفاء في المعتقد، ووضوح وجلاء في الطريق، ونشر للعلم، شهد له القاصي والداني، القريب والغريب، الكبير والصغير، بسعة العلم، كان نَجمّهُ من (١) ((الممتاز في مناقب الشيخ ابن باز)) لعائض القرني (ص٧٢ - ٧٤). (٢) هذا الجزء من الترجمة مأخوذ من كتاب ((الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز ابن باز)) لعبد الرحمن بن يوسف بن عبد الرحمن)) الرحمة -دار ابن الجوزي. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٥٢ صلاح الأمة في علو الهمة أئمة الإسلام، وشيوخه العظام، وأعلامه الأعلام، وهذه بعض القصص التي تدل على سعة علمه، وكبير فهمه في دين الله، ووصوله لمرتبة الاجتهاد أسوقها لك أخي القارئ، لعل بها شحذًا للهمم، وتنويرًا للبصائر، وتذكيرًا بالمعالي من الأمور: (أ) فمن القصص الدالة على سعة علمه ما ذكره الأخ المفضال فهد البكران -حفظه الله -: ((قدم مندوب أحد المؤسسات الإلكترونية، وبرفقتهم جهاز حاسب آلي شخصي، وقد تم تخزين كتب الحديث داخل هذا الجهاز، وأرادوا من سماحته الاطلاع عليه، الاستئناس برأيه قبل نزول للأسواق، فقال سماحته: فلنختبر جهازكم، واختار سماحته رَحمّثهُ أحد الأحاديث كعينة عشوائية لاختبار قدرة هذا الجهاز العجيب، فقام المسؤول عن تشغيل الجهاز بإدخال مفردات هذا الحديث للبحث عنه وتخريجه، إلّا أن الجهاز لم يستطع الوصول إلى المطلوب، وإن كان قد وصل لبعض الأحاديث التي تعطي نفس المعنى، فقال سماحته: ((إذن ابحثوا عن راوي الحديث))، فتم إدخال البيانات المعطاة باسم الراوي للبحث عن الحديث، ولكن لا نتيجة. فقال سماحته وحمّلهُ: ((إن ابن حجر لم يخطئ فعليكم البحث مرة أخرى، وبعد بحث ومحاولات استغرقت أكثر من ١٥ دقيقة بعدها توصل الإخوة مشغلو الجهاز إلى الحديث المطلوب وبالراوي نفسه، حيث تبين خطأ في إدخال بيانات الراوي وتصحيف تعرض له اسمه جعل من الصعوبة الوصول إلى المطلوب)(١). (١) ((الدعوة)) (١٦٩٣). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٥٣ علو الهمة في طلب العلم (ب) ويقول الدكتور ناصر الزهراني في كتابه: ((إمام العصر)) (ص٤٦) عن سعة علمه: ((أما عن سعة علمه، وقوة حافظته فحدِّث عن ذلك ولا حرج، فهو العجب العجاب، وهبة الوهّاب، كنت أقرأ على سماحته في درس العصر أو العشاء، فأخطئ في كلمة أو أخرم لفظة من الحديث، فيوقفني الشيخ ويقول: أعد فإن أعدت الكلام تامًا صحيحًا سكت، وإن أعدته مع الخطأ بين لي الصواب، ولقد جلست إليه مع عدد من أهل العلم والمعرفة بالفقه والحديث، فيورد أحدهم أسئلة شائكة ومسائل دقيقة، أو يسأل عن صحة حديث أو متنه أو سنده؛ فإذا الجواب حاضرًا كأنما يقرأه الشیخ من کتاب)). (جـ) ومن قصصه الرائعة في مجال سعة العلم، وميدان المعرفة التامة وقوة الذاكرة ما قاله الشيخ عطية بن محمد سالم ريحمّلهُ عنه: ((وذات مرة حصلت قضية من الشيخ أدهشت كل الحاضرين لإحدى المحاضرات الاجتماعية في الجامعة والتي حضرها سماحته، وجاء المحاضرة ليلقي محاضرته ومعه سبورة، وكتب عليها اسم المحاضرة، والنقاط الخاصة بها والجزئيات المتعددة لهذه النقاط، ثم أخذ يشرحها مفصلة بجزئياتها في ساعة ونصف، وبعد المحاضرة طلب من سماحة الشيخ ابن باز أن يعلق عليها، فذكر سماحته نقاط المحاضرة الست وجزئياتها، وعلق على كل نقطة بالتفصيل، ولم يترك شيئًا منها وهي كما ذكرت لك محاضرة اجتماعية وليست فقهية؛ واندهش الجميع من ذاكرة سماحته القوية وذكائه في استيعاب المحاضرة، فلو كنا موجودين لما استطعنا أن نعلق على أي نقطة تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٥٤ صلاح الأمة في علو الهمة دون النظر إلى السبورة وتذكر النقاط))(١). (د) وثمة قصة مماثلة مشابهة ذكرها الدكتور عبد الله بن عمر بن نصيف نائب رئيس مجلس الشورى جاء فيها: ((ولقد لفت نظري علمه وتواضعه وإجماع الناس على احترامه وتقديره؛ وقد تأثرت بحادثة وقعت عندما ألقى الشيخ محمد متولي الشعراوي محاضرة في المدينة عام ١٣٩٢ هـ، أقيمت بمناسبة تأسيس الندوة العالمية للشباب المسلم، وكنت مرافقًا لضيوف الندوة عند زيارتهم للمدينة بعد انتهاء البرنامج الأساسي في الرياض، فقد تحدث الشيخ الشعراوي لمدة ساعة ونصف على الأقل عن مكانة المرأة في الإسلام، وبعد انتهائه من المحاضرة علق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز على إحدى عشرة مسألة وردت في المحاضرة؛ رتبها حسب موقع ورودها في المحاضرة، وناقشها بموضوعية علمية، وفق كتاب الله وسنة رسوله وثي، مما أثار إعجاب الحاضرين بكل الملكات التي مكنت الشيخ من القيام بذلك)). (هـ) وثمة قصة أخرى تدل على علو كعبه وسعة علمه، وتمكنه من العلم، وهذه القصة ذكرها الدكتور محمد لقمان السلفي ومما جاء فيه: ((وقد ألقى في تلك الإيام شيخي المحدِّث العلامة محمد ناصر الدين الألباني محاضرة علمية على طريقة المحدثين، واستمع الحضور إليها استماع التلاميذ إلى درس شيخهم وهابوا لمكانته واعترفوا له بعلو الكعب في مجال علم الحديث روايةً ودراية؛ وكنت أظن ألا أحد يجرؤ على الحديث بعده، وإذا بشيخي ابن باز نَّهُ قام من مكانه وعلق على محاضرة العلامة (١) ((عكاظ)) عدد (١١٩٥٠). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٥٥ علو الهمة في طلب العلم المحدث الألباني تعليقًا علميًا دقيقًا، وأبدى ملاحظات حديثية، كلها كان يتعلق بعلوم الحديث سندًا ومتنًا؛ ثم قام المحدث ناصر الدين الألباني وشكر الشيخ رَحَمّتُهُ واعترف له بغزارة العلم؛ فكانت هذه الواقعة بمثابة دليل قاطع على علو كعب شيخي ابن باز وبروزه من بين معاصريه في علوم الكتاب والسنة، وهكذا ارتسخ في ذهني علو مكانته، وأنه الشيخ الذي يجب أن يُحتذى)) (١). (و) ومن القصص الدالة على سعة علمه ما ذكره الشيخ عبد الكريم التركي -حفظه الله -: ((أن حفظه للمتون والأسانيد ودقته في ذلك أمر معروف لدى الكثير من العلماء وخاصة طلابه، ولديهم الشواهد الكثيرة في ذلك، فيذكر أحدهم أنه في أحد دروسه قبيل وفاته نَّهُ قرأ عليه أحد تلامذته تحقيق مسألة من ورق مصور من ((سنن الدرامي)) و((سنن الدار قطني))، وقال القارئ: هذا من ((سنن الدار قطني)) - خطأ منه- فرد الشيخ عليه وقال هؤلاء ليسوا رجال الدارقطني -أي رجال السند- فتأكد القارئ وإذا به يقرأ من أوراق ((سنن الدارمي)) سهوًا منه))(٢). (ز) ولعلي أختم بقصة تعتبر من أبدع القصص وأروعها في ميدان قوة الحافظة والذاكرة، ومجال سعة العلم، وهي قصة إجابته عن مسألة عجز عن الإجابة عنها كبار العلماء، وهذه القصة ذكرها الشيخ عبد القادر بن شيبة الحمد -حفظه الله - فقال: ((عرفته منذ أكثر من أربعين عامًا، حيث زاملته في التدريس في كلية الشريعة، إبان افتتاحها في الرياض، ومن قبل (١) ((الدعوة)) (١٧٠٦). (٢) (الدعوة)) (١٦٩٤). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٥٦ صلاح الأمة في علو الهمة : في المعهد العلمي، فلم أعرف عنه إلّ سعة العلم، وحب الخير، والتواضع، والكرم، والبذل في سبيل الله تحمّهُ، ثم أردف الشيخ عبد القادر قائلًا: ((وكنت أقرأ في ((بلوغ المرام)) فمرت عليّ مسألة قال عنها الحافظ ابن حجر زَمّهُ: ((وفي الحديث قصة ذكرها البخاري في ((الصحيح))، فسألت عنها العلماء الكبار أمثال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ المفسر محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ المحدِّث عبد الرحمن بن يوسف الأفريقي وغيرهم من كبار العلماء، فكلهم يقول: مرت عليَّ لكنني بعيد العهد بها، وسألت سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عنها، فقال لي: مرت عليَّ وأنا لا أذكرها حاليًا، فقمت أستعرض ((صحيح البخاري)) أبحث عنها في مواطن ومظان وجودها، والحصول عليها، واجتهدت في ذلك ولم آلو، وتعبت من جراء ذلك جدًّا، ثم بعد ثلاث سنوات سألت سماحته عنها من جديد، فأطرق مليًّا ثم قال مرت عليَّ وقيدتها في تعليقاتي على بلوغ المرام، وأمر أحد مساعديه بإحضار تعليقه عليها في البلوغ، فإذا فيه أن القصة ذكرها البخاري في كتاب ((بدء الخلق)) فاستئذنت سماحته في نقل تعليقه عليها، فأذن لي بذلك مشكورًا مأجورًا». ■قلت: ((وهذه القصة تدل على قوة استحضار الشيخ رحمالله لمسائل العلم العويصة، وقوة الذاكرة الحية، وسعة العلم، وحبه للمسائل العلمية وشدة عنايته بها، فرحمه الله ما أکثر وأغزر علمه، وأقوی فهمه، وأبهى درره وفوائده، وأين مثله اليوم علمًا وفهمًا، وإتقانًا وتفانيًا، في سبيل حب العلم ونشره وبذله، وفي الله خلف وهو المستعان)). ■ وعن المواقف المعبرة يقول تلميذه الشيخ الدكتور علي بن تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٥٧ علو الهمة في طلب العلم عبدالعزيز الشبل: ((فمن ذلك تجلّده وصبره في بذلك العلم والتعليم للخير في مجالسه العلمية، ولا سيما الدروس العلمية المرتبة في المسجد، وأوضح ذلك مثالًا درس فجر الخميس الأسبوعي سواء كان في الرياض أو الطائف، والذي يمتد زمن جلوس الشيخ فيه للدرس ثلاث ساعات متصلة تصل الكتب المقروءة قراءة درس وتقرير إلى أحد عشر كتابًا، جلها من كتب المطولات، وهو ◌َمّلهُ لا يمل ولا يكل، ونحن الطلبة يصيبنا من ذلك أنواعٌ منه، إنه زَمّهُ يزداد نشاطًا ملحوظًا عند القراءة في حديث رسول الله قيقة، مما يلمس منه حبه وتعظيمه وولعه بسنة المصطفى وَلي- ويجدد نشاطه أنسابها)). تراه في دروسه جالسًا .. متأدّبًا .. منصِتا حال القراءة .. ثم متحدِّثًا بارعًا أثناء الشرح .. يسأل هذا .. ويطلب من ذلك بحث مسألة ما .. يتنقل من شرح متن إلى قراءة في سيرة .. درس في الفجر، ومن الغد درس بعد المغرب، وفي أيام أخرى دروس عديدة مفيدة متنوعة. هكذا هو الشيخ رآهُ في دروسه دون كلل أو ملل ینشر العلم ويفقه. ويتعجب الأخ الشيخ عبد الله العتيبي من صبر الشيخ وجلده في إلقاء الدروس فيقول: صبر الشيخ على إلقاء الدروس عجيب، فمواظته على الدروس وعدم تخلفه عنها مع كثرة الأشغال لديه؛ يدل على جلد عظيم ومحبة للعلم، ولي مع الشيخ أكثر من عقد من السنين لم يتخلف إلّ مرة واحدة أيام إصابته في رجله اليمنى والحمد لله الذي شفاه، وقال مرة في درس فجر الخميس بعدما استغرق الدرس نحو ساعتين ونصف قال: لولا الأشغال الأخرى لجلسنا مع الإخوان حتى الظهر !! ويستكمل أحد الإخوة هذا المحور قائلًا: لقد أوتي الشيخ في هذا حظًا عظيمًا وقسم له فيه تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٥٨ صلاح الأمة في علو الهمة خير كثير، فرجل بلغ السابعة والثمانين يكون أول من يحضر أو من أول من يحضر لمكان الدرس، مع كثرة دروسه. ثم هو لا يتململ في أثناء الدرس مع ظهور التعب والملل على عدد غير قليل من الحاضرين. فأي جلد هذا رَّتْهُ رحمةً واسعة. أكثر من ثلاث ساعات: وأحد الطلاب الذين انتظموا في الحلقات منذ عام ١٤٠٠ هـ يندهش من جلد الشيخ وصبره على إلقاء الدروس وعدم تململه من طول الدرس ويضيف: قد تجد منا معشر الطلبة ونحن نجلس في راحة ونستمع دون أن نتحدث، من يفقد صبره على حضور الدرس فينصرف وربما يظهر عليه التعب، والنعاس، وسماحة الشيخ يواصل الدرس والشرح ساعتين أو أکثر متنقلا من کتاب لآخر دون كلل أو ملل أو فتور. دروسه العلمية: كانت الدروس التي يقوم بإلقائها سماحة الشيخ ابن باز ريحتمّهُ دروسًا علمية، مفيدة قيمة في بابها، ماتعة في لبابها، عظيمة النفع، يانعة الثمار تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فقد قرئت عليه الكتب الستة (١)، و((مسند (١) قال سماحته زَحَمَّهُ: لم تقرأ الكتب الستة كاملة عليَّ، بل شرعنا في بعضها وانتهينا من أغلبها وقرئت عليَّ سنن النسائي نَحمّلْهُ كاملة في تسعة وعشرين يوما، قرأها عليَّ الشيخ صالح بن حسين لاعراقي رحمه الله، قلت: وقرأها كاملةً عليه مرة أخرى تلميذه وخليفته شيخنا العلامة عبد العزيز بن عبد الله الراجحي. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٥٩ علو الهمة في طلب العلم الإمام أحمد))، و((موطأ الإمام مالك))، و((سنن الدارمي))، و((صحيح ابن حبان))، و((تفسير ابن كثير))، و((زاد المعاد))، و(كتاب التوحيد))، و((فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) و((الأصول الثلاثة))، و((الدرر السنية))، و((إغاثة اللهفان))، و((العقيدة الواسطية))، و((الفرائض))، و((منتهى الأخبار وأصول الأحكام))، و(النخبة)) -نخبة الفكر - و((الاستقامة)) و((جلاء الأفهام))، و((بلوغ المرام))، و((الحموية))، و((السنن الكبرى)) للنسائي، و((العقيدة الطحاوية)) و((منار السبيل مع إرواء الغليل))، و((الصارم المسلول على شاتم الرسول))، و((رياض الصالحين)) و((الرحبية))(١). ■ وكانت تلك الدروس تغشاها الهيبة، وتتنزل عليها السكينة، من حيث وقار الشيخ، والإنصات من طلابه والمواظبة على المتابعة في أثناء الدرس، مع الإصغاء التام لكلام سماحته حتى يخيل أن مجلس سماحة الشيخ نمّهُ كمجلس عبد الرحمن بن مهدي -شيخ الإمام أحمد وأحد أئمة السنة علمًا وعملًا- الذي وصفه أحمد بن سنان بقوله: ((كان عبدالرحمن بن مهدي لا يُتحدث في مجلسه ولا يُبرى قلم ولا يقوم أحد فيه، كأنما على رؤوسهم الطير، أو كأنهم في صلاة))(٢). ■ وفي تلك الدروس تبرز قيمة تعظيم النصوص الشرعية والوقوف عندها والأخذ بالدليل الصحيح، وعدم الالتفات إلى الآراء الشاذة، والأقوال المهجورة، ولله در سماحته فکم أحیا سُنًا، وأمات بدعًا، ونشر علمًا، وأزال جهلًا، رَحمّلهُ. (١) انظر: ((نفح العبير من درس الجامع الكبير)) (ص ٥). (٢) «تذكرة الحفاظ)) (ص٣٣١). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٢٫٠٠ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٢٦٠ صلاح الأمة في علو الهمة ، وترى في تلك الدروس من سماحة الشيخ تحمّهُ الحافظة العجيبة، والاستحضار السريع، وإذا أردت مصداق ذلك بلا ريب، فاستمع إلى سرده للآيات والأحاديث النبوية وأقوال السلف المرضية، التي يستشهد بها في محاضراته ودروسه اليومية، وإنني أجزم لو أدركه الذهبي نَعَمّثهُ لترجم له في (تذكرة الحفاظ). وفي تلك الدروس العلمية النافعة، ترى الدمعة الصادقة، الصادرة من قلب مليء بالإيمان، مفعم بالصدق والإحسان، فسماحته نَّهُ سريع الدمعة تسبق عبرات دموعه عبارات كلامه في كثير من المواقف، مما يضفي على كلامه ومجلس درسه شعورًا إيمانيًّا روحانيًّا، وخاصة عند مواقف السيرة النبوية على صاحبها أتم الصلاة وأفضل التسليم. وقد قرئ على سماحته رَم ◌َثُ بعض الكتب العلمية النافعة، ورأيت من تمام الفائدة سردها وبيانها مستفيدًا وناقلًا مما ذكره الأخ الفاضل الشيخ خالد بن عبد الرحمن الشايع -سلّمه الله - في مجلة ((الدعوة)) (عدد: ١٧٠٠). ١ - ((صحيح البخاري)) وشروحه ((فتح الباري)) للحافظ ابن حجر، و((عمدة القاري)) للعلامة العيني، و((شرح الكرماني))، ويكون الرجوع إليها عند الحاجة والإشكال وخاصة ((فتح الباري))، وقد تعاقب على قراءته شيخانا الكريمان عبد العزيز بن عبد الله الراجحي وعبد العزيز بن إبراهيم القاسم، هذا في درس الفجر حيث ختم مرات، أما في درس المغرب فقد قرأ الشيخ خالد المقرن، ثم الشيخ عبد العزيز السدحان وكلاهما بدأ ولم ينه القراءة. ٢- ((صحيح مسلم))، وشرحه للإمام النووي، وتعاقب على قراءته تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com