Indexed OCR Text
Pages 101-120
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٠١ علو الهمة في طلب العلم يرحمه الله - العناية بأهل العلم والفرح بزيارتهم له وإكرامهم. ■ وذكر الشيخ أبو تراب الظاهري أن عالمًا من الهند نزل ضيفًا على الشيخ في منزله العامر ((بحارة اليمن))، وظلّ شهرًا يطالع الكتب ويأكل ویشرب وینام. ■ قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثیمین في معرض حديثه عن الشيخ نصيف: ((كان رَّتْهُ مأوى لأهل العلم في جُدَّةٍ)). ■ وقال الشيخ علي الطنطاوي: («كانت دارُ هذا العالم محطةً لكبار الحجّاج من أهل العلم وأهل الصدارة في كل بلد. ولم يكن في جُدَّة فندق، فكانت داره هي الفندق الكبير لكل العلماء والأعيان والوافدين. لقد كان زَمَّتْهُ حدبًا على العلماء، يتعاملُ معهم تعاملَ الأخ مع إخوانه، يتجاذبُ معهم أطراف الحديث وألوان المرح، بالرغم من علو منزلته، ورفعة قدره، وإقرار الجمیع له بفضله. ■ وصفوة القول: «إن الشیخ نقُّ في هذا الخصوص کان لا يُشق له غبار بل كان له القِدْحُ المعلِّى في ذلك، وقد شهد الأصدقاءُ والأعداء بحسن خُلُقه وكرم ضيافته وسمو أخلاقه -والفضل ما شهدت به الأعداء-؛ وسوف تطالع -أخي القارئ- رسائلَ عِدَّةً في فصل الرسائل والمسائل هي شاهدُ صدق على كرم ضيافته وحُسْن حفاوته بالعلماء العاملين والدعاة المصلحين، ولعلك تدرك ما لهذا العالم من خصالٍ كريمة ومآثر حمیدة في الدین والدنیا». ■ يقول الدكتور عبد الله عمر نصيف عن جده: «كان اهتمامه بفتح المنزل في النقاش العلمي لكل الناس -دون حجر على أحد-، وكان تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٠ ٠ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٠٢ صلاح الأمة في علو الهمة يستضيف مَن يعرف ومَن لا يعرف، وكنا نذهبُ للميناء، وكانت الطائراتُ قليلةً للغاية، ونسأل عن الذي لا يكون له أحد، أو لا يستطيع أن يجد من يستضيفه، فكنا نستضيفُه مباشرةً دون أن نعرفه، وبعضُ الناس كان يأتي إلينا للسماع، فكنت أجدُ أحيانًا أربعين ضيفًا دفعةً واحدةً يمثِّلون أصقاع الأرض كلها .. ثم يقول الشاهد: إن الاستضافة ما كان لها حدود؛ لأن الجد كان يعتبر أن هذا العمل قربةٌ إلى الله سبحانه. ج- مُساعَدتهُ طلبةَ العِلمِ وحَمَلَة الشريعةَ: كان الشيخُ العالم ◌َمّتْهُ محبًّا لطلاب العلم، حدِبًا عليهم، مؤثرًا لهم على غيرهم، يجلس إليهم، ويستمع إلى حديثهم، ويجيب على ما استشكل عليهم، في أدبٍ جمٍّ وصبرٍ جميل، يساعدُهم من ماله وبعلمه، ويُمدَّهم بالكتب التي يرى أنهم في حاجةٍ إلى الاستفادة منها. ■ يقول أحد معاصريه: ((لقد كان رَّتُ هدفًا ومقصدًا لطلاب العلم والعلماء في جميع أنحاء المملكة، وفي أنحاء العالم العربي والإسلامي، لا يوجد عالم أو طالب علم باحثٌ محقق، إلَّا ويعرف الشيخ محمد نصيف، ويعرف داره ومكتبته زائرًا أو ضيفًا، نزيلًا أو باحثًا. ■ وذكر الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المعلِّمي موقفًا نبيلاً من مواقف الشيخ نَمّهُ مع طلبة العلم فيقول: ((أذكر مرةً أن طلبةَ كلية الشريعة بمكة المكرمة، كُلَّفوا بأبحاث يقدمونها. وكان الدكتور ((علي أبا حسين)) عراقي الجنسية، هو المكلّف لهم بهذه البحوث، ومن مراجعهم ((الارتسامات اللطاف)) لشكيب أرسلان، فلما سُئلت عنه وأجبتهم بالنفي، أخبرتهم أن الكتابَ لا يوجد إلّا في مكتبة الشيخ محمد نصيف، تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٠٣ علو الهمة في طلب العلم وعلى الفور نزل منهم ثلاثةً يطلبون من الشيخ تمكينَهم من الاطلاع عليه والاستفادة منه في منزله، فما كان من الشيخ إلّا أن أجابهم إلى طلبهم، ولكنه سألهم: هل يوجد هذا الكتابُ في مكتبة الحرم؟ فقالوا: لا يوجد. فقام الرجل العالمُ إلى أحدٍ رفوف مكتبته وتناوله وقال لهم: راجعوا مكتبة الحرم الشريف غدًا، أو بعده تجدونه فيها. وعلى الفور أرسله للمكتبة وكتب على النسخة إهداءً لها)). ■ وكتب إليه مدير مكتبة الحرم المكي في ١٣٨٥/٧/٢٣ هـ: بسم الله الرحمن الرحيم صاحب الفضيلة الشيخ الجليل محمد أفندي نصيف الموقر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،، أرجو دوام الصحة والسعادة، فقد تسلمت خطابكم الكريم المؤرخ في رجب ١٣٨٥ هـ، وما تضمنه من أن طلبة الدار قد وصلوا إليكم لمراجعة كتابي ((الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف)) الأمير شكيب أرسلان، و((وما رأيت وسمعت)) لخير الدين الزركلي؛ وذلك لعدم وجود هذين الكتابين في مكتبة الحرم، وقد نزلوا إليكم لمتابعة بحثهم؛ ولعلمهم بأن مكتبتكم الشهيرة لا تخلو من هذه الكتب، هذا وقد تفضَّلتم فبعثتم إلينا كتاب ((ما رأيت وسمعت)) مع أحد طلبة كلية الشريعة، وقد قُيد في سجل المكتبة والفهرس باسمكم، وأصبح الطلبة يراجعون فيه الآن، وقد وفّرتم عليهم عناء النزول إلى جُدَّة، ونرجو عندما تتحصلوا على كتاب ((الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف)) الأمير شكيب أرسلان أن تبعثوه إلينا، لتتحقق الفائدة المطلوبة؛ ٩٠ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة ١٠٤ - وليجد طلابُ كلية الشريعة منالهم فيه، والحقيقةُ أن هذه ليست أول مكرُمةٍ منكم، فالمكتبة لا تَنسى أياديكم البيضاء وأفضالكم عليها، ففي المكتبة الشيءُ الكثير من هداياكم القيمة من الكتب العلمية المفيدة التي تطبع على نفقتكم الخاصة، وما تشترونه بالثمن، وما يوزّعُ على يديكم، بارك الله فيكم، وكتب لكم الأجرَ والمثوبة، وأخيرًا -وليس بآخر - أشكركم جزيل الشكر على هذا الاهتمام المتزايد، وأرجو لكم مزيدًا من العون والتوفيق، وتقبلوا فائق الاحترام)». ■ ولا يُنسى للشيخ محمد نصيف جهده العظيم والمبارك في المشاركة العظيمة في تأسيس ((دار الحديث)) بمكة المكرمة. عنايته بكتب العقيدة والعمل على نشرها: لقد بنى الشيخُ رَمَّهُ ثقافته بصفةٍ عامة على أساس متين من العلم الواسع بكتاب الله وسنة رسوله وَاليه مع ما أوتيَه من أصالةٍ وعبقرية وعقل متفتحٍ وخاطرٍ فياض، ولقد كان لهذا كلِّه أبلغُ الأثر في الذب عن مذهب السلف وإحيائه بعدما كان طامسًا ودارسًا، ولقد بذل في ذلك غايةَ وسعِه واستفرغ جهده، فما من كتاب نافع يُعنَى بأمر العقيدة ويحثّ على الفضيلة إِلَّا ويبادر بشراء كميةٍ منه ويقومُ بتوزيعه، وإهدائه على من يظنُّ أنه يَنتفع به، فأفاد بذلك المؤلفين وأعانهم، ونفع القارئين وأفادهم. كما كانت له رَمّثهُ همّةٌ عالية في طبع الكتب ونشرها، ومن هذه الكتب التي طبعها على نفقته - محتسبًا أجرها وثوابها عند الله -. ١ - ((كتاب التوحيد)) للشيخ محمد بن عبد الوهاب رَحمّلهُ طبعة الهند. ٢ - ((العلو للعلي الغفار)) لمؤلفه محمد بن أحمد الذهبي. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٠٥ علو الهمة في طلب العلم ٣- (الجواب الباهر في زوار المقابر)) لمصنفه ابن تيمية. ٤ - ((الرد الوافر فيمن زعم أن شيخ الإسلام ابن تيمية كافر» لمصنفه ابن ناصر الدین. ٥ - القصيدة النونية المسماة ((بالكافية الشافية)) لابن القيم. ٦ - (شرح القصيدة النونية)) للشيخ محمد خليل هراس تحمَّهُ. ٧- (توضيح المقاصد وتصحيح القواعد)) للشيخ أحمد بن عيسى. ٨- ((مفتاح الخطابة والوعظ)) لمؤلفه محمد أحمد العدوي. ٩- ((مختصر زاد المعاد في هدي خير العباد)). للشيخ محمد بن عبدالوهاب. ١٠ - ((غاية الأماني في الرد على يوسف النبهاني)) للسهسواني. ١١ - ((إيقاظ الوسنان من وسوسة الشيخ دحلان)). ■ ومن الكتب التي سعى في نشرها وبمعاونة المحسنين: ١ - ((الخطوط العريضة التي قام عليها دين الشيعة)) لمؤلفه محب الدين الخطيب. ٢ - ((منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة والقدرية)) لابن تيمية. ٣- ((شرح السنة)) للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي. ٤ - ((العقيدة الواسطية)) لمؤلفها شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية. ٥ - ((ملخص الفتوى الحموية)) لمؤلفها الشيخ محمد بن صالح العثيمين. ٦ - ((الدين الخالص)) لمؤلفه صديق حسن خان. ٧ - ((الطرق الحكمية)) لمؤلفه ابن قيم الجوزية. ٨- ((الرد على الجهمية)) للدارمي. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٠٦ صلاح الأمة في علو الهمة ٩ - ((الوابل الصيب من الكلم الطيب)) لمؤلفه ابن قيم الجوزية. ١٠ - ((الرد على شبهات المستعينين بغير الله)) للشيخ أحمد بن عيسى. ١١ - ((كتاب التمهيد)) للحافظ ابن عبد البر النمري. ١٢ - ((البهائية وتاريخها)) للكاتب عبد الرحمن القاهري. وغير ذلك کثیر. ■ ومن دفاعه عن السنة وحماسه منقطع النظير في الرد على أعدائها أنه ساعد في نشر وطبع كتاب ((ظلمات أبي رية)) للشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، وكتاب ((التنكيل في الرد على ما جاء في كلام الكوثري من الأباطيل)) لمؤلفه الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي نَمّتْهُ وغير ذلك کثیر. هذا فضلاً عن عدد من المقالات لا تحصى كثرةً خطَّها الشيخُ بيده ردًّا على هؤلاء المبتدعة وأعداء السنة، فكان خيرَ خلف لخير سلف. ■ ونشرت جريدة ((الندوة السعودية)) في عددها رقم (٣٤٤٣) بتاريخ ٢ ربيع الثاني لعام ١٣٩٠ هـ الموافق ٧ حزيران ١٩٧٠ م بأن ((الشيخ محمد نصيف قام بإهداء مكتبته الكبيرة الخاصة التي تزيد قيمتها عن مليون ريال لمدينة جدة نواة لمكتبتها العامة .. وهو إهداء عزيز تفخر به هذه المدينة وأهلها الطيبون. إن هذه الهدية السخية من الشيخ الفاضل محمد نصيف هي تعبيرٌ جميل ومشاركةً علمية ومادية قضى في جمعها ٧٣ سنة من عمره. كتب إليه أحدهم: وصلتْ هديتُك المباركة التي أَهدت إلينا فرحةً وسرورا تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٠٧ علو الهمة في طلب العلم أسفارُ علم يا لها من روضةٍ غنّاءَ تُولى قارئيها نسورا يُهدى به من ظلمة الجهل التي أهوت بهم في المهلكات بحورا يا أيها العلَّامة العَلَم الذي للسنَّة الغرَّاء صار نصيرا ما زال يقفو إثرَ سادات قفَوا آثار أرباب الحديث دهورا بحاثةٍ قد أحرز التصديرا لله من علَّامة نظَّارة سُننَ الذي للعالمين نذيرا سكن المدينةَ عمره ◌ُحیی بها خيرًا ودمتَ ممتَّعًا مسرورًا وجزاك يا ابن حسين يا عزَّ الهدَى وبَقِيتَ بدرًا للعلوم منيرا وعليك منّا في الختام تحيةً وحين سُئِل عنه الشيخ ابن باز رَمّهُ كتب قائلًا: ((من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، وفقه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبر كاته، وبعد: فجوابًا لكتاب معاليكم الكريم رقم ٢١١/١/ م في ١٤١٢/١/٢٠هـ المتضمن رغبتكم مني تزويدكم بما أعلم عن حياة فضيلة الشيخ محمد بن حسین نصیف. أفيدكم بأني أعرف منه رَحمّهُ العنايةَ بأهل العلم، والفرحَ بزيارتهم له، تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٠٨ صلاح الأمة في علو الهمة وإكرامَهم، مع حسن العقيدة وبذل المستطاع في إعانة طلبة العلم .. ضاعف اللهُ مثوبته، ورفع درجته في المهديين، وأصلح عقبه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب الشيخ محمد بن صالح العثيمين: الحمد لله رب العالمين. وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. الذي أعرفُه عن هذا الرجل -الشيخ محمد حسين نصيف ريَمّثهُ - أنه من خيرة الرجال، كرمًا وخلقًا، وأنه كان مأوى لأهل العلم في جُدَّة، عرفتُ ذلك من خلال شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي رَمّثهُ، لأنه كان يثني عليه كثيرًا، وقد صحبته - أي صحبت شيخنا- مرةً أو مرتين في الحضور إلى منزل الشيخ محمد حسين نصيف زَمّهُ، ورأيتُ في بيته -أي في بيت الشيخ نصيف- طلبةَ العلم والمشايخ، ورأيتُ مكتبةً حافلة بالكتب، وأستطيع أن أقول: إن كل مكانٍ دخلتُ عليه يمثل مكتبة؛ لأن الكتب في كل مكان، والدواليب ملأى بها، حتى أنه يصعد إلى أعلى الكتب بالسُّلِّم، فهي مكتبةٌ عظيمة وكبيرة، كما لمست خُلُقَه الحسن زَمَ ◌ّتْهُ، وكان من جملة ما أحفظ أنه قال لشيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي رَمّتْهُ: يا شيخ، النحويون يقولون: ((لا تأكل السمك وتشرب اللبن)) - أي لا تجمع بينهما-، ونحن نجمع بينهما يا شيخ، أظن أن شيخنا تبسم وقال: إن للعادات أحوالًا قد تغير الواقع. وأما ما لمسته من حرص الشيخ محمد نصيف نحمّلهُ على بذل العلم، فقد علمتُ ذلك بحرصه رَخَّهُ على طبع الكتب المفيدة، ولا سيما فيما تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٠٩ علو الهمة في طلب العلم يتعلق بالعقيدة، وتوزيعها على طلبة العلم، كما أذكرُ أنه رَمّتْهُ طَبع لي أول ما كتبته من المؤلفات، وهو ((تلخيص الحموية)) المسمى بـ((فتح رب البرية))، وكذلك كان يرسل إليَّ مما يكون تحت يده من المطبوعات، وقد طلب مني ذات يوم التعليقَ على عقيدة السفاريني، وقد كتبت ذلك وأرسلته إليه. والحقيقة أن الشيخ محمد حسين نصيف ◌َخمّهُ كان مضربَ مثل في الأخلاق التي جبله الله عليها. فلقد كان نَّهُ حسن الأخلاق، كريمًا بشوشًا. وإن الكتابة عن أهل الخير والفضل فيها خيرٌ، لأن الناس يقتدون بهم ويدعون لهم. نسأل الله له المغفرة والرضوان، وأن يجمعنا وإياه وإخواننا المسلمين في دار كرامته. کتبه محمد بن صالح العثيمين وكتب الشيخ علي بن محمد الهندي: ((الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وأزواجه المطهرين. وبعد، فإن صلتي بالمترجم له الشيخ محمد بن حسين نصيف نَّهُ وصدقاتي له، صلةُ أخوَّةٍ وحُبِّ متبادَل، وكنت أكثر زيارته أنا والشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين علَّامة زمانه، فكنا نجدُ من الشيخ محمد نصيف المحبةَ الصادقة والودَّ الصافي، وهذا ليس لنا خاصةً، بل لجميع من يزوره، فهو تخلّهُ كما قال الشاعر: لا تنقُلوا الأقدام إلّا إلى من عنده لكموا فائدةٌ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة أو الكريم عنده مائدةٌ إما لعلم تستفيدونه - ١١٠ وفضيلة الشيخ محمد حسين نصيف جمع بين الاثنتين: كرم العلم، وكرم الطعام، فقد كان نجمّلهُ يزوره الملوك، ومنهم حسين الشريف أيام كان حاكمًا لمكة في الحجاز، ويأبى الشريف إلّا أن يدخل المكتبة، وكان الشيخُ نصيف لا يرغب دخول مثله في المكتبة؛ لأنه ربما أخذ كتابًا لا يستطيع أن يمنعه، والمكتبةُ حافلةٌ بالمخطوطات التي قد لا توجد في الدنيا لغرابتها وندرتها، ثم لما دخل الملك عبد العزيز تحمّهُ الحجاز صار يزوره بين الآونة والأخرى، ويدخل المكتبة أيضًا، فيأخذ كتابًا، ويأمر الشيخ نصيف بقراءته عليه، وهذا ما حدثنا به قارئ الملك عبد العزيز -ابن غصن -. كان بيتُ الشيخ محمد نصيف نَّهُ مأوى عامًّا للملوك والعلماء وطلبة العلم ولعامة الناس، وكان رَمّلهُ، يحب النكت، فقد زرتُه أنا والشيخ صالح العثيمين ضحّى، فوجدنا عند ثلاثةً من الدكاترة، فسأل الشيخ العثيمين الشيخ نصيف، من هؤلاء؟ فقال الشيخ: هؤلاء دكاترة، فالتفت الشيخ العثيمين إلى أحدهم وقال: دكتور في أي شيء؟. قال: دكتور في النحو، ثم سأل الثاني: دكتور في أي شيء؟ قال: في التاريخ والمغازي، ثم سأل الثالث: دكتور في أي شيء؟ فقال: دكتور في الحديث وأصوله. فسأل العثيمينُ الأول قائلًا: أعرب البيت الآتي: بلا ذنب أتيتُ بها سلامًا بثينةَ شأنها سلبتِ فؤادي قال له ما الذي نصب بثينة؟. فأجابه بعد تفكير قائلًا: لا أدري !. ثم سأل الثاني: ما الفرق بين الغزوة والسَّرِيَّة؟ فأجاب بعد تفكير تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١١١ علو الهمة في طلب العلم قائلًا: لا أدري !. ثم سأل الثالث: ما الفرق بين المرسَل الخفي والمرسل المطلَق في الحديث؟ فأجاب: لا أدري !. فاتجه الشيخ العثيمين إلى الشيخ نصيف وقال له: يا شيخ نصيف ((دكتور))! فضحك الشيخ نصيف حتى استلقى على كرسيه، ثم قال الشيخ ءِ العثيمين: لا أقول هذا تنقّصًا من الدكاترة، فكثير منهم أعلم منا وأفقه وأدین. وزرته يومًا أنا والشيخ العثيمين وطلبنا منه كتابًا موجودًا عنده فقال الشیخ نصیف: لا، فدعونا له وأكثرنا الدعاء لعله یلین، فرفض ذلك؛ لأن الكتاب غريبٌ جدًّا؛ وذلك خشية أن يشيع اسمُ الكتاب فيطلبه من لا یستطیع رفضه. كان زَمّتْهُ رحيمًا رقيقًا، وكان إذا زرناه يُتْحِفُني بالسؤال عن جميع العائلة. كما كان رَمّتْهُ لذيذَ الحديث، حلو الكلام، هادئًا في الإجابة عما يوجَّهُ إليه من أسئلة، حتى ولو كانت مُحُرِجة، ذلك لأننا كنا والشيخ العثيمين نوجِّهُ أحيانًا أسئلةً تكون محرجةً، لكنه يجيبنا بهدوءٍ وصفاءِ قلب، ویأتینا بما نريد باختصار. وكان الذي يجالسُه لا يملّ حديثه، ولا الجلوسَ معه، وكان رَمّلْهُ سليم التوحيد، صافي العقيدة، وكان يحرصُ على أن يكون الناسُ جميعهم كذلك، فقد حضرنا والشيخ صالح العثیمین مجلسًا له، يوجد فيه ناس ظهر له أنهم شكّكوا في العقيدة والتوحيد، فكان يوضّحُ لهم المسائل أحسن توضيح، فسألناه عن شيخه في ذلك، فقال: شيخي أحمد بن تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١١٢ صلاح الأمة في علو الهمة عيسى. وذكر أن الشيخ ابن عيسى يزوره كل أسبوعين مرةً، ويجتمع بهم الشيخ التلمساني الذي عقيدته كعقيدة الشيخ محمد نصيف، ومكتبته العامرة - يرحمه الله- والتي سبق أن أشرنا إليها، وكان من بينها مما عرفت تاريخ الأشراف (أشراف مكة)، وتاريخ آل سعود، وسيرة محمد بن إسحاق، والتي لم تكن توجد عند غيره، والتي اختصرها ابن هشام. هذا ما يتعلق بالتاريخ. أما الحديث، فعنده الأطراف للمزي، وفي أسماء الصحابة ((الإصابة)) لابن حجر، و((الاستيعاب)) لابن عبد البر و((أسد الغابة)) لابن الأثير، وكلها مخطوطة، أما الأنساب، فعنده: ((الأنساب)) للسمعاني مخطوط، وكذا ((الإكمال)) لابن ماكولا مخطوط. وكتاب ((الإشراف على مذاهب الأشراف)) في الأنساب. بدأ فيه من آدم الشهر، وكذا تاريخ ابن كثير مخطوط، إضافةً إلى كتب كثيرة مخطوطةٍ لا تحصى كثرة. أما المطبوعات فقليلة جدًّا. - هذا وأسألُ الله التوفيق والسداد والحمد لله رب العالمين. وقال عنه الشيخ علي الطنطاوي: ((توجَّهْنا حين وصلنا جُدَّة إلى دار الأفندي: الشيخ محمد نصيف رحمة الله على روحه، وكانت دارُه محطةً لكبار الحجاج من أهل العلم وأهل الصدارة في كل بلد، فكأنها دارُ خرقاء التي قال فيها ذو الرِّمة: على خرقاء واضعةَ اللثام تمام الحج أن تقفَ المطايا وكنت أعرف عنه الكثير من خالي محب الدين الخطيب الذي كان في تحرير ((القبلة)) الجريدة الرسمية على عهد الشريف حسين التي حلّت محلها ((أم القرى))، ومن الشيخ محمد بهجة البيطار الذي كان مع الشيخ حامل تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٠ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١١٣ علو الهمة في طلب العلم القصاب الذي وضع أساسَ التعليم الرسمي في المملكة أوائلَ عهد الملك عبد العزيز رحمه الله رحمةً واسعة، ورحم كل من ذكرتُ. فلما التقينا وجدتُ الشيخ أنبلَ وأفضل مما سمعت عنه، وما كنت أحسبه مبالغةً في المدح، أصفُه في كلماتٍ قبل أن يتشعب بي الحديث فأضيع وأُضيِّع القرَّاء بين شعابه: كان نبيلًا أصيلًا لا متكلفًا، كان طبعًا فيه لا تطبعًا فلو أراد العدول عنه لما استطاع، فكأن حاله تشير إلى قول أبي تمام: ثناها لقبضٍ لم تُجِيْه أناملُه تعوَّد بسط الكف حتى لو انه وكان عالمًا بالحجاز وأهله وحُكَّامه، فكأنه تاريخ يمشي على قدمين، يعرف الدول والناس، كما يعرف الكتب، وعنده مكتبةٌ من أنفس ما عرفت من المكتبات، ولقد عرفتُ مكتبة أستاذنا: محمد كرد علي في دمشق، وإسعاف النشاشيبي في القدس وأحمد تيمور باشا وأحمد زكي باشا في مصر، ومكتبة ندوة العلماء في (لكنو) في الهند، ومكتبة الحاج حمدي الأعظمي في بغداد، ومكتبات لا أحصيها الآن فوجدت مكتبة الشيخ محمد نصيف من أكبرها، وكانت مكتبتُه مثلَ مائدته مفتحةً الأبواب لكل قادم. كانت المائدةُ منصوبةً كل يوم، لا يسألُ الداخلَ إليها عن اسمه، وكانت في داره غرفةٌ معدةٌ للمنام، من زاره وشاء أن ينام فيها نام. ولما أقمت في مكة (من سنة ١٣٨٣ هـ إلى الآن) كنت أنزل إلى جُدَّة كل أسبوع لأحدِّث في الإذاعة، ولم يكن قد أنشئ الرائي (التليفزيون) فكان أولُ مكان أقصده إن دخلتها هو دار الشيخ، وآخرُ مكان أتركه إن تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١١٤ صلاح الأمة في علو الهمة خرجت منها دار الشيخ، ولم أكن من طبعي أن أنطلق على سجيتي عند الناس فآكلَ وأشرب إلَّا عند الشيخ وقلَّةٍ من أصدقائي ومن هم بمثابة مشايخي، فكنت أشعر عنده كأني في بيتي، وكنت حينًا أجدُ عنده كلما جئت إلى جُدة رجلًا، ينام في الدار، ويأكل على مائدةٍ صاحبها، ويأخذ حريته كاملة، فسألته عنه فقال: ما أعرفه ولكني لقيته مرة في بيروت !. وإذا كان موعدُ الحج وتجهّز له، حجَّ معه كلّ من كان حاضرًا ومنهم من لا يعرف أسماءهم، يذهبون معه ويرجعون ويأكلون ويشربون، ينفق هو عليهم، ويعلمُهم مناسك الحج، ويُرشدهم، ويوليهم من كرم نفسه وكرم يده أكثرَ مما يبلغه أملُ الآملين. وكان متبعًا للسنة، محاربًا للبدع، وكان سلفيًّا من قبل أن يدخل آل سعود الحجاز حاکمین، وکان کلما اطلع علی کتاب نافع اشتری منه ووزع نسخة هدية على من ظن أن ينتفع بها، فأفاد بذلك المؤلفين وأعانهم، ونفع القارئين وأفادهم. لم يكن في جُدَّة فندق، فكانت داره هي الفندق الکبیر، ولكنه كان فندقًا بالمجَّان، لا يُكلِّف النزيلُ فيه مالًا، ولم تكن فيها دارُ ضيافةٍ رسمية، فكانت دارُه دارَ الضيافة ينزل بها كل من أمَّ جُدَّة من عظماء الرجال، فيها كان ينزل الوالي على عهد العثمانيين، وخبرني أن آخر سلاطينهم نزل فيها بعد أن قضى مصطفى كمال -الذي دعوه أتاتورك- (أي أبا الأتراك) على الخلافة، وسلب قومه أشرفَ ما كانوا يعتزون به، وحكم على أكثرهم بالأميّة لما ترك الحرف العربي الذي شرفه الله فكُتب به القرآن، وألزمهم بالحروف اللاتينية التي لا تُغني عنها، ولا تسد مسدَّها، ولكنه لم يستطع تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١١٥ علو الهمة في طلب العلم إبعادهم عن الدين، ولا يزال الشعب التركي متمسكًا بالإسلام، وسيأتي يومٌّ قريب تسقط فيها هذه البدعة الجديدة، ويعودون إلى دينهم كما عاد الآذان بالعربية. وقد خبَّرني من شهد عودته أنهم لما سمعوا (الله أكبر - أشهد أن لا إله إلّا الله) باللفظ العربي المبين كما جهر به بلال يوم الفتح على ظهر الكعبة، لا ترجمته بالتركية التي لا روح فيها ولا جلال، لما سمعوه كان يوم عيد لهم تبادلوا فيه التهنئات. وفي دار الشيخ نصيف نزل الشريف حسين (الملك حسين) وابنه الملك علي في أواخر عهدهما، كما نزل فيه الملك عبد العزيز في أوائل عهده نَّهُ ورحم الجميع. وبعد، فهل ترَونني أحسنتُ الكتابة عن الشيخ؟ هل أستطيعُ أن أنقل إليكم صورةً -ولو باهتة- عما في نفسي عنه من الإكبار، وما له فيها من الحب؟. هل عرضتُ عليكم طرفًا من ذكرياتي عنه؟ هيهات! وهل تدخل ستون سنةً من أحلى العمر في ستين سطرًا في كتاب؟. هل نختصر البحرَ في قطرة، والروضَ في زهرة، وأيامي مع الشيخ في مجالسه مع الصفوة المختارة من الناس، وفي انفرادي به في أيام زياراتي لجدة، وفي ليالي رمضان، وما سمعتُ منه، وما استنفدته من معرفته ومن ذكرياته ومما مر به من الأحداث؟ لو دونت ذلك لكان منه كتاب من أنفس مما قرأ الناس من كتب. ولكن لماذا أشارككم ذكرياتي وهي مِلكي وحدي، أتعللُ بها تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com - ١١٦ صلاح الأمة في علو الهمة وأسترجعها ولا ترجع لي أيامي معه فما مضى لا يعود، ولكن أعودُ أنا إليها بالذکری. فلماذا أفرط فيها، وقد جمعتها ساعةً فساعة كما يجمع البخيلُ ماله قرشًا إلى قرشٍ، فأجعلها تسليةً للقراء؟. وبعدُ، مرة ثانية، فرحم الله الشيخ الذي لا أحسبُ أنه سيخلفه الزمان، قد نجد في الکرم: کرم النفس، وکرم الید مثله، وقد نلقَی من له مثلُ مكتبته ومثل ولعه بالكتب ومن له مثل معرفته بالرجال، ولكن أین من جمع من هذه الدنيا كلها ومن خصال الخير مثل ما كان للشيخ؟. وكتب عنه الشيخ أبو تراب الظاهري: ((الشيخ محمد نصيف أفندي عين أعيان الحجاز !!. كانوا يدعونه رَحمّلهُ ((أفندي نصيف)) وهو الشيخ الجليل الوقور الماجد المفضال محمد حسين نصيف، أحد أعلام الحجاز، وصدرُ صدور جُدَّة، من أعيان القرن الرابع عشر، ميلاده في أوله، وكان مرجعَ الباحثين من العلماء والأدباء، وكان بيته منتجعَ السلفيين، ومرتادَ المؤرخين، ومقیلًا لنُشَّاد المعرفة، ومَضِيف للواردين، وأن بعضهم لَیمکثُ فیه أیامًا وليالي، ويأوي إليه شهرًا أو أكثر، فيجد غِذاءَ الفكر بالعلم، وغذاءَ الجسم من أطايب الأطعمة اللذيذة التي كانت تربو بها مائدةُ الشيخ القرم اليومية التي كانت تمتدُّ على طول غرفة الطعام والضيافة. ٠ ولقد سكنتُ عنده ذات مرة شهرًا، ورأيتُ هذا بعيني، ثم ترددتُ عليه مرارًا ((لا تحصى))، فكان هذا دأبه في الضيافة، ولم أر مضيافًا أكثرَ منه احتفاءً بالضيف، ولا سيما إذا كان من أهل العلم، على طيب النفس فيه تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١١٧ علو الهمة في طلب العلم وسخاوتها وحب الضيافة، جِبِلَّةً جُبل عليها، وقوَّى أصلها العمل بالحديث النبوي الشريف في إطعام الطعام. وأصاب كبد الحقيقة السيد محمد رشيد رضا، إذ كتب في مجلة ((المنار)) مقالة عنونها ((محمد نصيف نعم المضيف)). وكان نَمّهُ يتميز بخلقٍ حسن وفي طبعه فكاهةٌ ودعابة، وله سجيةٌ ظريفة عند الحديث في غاية الكمال، ودعابته لا تَثلُمُ له هيبةً ووقارًا، بل تُحُبِّبُ وتَجذب النفسَ إليه. وكان ذا ذاكرةٍ قوية يستحضر نوادر المحاورات. وصَدَق أمين الريحاني حين قال عنه في كتاب ((ملوك العرب)): ((هو دائرة معارف ناطقة، يجيب على السؤالات التي توجه إليه، ويَهَدي إلى مصادر العلوم الأدبية والتاريخية والفقهية)). قال أبو تراب: ((وقد جمع رَمَّهُ مكتبةً نادرة حافلة بالمخطوطات والمطبوعات، ونشر كتبًا كثيرة، وأنفق على نشر الكتب السلفية شيئًا كثيرًا من المال، وكان يكتب أحيانًا في الجرائد والمجلات كلماتٍ تعقيبية، يرد فيها على من أخطأ في شيءٍ من المعلومات)). وصدق خيرُ الدين الزركلي حين قال عنه في ((الأعلام)): ((كان بيتُه ملتقى الفضلاء القادمين من مختلف البلاد، وكان حلوَ الحديث، قويّ الذاكرة لا يكاد يصدرُ كتاب مما يروقه إلَّ اشترى منه نسخًا وأهداها إلى المكتبات العامة وإلی معارفه)). قال أبو تراب: ((وفي مكتبتي ومكتبةٍ والدي نَّهُ كتبٌ كثيرة عليها خطه، و کنا إذا جئنا جُدة ننزل عنده في منزله العامر، ولا نقصدُ غيره، وقد رُبِطت بينه وبين والدي آصرةُ الصداقة منذ القدم، وكان والدي يُشيد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١١٨ صلاح الأمة في علو الهمة ٠٠٠ بكرمه وشهامته، ونهوضه بالأعباء الجسام، ويعتزّ ويفتخر بصلته، ورحم اللهُ الشيخ محمد بن مانع حيث قال: ((لم نعلم في الحجاز رجلًا يساويه في الكرم، وحسن الخُلُق)). قال أبو تراب: ((لقد أحرز الشيخ محمد نصيف كريم الخصال في معاملة أهل الحديث، وسبق في مساعدتهم سبق الجواد، وحاز قَصْبات التقدم، فلم يُلحق بعَجَاج ركضه في نشر العلم الديني، وفعل ما هو أجمل في الأحدوثة، وأزين في السمعة، وأحسن في الذكر، وأطيب في النشر، وأليق بذوي النباهة، وأشبه بأهل الفضل)). وكان محمد نصيف -واللهُ يشهد والناسُ- صحيحَ العزم في معالي الأمور، أطبق عليها همته، وصرف إليها نهمته، وقوَّى فيها نيَّته، وهدفه خدمةُ طلبة العلم، وكان متنبهًا لا يغفل، متيقظًا لا يُهمل، ولم يكن فيه تجلُّل وتعظُّم ذوي الصلف والغرور، ولا تكبر وتشمُّخ أصحاب التيه والزهو. وهو في أبهته لم يكن بذاخًا، وفي نخوته لم يكن ذا صَعْر، وكان ضلیعًا متينًا ناهدًا بجلائل الأعمال، يتجشمُ العقبة الكؤود فيذلِّلها تذليلًا، ويتحمل العبء الثقيل فيأطِرُه أطرًا، وكان أجرى في ميدانه، وأعلم بشأنه، شديدَ الصرامة، بيِّن الحزامة، تام الشكيمة، له كفايةٌ ونفاذ، وفيه وفاءٌ ومهارة، قلَّ من يسدُّ مسدّه في وقته، وندر من يطأ موطئه في زمنه. أضف إلى ذلك أنه كان كالصمصام والإسليت في الحق، لا تهوله قعقعةُ الجوارس وغمغمةُ الفوادس، وتُهاب غرَّة جبهته، ويُوقّرُ بیاض لحيته، تُحترم بَّته الأنيقة، ويُجُل عقالُه الأبيض المربع. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١١٩ : علو الهمة في طلب العلم وكنت أجالسُه أصيلا النهار فأسمع كلامه، كأني أرى مَشفَى، وعسلًا مصفى، رقيق الحواشي، عذب المذاق، يدب في الأفهام دبيب الصحة في دنف الأسقام، ومنطقه ناضر مورق، وخطابه ناصع مشوق، لذيذ مغدق، وكان إذا تكلم دبّر القول وهذبه، ونقَّى اللفظ ونقّحه، و کان حاضر الذهن يعرف الخطاب والجواب، إذا وقع عليه البصر، فكأنما الشمس أشرقت من مطلعها. قال أبو تراب: ((ونزل الملك عبد العزيز تحمّلهُ في بيت الأفندي الشیخ محمد نصيف، واستحصفت وثائق عرى الدين بجهود الملك الراحل، وظهرت كلمةُ التوحيد، وتشيَّدت وطائد الإسلام، ورُسخت أعراق دوحات الهدى، وكان محمد نصيف من أعوانه، وهو وكيدُ القوى، ثابت القدم، مأمونُ الوصمة، وثيقُ العصمة، متمكنُ الأركان، مشزور الأشكان، وحينئذ أصدر مجلة ((الإصلاح)) وكان ساعده بدر الدين النعساني رمّثُ)). قال أبو تراب: ((وأتيت في عام ١٣٦٧ هـ بخمسة وثلاثين صندوقًا كبيرًا من الخشب مملوءة بالكتب الدينية بالباخرة من كراتشي. ومنعت من الدخول إلى ميناء جدة إلّا بعد دفع الرسوم، وأبرقت من الباخرة للوالد وهو بمكة المكرمة المحمية، فوصل إلى جدة وذهب إلى الأفندي نصيف، وكان الوالدُ قلقًا على الكتب وأخبره بالحال، وكأنه أنس من الشيخ التباطؤ في الأمر، وكانت الحقيقة خلاف ذلك، فدبّر المبلغ المطلوب من الدراهم وركب اللانش ليأتينا، حتى إذا كان قريبًا من الباخرة تعطَّل مركبه ونحن نراه واقفًا فيه، فإذا برسول الأفندي ((محمد هزازي)) يطلع تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٢٠ صلاح الأمة في علو الهمة ويصعد الباخرة، ويصيح في وجه ((الكابتن)) (١) ويقول: هذه تابعة. للحكومة، وينزلني والكتب قهرًا، ويرانا الوالد ونحن نازلون بالصناديق، ففرح، وسلّم الله الدراهم من أن تسلّم للإنکلیز گُمْرًا. هذا مثالٌ واحد من أمثلةٍ عديدة لشهامة الشيخ محمد نصيف ومساعدته البالغة لأهل العلم، ولقد حدثني ذات مرةٍ أن رجلًا من علماء الهند وأطبائه كان صالحًا أواهًا، قد نزل ببيته شهرًا يطالع الكتب ويأكل ويشرب وينام، رخيَّ البال، فلما وصلت الباخرة التي تقله إلى بلده رحل، وجاء منه كتاب بعد سنة، إلى الأفندي عنوانه: ((جدة - الحجاز - إلى الشيخ الطيب المضياف الذي على باب بيته نخلتان)) نسي الرجل الصالح اسم الأفندي، فما كان منه إلّا أن يكتب هكذا. ووصل الكتاب إلى الشيخ محمد نصيف؛ لأنه هو الذي كان على باب بيته نخلتان متقابلتان، قُطعتا فيما بعد، والبريد يعرف الشيخ طيبًا مضيافًا، ويعرف النخلتين على بابه فأوصل الكتاب، وليس عجيبًا وصوله، وإنما العجيب نسيان الرجل اسم شخص استضافه شهرًا). رحم الله الشيخ محمد نصيف. ١١- الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ علامة الديار السعودية ومفتيها: ((هو سليل العلماء الأكابر، ومن بيت العلم المعروف، العلّامة الحجة، والفقيه المحقِّق الحنبلي الضَّليع، الأصولي المتمكِّن، المحدِّث المفسِّر، المُطَّلِعِ النَّسَّابة البحاثة، مفيد الطالبين، ومَرْجِعُ القضاة والمفتين، وشيخ كبار (١) وهو القبطان، كلمة أجنبية تعني رئيس الباخرة، ويقال له في الترجمة أحيانًا الكابتان. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com