Indexed OCR Text

Pages 201-220

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٠١
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
ولا يكِلُ الأمور إلى غيره ، شجاعًا مقدامًا ، بعيد الغور .
قال الداخل :
لولايَ ما ملَكَ الأنامَ الداخُلُ
لا يلفَ ممتنٌّ علينا قائلٌ
ومقادرٌ بلغتْ وحالٌ حائلُ
سعدي وحزمي والمهنّدُ والقَنَا
نجمٌ يطالعنا ونجمٌ آفلُ
إنَّ الملوكَ مع الزمانِ كواكبٌ
أيرومُ تدبيرَ البريةِ غافلُ
والحزمُ كُلُّ الحزم أنْ لا يغفلُوا
خيرُ السعادةِ ما حماها العاقلُ
ويقول قومٌ سَعدُه لا عَقلُهُ
ألفى الداخلُ الأندلس ثغرا قاصيًّا، غفْلًا من حلية الملك، عاطلًا، فأرهف
أهلها بالطاعة السلطانية ، وحنّكهم بالسيرة الملوكية ، وأخذهم بالآداب ،
فأكسبهم عمّا قليلِ المروءةَ ، وأقامهم على الطريقة ، وبدأ فدوَّن الدواوين ،
ورفع الأواوين ، وفرّض الأُعطية ، وعقد الألوية ، وجنّد الأجناد ، ورفع العماد ،
وأوثق الأوتاد ، فأقام للملك آلته ، وأخذ للسلطان عدّته ، فاعترف له بذلك
أكابر الملوك ، وحذروا جانبه ، وتحامَوْا حوزته ، ولم يلبث أن دانت له بلاد
الأندلس ، واستقّ له الأمر فيها .
لقد عانى الداخل من ثورات كثيرة ، أخمدها ووطَّد الأمن والاستقرار
في مملكته ؛ فلقد قضى على ثورتي يوسف الفِهْري والصميل ، وقضى على
ثورة العلاء بن المغيث اليحصبي ، وأرسل رؤوس قادة الثورة إلى القيروان
ومكة المكرمة في موسم حجّ أبي جعفر المنصور ، وقضى على ثورة هشام
ابن عروة في طليطلة ، وقضى على ثورة سعيد اليحصبي ، وقضى على ثورة
البربر في شنت برية ، وثورة سفين بن عبد الواحد البربري ، وثورة أشبيليّة
بقيادة عبد الغافر اليحصبي ، وثورة سرقسطة بقيادة الحسن بن يحيى الخزرجي ،
وثورة الرمامس بجنوب الأندلس .
(( قال أبو جعفر المنصور يومًّا لأصحابه : مَن صقر قريش ؟ قالوا : أمير
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
٢٠٢
المؤمنين الذي راضَ الملك وسكّن الزلازل ، وحسم الأدواء . قال : ما صنعتم
شيئًا . قالوا : فمعاوية . قال : ولا هذا . قالوا : فعبد الملك من مروان . قال :
لا . قالوا : فمَن يا أمير المؤمنين ؟ قال : عبد الرحمن بن معاوية ، الذي تخلّص
بكيده عن سنن الأسنَّة وظباة السيوف ، يعبر القفر ، ويركب البحر ، حتى دخل
بلدًا أعجميًّا ، فمصر الأمصار وجند الأجناد ، وأقام ملگًا بعد انقطاعه ، بحسن
تدبيره وشدَّة عزمه . إن معاوية نهض بمر كب حمله عليه عمر وعثمان ، وذلّلا
له صعبه ، وعبد الملك ببيعة تقدَّمت له ، وأمير المؤمنين بطلب ◌ِترتِهِ واجتماع
شيعته، وعبد الرحمن منفردًا بنفسه، مؤيّدًا برأيه مستصحبًا لعزمه))(١)(٢).
أُتُرى في تُرب لحْدِهِ غَلّاتُ
أترى الصقر للمعالي يسعى
أُموّ تخاف منه العُتاةُ
دولة الداخل المبارك صقرٌ
أصبحت منه عندهم مِنَّاتُ
أسعفَ الغربَ بالحضارةِ حتى
يهبُ الطلعَ دُوْحُه الطيباتُ
أيُّها الغربُ فاذكروه وقولُوا
فاذكروها فإنها نفحاتٌ
فأيادٍ خضرٌ لكم منه تترى
هِشام بن عبد الرحمن الداخل شبيهُ عمر بن عبد العزيز في سيرته :
حكم الأندلس بعد أبيه ثمانية أعوام ، وكان يذهب بسيرته مذهب عمر
ابن عبد العزيز، وكان يبعث بقوم من ثقاته إلى الكُور ((النواحي))، فيسألون
الناس عن سير عمَّاله، ويخبرونه بحقائقها، فإذا انتهى إليه حيْفّ من أحدهم أوقع
به وأسقطه وأنصف منه ، ولم يستعمله بعد .
وفي أيامه فُتحت أربونة ( ناربون ) الشهيرة ، واشترط على المعاهدين
من أهل ((جيليقية))، من صِعاب شروطه : انتقال عدد من أعمال التراب من
(١) الكامل لابن الأثير ٥ / ١٨٢ .
(٢) عبد الرحمن الداخل ((صقر قريش)). لبسام العسيلي - طبع: دار النفائس.
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٠٣
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
سور (( أربونة)) المفتتحة ، يحملونها إلى باب قصره بقرطبة ، وبنى منه المسجد
الذي قُدّام باب الجنان .
وقصد - رحمه الله - إلى بلاد الشرْك غازيًا؛ فغزا ((ألبة)) وظفر بعدوِّه ،
وبعث العساكر إلى ((جيليقية)) فهزموا ملكها ((برمند)) وأثخنوا في الأعداء .
وبعدها بعث وزيره عبد الملك بن عبد الواحد لغزاة العدو، فأثخن في العدو في ((ألبة))
((وأربونة)) و((جرَندة))، ووطئ أرض ((برطانية))، وتوغَّل في أرض الصليبيين
حتى وصل إلى ((أسترقة )).
عبدُ الرحمنُ بنُ الحَكَم وحكْمُه للأندلس ( ٢٠٦ - ٢٣٨ هـ ) :
كان من أكبر الوقعات المعروفة في عهده وقعةُ ((البيضاء)) سنة ٢٣٧ هـ ،
وفيها قاد موسى بن موسى جيش الصائفة حتى وصل إلى بلدة ((البيضاء))، وهناك
اصطدم بجيش كبير من ((غاسكونيا)) أو ((الجاشغبين))، كما يسمِّيهم الغرب،
ودارت معركة صعبة ، لقي المسلمون فيها عناءً كبيرًا ، وبذلوا جهدًا رائعًا ، حتى
أمكن لهم الصمود ، وأُصيب موسى نفسُه بخمسة وثلاثين جرحًا ، وفي اليوم التالي ،
وعلى الرغم مما نزل بجيش المسلمين وقائدهم ، أعاد تنظيم جيشه ، وتحامل على
نفسه ، وانطلق بهجوم كاسح ، واستطاع به أن يُحرز النصر، وهُزم جيش الغاسكون
هزيمة منكرة ، وتكبَّد فادحَ الخسائر حتى فُرشت الأرض بصرْعاهم .
ومن أعظم أعمال عبد الرحمن بن الحكم : قضاؤه على ثورة النصارى
بـ ((ماردة)) وتدمير المدينة الثائرة التي ظلت ثورتها سبع سنوات كاملة ، من سنة
٢١٣ هـ حتى ٢٢٠ هـ، بعد أن حرَّضهم على الثورة والتمُرّد ((لويس الحليم))
ملك فرنسا ، وقام أهل ماردة بذبح المسلمين ، فقاد عبد الرحمن جيشًا كبيرًا
بنفسه ، وشدّد قبضته، وأشفى أهلُ ماردة على العطْب، ونظر الأمير عبد الرحمن
إلى جنده وقد تعلّقوا بشرفات السور وَتغلَّوا عليه ، وضعف أهلُ ماردة عن
بعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٠٤
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
مدافعتهم ، فسمع صراخ النساء وعويل الصبيان وعجيج البكاء ، فأمر بالإِمساك
عنهم ، وأوقف الجند عن الاستمرار في قتالهم ، ثم دعا وزراءه وقوّاده وقال
لهم: (( قد علمنا ما كان من تغلّب رجالنا على هؤلاء الظلَمَة أنفسهم ، ولم
يكن رفعنا ما رفعْناه عنهم إلّا قربى لله عز وجل فيهم، ورأفةً من قتل أولادهم
وأطفالهم ومَنْ لا ذنب لهم ، ممّن استكره على نفسه منهم . ونحن نرى استجلاب
النصر من حيث عوّدنا الله وعَّفنا من الصفحِ والعفو ، وقد عزمتُ على الانتقال
عنهم ، فإن أبصروا قدْر يدنا في الإِبقاء عليهم ومراقبة الله فيهم ، وإلا كان الله
من ورائهم محيطًا ، وعلى الانتقام منهم قديرًا ، فهو الذي أَيَّدنا وقهرهم ، ونَصَرَنا
وكَبَتَهُم)». فلم ينتقل من موضعه حتى وافته رسلهم بطاعتهم ، والإِلقاء إليه
بأيديهم ، وإخراج أصحاب الفتنة من بينهم .
وأحمد أيضًا فتنةَ وثورة النصارى في قرطبة بعد إعدام القسيس (( هارفكتس ))
الذي نال من قدْر رسول الله عَ ليهِ.
محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، صاحب موقعة ((سليط)):
قال الذهبي في السير ( ١٧١/١٣ - ١٧٢): ((من خيار ملوك المروانية ،
كان ذا فضلٍ وديانة ، وعلمٍ وفصاحةٍ ، وإقدام وشجاعة ، وعقل وسياسة .
بُويعٍ بعد أبيه في سنة ثمان وثلاثين ومائتين على مدائن الأندلس ، وكان كثير
الغزو والتوغّل في بلاد الروم، يبقى في الغزوة السنة والسنتين ، مثلًا وسبيًا .
قال الحافظ بقي بن مخلد : ما رأيتُ ولا علمتُ أحدًا من الملوك أبلغ لفظًا
من الأمير محمد بن عبد الرحمن ، ولا أفصح ولا أعقل منه .
قال سبط الجوزي : هو صاحب موقعة سليط ، وهي ملحمة عُظمى . يقال :
إنه قُتل فيها ثلاثمائة ألف كافر ، وهذا شيء ما سُمِع بمثله قطُّ )).
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٢٠٥
جاء في البيان المغرب (١٦٨/٢ - ١٦٩)، حول وقعة وادي سليط :
(( قال أبو عمر السالمي : كانت أولى غزواته إلى بلد العدو ، وحشد لها ، وجنّد ،
وصوّب كيف شاء ، وقد ألفى العدوَّ وقد ضاق بخيله الفضاء الواسع ، والمكان
الداني والشاسع ، وهو متأهِّب للقائه ، متوجّه إلى تلقائه ، فخامر الأمير محمد
الجزَع ، وشابه الروع والفزع ، وظن أن لا مَنْجاة من الكفار ، وأن المسلمين
هناك طعمُ الشفار ، فرأى من الحزم الأوكد ، والنظر الأحمد الأرشد ؛ الرجوعَ
عن تلك الحركة ؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ [ البقرة:
١٩٥]، فقام رجل، فقال: أيُّها الأمير، قال الله تبارك وتعالى: ﴿الذينَ قالَ
لهُمُ الناسُ إنّ الناسَ قدْ جمعُوا لكم ... ) الآية [آل عمران: ١٧٣ ] فقال له الأمير
محمد : والله مما حذّرتُ نفسي ، إلا أنه لا رأي لمن لا يُطاع، ولستُ أستطيع
أن أجاهد وحدي . فقال له العتبي: والله ما أراه قذف بها على لسانه إلا ملَك،
فاستخرِ اللهَ في ليلك هذا وفي يومك ، فأراه الله في مقابلة العدو الرشاد ، والهمة
والتوفيق والسداد ، فندب الناسَ إلى لقاء أعداء الله ونصْر دينه ، وأن يكون كلٌّ
على أحسن ظنّه من الظَّفْر ويقينه . فلمّا انعقدت راياتُهم ، وتأكَّدت على المقارعة
نيّاتُهم ، قدَّم عليهم الأمير محمد ابنَه المنذر ؛ إذْ كان مشهورًا بالبأس ، محبوبًا في
الناس ، فسار المسلمون إلى أن التقى الجمعانِ ، والتفَّ الفريقان ، فأعقب الله لأوليائه
ظفرًا ونصْرًا ، وجعل بعد عسرٍ يُسرًّا)).
محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ونصرُه على تحالف النصارى في وادي سُليط :
وفيها تحالف ملك جيليقية وملك قشتالة وملك البشكنس على المسلمين ،
فلقيهم الأمير محمد على وادي سُليط ، وقد أكمن لهم فأوقع بهم ، وبلغت عدّة
القتلى من أهل طليطلة والمشركين عشرين ألفًا . وفي عهده عادت ماردة إلى التمرّد ،
فتمَّ تدمیرها .
ويلٌ لماردةً التي مرَدَتْ وتكَّرتْ عند عدْوة النهرِ
بعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
٢٠٦
فالويلُ ثم الويحُ حين غزَا
بجميعهم مِن صاحب الأمر
ولمّا عاد النصارى في قرطبة إلى التمرد ثمَّ قمع ثورتهم ، ونفذ حكم
الإِعدام في القِسِّ ((إيلوج))، وكذا صاحبته ومعاونته ((ليوكريسيا)).
عزّ الإِسلام بالأندلس :
لقد وضع عبد الرحمن الداخل أساسَ مُلْك بني أمية بالأندلس ، وجاء ملوك
بني أمية تباعًا وهم يزيدون من رفعة البنيان سموًّا وشموًّا :
عبد الرحمن الناصر :
بلغتِ الدولة الأموية في عصره غاية الضخامة ورفعة الشأن ، وهادنته الروم ،
وازدلفت إليه تطلب مهادنته ومتاحفته بعظيم الذخائر ، ولم تبقَ أمة سمعتْ به من ملوك
الروم والإِفرنج والمجوس وسائر الأمم إلا وفدتْ إليه خاضعةً راغبةً . ومن جملتهم
((قسطنطين)) صاحب القسطنطينية العظمى.
خمسون عامًا قضاها الناصر في الحكم في جهاد دائم ، لم يعرف خلالها مِن
أيام الهناء إلّا قليلًا، ولم يركن إلى الراحة أثناءها إلا نذرًا يسيرًا ، اضطلع بأعباء المسئولية
وهو شابٌّ قويّ المنكبين، لا يزيد في عمره على العشرين إلا قليلًا، وترك هموم الدنيا للدنيا
وهو شيخ وهن العظم منه واشتعل الرأسُ شيبًا . ولکن کم کان الفارق کبیرًا بین ما
كانت عليه أندلس المسلمين يوم تولّاها الناصر ، وبين ما أصبحت عليه يوم سلّم الأمانة
لابنه الحكم المستنصر ، حتى يتابع السير بأندلس المسلمين على النهج الذي سار . كانت
الأندلس تضطرم نارًا ، والفتن في كل مكان ، وأعداء الخارج يتربّصون بأعداء
الداخل ، وهؤلاء يتربّصون بعضهم ببعض ، قد شغلتهم صغائر الأمور عن كبائرها ،
وصرفتهم الدَّعَة والسكون عن التفكير بعظائمها ، فجاء الخليفة الناصر لدين الله ،
يحمل همَّ الشباب وحكمة الشيوخ .
ولئن كان ذكر الأندلس يرتبط بأسماء القادة من روّاد الفتح الأوائل ، أمثال
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢٠٧
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
موسى بن نصير وطارق بن زياد وعبد الرحمن الغافقي والسمح بن مالك وعنبسة
ابن سحيم ، ولئن كان تجديد الفتح يرتبط باسم صقر قريش ؛ فإن مجد الإسلام
والمسلمين سيبقى أبدًا شديد الالتصاق بالخليفة الناصر ؛ فقد كان رجلًا في أمة ،
وأُمة في رجل .
الناصر يؤدِّب مَلِكَي ((ليون)) و ((نافار)) في غزوة ((موبش)):
لمّا استوى ملك ليون « أردونيو الثاني)) على مدينة «ماردة» وبعض القلاع
الإِسلامية ، أباد الحامية المدافعة عنها ، وسبى الأطفال والنساء ، وجعل القرى
ركامًا من الدماء، ولم يغادر إقليم ((طلبيرة)) إلا بعد أن ترك المدن وهي حرائق
مشتعلة. وكذا فعَل ((سانشو)) ملك ((نافار)) لمّا استولى على مدينة ((بلتيرة))،
وأحرق مساجدها، وأذلَّ أهلها قتلًا وسبيًا. وبلغ من جرأة ((أردونيو)) توُّده
للناصر في رسائل بعثها إليه بإجلائه عن الأندلس بمواعيد وعدها من نفسه ، وتحالف
الملکان على الناصر ، فتقدّم الخلیفة الناصر بنفسه على رأس جيشه ، ودارت رحى
معركة كبيرة انتهت بهزيمة ليون ونافار ، فهربوا لا يَلْوُون على مكانٍ مُضْطَرِبِهِمْ ،
ولا يهتدون لوجه منقلبهم ، والمسلمون على آثارهم يقتلون من أدر کوا منهم حتى
حجز الظلام بينهم. ولمّا هرب إلى حصن ((موبش)) ما يزيد على ألف مقاتل ،
دفع الناصر بالمجانيق إلى الحصن حتى فتحه ، وأخرج مقاتلي النصارى من صياصيهم ،
وقدموا إلى الناصر حيث قُتلوا جميعًا، وغَنم المسلمون ما في الحصن. ودمّر الناصر
قلعة ((بقيرة)) وأحرق ما يحيط بها من معاقل المشركين ، حتى لقد اتصل الحريق
في بلاد المشركين عشرة أميال في مثلها .
غزو ((بنبلونة )) عاصمة نافار :
تولّى الناصر قيادة جيشه لتأديب ملك نافار ((شانجة))، وقاد حملات
وغزوات استمرت أربعة أشهر ، وجمع العِلْج شانجة كفرته ، واستمدَّ بنصرانيته
من كلّ مكان طمع أنْ يُغاث منه . وفي تقدُّمهم في بلاد نافار سبى المسلمون
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
٢٠٨
الذراري وغنموا الأمتعة ، وهدموا الحصون ، حتى لم يبق منها صخرة قائمة ،
واقتلع المسلمون أعداءهم من مواضعهم ، ووضعوا سيوفهم ورماحهم فيهم ،
وبسطت الأرض بأجساد المشركين ، واستمرت الخيل المغيرة في بسيطهم ،
فأصابت الغنائم والسوائم وضروب النعم وواصل المسلمون تقدمهم وفي لحظة
طرف في صخرة قيس اقتلع المسلمون جيش نافار ، وأخربت الكنيسة التي أنفق
عليها ملك نافار الأموال الكثيرة ، وأحرق المسلمون قلاع الكفرة وحصونهم .
ومرة ثانية يصل إلى عاصمة نافار- بعد موت ملكها، وأَصْبحت ((طوطة)) وصيّةً على
العرش - ويدمِّر في طريقه إليها كلّ الحصون ، ويُبيد كل الحاميات المدافعة
عنها ، واستسلمت طوطة للخليفة الناصر ، وتقدَّمت إليه بطلب الخضوع
والطاعة ، فقبل الناصر طلبها .
لله درُّ الناصر مِن خليفةٍ أذلَّ ملوك النصارى في شمال الأندلس !! لقد
احتمل الناصر المشاقَّ والصعوبات في سبيل الله من أجل رفع راية الإِسلام ، وتعجز
الكلمات عن وصف غزواته ، ويكفي أن نعرف أن فترة غزوة من غزواته كانت
تتراوح مدّتها بين ثلاثة أشهر وأربعة أشهر .
استلم رحمه الله الحكم وخزانة بني أمية تكاد تكون فارغة ، وترك الدنيا
وخزانة المسلمين عامرة بمبلغ خمسة آلاف ألف ألف ألف - ثلاثَ مرات -
من الدنانير(١) .
المستنصِرُ ( الحكم بن عبد الرحمن الناصر ) على درب أبيه :
وفي عهده زادت دولة بني أمية عزًّا على عزتها ، وسَمَت رفعة على رفعتها ،
وتعاظمت بقوتها حتى ازدهت على الدنيا ، وتابع الحكم سيرة أبيه في بذل
المستطاع وأكثر من المستطاع ، من أجل زيادة قوة الدولة ورفعتها . عظمت
(١) عبد الرحمن الناصر لبسَّامَ العسيلي - طبع دار النفائس.
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
٢٠٩
الدولة بالأندلس ، فكبرت همم الرجال .
كانت للناصر في جهاد النصارى اليدُ البيضاء ؛ فقد غزا جيليقيّة وملكها
أردون بن أذفونش ، فاستنجد بالبشكنس والفرنج فهزمهم الناصر ، ووطئ بلادهم ،
ودوّخ أرضهم وفتح معاقلهم وخرّب حصونهم .
وعندما توفي الناصر ، طمع الجلالقة في الثغور فغزا المستنصر بنفسه ،
واقتحم بلد فرديناند ، فنازل شنت أشتيبين وفتحها عَنوة ، واستباحها وقفل ،
فبادروا إلى عقد الصلح معه ، وعظمت فتوح الحكم وقوّاد الثغور من كل ناحية ،
وكان من أعظمها فتْح ((قلهرة)) من بلاد البشكنس، ثم فتْح ((قطريبة)).
لله درُّ المستنصر :
يأتي إليه أردون بن أذفونش ملك الجلالقة ، ومعه وجوه أهل الذمة بالأندلس
وقاضي النصاري وليد بن خيزران ، وعبيد الله بن قاسم مُطران طليطلة وغيرهم ،
لما عرف أن المستنصر سيغزوه من عامِه هذا، «فلما قابل سرير الخليفة خرَّ ساجدًا
سُويعة ، ثم استوى قائمًا ، ثم نهض خطوات وعاد إلى السجود ، ووالى ذلك مرارًا،
إلى أن قدم بين يدي الخليفة ، وأهوى إلى يده، فناوله إياها وكرَّ راكعًا مقهقرًا
على عقبه ، والبهر قد علاه ، وأنهض خلفه من استدنى من قوامسه وأتباعه ، فدنوا
ممثلين في تكرير الخنوع ، وناولهم الخليفة يده ، فقبّلوها وانصرفوا مقهقرين فوقفوا
على رأس ملكهم .
مرة أخرى يقبّل الملك أردون البساط ، ويقول للخليفة : أنا عبد أمير المؤمنين
مولاي ، المتورِّك على فضله ، القاصد إلى مجده، المحكّم في نفسه ورجاله ، فحيث
وضعني من فضله وعوضني من خدمته ، رجوتُ أن أتقدّم فيه بنيّة صادقة ونصيحة
خالصة. فأجابه الخليفة في عزّ المسلم : يترادف من إحساننا إليك أضعاف ما
كان من أبينا رضي الله عنه إلى نِدِك. فكرّر أردون الخضوع ، وأسهب في الشكر ،
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢١٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
وقام للانصراف مقهقرًا لا يُولّي الخليفة ظهره ؛ وقد علاه البهر وأذهله ؛ من
هُوْل ما باشره وجلالة ما عاينه من بهاء عزّة الخليفة ، وتكنَّفه الفتيان فأخرجوه
إلى المجلس الغربي في السطح ، فلما أن دخل المجلس ووقعت عينه على مقعد
أمير المؤمنين خاليًا منه ، انحط ساجدًا إعظامًا له ، ولما بصر بالحاجب جعفر
قام إليه وخنع له ، وأوْماً إلى تقبيل يده ، فقبضها الحاجب عنه ، ووعده من
إنجاز عداتِ الخليفة له بما ضاعف سروره )).
واستشعر الناس من مسرّة هذا اليوم وعَزَّة الإِسلام فيه ، ما أفاضوا في التبجُّح
به والتحدُّث عنه أيامًا ، وقال عبد الملك بن سعيد المرادي :
وسعودُه موصولةٌ بتوالي
مُلْكُ الخليفةِ آيةُ الإِقِبالِ
والمشركون بذلّةٍ وسفالٍ
والمسلمونَ بعزَّةٍ وبرِفْعَةٍ
متوقّعين لصوْلةِ الرِئْبالِ
ألقتْ بأيديها الأعاجمُ نحوَهُ
لم يُسألُوا فيه عن الأعمالِ
هو حشر يوم الناسٍ إلّا أنهم
والأَفْقُ أقتمَ أغبرِ السربالِ
أضحى الفضاءُ مُفعَّمًا بجيوشهِ
إلّا بضوْءٍ صوارمٍ وعوالي
لا يهتدي الساري لليلِ قتامه
منقضَّةٌ لِتَخَطُّفِ الصُّلالِ
وكأنَّما العقبانُ عقبانُ الفلا
الحاجب المنصور ... يجمع غُبارَ معارٍكه ليكونَ في خَنُوطه :
هو محمد بن أبي عامر المعافري الحاجب المنصور ، نسيجٌ فريد بين الرجال ،
تولَّى الحكم في أصعب الفترات في حياة الأندلس الإِسلامية .. ومَمَالكُ النصارى
في الشمال قد أخذت في توجيه جهدها لحرب المسلمين ، مِن قبل أن تعلن الحرب
الصليبية بصورة رسمية ... فتصدّى المنصور لرفع راية الجهاد في سبيل الله ، وقاد
الحرب طَوالَ حياته ، فأحرز من الانتصارات ما لم يحصل عليه رجل من قبل ومن
بعد ، فترك بذلك مجدًا خالدًا بقي متألّقًا على مرِّ الأيام ومفخرة لجند الإِسلام .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
٢١١
جاء في كتاب ((تاريخ الحروب الصليبية)): ((تُوفِّي الحكم الأموي سنة
٩٧٢ م، وسيطر على الموقف من بعده الوزير محمد بن أبي عامر المعروف بالمنصور،
وهو الذي كان يميل إلى القتال والجهاد، وكانت مملكة ((ليون)) أهمَّ مملكة
مسيحية في أسبانيا ، وقد تعرضت لهجمات المنصور ؛ ففي سنة ٩٨١ م :
استولى المنصور على ((زامورا )) بجنوب مملكة ليون ، وفي سنة ٩٩٦ م :
نهب ليون ذاتها ، وفي السنة التالية أشعل الحرائق في ((شنت يعقوب)) في
((كومبوستيللا)) التي تُعتبر ثالثَ المواضع التي يقصدها الحجّاج بعد بيت المقدس
وروما ، وفي سنة ٩٨٦ م : استولى المنصور على برشلونه ، وتراءى له أنه لن يلبث
أن يعبر جبال ((ألبيرنيه)) - البرانس - حين وافته منيّتُه سنة ١٠٠٢ م، وأخذت
قوة المسلمين في التداعي بعد وفاة المنصور)) (١).
وفي ((البيان المُغرب)): ((انفرد المنصور بنفسه، وصار ينادي صروفَ
الدهر : هل من مبارز ؟ فلم يجده، واستقام أمُرُه منفردًا بمملكةٍ لا سلَفَ له فيها ،
ومن أوضح الدلائل على سعده أنه لم ينكبْ قطُّ في حرب شهدها ، وما توجّهت
عليه هزيمة، وما انصرف عن موطن إلّا قاهرًا غالبًا، على كثرة ما زاول من الحروب،
ومَارسَ من الأعداء، وواجه من الأمم ، وإنها لَخاصَّةٌ ما أحسب أحدًا من الملوك
الإِسلامية شاركه فيها . ومن أعظم ما أُعين به مع قوّة سعده وتمكُّن جدّه: سَعةُ
جوده وكثرة بذْلِه ؛ فقد كان في ذلك أعجوبة الزمان ، وأول من اتكأ على أرائك
"الملوك وارتفق، وانتشر عليه لواءُ السعد وخفق))(٢).
قال الحاجب المنصور :
رميتُ بنفسي هوْلَ كُلِّ عظيمةٍ وخاطرتُ والحُّ الكريمُ يخاطُرُ
(١) تاريخ الحروب الصليبية - ستيفن / نسيمان ١٣٤/١.
(٢) البيان المغرب ٤٢٧/٢.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢١٢
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس
وأسمرُ خَطِّي وأبيضُ باترُ
وما صاحبي إلا جنانٌ مُشَيَّعٌ
وفاخرتُ حتى لمْ أجدْ مَن أَفاخرُ
فسُدتُ بنفسي أهلَ كلِّ سيادةٍ
وأورثناها في القديم مَعَافِرُ
رفعنا المعالي بالعوالي حديثةً
قالوا عن الحاجب المنصور: ((ساسَ الأمور أحسن سياسة ، وداس
الخطوب بأخشن دياسة ، فانتظمت له الممالك ، واتضحت به المسالك ،
وانتشر الأمن في كلّ طريق ، واستشعر اليُمْنَ كُلُّ فريق . ملَك الأندلس بضعًا
وعشرين حجَّة ، لم تدحضْ لسعادتها حجَّة ، ولم تزخر لمكروهٍ بها لجَّة ،
لبست فيه البهاء والإِشراق ، وتنفّست عن مثل أنفاسِ العِراق ، وكانت أيامُه
أحمدَ أيام ، وسهامُ بأسه أشدَّ سِهام ، غزا الروم شائيًا وصائفًا ، ومضى فيما
يروم زاجرًا وعائفًا، فما مرّ له غير سنيح، ولا فاز إلا بالمعلّى لا بالمنيح ،
فأوغل في تلك الشعاب ، وتغلغل حتى راع ليثَ الغاب ، انتظمتْ له الأندلس
بالعدوة ، واجتمعت في ملكه اجتماعَ قريش بدار الندوة )).
الجهادُ الرائع للحاجِبِ المنصور :
بلغ جيش المسلمين في أيام الحاجب المنصور مبلغًا عظيمًا؛ ((وقد جمع من
أقطار البلاد ما ينهض به إلى قتال العدو وتدويخ بلاده ، فنيَّف الفرسان على مائتي
ألف ، والرجّالة على ستمائة ألف، وبها من صناديد المسلمين وقوَّادهم مَن لا
يفترُ عن محاربة ، ولا يمُّ عن مضاربة ، أسماؤهم بأقاصي بلاد النصارى مشهورة ،
وآثارهم فيها مأثورة، وقلوبهم على البعد بخوفهم مأمورة ))(١) .
(( ومن مناقب المنصور التي لم تتفق لغيره من الملوك - في غالب الظنِّ -
أن أكثر جنده من سبْيه ، على ما حقّقه بعض المؤرخين . ومن أخباره أيضًا
أنه ما عاد قطُّ من غزوة إلا استعد لأخرى ، ولم تُهزم له قطَّ راية ، مع كثرة
(١) نفحْ الطيب للمقَّري ٢١٦/٣.
-
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢١٣
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
غزواته شاتية وصائفة ! وكفاه ذلك فخرًا))(١).
وقد بلغت غزواته خمسين غزوة .
وعمل المنصور على زيادة جامع قرطبة ، ومن أحسن ما عاينه الناس في
بنيان هذه الزيادة العامرية ، استخدام أعلاج النصارى الذين أحضرهم مصفّدين
في الحديد من أرض قشتالة وغيرها ، وهم كانوا يتصرفون في البنيان عوضًا من
رجالة المسلمين ، إذلالًا للشرك وعزَّةً للإِسلام(٢).
وانظر إلى علو همته في نجدة أسيرتين مسلمتين؛ فقد قال صاحب ((نفح
الطيب)): ((تمرَّس ابن أبي عامر ببلاد الشرك أعظم تمرُّس، ومحا من طواغيتها
كل تعجرُف وتغطرس ، وغادرهم صرعى البقاع ، وتركهم أذلّ من وتدٍ بقاع ،
ووالى على بلادهم الوقائع ، وسدّد إلى أكبادهم سهام الفجائع ، وأغصَّ بالحِمَام
أرواحهم ، ونغصَّ بتلك الآلام بكورهم ورواحهم .
ومن أوضح الأمور هنالك ، وأفصح الأخبار في ذلك ؛ أن أحد رسله
كان كثير الانتياب لذلك الجناب، فسار في بعض مسيراته إلى ((غُرْسيه))
صاحب البشكنس ، فوالى في إكرامه ، وتناهى في بِّه واحترامه ، فطالت مدته،
فلا متنزَّهَ إلا مرَّ عليه متفرِّجًا ، فحلَّ في ذلك أكثر الكنائس ، فبينا هو يجول
في ساحتها ، ويُجيل العين في مساحتها، إذْ عرضت له امرأة قديمة الأسر ، قويمة
على طول الكسر ، فكلَّمته ، وعرّفته بنفسها ، وأعلمته ، وقالت له : أيرضى
المنصور أن ينسى بتنعُّمِهِ بؤسها، ويتمتع بلبوس العافية وقد نَضَّت لبوسَها ؟ وزعمتْ
أن لها عدة سنين بتلك الكنيسة محبسة ، وبكل ذلِّ وصَغار ملبسة ، وناشدته الله
في إنهاء قصتها ، وإبراء غُصَّتها ، واستحلفته بأغلظ الأيمان ، وأخذت عليه في
(١) نفح الطيب ٥٩٦/٣ .
(٢) نفح الطيب ٥٤٦/٣ .
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢١٤
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس
ذلك أوْكد مواثيق الرحمن ، فلما وصل إلى المنصور عَّفه بما يجب تعريفه
به وإعلامُه ، وهو مُصغ إلى كلامه ، فلما فرغ قال له المنصور : هل وقفت على
أمر أنكرته ، أم لم تقفَّ على غير ما ذكرتَه ؟ فأعلمه بقصة المرأة ، فعتبه ولامه ،
على أن لم يبدأ بها كلامه ، ثم أخذ للجهاد من فوره ... وأصبح غازيًا على سرْجه ،
حتی وافی ابن شانجة في جمعه ، فأخذت مهابته ببصره وسمعه ، فبادر بالکتاب
إليه يتعرف ما الجليّة ، ويحلف له بأعظم ألِيَّة ، أنه ما جنى ذنبًا ، ولا جفا عن
مضجع الطاعة جنبًا، فعنَّف أرْسَاله وقال لهم: كان قد عاقدني أن لا يبقى ببلاده
مأسورة ولا أسير ، ولو حملتْه في حواصلها النسور ، وقد بلغني بعدُ بقاء فلانة
المسلمة في تلك الكنيسة ، والله لا أنتهي عن أرضه حتى أكتسحها . فأرسل
إليه المرأة في اثنتين معها ، وأقسم أنه ما أبصرهن ولا سمع بهنَّ، وأعلمه أن
الكنيسة التي أشار بعلمها ، قد بالغ في هدمها ، تحقيقًا لقوله ، وتضَّع إليه في الأخذ
فيه بطّوْله ، فاستحيا منه وصرف الجيش عنه، وأوصل المرأة بنفسه، وأَلحَفَ
توخّشها بأَنْسِهِ، وغير من حالها، وعاد بسواكب نعماه على جدبها وإمحالها ،
وحملها إلى قومها ، وكخَّلها بما كان شرد من نومها ))(١).
والحادثة الثانية وردت كالتالي :
((عاد المنصور من بعض غزواته ، فلقيته امرأة ، وقالت له : يا منصور ،
استمع ندائي ؛ أنت في طيب عيشك وأنا في بكائي . فسألها عن مصيبتها التي عمّتها
وغمتها ، فذكرت له أن لها ابنًا أسيرًا في بلاد سَمتها ، وأنها لا يهنأ عيشها لفقده ،
ولا يخبو ضرامُ قلقها من وقده ، وأنشد لسان حالها ذلك الملِكَ المعلّى: (أياويح
الشجّ من الخلّي ) فرخَّب المنصور بها ، وأظهر الرقة بسببها ، وخرج من القابلة
إلى تلك المدينة التي فيها ابنها ، وجاس أقطارها وتخلَّلها حتى دوَّخها، إذْ أناخ عليها
(١) نفح الطيب ٤٠٤/١.
بعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ttps://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢١٥
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
بكلكلهِ وذلَّلها ، وأعراها من حماتها ، وببنود الإِسلام المنصورة ظلّها ، وخلص
جميع ما فيها من الأسرى ، وجلبت عوامله إلى قلوب الكفرة كسْرا ، وانقلبت
عيون الأعداء حسرى ))(١) .
((لا نكادُ نصل إلى بلادنا إلَّا وقد جاء وقت الغزوة الأخرى ، فتقعد هاهنا
إلى وقت الغزَاة ، فإذا غزْنا عُدنا)):
قال صاحب ((نفح الطيب)): ((مِن مفاخر المنصور في بعض غزواته أنه مَرَّ بين
جبليْن عظيمين في طريق عرض بريد بوسط بلاد الإفرنج ، فلما جاوز ذلك
المحلّ وهو آخذ في التحريق والتخريب والغارات والسبي يمينًا وشمالاً، لم يجسر
أحد من الإفرنج على لقائه حتى أقفرت البلاد مسافة أيام ، ثم عاد فوجد الإفرنج
قد استجاشوا من ورائهم ، وضبطوا ذلك المدخل الضيق الذي بين جبلين ،
وكان الوقت شتاءً ، فلما رأى ما فعلوه ، رجع واختار منزلًا من بلادهم أناخ
به بمن معه من العساكر ، وتقدَّم ببناء الدور والمنازل وبجمْع آلات الحرث ونحوها ،
وبث سراياه فسبَتْ وغنمت ، فاسترقُّ الصغار ، وضرب أعناق الكبار ، وألقى
جثثهم حتى سدَّ بها المدخل الذي من جهته، وصارت سراياه تخرج فلا تجد إلا
بلدًا خرابًا ، فلما طال البلاء على العدو أرسلوا إليه في طلب الصلح ، وأن يخرج
بغير أسرى ولا غنائم ، فامتنع من ذلك ، فلم تزل رسلهم تتردّد إليه حتى سألوه
أن يخرج بغنائمه وأسْرِه ، فأجابهم : إن أصحابي أبوا أن يخرجوا . وقالوا : إنا
لا نكاد نصل إلى بلادنا إلا وقد جاء وقت الغزوة الأخرى ، فنقعد هاهنا إلى
وقت الغزاة ، فإذا غزونا عُدنا . فما زال الإِفرنج يسألونه ، إلى أن قَّر عليهم
أن يحملوا على دوابِّهم ما معه من الغنائم والسبي ، وأن يُمدُّوه بالميرة حتى يصل
إلى بلاده ، وأن يُنُّوا جِيَفَ القتلى عن طريقه بأنفسهم ، ففعلوا ذلك كلَّه ،
(١) نفح الطيب ٥٩٧/١ .
بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
٢١٦
وانصرف، وكان ذلك ◌ِزًّا ما وراءه مَطْمَح، ونصّرًا لا يكاد الزمان يجود بمثله
ويسمح ، خصوصًا إزالتهم جِيف قتلاهم من الطريق ، وغصصهم في شرب ذلك
بالريق ))(١) .
كان للمنصور في كل عام غزوتان أو أكثر ، ما بين صائفة وشاتية ، وكان
من أكبر أعمال المنصور سنة ٣٧١ هـ الهجوم على ((سمورة)) - أو زمورة - حيث
عملت قوات المسلمين على تدمير أقوى معاقل الشمال، ولم تغادر ((سمورة))
إلّا بعد أن تركتها طعمة للنيران ، والدمار يخيم عليها ، انتقامًا لِمَا كانت تمارسه هذه
المدينة ضدَّ ثغور المسلمين .
غزو مملكة ((ليون)) سنة ٣٧٣ هـ :
((انطلق الحاجب المنصور بجيشه إلى العاصمة ((ليون))، وعندما وصلَها
ضرب حصارًا حولها ، وطلب ملك ليون الدعم من الدول المجاورة فأمدّه الإِفرنج
بجيوش كثيرةٍ ، ووقعت معارك ضارية اتصل فيها القتال ليلًا ونهارًا، وأظهر الإفرنج
قدْرًا كبيرًا من الصمود ، كما أظهر المسلمون تصميمًا أكبر على انتزاع النصر ،
واستُشهد عدد كبير من المسلمين، كما قُتل عدد كبير من قادة الإفرنج ، وأخذ الموقف
في النهاية بالتحوّل لمصلحة المسلمين الذين حملوا على النصارى ، فانهزموا إلى بلادهم
وقُتل منهم ما لا يُحصى ، وملكُ المدينة («ليون))، وغنم ابن عامر غنيمة لم يُرَ مثلها ،
واجتمع له من السبي ثلاثون ألفًا ، وأمر بالقتلى فنضد بعضها على بعض ، وأمر مؤذنًا
فَأَذِّن للمغرب فوق القتلى، وعاد جيش المنصور إلى قرطبة))(٢).
استعادة برشلونة إلى حكم المسلمين :
في سنة ٣٧٦ هـ استطاع المنصور اقتحام أسوار برشلونة بجيشه ، وفرض
نفح الطيب ٥٩٥/١ - ٥٩٦ .
(١)
(٢) الكامل لابن الأثير ١٢٠/٧.
بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس
٢١٧
سيطرته عليها بعد أن طال انفصالها عن دولة الأندلس الإسلامية ، وخضوعها
لملوك فرنسا الكارولنجيين بصورة اسمية .
غزوة البياض ، وأسْر ملك ليون :
في سنة ٣٧٩ هـ جابه الحاجب المنصور جيش البشكنس ، فمزقه وتابع
تقدُّمه ، فاحتل حصن وخشمة - أوسمة - ونزل ((غرسيه)) ملكُ ((ألبةَ)) والقلاعِ
على شروط المنصور .
والتقى جيش الثغور الذي كان يقوده الوزير ((قند) بجيش ((ليون))، وعلى
رأسه الملك ((غرسيه))، وأمكن للمسلمين انتزاع النصر، ووقع ملك ليون
أسيرا في أيدي المسلمين ، وأدت جراحه البالغة إلى وفاته ، وجزّ رأسه ووضعه
في تابوت، وأرسله إلى قرطبة، واحتفظ الوزير ((قند)) بجسده.
وفي سنة ٣٨٥ هـ قاد المنصور بنفسه الحملة على مملكة ليون ، وحقّق
انتصارًا كبيرًا وأمكن له أسر أعداد كبيرة كان فيهم ((غرسيه بن شانجة ابن غرسيه))
ابن ملك ليون ، ودمّر الحاجب حصون مملكة ليون مثل: ((سمورة)) و ((شنت
أشتبيبين)) و((وشقة)) و((خشمة)) وحصن ((الحامة)) و((سلمنقة)).
غزو المنصور لـ ((شنت ياقب)) أعظم مدن النصارى سنة ٣٨٧ هـ :
لقد بقيت جيليقية باستمرار مركز مقاومة النصارى لوجود المسلمين في
الأندلس ، ولقد كانت جيليقية منطقة جبلية وعرة التضاريس ، وكانت أيضًا
قاعدة روحية لها مكانتها المعنوية للتحريض على الثورة، نظرً ا لوجود ((شنت ياقب))
في هذا الإقليم - جيليقية - الذي يقع شمال غرب الأندلس . ومدينة شانت ياقب
هي أعظم مشاهد النصارى ببلاد الأندلس ، وكنيستها عندهم بمنزلة الكعبة عندنا -
وللكعبة المثل الأعلى - فإليها يحجُّون من أقصى بلاد روما وما وراءها ، ويزعمون
أن القبر المزور فيها قبُرُ ياقب ((يعقوب)) الحواري، أحد الاثني عشر وأخصُّهم
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس
٢١٨
بعيسى ، ويسمُّونه أخاه ، للزومه إياه . ولم يطمع أحد من ملوك الإسلام في
قصْدها ، ولا الوصول إليها ؛ لصعوبة مدخلها ، وخشونة مكانها ، وبُعد شُقَّتها .
وهذه المدينة كان يقصدها الحجيج المسيحي من أوربا كلها ، وجعل لها
المركز الثالث بعد القدس وروما ، وبعث ألفونسو الثاني ملك أراغون أسطورة
القديس ((يعقوب))، وجعل منه حامي شبه الجزيرة ((الأيبيرية)) وسيدها،
وكان النصارى الأندلس طقوس خاصَّة وتراتيل حماسّية ، لتمجيد القديس يعقوب
ودفع النصارى للجهاد ضد المسلمين الكفار ؛ وتوافر لهذه المدينة المقاتلون
الأشداء الذين لم يُهزَمُوا .
ولقد خطَّط الحاجب المنصور لغزو ((شانت ياقب)) في إطار حملة
بريَّة بحرية ، وضجّت القاعدة البحرية ( قصر أبي دانس ) بالاستعدادات للغزوة
الكبرى ، وكان المنصور قد أنشأ في هذه القاعدة أسطوله البحري وجهَّزه
برجاله البحريين، وصنوف المترجّلين والأطعمة والعُدَد والأسلحة ؛ استظهارًا
على نفوذ العزيمة . وكانت العاصمة قرطبة تشهد استعداداتٍ مماثلة في تجهيز
قوات الفرسان وحَشْدها من كلٍّ أقاليم الأندلس ، وأصدر الحاجب المنصور
أوامره بالتحُّك، وفي مدينة ((بورتو)) التقتْ القوَّات البريَّة وقوات الإِنزال البحري،
وقطع الحاجب المنصور أرضين متباعدة الأقطار ، وقطع بالعبور عدَّة أنهار
كبار ، وخلجان يمدُّها المحيط الأطلسي ، ثم أفضى العسكر بعد ذلك إلى
بسائط جليلة من بلاد ((فرطارش))، ثم أفضى إلى جَبَل شامخ شديد الوعر
لا مَسْلك فيه ولا طريق، لم يهتد الأدِلَّاءُ إلى سواه ، فقدَّم المنصور مُهندسيه ؛
لتوسعة شعابه وتسهيل مسالكه ، فقطعه العسكر ، وعبروا بعده وادي مِنية
أوْ (منهو) ، وانبسط المسلمون بعد ذلك في بسائط عريضة وأرضين أريضة ،
وانتهت مغيرتُهم إلى دير قسطان وبسيط ((بلنبو )) على البحر الميحط ، وفتحوا
حصن ((شنت بلاية)) وغنموه ، وعبروا سباحةٌ إلى جزيرة من البحر المحيط ؛
لجأ إليها خَلْقٌ عظيم من أهل تلك النواحي ، فسبّوْا مَن فيها ممَّن لجأ إليها ،
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٢١٩
وانتهى العسكر إلى جبل ((مراسية))، فتخلَّلوا أقطاره ، ثم أجاز المسلمون
بعد هذا خليجًا في معبرين، ثم نهر أيّلة - أو ((أوللا)) - إلى أن أفضوا
إلى بسائط واسعة العمارة ، كثيرة الفائدة ؛ منها : بسيط أونبة ، وقرجيطة ،
ودير شنت برية ، ثم انتهوا إلى موضع من مشاهد صاحب القبر تِلْوَ مشهد
قبره عند النصارى في الفَضْل ، يقصده نُسًّا کھم من أقاصي بلادهم ومن بلاد
القبط والنوبة وغيرهما ، فغادره المسلمون قاعًا ، وكان النزول بعده على مدينة
شنت ياقب ، وذلك يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شعبان سنة ٣٨٧ هـ ، فحاز
المسلمون غنائمها ، وهدموا مصانعها وأسوارها وكنيستها وعفوا آثارها ، ولم
يجد المنصور بشانت ياقب - بعد أن هرب منها أهلها - إلّا شيخًا من الرهبان
جالسًا على القبر، فسأله عن مقامه، فقال: ((أونس يعقوب)). فأمر بالكفّ
عنه . وكانت مصانع شانت ياقب بديعة محكمة ؛ فغُودرت هشيمًا كأنْ تغنَ
بالأمس . وانتسفتْ بعوتُه بعد ذلك سائر السهول ، وانتهت الجيوش إلى جزيرة
((شنت مانكش))، فقطع هذا الصَّقْع على المحيط، وهي غاية لم يبلغها قبلهم
مسلم ، ولا وطئها لغير أهلها قدم . فلم يكن بعدها للخيل مجال ، ولا وراءها
انتقال . وانكفأ المنصور عن باب شنت ياقب ، وقد بلغ غايةً لم يبلُغها مسلم
قبله .
واستغرقت المسيرة الشاقَّة من قرطبة حتى أقاصي جيليقية ((شنت ياقب))،
فترة أربعين يومًا تقريبًا ، وهذا رقم قياسي ، وقد كان من المُحال انجازُ هذا
التحُّك بِمِثْل هذه السرعة لولا التحرك البحري . كما كان من المُحال الوصول
إلى شنت ياقب ، لولا ما قام به المهندسون ؛ من إقامة الجسور ، وتمهيد الطرق ،
وشقِّ الأنفاق ، فلله دُّ الحاجب المنصور .
لله دُّ الحاجب المنصور: ((الملك لا ينامُ إذا نامت الرعيَّة)):
(( كان من قوة رجاء المنصور ، أنه اعتنى بجمْع ما علق بوجهه من الغبار
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٢٠
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
في غزواته ومواطن جهاده ؛ فكان الخدَم يأخذونه عنه بالمناديل في كلّ منزلٍ
من منازله حتى اجتمع له منه صرَّةٌ ضخمةٌ عَهِد بتصييره في حنُوطه ، وكان
يحملها حيث سار مع أكفانه ؛ توقُّعًا لحلول منيَّته، وقد كان اتَّخذ الأكفان
من أطيب مَكسبه من الضيعة الموروثة عن أبيه وغَزْل بناته ، وكان يسأل الله
تعالى أن يتوفّه في طريق الجهاد ، فكان كذلك))(١).
حتى كأنَّك بالعَیانِ تراهُ
آثاره تُنبيكَ عن أخبارِه
أبدًا ولا يحمي الثغورَ سواهُ
تالله لا يأتي الزمانُ بمثله
هكذا كُتِب على قبره لما دُفن بمدينة سالم، مُنْصرفه من بعض غزواته .
((تحدَّث واحدٌ ممَّن كانوا يلازمون المنصور ، فقال : قلت للمنصور
ليلةً طال سهرُه فيها : قد أفرط مولانا في السَّهر ، وبدنه يحتاج إلى أكثر من هذا
النوم، وهو يعلم بما يحرِّكه عدمُ النوم من علَّة العصب . فقال: يا هذا ، الملك
لا ينام إذا نامت الرعيَّة ، ولو استوفيتُ نومي ، لما كان في دُور هذا البلد العظيم
عينٌ نائمة ))(٢) .
(( لو تنفَّس صاحبُ هذا القبر وأنت عليه، ما سُمِع منك ما يُكره سماعُه ،
ولا استقرَّ بك قرارٌ)):
وهذه خيرُ خاتمة بما يليق بعلوِّ همَّة بطلنا المنصور .
روى شجاع مولى المستعين بن هود القصَّة التالية ، عندما ذهب لمقابلة
ألفونسو ((الأُذفونش)): ((لما توجَّهت إلى ((أذفونش)) وجدتُه في مدينة سالم ،
وقد نَصَب على قبر المنصور بن أبي عامر سريره ، وامرأته متَّكئة إلى جانبه ،
فقال لي : يا شجاع ، أما تراني قد ملكتُ بلاد المسلمين وجلست على قبر
(١) البيان المغرب ٤٣٠/٢.
(٢) نفْح الطِّيب للمقَّري ٤١٦/١.
ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/