Indexed OCR Text
Pages 161-180
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد السادس ١٦١ التمادي والتباهي والتنافس ، عرّ عن التجبُّر والتكُّر، بريءٌ مِن التنجيم والتطُّر ، مع ما جمَع الله له مِنَ العقل المتين ، والرأي الثاقب الَّصين ، والاقتداء بسيرة السَّف الماضين ، والتشبُّه بالعلماء والصّالحين، والاقتفاء بسيرة مَن سَلَف منهم في حُسْنِ سَمْتهم ، والاتِباع لهم في حِفْظ حالهم ووقّتهم؛ حتى رَوَى حديثَ المصطفى عَّ لمه وأسمعه - وكان قد اسْتُجيز له ممن سمِعَه وجمَعَه - حرصًا منه على الخير في نَشْرِ السُّنَّة بالأداءِ والتحدُّث ، ورجاء أنْ يكون ممن حَفِظ على الأمة أربعين حديثًا كما جاء في الحديث ، فمَن رآه شاهد مِن جلال السّلطنة وهيبة الملك ما يُبْهُرُه ، فإذا فاوضه رأى من ألطافه وتواضعه ما حيََّه. ولقد حكَى لي عنه مَنْ صَحِبَه في حِضَرَه وسفره : أَنّه لم تُسمع منه كلمةُ فُحْشٍ في رضاه ولا ضَجَره ، وإنَّ أشْهى ما إليه: كلمةُ حقٌّ يسمعها أو إرشاد إلى سُنَّة يتبعها . يُحبّ الصالحين ويؤاخيهم، ويزور مساكنهم لحُسْن ظنِّه فيهم . وإذا احتلم مماليكُه أعتقهم ، وزوَّج ذكرانَهم بإناثهم ، ورزقهم . ومتى تكَّرت الشّكاية إليه من أحدٍ من ولاته ، أمَره بالكفّ عن أذى مَن تظلّم بشكاته ، فَمَنْ لم يرجع منهم إلى العدْل ، قابله بإسقاط المنزلة والعزل . ولمَّا جمع الله له مِن شريف الخِصال ، تيسَّر لَهُ جميعُ ما يقصده من الأعمال، وسهَّل على يده فَتْح الحصون والقلاع ، ومكّن له في البلدان والبقاع ؛ وأكثر ما أخَذه مِن البلدان، تسلّمه من أهله بالأمان من غير سَفْك دم . وإذا استُشهد أحدٌ من أجناده حَفِظَه في أهله وأولاده ، وأجْرى عليهم الجرايات ، وولّى مَن كان منهم أهلًا للولايات. وكلَّمَا فَتَح الله عليه فتْحًا أو زاده ولاية، أسْقط عن رعيَّته قِسْطًا وزادهم رعاية ، حتى ارتفعتْ عنهم الظلامات والمكوس ، ودرّتْ عليهم الأرزاق . وحصل بينهم الاتفاق . ومناقبه خطيرة وممادحُه كثيرة ، وقد مدحه جماعة من الشعراء فأكثروا ، ولم يبلغوا وصْف الآية بل قصَّروا ، وهو قليل الابتهاج بالشعر زيادة في تواضعه القدر . https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٦٢ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس قال أبو الفتح بنجير بن أبي الحسن الأشتري - وهو فقيةٌ ، كان معيدًا بالمدرسة النَّظَّاميَّة وجمع لنور الدين رحمه الله سيرةً مختصرة - قال : كان نور الدين يقعُد في الأسبوع أربعة أيام أو خمسة أيام في دار العدل للنظر في أمور الرعية وكَشْف الظَّلامة ، لا يطلب بذلك درهمًا ولا دينارًا ولا زيادةً ترجع إلى خزانته ، وإنَّما يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله ، وطلبًا للثواب والزلفى في الآخرة ، ويأمر بحضور العلماء والفقهاء ، ويأمر بإزالة الحاجب والبوَّاب ؛ حتى يصل إليه الضعيف والقوي والفقير والغني ويكلِّمهم بأحْسَن الكلام ، ويستفهم منهم بأبلغ النظام ، حتى لا يطمع الغني في دَفْع الفقير بالمال . ولا القوي في دفع الضعيف بالقال ، ويحضر في مجلسه المرأة العجوز الضعيفة التي لا تقدر على الوصول إلى خصمها ولا المكالمة معه ، فيأمُرُ بمساواته لها ، فتغلب خصمها طمَعًا في عَدْله ، ويَعْجز الخصم عن دَفْعها خوفًا من عدله ، فيظهر الحقّ عنده ، فيُجْري الله تعالى على لسانه ما هو موافق للشريعة ، ويسأل العلماء والفقهاء عمَّا يشكل عليه من الأمور الغامضة ، فلا يجري في مجلسه إلَّ محْضُ الشريعة . قال : وأمّا زمانُه فهو مصروف إلى مصالح الناس ، والنظر في أمور الرعيَّة والشفقة عليهم. وأمَّا فِكْره ففي إظهار شعار الإِسلام ، وتأسيس قاعدة الدين ؛ من بناء المدارس والُّبُط والمساجد وترتيب أمْرهم ، والناس آمنون على أموالهم وأنفسهم . ولو لم يكن من هذه الخصال إلّا ما عُلم منه وشاع ؛ أنَّه إذا وعد وفَّى وإذا أوْعد عفا، وإذا تحدَّث بشيءٍ عليه لا يُخالف قولَه، ولا يرجع عن لفْظِه ومنْطِقِهِ - لَكَفَى. ولا يجري في مجلسه الفسْق والفجور والشتم والغيبة والقدح في الناس والكلام في أعراضهم ، كما يجري في مجلس سائر الملوك ، ولا يطمع في أخذ أموال الناس ، ولا يرضى أن يأخذ من أموال الرعيّة شيئًا بغير حق . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٦٣ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس قال : وبَلَغَنا بأخبار التواتر ، عن جماعة ممن يُعتمد على قولهم : أنَّه أكثر الليالي يصلِّي ويناجي ربَّه مقبلًا بوجهه عليه ، ويؤذِّي الصلوات الخمس في أوقاتها ، بتمام شرائطها وأركانها وركوعها وسجودها . قال : وبَلَغنا عن جماعة من الصوفَّة الذين يُعْتمد على أقوالهم ، ممّن دخلوا ديار القدس للزيارة ، حكاية عن الكفار ، أنّهم يقولون : ابنُ القسيم له مع الله تعالى سِّ؛ فإنّه ما يظفر علينا بكثرة جُنده وعسكره ، وإنما يظْفر علينا بالدعاء وصلاة الليل ، فإنّه يصلِّي بالليل ، ويرفع يده إلى الله ويدعو ، فالله سبحانه وتعالى يستجيب دعاءه ، ويعطيه سؤله ، وما يُرُدّ يدَه خائبة ، فيظفر علينا . فهذا كلام الكفار في حقّه . قال : وحدَّثنا الشيخ داود المقدسي - خادم قبر شعيب عليه الصلاة والسلام - قال : حضَرتُ دار العدل في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين ، فقام رجل وادَّعى على الملك العادل : أن أباه أَخَذَ مِن ماله شيئًا بغير حقّ قال : وأنا مطالِبٌ لك بذلك . فقال نور الدين : أنا ما أعلم ذلك ، فإن كانت لك بيِّنة تشهد بذلك فهاتها وأنا أَرُدّ ما يخصُّني؛ فإنِّي ما ورثْتُ جميعَ ماله ، كان هناك وارث غيري . فمضى الرجل يُحْضِر البيّنة ، فقلت في نفسي : هذا هو العدل . قال : وادَّعى رجلٌ على أخي الشيخ أبي البيان ، وديعةً ، فأنكرها وحَلَف ، فجعل المُودِعِ يشنِّع عليه وشكاه إلى نور الدين ، والتمس الإِنكار عليه ، فقال نور الدين : أليس الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وإذا خاطَبَهُم الجاهِلُون قالوا سَلامًا﴾؛ فإذا كان هو يجهل عليك ، ويقول في حقِّك بالجهل ما لا يجوز ، فيجب عليك أن لا تعمل معه مِثْل معاملته ، فتكون مثله ، فكأنَّك قابلتَ الإِساءة بالإِساءة ، ومِن حقّك أن تُقابِل الإِساءة بالإِحسان . فقلت في نفسي : الحُّ ما قال الملك العادل ؛ إِمَّا قرأ هذا في تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٦٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس كُتُب التفاسير ، فَثَبت في قلبه هذا التحقيق ، أو أجْراهُ الله على لسانه وأُنْطقه به . قال : وحَضَر جماعة من التجّار ، وشكوا أنَّ القراطيس كان ستّون منها بدينار ، فصار سبعة وستّون بدينار ، وتنقُص وتزيد فيخسرون ، فسأل نور الدين عن كيفيَّة الحال ، فذكروا أنَّ عَقْد المعاملة على اسم الدينار ، ولا يُرى الدينار بالوَسَط ، إنما يعدُّون القراطيس بالسّعْرِ تارة ستِّين بدينار وتارة سبعة وستِّين، وأشارَ كلّ واحد من الحاضرين على نور الدين أنْ يضرب الدينار باسمه ، وتكون المعاملة بالدنانير الملكية ، وتبطل القراطيس بالكلّة ، فسكت ساعة ، ثم قال : إذا ضَرِبْتُ الدينار ، وأبطلتُ المعاملة بالقراطيس ، فكأنِّي خَرَّبتُ بيوت الرعية ؛ فإنَّ كَلَّ واحد مِن السُّوقة عنده عشرة آلاف وعشرون ألف قرطاس، أيش يعمل به ؟ فتكون سببًا لخراب بيته . قال : فأثّ شفقة أعظم وأكثر من هذا على الرعيّة؟ ! . قال : وحَضَر صَبِّ ، وبكى عند نور الدين ، وذكَر أنَّ أباه محبوسٌ على أجْرةٍ حُجْرةٍ من حُجَرِ الوَقْف - يعني : وقْف الجامع - فسأل عن حاله ، فقالوا : هذا الصَّبُّ ابن الشيخ أبي سعد الصوفّ ، وهو رجُلٌ زاهدٌ قاعدٌ في حُجْرةٍ للوقْف ، وليس له قُدرةٌ على الأُجْرة ، وقد حَبَسه وكيلُ الوقْف ؛ لأنّه اجتمع عليه أُجْرةُ سنة ، فسأل : كم أُجْرة السَّنة ؟ قالوا : مائة وخمسون قرطاسًا . وذكروا سِيرتَه وطريقتَه وفقره ، فرقٌّ له وأنْعَم عليه ، وقال : نحنُ نعطيه كلّ سنةٍ هذا القَدْر ؛ ليصرفه إلى الأُجْرة ويقعد فيها ، وتقدَّم بذلك وبإخراجه مِن الحبْس ، فوصل إلى قلب كلٌّ واحدٍ من الحاضرين الفَرَح ، حتى كأنَّ الإِنعام كانَ في حقِّه . وقال أبو الحسن ابن الأثير : قد طالعتُ تواريخَ الملوك المتقدِّمين https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٦٥ قبل الإِسلام وفيه إلى يومنا هذا ، فلم أرَ منها بعد الخلفاء الراشدين وعمر ابن عبد العزيز مَلِكًا أحسنَ سِيرةً من الملك العادل نور الدين ، ولا أكثر تَحَرِّيًّا للعدل والإِنصاف منه، قد قَصَرَ ليله ونهارَه على عدْلٍ ينشرهُ ، وجهادٍ يتجهَّز له ، ومَظْلمَةٍ يُزيلُها وعبادةٍ يقوم بها ، وإحسان يُولِيهِ ، وإنعامٍ يُسْدِيه. ونحن نذكُر ما يُعلم به محلّه في أَمْرٍ دنياه وأخراه ، فلو كان في أُمَّة لافتخرتْ به ، فكيف بيت واحد ؟! أمّا زهدُه وعبادته وعلمه ؛ فإنّه كان رحمه الله - مع سَعَةٍ مُلكه وكثرة ذخائر بلاده وأموالها - لا يأكُل ، ولا يلبس ، ولا يتصرّف فيما يخصُّه إلَّا من مُلْكٍ كان له قد اشتراه من سَهْم؛ من الغنيمة ومن الأموال المُرصَدة لمصالح المسلمين ، أحْضَر الفقهاء واستفتاهم في أُخْذِ ما يحلُ له من ذلك، فأخذ ما أفتوه بحِلّه ، ولم يتعدَّه إلى غيره ألبتَّة، ولم يلبس قطُّ ما حَرَّمه الشرعُ ؛ من حريٍ أو ذهب أو فضةٍ ، وَمنَع مِن شرب الخمر وبيْعِها في جمیع بلاده ومن إدخالها إلى بلدٍ ما ، وكان يَحِدُّ شاربَها الحدَّ الشرعَّ، كلّ الناس عنده فيه سواء . حدثني صديق لنا بدمشق ، كان رضيعَ الخاتون ابنةِ معين الدين - زوجة نور الدين - ووزيرَها ، قال : كان نور الدين إذا جاء إليها ، يجلس في المكان المختصّ به وتقوم في خدمته ، لا تتقدَّم إليه إلّا أن يأذن لها في أُخْذ ثيابه عنه ، ثم تَعْتزل عنه إلى المكان المختصِّ بها ، وينفرد هو ؛ تارةً يُطالع رِقَاع أصحاب الأشغال ، أو في مطالعةٍ كتاب أتاه ، ويجيب عنها ، وكان يصلِّي فُيُطيل الصلاة ، وله أوْرادٌ في النهار ، فإذا جاء الليل وصلَّى العشاء ونام ، يستيقظ نصْف الليل ، ويقوم إلى الوضوء والصلاة إلى بُكرة ، فيظهر للركوب ، ويشتغل بمهامِّ الدولة . قال: وإنَّها قَّت عليها النفقة ، فأرسلْني إليه أطلب منه زيادةً في وظيفتها ، فلمَّا قلت له ذلك ، تنكّر واحمرَّ وجهه ، ثم قال : مِن أین بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس ١٦٦ أُعْطيها ؟ أما يكفيها مالُها ؟ والله لا أخوضُ نارَ جهنَّمَ في هواها ، إنْ كانت تظنُّ أنَّ الذي بيدي من الأموال هي لي ، فبئس الظّنُّ ، إنَّما هي أموال المسلمين مُرْصَدةٌ لمصالحهم ، ومُعدَّة لفَتْقٍ إن كان من عدوّ الإِسلام ، وأنا خازِنُهم عليها ، فلا أخونهم فيها . ثم قال : لي بمدينة حمص ثلاثة دكاكين ملكًا وقد وهبتُها إِيَّاها، فلتأخذها . قال : وكان يَحْصُل منها قَدْرٌ قليل . قال ابن الأثير : وكان رحمه الله لا يفعلُ فِعْلًا إلّا بنيَّةٍ حسنة ، كان بالجزيرة رجُلٌ صالح ، كثيرُ العبادة والورع ، شديدُ الانقطاع عن الناس ، وكان نور الدين يكاتبُه ويراسلُه ، ويرجع إلى قوله ، فبلغه أنَّ نور الدين يُدْمِنُ اللَّعب بالكرة ، فكتب إليه يقول له : ما كنتُ أَظنُّك تلهو وتلعب وتُعذّب الخيل لغير فائدةٍ دينيَّة . فكتب إليه نور الدين رحمه الله - بخطٌ يده - يقول له : والله ما يحملني على اللعب بالكرة اللَّهو والبَطَرِ، إنَّما نحن في ثعْرٍ العدوُّ قريبٌ منَّا ، وبينما نحن جلوسٌ ، إذ يقع صوتٌ فنركب في الطَّلَب ، ولا يمكننا أيضًا ملازمة الجهاد ليلًا ونهارًا، شتاء وصيفًا، إذ لا بدَّ من الراحة للجند ، ومتى تركنا الخيل على مرابطها صارت جَمامًا (١) لا قُدْرة لها على إدمان السَّيْر في الطلب ، ولا معرفَة لها أيضًا بسرعة الانعطاف والكِّ والفرِّ في المعركة ، فنحن نركبُها ونُروِّضُها بهذا اللعب ، فيذهبُ جَمَامُها ، وتتعوَّد سرعة الانعطاف والطاعة لراكبها في الحرب ، فهذا والله الذي يبعثني على اللعب بالكرة . قال ابن الأثير : فانظر إلى هذا الملِك المعدوم النظير ، الذي يَقِلُّ في أصحاب الزوايا المنقطعين إلى العبادة مِثْله ، فإن مَن يجيء إلى اللعب يفعله بنيَّةٍ (١) الجَمَام: الراحة، وجمَّ الفرسُ: تُرِك ولم يُرْكَب. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ١٦٧ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس صالحة ، حتى يصيرَ مِن أعظم العبادات وأكثرِ القُرُبات - يقُّ في العالَم مِثْلُه ، وفيه دليلٌ على أنه كان لا يفعلُ شيئًا إِلَّ بنيّةٍ صالحة، وهذه أفعالُ العلماء الصالحينَ العالمينَ . قال : وحُكي لي عنه أَنَّه حُمِلَ إليه من مصر عمامةٌ مِن القصَب الرفيع مُذهَّبة ، فلم يُحْضِرها عنده ، فوصِفَتْ له فلم يلتفتْ إليها ، وبينما هم في حديثها ، إذ جاءه رجُل صوفِّي ، فَأُمَر بها له ، فقيل له : إنها لا تصلحُ لهذا الرجل ، ولو أُعطي غيرها كان أنفع له . فقال : أعطوها له ، فإنّي أرجو أن أُعَوَّضَ عنها في الآخرة . فسُلِّمَتْ إليه ، فسار بها إلى بغداد ، فباعها بستمائة دينارٍ أو سبعمائة . قلت : وقيل أنَّه باعها بهمذان بألف دینارٍ . قال ابن الأثير : وكان - يعني نور الدين رحمه الله - عارفًا بالفقه على مذهب الإِمام أبي حنيفة ، ليس عنده تعصُّب ، بل الإِنصاف سَجِيَّتُهُ في كلِّ شيءٍ ، وسمع الحديثَ وأسْمَعَه ؛ طَلَبًا للأجْر ، وعلى الحقيقة فهو الذي جدَّد للملوك اتِّاعَ سُنَّةِ العدل والإنصاف ، وتَرْكَ المحَّمات من المأْكَل والمشرب والملْبس وغيرِ ذلك، فإنَّهم كانوا قبله كالجاهليَّة ، هِمَّةُ أحدِهم بطْنه وفْجه ، لا يعرف معروفًا ولا يُنكِرِ مُنكرًا، حتى جاء الله بدولته ، فَوَقَف مع أوامِرِ الشَّرع ونواهيه ، وألزم بذلك أتباعَه وذَوِيِهِ ، فاقتدى به غيرُه منهم، واستحيَوْا أنْ يظهرَ عنهم ما كانوا يفعلونه، ((ومَن سنَّ سُنَّة حسنةً ، فله أْرُها، وأجْرُ مَن عَمِلَ بها إلى يوم القيامة)). قال : وأمَّا عَدله ، فإنه كان أحْسَنَ الملوك سيرةً، وأعْدَلَهم حُكْمًا ؛ فمن عدْلِه أنّه لم يتركْ في بلدٍ من بلاده ضريبةً ولا مَكْسًا ولا عُشرًا بل أطلقها جميعها ؛ في بلاد الشام والجزيرة جميعها ، والموصل وأعمالها ، وديار مصر وغيرها مما حكَم عليه . https://weblessam.blogspot.com/ بعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ ١٦٨ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس وكان المَكْسُ في مصر يُؤخذُ من كلِّ مائة دينارٍ خمسةٌ وأربعون دينارًا، وهذا لم تتَّسِع له نَفْسُ غيره ، وكان يتحرَّى العدْل، ويُنْصِفُ المظلومَ من الظَّالم كائنًا مَن كان ، القوّ والضعيف عنده في الحقّ سواءٌ . وكان يَسْمِعُ شكوى المظلوم ، ويتولَّى كَشْف حاله بنفسه ، ولا يَكِلُ ذلك إلى حاجبٍ ولا أميرٍ ، فلا جَرَمَ سار ذكْرُه في شرق الأرض وغربها . قال : ومِن عدْلِه أنّه كان يعظِّم الشريعة المطهّرة ، ويقفُ عند أحكامِها ، ويقول : نحن شِحَنٌ لها ، نُمضي أوامرها . فَمِنَ اتّباعِه أحكامَها ؛ أنه كان يلعبُ بدمشق بالكرة ، فرأى إنسانًا يُحدِّث آخر ويومىُ بيده إليه ، فأرسل إليه يسألُ عن حاله ، فقال : لي مع الملك العادل حكومة ، وهذا غلام القاضي ليُحضره إلى مجلس الحُكْم ، يُحاكمُني على المُلْك الفلاني . فعاد إليه ، ولم يتجاسرْ يُعرِّفه ما قال ذلك الرجل ، وعاد يَكْتُمه ، فلم يقبل منه غير الحقّ ، فذكر له قولَه ، فألقى الجو كانَ مِن يده ، وخرج من الميدان ، وسار إلى القاضي ، وهو حينئذٍ كمال الدين الشَّهرزوري ، وأرسل إلى القاضي يقول له : إنني قد جئت مُحَاكَمًا ، فاسلُك معي مثْلَ ما تسلُكه مع غيري. فلمَّا حضر ساوى خَصْمُه وحاكَمَه ، فلم يَثْبُت عليه حق ، وثبت الملك لنور الدين ، فقال نور الدين - رضي الله عنه - حينئذٍ للقاضي ولمن حضَر : هل ثبتَ له عندي حقٍّ ؟ قالوا : لا . فقال : اشهدوا أنني قد وهبتُ له هذا المُلْك الذي حاكمني عليه ، وهو له دوني ، وقد كنتُ أعلمُ أنه لا حقَّ له عندي ، وإنَّما حضرتُ معه لئلا يَظُنَّ أنني ظلمتُه ، فحيث ظَهَر أن الحقَّ لي ، وهبتُه له . قال ابن الأثير : وهذا غايةُ العدْل والإِنصاف . بل غايةُ الإِحسان ، وهي درجةٌ وراء العدل ، فَرَحِم الله هذه النَّفس الَّكَيَّةِ الطاهرة ، المنقادةَ إلى الحق ، الواقفةً معه . بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٦٩ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس قال : ومن عدْله ؛ أنّه لم يكنْ يُعاقِب العقوبة التي يُعاقب بها الملوك في هذه الأعصار على الظنَّة والتُّهمَة ، بل يطلبُ الشهودَ على المُتَّهَم ، فإن قامت البِّنة الشرعية ، عاقبه العقوبةَ الشرعيَّة من غير تعدٍّ ، فدَفَع الله بهذا الفعل عن الناس من الشَّر، ما يوجَد في غير ولايته مع شدَّة السِّياسة والمبالغة في العقوبة، وأمنت بلادُه مع سعتها، وقلّ المفسدون ببركة العدل واتّباع الشرع المطهر . قال : وحكى لي من أثق به أنّه دخل يومًا إلى خزانة المال ، فرأى فيها مالًا أنكره فسأل عنه ، فقيل: إن القاضي كمال الدين أرْسَله ، وهو من جِهَةِ كذا . فقال : إنَّ هذا المال ليس لنا ، ولا لبيت المال في هذه الجهة شيء. وأَمَر بردِّه وإعادَتِه إلى كمال الدين ليردَّه إلى صاحبه ، فأرسله متولِّي الخزانة إلى كمال الدين ، فردَّه إلى الخزانة ، وقال : إذا سألك الملك العادل عنه ، فقولوا له عني : إنّه له . فدخل نور الدين الخزانة مّة أخرى ، فرآهُ فَأَنْكَر على النُّوَّاب قال : ألم أقل لكم : يُعادُ هذا المال على أصحابه؟ فذكروا له قوْل كمال الدين ، فردَّه إليه ، وقال للرسول : قُلْ لكمال الدين : أنتَ تقدر على حَمْلِ هذا المال ، وأمَّا أنا فَرَقَتِي دقيقة ، لا أُطِيقُ حَمْلَهَ والمخاصمةَ عليه بين يدي الله تعالى، يُعاد، قولًا واحدًا . ((عَدْلُه بعد موته !! )) : قال : ومِن عدْله أيضًا بعد موته ، وهو من أعجب ما يُحكى : أنّ إنسانًا كان بدمشق ، استوطنها وأقام بها ، لما رأى من عدْل نور الدين رحمه الله ، فلمَّا تُوقِّي تعدَّى بعضُ الأَجْنادِ على هذا الرجل فشكاه ، فلم يُنْصَف ، فنزل من القلعة وهو يستغيثُ ويبكي وقد شُقَّ ثوبه وهو يقول : يا نور الدين ، لو رأيتنا وما نحن فيه من الظُّلم لرحِمْتَنا ، أينَ عدلك؟ وقَصَد تربةً نور الدين ومعه من الخلق ما لا يُخْصى ، وكلُّهم يبكي ويصيح ، فوصل الخبر إلى صلاح الدين ، وقيل له : احفظ البلد والرعية ، وإلّا خرج عن تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٧٠ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس يدك. فأرسل إلى ذلك الرجل - وهو عند تُربة نور الدين يبكي والناس معه - فطيِّب قلبه ووهبه شيئًا وأنصفه ، فبكى أشدَّ من الأول ، فقال له صلاح الدين : لِمَ تبكي ؟ قال : أبكي على سلطانٍ عَدَلَ فينا بعد موته . فقال صلاح الدين : هذا هو الحق . وكلّ ما نحن فيه من عدْلٍ فمنه تعلَّمْناه . وأمَّا شجاعَتُه وحُسْن رأيهِ فقد كانت النهاية إليه فيهما ؛ فإنّه أَصْبَرُ الناس في الحرب ، وأحْسَنُهم مكيدةً ورأيًا، وأجودُهم معرفةً بأمورِ الأجنادِ وأحوالهم وبه كان يُضْرِبِ المَثَلُ في ذلك ، سمعتُ جَمْعًا كثيرًا من الناس لا أُحْصيهم يقولون أنهم لم يروْا على ظَهْرِ الفَرَسِ أحسنَ منه ، كأنّما خُلِق عليه ، لا يتحرّك ولا يتزلزل ، وكان من أحسن الناس لَعِبًا بالكرة وأقْدَرِهم عليها لم يُرَ جو كانُه يعلو على رأسِهِ ، وكان ربَّما ضَرَبَ الكرة ويُجري الفرس ويتناولها بيده من الهواء ، ویرمیھا إلی آخر الميدان ، و کانت يَدُه لا تُری والجو کانُ فیھا ، بل تكون في كُمِّ قبائه ، استهانةً باللعب . قال: وكان - رحمه الله - يُكْثر إعمال الحِيل والمكْر والخداع مع الفرنج ، وأكثر ما مَلَکه من بلادهم به ؛ ومن جيِّد الرأي ما سلكه مع ( مليح ابن ليون ) مَلِك الأرمن صاحب الدروب ؛ فإنّه ما زال يخدعه ويَسْتَمِيلُه حتى جَعَله في خِدمته سَفَرًا وحَضَرًا ، فكان يُقاتل به الفرنج ، وكان يقول : إنما حَمَلني على استمالته أنَّ بلادَه حَصِينَةٌ وَعِرَةُ المسْلكِ ، وقَلاعَهُ مَنيعةٌ ، وليس لنا إليها طريق ، وهو يخرج منها إذا أراد ، فينالُ مِن بلاد الإِسلام ، فإذا طُلِبَ انْحَجَر فيها ، فلا يُقْدَر عليه ، فلمَّا رأيتُ الحال هكذا ، بذلتُ له شيئًا من الإِقطاع على سبيل التّالُف ، حتى أجاب إلى طاعتنا وخِدْمتنا ، وساعدنا على الفرنج . قال : وحيث توفّي نور الدين ، وسلكَ مَنْ بعده غير هذا الطريق ؛ مَلَكَ مُتولِّي الأرمن بعد ( مليح ) كثيرًا من بلاد الإِسلام وحصونهم ، وصار منه ضررٌ عظيم وخْقٌ واسع لا يُمِكِنُ رَقْعُه . قالِ : ومن أحْسَنِ الآراء ما كان يفعله مع أجْنادِهِ ، فإنّه كان إذا توفّي أحدُهم وخلّف ولدًا ، أقَّ الإِقطاعَ عليه ، فإن كان الولد كبيرًا ، https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٧١ استبدَّ بنفسه ، وإن كان صغيرًا رتَّب معه رجلًا عاقًا يثق إليه، فيتولَّى أَمْرَه إلى أن يَكْبُر، فكان الأَجْنادُ يقولون: هذه أمْلاكُنا يَرِثها الولدُ عن الوالدِ فنحن نُقاتل عليها . وكان ذلك سببًا عظيمًا من الأسباب الموجبة للصبر في المشاهد والحروب ، وكان أيضًا يُثْبِتُ أسماءَ أجنادِ كلِّ أميرٍ في ديوانِه وسلاحهم ؛ خوفًا من حِرْصِ بعضِ الأمراءِ وشُحِّه ، أن يَحْمِلَه على أن يَقْبِضَ على بعضٍ ما هو مقَرَّر عليه مِنَ العدد . ويقول : كلّ وقْتٍ نحن في النَّغِير ، فإذا لم يَكُنْ أجْنادُ كافَّةِ الأُمراء كاملي العَدَدِ والعُدَدِ ، دخل الوَهْن على الإِسلام . قال : وأمَّا ما فَعَلَّهُ في بلاد الإِسلام من المصالح ممَّا يعود إلى حِفْطها وحفظ المسلمين فكثير عظيم ، من ذلك أنه بنى أسْوار مُدن الشام جميعها وقلاعَها ، فمنها : حلب ، وحماة ، وحمص ، وبارين ، وشيزر ، ومنبج ، وغيرها من القلاع والحصون ، وحصَّنَها وأحْكَم بناءها ، وأخرج عليها من الأموال ما لا تَسْمح به النفوس ، وبنى أيضًا المدارس بحلب وحماة ودمشق وغيرها للشافعيَّة والحنفيَّة ، وبنى الجوامعَ في جميع البلاد ؛ فجامعُهُ في الموصل إليه النّهاية في الحُسْن والإِتقان ، ومن أحْسنٍ ما عَمِل فيه، أنّه فَوَّض أَمْر عمارته والخرج عليه إلى الشيخ عمر الملّا رحمه الله (١)، وهو رجل من الصالحين فقيل له: إنَّ هذا لا يصلُحُ لمثل هذا العمل . فقال : إذا ولَّيتُ العملَ بعضَ أصحابي من الأجْناد والكُتَّاب ، أعلَمُ أنّه يَظلمُ في بعض الأوقات ، ولا يفي الجامعُ بظُلْم رجُلٍ مسلم ، وإذا ولّيتُ هذا الشيخ ، غلب على ظنِّي أنّه لا يظلم ، فإذا ظلم كان الإِثم عليه لا علَّي . قال : (١) هو : الشيخ عمر بن محمد المشهور بالملاء، سُمِّي الملاء ؛ لأنه كان يعمل بملء تنانير الآجرّ ؛ لقاء أجْرٍ يتقوَّتُ به ، وكان لا يملك سوى ما يَرْتَدِيه من قميصٍ وعمامة ، وكان عالمًا بفنون العلوم ، ويزوره جميع الملوك والعلماء والأعيان ويتبَّكون به . للاستزادة راجع: مرآة الزمان جـ ١ / ٣١٠ - ٣١١، الروضتين ٢ / ٦٨ ، شذرات الذهب ٢٢٩/٤، الكواكب الدرّيّة ٣٦ والأصل ٩١/ و. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ١٧٢ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس وهذا هو الفقه في الخلاص مِنَ الظُّلم . وبنى أيضًا بمدينة حماة جامعًا على نهر العاصي ، من أحْسنِ الجوامع وأنزهِها ، وجدَّد في غيرها من عمارة الجوامع ما كان قد تهدَّم ؛ إمَّا بزلزلةٍ أو غيرها ، وبنى البيمار ستانات في البلاد ، من أعظمِها البيمارستان الذي بناه بدمشق ، فإنّه عظيمٌ كثيرُ الخرج جدًّا ، وبنى أيضًا الخانات في الطرق ، فأمِنَ الناسُ وحُفظت أموالُهم ، وباتوا في الشتاء في كِنٌّ من البَرْد والمطر ، وبنى أيضًا الأبراج على الطّرق بين المسلمين والفرنج ، وجعل فيها مَن يَحفظُها ومعهم الطيور الهوادي ، فإذا رأوا من العدوّ أحدًا أَرْسلوا الطيورَ، فأخذَ الناس حِذْرَهم واحتاطوا لأنفسهم ، فلم يَبْلُغ العدوُّ منهم غَرَضًا ، وكان هذا من ألْطَفِ الفِكَرِ ، وأكثرها نفعًا . قال: وبنى الُّبُط والخانقاهات في جميع البلاد للصوفية، ووقَفَ عليها الوُقُوفَ الكثيرةَ ، وأَدَرَّ عليهم الإِدرارات الصالحة ، وكان يُحْضِرُ مشايخَهم عنده ، ويُقرِّبهم ويُدْنيهم ويَبْسُطُهم ويتواضع لهم ، وإذا أقبلَ أحدهم إليه ، يقوم له مُذْ تَقَعُ عَيْنُه عليه ، ويعتنقُه ويُجْلِسُه معه على سجَّادته ، ويُقبِلُ عليه بحديثه . وكذلك أيضًا كان يفعل بالعلماء مِنَ التعظيمِ والتوقيرِ والاحترامِ ، ويجمعهم عند البَحْثِ والنَّظَر ، فيقصدونه من البلاد الشَّاسعة مِنْ خراسان وغيرها . وبالجملة كان أهلُ الدين عنده في أعْلى مَحلِّ وأعظَمِه ، وكان أمراؤه يحسُدونهم على ذلك ، وكانوا يقعون عنده فيهم فينهاهم ، وإذا نقلوا عن إنسان عَيًّْا يقول : ومَنْ هو المعصوم ؟ وإنَّما الكامل من تُعدُّ ذنوبه . قال : وبَلَغَني أنَّ بعضَ أكابر الأمراء حَسَدَ قُطْبَ الدين النيسابوريّ الفقيه الشافعيّ ، وكان قد استقدمه من خراسان، وبَالَغ في إكرامه والإِحسان إليه ، فَحَسَدَه ذلك الأمير ، فقال عنه يومًا عند نور الدين ، فقال له : يا هذا، إنْ صَحَّ ما تقوله ، فَلَهُ حسنة تَغْفِرُ كلَّ زَلَّةٍ تذكُرُها، وهي العلم والدِّين، وأمَّا أنتَ وأصحابك ففيكم أضعاف ما ذكرتَ ، وليستْ لكم حسنةٌ تغفرها ، ولو عَقِلْتَ لشغلَك عيْبُكَ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٧٣ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس عن غيرِكَ ، وأنا أحْتملُ سيِّئاتكم مع عَدَمِ حسناتِكم ، أفلا أحْتملُ سيّئة هذا - إنْ صحَّت - مع وجود حسنة ؟ على أنَّني والله لا أُصدِّقُك فيما تقول ، وإنْ عُدتَ ذكَرْتَه أو غيرَه بسوءٍ ، أدَّبْتُك. فَكَفَّ عنه . قال ابن الأثير : هذا والله هو الإِحسان ، والفِعْلُ الذي ينبغي أن يُكْتب على العيون بماء الذهب . وبنى بدمشق أيضًا دارَ الحديث، ووقَفَ عليها وعلى مَنْ بها - من المُشتَغِلِينَ بعلم الحديث - وقوفًا كثيرة ، وهو أوَّل مَنْ بنى دارًا للحديث فيما علمناه ، وبنى أيضًا في كثيرٍ من بلاده مكاتبَ للأيتام ، وأجرى عليهم وعلى مُعلِّميهم الجرايات الوافرة ، وبنى أيضًا مساجدَ كثيرة ، ووقَفَ عليها وعلى مَنْ يُقرئُ بها القرآن . قال : وهذا فِعْلٌ لم يُسبق إليه . بلغني مِنْ عارفٍ بأعمال الشام أنَّ وُقُوفَ نور الدين في وقُتِنا هذا - وهو سنة ثمان وستمائة - كلّ شهرٍ ، تسعةُ آلاف دينارٍ صُوريَّة ، ليس فيها مُلْكٌ غيرُ صحيحٍ شرعِّ ، ظاهرًا وباطًا ؛ فإنّه وَقَفَ ما انتقل إليه ووزنَ ثمنَهُ ، وما غَلَبَ عليه من بلاد الفرِنج وصار سهمَهُ . قال : وأمَّا وقارُه وهيبتُه فإليه النهاية فيهما ، ولقد كان - كما قيل - شديدًا من غير عُنف ، رقيقًا من غير ضَعْف ، واجتمع له ما لم يجتمع لغيره ؛ فإنّه ضَبَطَ ناموسَ المُلْك مع أجناده وأصحابه إلى غايةٍ لا مزيدَ عليها ، وكان يُلزِمُهم بوظائِف الخدمة؛ الصغير منهم والكبير، وكان - مع هذه العظمة وهذا الناموس القائم - إذا دخلَ عليه الفقيه أو الصوفي أو الفقير ، يقومُ له ويمشي بين يديه ، ويُجلسه إلى جانبه ، كأنّه أقرب الناس إليه، وكان إذا أعطى أحدهم شيئًا يقول : إنَّ هؤلاء لهم في بيت المالِ حق ، فإذا قَنِعوا منّا ببعضه فلهم المنَّةُ علينا. وكان مجلسُه - كما رُوِيَ في صفة مَجْلسِ رسول الله عَ لجه - مجلسَ حِلْمٍ وحياء لا تُؤْبَنُ فيه الحُرُمُ . وهكذا كان مجلسُه لا يُذكَرُ فيه إلَّا العلْمُ والدِّين ، وأحوالُ الصالحين ، والمشورةُ في الجهاد وقصْد بلاد العدوّ ، ولا يتعدَّى هذا . https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٧٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس قال ابن الأثير : فهكذا كانت أحواله جميعها - رحمه الله - مضبوطة محفوظة . وأمَّا حِفْظ أصول الديانات ، فإنّه كان مراعيًّا لها لا يهملها ، ولا يُمكِّن أحدًا من الناس من إظهار ما يخالف الحق ، ومتى أقْدَم مُقْدِمٌ على ذلك أَدَّبه بما يناسب بِدْعَته ، وكان يبالغ في ذلك ويقول : نحن نحفظُ الطُّرقَ من لصِّ وقاطعٍ طريقٍ ، والأذى الحاصلُ منهما قريب ، أفلا نحفظ الدين ، ونمنع عنه ما يُناقِضُه وهو الأصل ؟ ! . قال : وحُكي أنَّ إنسانًا بدمشق يعرف بيوسف بن آدم - كان يُظهر الزهد والنُّسك، وقد كَثُر أتباعُه - أظهر شيئًا من التشيعيَّة، فبلغ خبِرُه نور الدين ، فأحضره وأركبه حمارًا وأَمَر بصَفْعِه ، فطيف به في البلد جميعه ، ونوديَ عليه : هذا جزاء مَن أظهر في الدين البدع ، ثم نفاه من دمشق ، فَقَصَد حرَّان ، وأقام بها إلى أن مات . قلت : وحدَّثني الصاحب كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد ابن هبة الله قال : وقفتُ على رقْعَةٍ بخطِّ الوزير خالد بن محمد بن نصر ابن القيسراني ، كتبها إلى نور الدين ، وجوابها من نور الدين على رأس الورقة وبين السطور ، فنقلتُ جميع ما فيها من خطّهما . قال: وكان - رحمه الله - كتب رقعة ، يطلب من ابن القيسراني : أن يَكْتب له ما يُدْعى له به على المنابر ، حتى لا يقول الخطيب ما ليس فيه ، ويصونه عن الكذب ، وعمَّا هو مخالفٌ لحاله . ونسخة الورقة بخطِّ خالدٍ المذكور : أعلى الله قَدْر المولى في الدارين ، وبلغه آماله في نفسه وذرّيته ، وخَتَم لهُ بالخير في العاجلة والآجلة بمنِّه وجُوده وفضله وحمده . وقَف المملوك على الرقعة ، وتضاعف دعاؤه وابتهاله إلى الله بأنْ يرضى عنه وعن والديه ، وأن يسهّلَ له السلوك إلى رضاه والقُرْب منه والفوز عنده ، قد رأى المملوك ما يعرضه على العلم الأشرف زاده الله شرفًا . وهو أن يذكر الخطيب على المنبر ، إذا أراد الدعاء للمولى : اللّهمّ أصلح عبدك الفقير إلى رحمتك الخاضع لهيبتك ، المعتصم بقُوَّتك ، المجاهد في سبيلك ، المرابط لأعداء دينك ، أبا القاسم محمود بن زنكي بن آق سُنْقر ناصر أمير المؤمنين . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاحِ الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس ١٧٥ فإنّ جميعَه لا يدخله كَذِبٌ ولا تَزِيُّد ، والرأي فِي ذلك أعْلى وأَسْمى إن شاء الله تعالى . فكتب نور الدين على رأس الرقعة بخطّه ، ما هذا صورته : مقصودي أن لا يكذب على المنبر ، أنا بخلاف كلّ ما يُقال لا أفرح بما لا أعْمل ، قلَّة عقل عظيم . الذي كتب جيد هو ، اكتب به نسخًا حتى نُسيِّرُه إلى جميعِ البلادٍ . وكتب في آخر الرقعة : ثم نبدأ بالدعاء : اللّهمّ أره الحقَّ أسعده ، اللّهمّ وفَّقه من هذا الجَنْش(١). وفي عصرنا يا نور الدين: الحاكم في كلِّ دولةٍ رُبّما خصَّصُوا وزارةً لنشر صُوَره في كلِّ أرجاء البلاد ، كما يقول الشاعر : صورة الحاكم في كلِّ اتجاهْ أينما سِرْنا نراهْ في المقاهي في الملاهي في الوزارات وفي الحارات والبارات والأسواق والتِّلْفاز والمسرح والمبغى وفي ظاهر جدران المصحّات وفي داخل دورات المياه أينما سرنا نراه (١) الجَنْش : الغلظ، وجَنَشتْ نفسي : ارتفعت من الخوف. بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ ١٧٦ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس صورة الحاكم في كلِّ اتّجاه باسمٌ في بلدٍ يبكي من القهر بُكاهْ ! مشرقٌ في بلدٍ تلهو الليالي في ضُحاه ناعمٌ في بلدٍ حتى بلایاهُ بأنواع البلايا مُبْتَلاهْ صارٌِ في بلدٍ مُعتقَلِ الصّوت ومنزوعِ الشّفاهْ ! سالمٌ في بلد يُعدم فيه الناس بالآلاف ، يوميًّا بدعوی الاشتباه * صورة الحاكم في كلّ اتّجاه نعمة منه علینا إذا نَرَى حين نَرَاهْ أنه لَمَّا یزل حيًّا وما زلنا على قيد الحياهُ(١) (١) قصيدة حبيب الشعب صـ٢٣ - ٢٥، من ديوان إني المشنوق أعلاه، لأحمد مطر الطبعة الأولى بلندن . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٧٧ قال : وحدثني والدي قال : استدعانا نور الدين ، أنا وعمك أبا غانم وشرف الدين بن أبي عصرون ، إلى الميدان الأخضر ، وأشهدنا عليه بوقف حوانيت على سُور حمص ، فلمّا شهدنا عليه، التفتَ إلينا فقال: بالله انظروا أَّ شَيْءٍ علمتموه من أبواب البّ والخير دلّونا عليه ، وأشرٍ كونا في الثواب. فقال له شرف الدين ابن أبي عصرون : والله ما ترك المولى شيئًا من أبواب البّ إلَّا وقد فعله ، ولم يَتْرك لأحدٍ بعده فِعْل خير إلّا وقد سبقه إليه . قال : وقال لي والدي : وصل في أيام نور الدين إلى حلب تاجر موسر فمات بها ، وخلّفَ ولدًا صغيرًا ومالًا كثيرًا ، فكتب بعضُ مَن بحلب إلى نور الدين يذكر له أنه قد مات رجلٌ ها هنا - رجل تاجر موسر - وخلَّفَ عشرين ألف دينار وفوقها ، وله ولد عمره عشر سنين ، وحسَّنَ له أنْ يرفع المال إلى الخزانة إلى أن يَكْبُر الصغير ، ويُرضى منه بشيء ، ويُمسَك الباقي للخزانة . فكتب نور الدين - رحمة الله عليه - على رقعته : أمّا الميت فرحمه الله ، وأمّا الولد فأنشأه الله، وأمّا المال فثمَّره الله ، وأما الساعي فلعنه الله . قال : وبلغني هذه الحكاية عن غير نور الدين أيضًا . وحدثني الحاج عمر بن سُنقر عتيق شاذبخت النوري ، قال : سمعت الطواشي شاذبخت الخادم يحكي لنا قال : كنت يومًا أنا وسنقر واقفَيْن على رأس نور الدين وقد صلّى المغرب، وجلس وهو مُفكّرٌ فكْرًا عظيمًا ، وجعل يَنْكُتُ بأصبعه في الأرض ، فتعجَّنا من فِكْرِه وقلنا : تُرى في أيّ شيءٍ يُفكِّر ؟ أفي عائلته أو في وفاء دَيْنِه . فكأنّه فَطِن بنا ، فرفع رأسه وقال : ما تقولان ؟ فقلنا : ما قلنا شيئًا . فقال : بالله قولا لي . فقلنا : عجبنا من إفراط مولانا في الفِكْر ، وقلنا : يفكر في عائلته أو في نفسه . فقال : والله إنّي أُفكِّر في وإٍ ولّته أمْرًا من أمور المسلمين فلم يَعْدِل فيهم ، أو فيمن يظلم المسلمين مِن أصحابي وأعواني ، وأخاف المطالبة بذلك ، فبالله عليكم - وإلَّا فَخُبْزِي عليكم حرام - لا تريان قصَّةً تُرفع إلَّي، أو تعلمان مظلمة ، إلّا وأعْلِماني بها وارفعاها إلَّي . وسمعت قاضي القضاة بهاء الدين أبا المحاسن يوسف بن رافع https://weblessam.blogspot.com/ بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٧٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ابن تميم قال : كان نور الدين ينفذ كل سنة في شهر رمضان ، يطلب مِن الشيخ عمر الملّاء شيئًا يُفْطر عليه ، فكان ينفذ إليه الأكياس فيها الفتيت والرّقاق وغير ذلك ، فكان نور الدين يفطر عليه ، وكان إذا قَدِم الموصل لا يأكُل إلَّا من طعام الشيخ عمر المُلَّاء . قال : وكان نور الدين ، لمّا صارتْ له الموصل ، قد أُمَر كمشتكين شحنة الموصل ، أنْ لا يعمل شيئًا إلّا بالشرع إذا أمره القاضي به ، وأنْ لا يعمل القاضي والنُّوَّاب كلُّهم شيئًا إلَّا بأمْرِ الشيخ عمر المَلَّاءِ. ((انظروا كتاب الزاهد إلى المَلِك، وكتاب المَلِك إلى الزاهد !! )) : قال : فكان لا يُعْمل بالسياسة وبطُلت الشحنكيَّة ، فجاء أكابر الدولة وقالوا لكمشتكين : قد كَثُر الزُّعَّار وأربابُ الفساد ، ولا يجيءُ من هذا شيءٌ إلَّا بالقتْل والصلْب ، فلو كتبتَ إلى نور الدين وقلت له في ذلك . فقال لهم : أنا لا أكتب إليه في هذا المعنى ، ولا أجْسُر على ذلك ، فقولوا للشيخ عمر الملاء يكتب إليه . فحضروا عنده ، وذكروا له ذلك ، فكتبَ إلى نور الدين ، وقال له : إنَّ الزُّعَّار والمفسدين وقطّاع الطريق قد كَثُرُوا، ونحتاجٍ إلى نَّوْع سياسة ، فمِثْلُ هذا لا يجيءُ إلَّا بَقتْلٍ وصلْبٍ وضرْبٍ ، وإذا أُخِذ مالُ الإِنسان بالبّيَّة ، مَنْ يجيءُ يشهدُ له ؟! قال : فقلبَ نورُ الدين - رحمه الله - كتابه ، وكتبَ على ظهره : إنَّ الله تعالى خَلَق الخلْق وهو أَعْلم بمصلحتهم ، وإن مصلحتهم تحصل فيما شرعه على وجه الكمال فيها ، ولو علم أن المصلحة في زيادة الشريعة ، لَشَرَعَهُ ، فما حاجة إلى زيادة على ما شرعه الله ؟! قال : فجمع الشيخ عمر المَلَّاء أهل الموصل ، وقال: انظروا كتاب الزاهد إلى الملكِ، وكتاب المَلِك إلى الزاهد . وسمعتُ صقر بن يحيى بن صقر المعدل يقول : سمعت مقلدًا يعني: الدولعي . يقول: لما مات الحافظ المرادي ، وكنّا جماعة الفقهاء قسمين ؛ العرب والأكراد ، ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٧٩ فمنا مَنْ مال إلى المذهب ، وأردْنا أن نستدعي الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون وكان بالموصل ، ومنا مَنْ مال إلى عِلْم النظر والخلاف ، وأراد أنّ نستدعي الْقُطب النيسابوري ؛ وكان قد جاءَ وزَار البيت المقدَّس ، ثم عاد إلى بلاد العجم ، فوقع بيننا كلام بسبب ذلك ووقعتْ فتنة بين الفقهاء . فسمع نور الدين بذلك ، فاستدعى جماعة الفقهاء إلى القلعة بحلب ، وخرج إليهم مجد الدين - يعني : ابن الداية - عن لسانه وقال لهم : نحن ما أردنا ببناء المدارس إلَّا نَشْر العلم ودَخْض البِدَع من هذه البلدة وإظهار الدين ، وهذا الذي جرى بينكم ، لا يحسن ولا يليق ، وقد قال المولى نور الدين : نحن نُرضي الطائفتين ، ونستدعي شرف الدين بن أبي عصرون وقطب الدين النيسابوري. فاستدعاهما جميعًا، وولَّى مدرسةَ ابن عصرون لشرف الدين ومدرسةَ النفري لقطب الدين رحمهما الله تعالى . أخبرنا مختار الدين عبد المطلب بن الفضْل الهاشمي ، قال : كان عند قاضي حلب تاج الدين الكردَري غلام قد جعله لمجلس الحُكْم ، يُدعى : سُويدًا، يُخْضر الخصوم إلى مجلس الحكم ، فحضر بعض التجار وادَّعى أنّ له على نور الدين دعوى ، فقال الكردري لسويد المذكور : امض إلى نور الدين وادعه إلى مجلس الحُكْم ، وعرِّفه أنَّه حَضَرَ شخص يطلبُ حضوره . وكان نور الدين في الميدان ، فجاء سويد إلى باب الميدان ، فخرج إسماعيل الخزندار فوجدَهُ ، فتقدَّم سويد إليه وقال : قد سيَّرني تاج الدين القاضي ، قال لي كذا وكذا . فضحك إسماعيل الخزندار ، ودخل على نور الدين ضاحكًا ، وقال له مستهزئًا : يقوم المولى . فقال : إلى أينَ ؟ فقال : قد حَضَر سويد غلام تاج الدين القاضي ، وقال : إنّه أرسله يطلب المولى إلى مجلس الحكم . فأنكر نور الدين على إسماعيل استهزاءه ، وقال : تستهزئ بطلبي إلى مجلس الحكم ؟! ثم قال نور الدين رحمه الله : يُحْضر فرس حتى نركب إليه ، السمع والطاعة ، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّما كان قَوْلَ المؤمنينَ إذا دُعوا إلى الله ورسولِهِ لَيَحْكُمَ بينهم https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٨٠ صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس أنْ يقولوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ . ثم ركب حتى دخل باب المدينة ، فاستدعى سويدًا ، وقال : امض إلى القاضي وسلّم عليه ، وقُلْ له : إنِّي جئت إلى ها هنا ؛ امتثالاً لأَمْر الشرع ، وأحتاجُ في الحضور إلى مجلسه، إلى سلوك هذه الأزِقَّة وفيها الأطيان ، وهذا وكيلي يسمع الدعوى ، وإن توجَّهتْ علَّ يمين أحْضُر إنْ شاء الله تعالى . قال : فحضر الوكيل وسمع الدعوى ، وتوجَّهتْ اليمينُ . فقال القاضي : قد توجّهت اليمين فليحضُر . فلمَّا بلغ نور الدين ذلك، وعَلِم أنّه لا مندوحةً عن حضور مجلسه لليمين ، استدعى ذلك التاجر وأصلح الأمر فيما بينه وبينه ، وأرضاه . قال لي صقر بن يحيى: بلغني أنّ موفق الدين خالدًا رأى في المنام : كأنَّ نور الدين دَفَع إليه ثيابه ليغسلها ، فقصَّ منامه على نور الدين فتَمعَّر وجهُ نور الدين ، فخجل موفق الدين ، وبقي أيامًا على غايةٍ من الخجل ، فاستدعاه يومًا نورُ الدين ، وقال : تعال قد آن لك أن تغسل ثيابي ، اقْعُد واكتب بإطلاق المؤن والمكوس والأعشار ، واكتب للمسلمين أنِّي قد رفعتُ عنكم ما رفعه الله عنكم ، وأُثْبَتُّ عليكم ما أثبته الله عليكم . قال : فكتب موفق الدين توقيعًا . سمعتُ خليفة بن سليمان - خليفة البقيعة - يقول : سمعتُ أبي يقول : لما كُسير نور الدين - يعني : كسرة البقيعة ٥٥٨ هـ - تكلّم البرهان البلخي فقال : أتريدون أنْ تُنْصروا وفي عسكركم الخمور والطبول والزمور ، كلا . وكلامًا مع هذا ، فلمَّا سمع نور الدين ذلك ، قام ونزع عنه ثيابه تلك ، وعاهد الله تعالى على التوبة ، وشرع في إبطال المكوس إلى أن خرج في نوبة حارم وكَسَر الفرنج . سمعتُ صديقنا شمس الدين إسماعيل بن سودكين بن عبد الله النوري - وكان أبوه أحد مماليك نور الدين وأعتقه - يقول : سمعت والدي يقول : كان نور الدين يلبس في الليل مسْخًا ، ويقوم يصلِّي فيه قطعة من الليل ، قال : وكان يرفع يديه إلى السماء ويبكي ويتضَّع ويقول : ارْحم العشَّار المكّاس . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/