Indexed OCR Text
Pages 141-160
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٤١ فقعد هؤلاء ييكون ويلعنونني ويدعون علَّي، فلا بُدّ من المسير إليه(١). وفي وقعة بانياس وفتْح قلعتها ، كان معه أخوه نصر الدين فأصابه سهمٌ ، أذهب إحدى عينيه ، فلمّا رآه نور الدين قال : لو كُشف لك عن الأجر الذي أُعدَّ لك، لتمنَّيْتَ ذَهابَ الأُخرى . وكان معه في هذا الفتح وَلَدُ ((معينٍ الدين أنر)) الذي سلَّم قلعة بانياس للفرنجة ، فقال له نور الدين: (( للمسلمين فرحةٌ واحدة بهذا الفتح ، ولك فرحتان . فقال : كيف ذلك ؟ قال لأن اليوم بَرّد اللهُ جِلْدَ والدِك من النار))(٢). كان رحمه الله مواظبًا على الصلوات في الجماعات ، عاكفًا على تلاوة القرآن ، عفيف البطن والفرج ، مقتصدًا في الإِنفاق ، متحرِّيًا في المطاعم والملابس، لم تُسمع منه كلمةُ فُحشٍ (٣). قال عنه ابنُ الأثير: ((طالعتُ تواريخَ الملوك المتقدِّمين ، قَبْلَ الإِسلام وبَعْدَهُ إلى يومنا هذا، فلم أرَ بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسنَ سيرةً منه ))(٤). ومن زهده وتقواه ، أنه كان لا يأكل ولا يَلْبَس إلا من مُلْكٍ كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة ، ومن الأموال المُرصَدة لمصالح المسلمين ، وقد شكتْ إليه زوجته الضائقة وزيادة النفقة ، فاحمرّ وجهه وقال : من أين أعطيها ما يكفيها ؟! والله لا أخوض نار جهنم في هواها . ثم قال : لي بمدينة حمص ثلاثة دكاكين مِلكًا، وقد وهبتُها إياها فلتأخُذْها(٥). (١) الكامل ٣٠٢/١١. الكامل ٣٠٤/١١ . (٢) (٣) الروضتين في أخبار الدولتين . (٤)، (٥) الكامل ٤٠٣/١١ . https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس ١٤٢ روى أحد الملازمين له من أمرائه فقال : كنت معه يومًا في الميدان بالُّها ، والشمس في ظهورنا، فكلَّما سِرْنا تقدَّمنا الظّ، فلمَّا عُدنا صار ظلُنا وراءَ ظهورنا ، فأجرى فرسَهُ وهو يلتفت وراءه ، وقال لي : أتدري لأي شيءٍ أُجري فرسي وألتفتُ ورائي ؟ قلت : لا . قال : قد شبَّهتُ ما نحن فيه بالدنيا ، تهرب ممَّن يطلبها ، وتطلب مَنْ يهرب منها . قال أبو شامة : رضي الله عن ملكٍ يفكّر في مثل هذا(١) . وقال ابن الأثير : وكان يصلي كثيرًا من الليل ويدعو ويستغفر ، ولا يزال كذلك إلى أن يركب . جَمَعَ الشجاعةَ والخُشُوعَ لربِّه ما أحْسَنَ المحرابَ في المحرابِ(٢) وكان عارفًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة ، وليس عنده تعصُّب ، بل الإنصاف سجيته في كل شيءٍ ، وعلى الحقيقة فهو الذي جدَّد للملوك اتِّباع سُنَّة العدلِ والإِنصاف ، وترك المحرّمات من المأكل والمشرب والملبس ، فإنهم كانوا قبل ذلك كالجاهلية همَّةُ أحدِهم بطنه وفرجه ، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، وأمّا عدله فإنه كان أحسن الملوك سيرةً ، فلم يترك في بلد من بلاده ضريبة ولا مَكْسًا ولا غشًّا ، بل أطلقها - رحمه الله - جميعَها في بلاد الشام والجزيرة ومصر (٣). ومن عدله أنه بنى دارًا للعدل ، وكان سبب بنائها أن أمراءه وقُوّاد جيوشه تعدَّوْا على من يجاورهم ، فكثُرت الشكاوي إلى القاضي كمال الدين فأنصف بعضهم ، ولم يتجرَّأ على القائد أسد الدين شيركوه ، فلمَّا سمع نورُ (١) الروضتين ٦/١ . (٢) الكامل ٤٠٣/١١. الروضتين ٦/١ . (٣) https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٤٣ الدين بذلك ، بنى هذه الدار ، وأحسَّ أسد الدين بهذا فقال لنُوَّابه : والله لئن أُحْضِرْتُ إلى دار العدل بسبب أحدكم ، لَأَصْلُبَنَّه ، فامضوا إلى كلِّ مَنْ بينكم وبينه مُنازَعٌ، فَأَرْضُوه وافصِلُوا الحَالَ معه (١). فقالوا: إذا فعلنا هذا فإن الناس يشتَطُّون في الطََّب . فقال : خروج أملاكي عن يدي ، أسهلُ علَّي من أن يراني نور الدين بعين أبِّي ظالم . وكان نور الدين يجلس في هذه الدار يومين في الأسبوع ، فلمَّا علم ما حَصَل مع أسد الدين شيركوه ، سجد الله شكرًا (٢). وقال: الحمد لله الذي جعل أصحابنا يُنصِفُون من أنفسهم قبل حضورهم عندنا . فانظر إلى هذه المعدلة ما أحسنها ، وإلى هذه الهيبة ما أعظَمَها ! . وأمَّا فِعْله في بلاد الإسلام من المصالح فكثير ، فقد بنى أسوار مدن الشام جميعها وأحكَمَ بناءها ، وبنى المدارس بحلب وحماة ودمشق ، وكان أهل الدين عنده في أعلى محلّ ، وكان أمراؤه يحسدونهم على ذلك ، فقد ذَكَر أحدُ الأمراءِ الشيخَ قطب الدين النيسابوري أمام نورٍ الدين ، فقال له السلطانُ : يا هذا ، الذي تتكلّمُ عليه فله حسنةٌ تغفر كلَّ زلّةٍ ، وهي العِلْم والدِّين، وأمّا أنت وأصحابُك، ففيكم أضعافُ ما ذكرت ، وليستْ لكم حسنةٌ تغفرها ، وأنا أحملُ سيئاتكم مع عَدَم حسناتكم ، أفلا أحمل سيئةً هذا - إن صحَّتْ - مع وجود حسنته ، على أنني والله لا أُصدِّقك فيما تقول . وإن عُدتَ وذكرتَهُ بسوءٍ لأُؤدِّنَّك(٣) . ومن عفَّته وتقواه ، أن ما كان يُهدى إليه من هدايا الملوك ، لا (١) أي أنهوا المشكلة بأي طريقةٍ ، ولو أن ترهنوا له كل ما يطلب . (٢) الروضتين ٨/١. (٣) الروضتين ٩/١ . ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٤٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس يتصرَّف في شيءٍ منه لا قليلٍ ولا كثيرٍ ، بل يُخرجه إلى مجلس القاضي ، ويحصِّل ثمنه ويصرفه في عمارة المساجد المهجورة ، وأمر الخطباء بإسقاط ألقابه في الدعاءِ له على المنابر ، وكان كما وصفه العماد الأصفهاني: ((هو الذي أعاد رونق الإِسلام إلى بلاد الشام، وقد غَلَب الكفر، وبلغَ الضُّرَ، فاستفتح معاقلها واستخلص عقائلها ... ))(١) . وعندما تملَّك الموصل أمَرَ قائد شرطتها أن لا يعمل شيئًا إلا بالشَّرِّع الذي يأمر القاضي به ، وكانوا قبله يعملون بالسياسة(٢) . وطُلب منه أن يزيد في العقوبات فرفض وقال : هذا زيادة في الشريعة . فتوحات نور الدين : من أوائل وقعاته مع الفرنجة ، أنه أثناء زيارة والي دمشقٌ (( معين الدين أنر )) في بعلبك ، جاءهم كتابٌ من صاحب طرابلس الصليبي ، يحثّهم فيها على أخذ حصن العريمة ، فاستغلّ نور الدين هذا الطلب ، وحاصر هو ومعين الدين الحصن وأخذاه . وفي سنة ٥٤٣ سار نور الدين إلى بُصْرَى الشام وقد اجتمع فيها الفرنجة عازمين على قصد الجزء الداخلي من بلاد الشام ، فالتقى بهم هناك واقتتلوا أشدَّ القتال ، ثم أنزل الله نصرَهُ على المسلمين وانهزم الفرنجة (٣). وفي سنة ٥٤٤ هاجم حصن حارِم ، وخَّب ما حوله ونهب ، ثم رحل عنه إلى حصن آنب ودارت معركةٌ مع الفرنجة ، انتصر فيها المسلمون وقُتل فيها أمير أنطاكية ، ثم سار نور الدين إلى حصن ( فاميا ) وحاصره وضيَّق عليه ، ثم تملَّكه صُلحًا(٤). وفي سنة ٥٤٦ استطاع نور الدين بعد أسْرِ (جوسلين ) أحد شياطين الفرنجة ، استطاع أخذ قلاع تل باشر وعين تاب (١) الروضتين ١١/١. (٢) الروضتين ١٣/١. (٣)، (٤) الروضتين ٥٥/١، ٥٨/١. ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ١٤٥ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس وعزاز ومرعش وغيرها من أعمال حلب . وفي سنة ٥٤٩ دخلتْ دمشق ضمن دولته ، وكان نور الدين يخطّط من زمنٍ لأخذها ؛ لأنها في طريقه إلى الصليبيين ، وهي ضعيفة وحدها ، وإذا حاول أخذها بالقوة فإن ملكها يستجير بالصليبيين ، عدا عن كُره نور الدين لسفك الدماء ، ولذلك تحايلَ على مجير الدين حتى فاجأه بهجومٍ سريع ، بعد أن كاتب أهل دمشق ليسلِّموها له ، فدخلها دون قتالٍ يُذكر ، وأعطى مجير الدين مدينة حمص . شدَّة بأسه وثَبَات ◌َأْشِهِ وإخلاصه في الدعاء : في سنة ٥٥٣هـ، يقول أبو شامة في ((عيون الروضتين)): ((وَرَدَ الخبرُ من العسكر ، بأن الفرنج تجمّعُوا ، وزحفوا إلى المسلمين ، وأن المولى نور الدين نهض في الحال في العسكر ، والتقى الجمعان ، واتَّفق أن عسكر الإِسلام حصل فيه لبعض المقدّمين فاندفعوا ، وتفرّقوا بعد الاجتماع ، وبقي نور الدين رحمه الله ثابتًا في مكانه في عدَّةٍ يسيرةٍ من شجعان غلمانه وأبطال خواصّه ، في وجوه الفرنج ، وأطلقوا فيه السهام ، فقتلوا منهم ومن خيولهم العدد الكثير ، ثم إنهم ولوا منهزمين خوفًا من كمينٍ يظهر عليهم من عسكر الإِسلام ، ونجَّى اللهُ - وله الحمد - نور الدين منهم بشدّة بأسه وثبات جأشه ومشهور شجاعته ، وعاد إلى مخيَّمه سالمًا في جماعته . وذَكر أبو الفتح بن أبي الحسن بن الأشتري هذه الواقعة فقال : بقي نور الدين مع شرذمةٍ قليلة وطائفةٍ يسيرة ، واقفًا على تلِّ يُقال له : تلّ حبيش، وقد قُرُب عسكر الكفار ، بحيث اختلط رَجَّالةُ المسلمين مع رجّالة الكفار ، فوقف نور الدين بحذائهم مولِّيًا وجهَهُ إلى قِبلة الدعاء ، حاضرًا بجميع قلبه مُناجيًا ربَّه بسِرّه، ويقول: يا ربّ، أنا العبدُ الضعيفُ ، قَلَّدتني هذه الولاية ، وأعطيتني هذه النيابة ، عمَّرتُ بلادَك ، ونصحتُ عبادَك، وأمرتُهم بما أمرتني به ، ونهيتُهم عمَّا نهيتني عنه ، فرفعتُ المنكراتِ من بينهم ، تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ١٤٦ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس وأظهرتُ شعارَ دينك في بلادهم ، وقد انهزم المسلمون ، وأنا لا أقدرُ على دَفْع هؤلاء الكفار أعداءِ دينك ونبيِّك محمدٍ عَ ◌ّه، ولا أملك إلّا نفسي هذه ، قد سلَّمْتُها إليك، ذابًّا عن دينك، وناصرًا لنبيِّك. فاستجاب الله دُعاءَهُ، وأوقع في قلوبهم الرعب ، وأرسل عليهم الخِذلان ، فوقفوا مَوَاضِعَهم ، وما جَسَرُوا على الإِقدام عليه ، وظنُّوا أن نور الدين عَمِلَ عليهم الحيلة، وأن عسكر المسلمين في الكمين . قال : وترجَّل كلُّ من كان مع نور الدين ، وقبّلُوا الأرض بين يديه ، وتشفَّعُوا إليه في أن يرجع ، وقالوا : أيّها الملك ، أنت بجميع المسلمين في هذا الموضع ، وفي هذا الإقليم ، فإن جرى - والعياذ بالله - وهنّ وضعفْ من استيلاء الكفار على المسلمين ، مَنِ الذي يقدر على تدارُ كه ؟ قال : وحلف من شاهَدَ ذلك ، أنهم أخذوا بعِنان فرسه كُرهًا ، ورحلوا من ذلك الموضع ، وما كان في عزْم نور الدين أن يرحل من ذلك الموضع ، فلمَّا عرف الكفار ذلك ، وأنه ما كان عليهم لا كمينٌ ولا حيلةٌ ، ندموا ندامةً عظيمةً ، خذلهم الله تعالى . وفي سنة ٥٥٨هـ : أَكْثَرَ الخَرْجَ نورُ الدين ، إلى أن قسَّم في يومٍ واحد مائتي ألف دينار ، سوى غيرها من الدوابّ والخيام والسلاح وغير ذلك ، وتقدّم إلى ديوانه أن يُحضروا الجند ، ويسألوا كلّ واحدٍ منهم عن الذي أُخذ منه ، فكلّ مَنْ ذَكَر شيئًا ، أعطوْه ◌ِوَضَه ، فذكر أن بعض الجند حضر ، وادّعى شيئًا كثيرًا، علم بعضُ النُّواب كذبَهُ فيما ادَّعاه ، لمعرفتهم بحاله ، فأرسلوا إلى نور الدين يُنهون إليه القضيَّة ، ويستأذنونه في تحليفه على ما ادَّعاه ، فأعاد الجواب : لا تُكدِّرُوا عطاءنا ، فإني أرجو الثواب على قليله وكثيره . وقال له أصحابه : إنّ لك في بلادك إدارات كثيرة ، وصلات عظيمة للفقهاء والفقراء والصوفيَّة والقُرّاء ، فلو استعنتَ بها لكان أُمْثَل . فغضب من هذا https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ١٤٧ صلاح الأمة في غُلُوّ الهمة - المجلد السادس وقال : والله إني لا أرجو النصر إلَّا بأولئك، فإنما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم ، كيف أقطع صِلات قوم يقاتلون عني - وأنا نائمٌ على فراشي - بسهامٍ لا تُخطئ، وأصرفها إلى مَنْ لا يُقاتل عني إلّا إذا رآني بسهامٍ قد تُخطِئ وتُصيب ، ثم هؤلاء القوم لهم نصيبٌ في بيت المال أصرفه إليهم ، كيف أُعطيه غيرهم؟! فسكتوا ))(١) . لله دُّك يا نور الدين .. ما أعظَمَك وأَفْقَهَك وأكرمَك. نَصْرُ ((نور الدين)) العظيمُ في وقعة حارِم سنة ٥٥٩هـ : قال أبو شامة: (( كَسَرَ نورُ الدين الفِرنج على ((حارِم))، وقُتل منهم في معركة واحدةٍ عشرون ألفًا، وأُسِرٍ مَنْ نجا ، وأخذ القومص والبرنس والدوقس وجميع ملوكهم، وكان منحًا عظيمًا وفتحًا مبينًا، ثم إن الفرنج أرسلوا إلى نور الدين في المُهادَنة فلم يُجبهم إليها ، فتركوا عند الحصن مَنْ يحميه ، وعادوا إلى بلادهم وتفرّقُوا )). وكان فتْح ((حارِم)) من أعظم معارك نور الدين مع الصليبيين ، إذ جاء الفرنج بحدِّهم وحديدهم ، وملوكهم وفرسانهم ، وكان المقدّم عليهم البرنس ((بيموند)) صاحب أنطاكية، و ((قمص)) صاحب طرابلس ، وابن جوسلين ، واستطاع نور الدين جرّهم إلى معركةٍ خارج حصن حارم ، وانتصر عليهم انتصارًا ساحقًا، ووقع كُلُّ الأمراء والملوك أسرى بين يديه . قال العلامة أبو شامة في ((عيون الروضتين)) (٢٦٨/١ - ٢٧٢): (( قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر : كَسَر نور الدين الرومَ والفِرنج والأرمن على ((حارم)) وكان عدّتهم ثلاثين ألفًا، ووقع ((بيمند)) في أسْرِه في نوبة حارم ، وباعه نَفْسَهُ بمالٍ عظيمٍ أنفقه في الجهاد . (١) عيون الروضتين ٢٥٨/١ - ٢٥٩. تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ١٤٨ وقال العماد الكاتب : اغتنم نور الدين خلوّ الشام من الفِرنج - يعني بسبب رحيلهم إلى مصر - وقَصَدَهم، واجتمعوا على ((حارم )) فضَرَبَ معهم المصافّ ، فَرَزَقَهُ الله الانتقامَ منهم ، وأسَرَهم وقَتَلَهم ، ووقع في الأُسارَى برنس أنطاكية ، وقومص طرابلس وابن الجوسلين ودوك الروم ، وذلك في رمضان . قال : وقُتل منهم في المعركة عشرون ألفًا . قال ابن الأثير : أقبل نور الدين على الجدّ والاجتهاد ، والاستعداد للجهاد، والأخذ بثأره ، وغزْو العدو في عقر داره ، ليَرْتُق ذلك الفَتْق، ويمحو سمة الوَهْن ، ويعيد رَوْنَق المُلك ، فراسل أخاه قطب الدين بالموصل ، وفخر الدين قرا أرسلان بالحصن ، ونجم الدين ألبي بماردين ، وغيرهم من أصحاب الأطراف . فأمَّا قطب الدين ، فإنه جمع عساكره وسار مُجِدًّا ، وعلى مقدّمة عسكره زين الدين علي نائبه ، وأما فخر الدين قرا أرسلان ، فبلغني أن خواصّه قالوا له : على أي شيءٍ عزمتَ ؟ قال: على القعود ، فإن نور الدين قد تحشَّف (١) من كثرة الصوم والصلاة ، فهو يُلقي نَفْسَه والناس معه في المهالك. وكلُّهم وافَقَهُ على ذلك، فلمَّا كان الغد ، أمَرَ بالنداء في عسكره بالتجهيز للغزاة ، فقال له أولئك : ما هذا مما بدا ، فارقناك بالأمس على حالٍ ، ونرى الآن ضدَّها . فقال : إن نور الدين قد سلك معي طريقًا ؛ إن لم أُنجده ، خرج أهل بلادي عن طاعتي ، وأخرجوا البلاد عن يدي ، فإنه كاتب زُمَّادها وعُبّادها والمنقطعين عن الدنيا ، يذكُر لهم ما لقي المسلمون من الفرنج ، وما نالهم من الأسْر والقتْل والنَّهْب ، ويستمدُّ منهم الدعاء ، ويطلب منهم أن يحثُّوا المسلمين على الغزاة ، وقد قعد كُلُّ واحدٍ من أولئك ومعه أتباعه وأصحابه ، وهم يقرءون كتب نور الدين وييكون ، ويلعنونني ويدعون علَّي، فلا بدّ من إجابة دعوته . (١) تحشَّف : اكتسى الأطمار . تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٤٩ ثم تجهز أيضًا وسار إلى نور الدين بنفسه . وأمَّا نجم الدين ألبي فإنه سيَّر عسكرًا. فلمَّا اجتمعتِ العساكر، سار نور الدين نحو ((حارم))، فنزل عليها وحصرها ، وبلغ الخبرُ إلى مَنْ بقي من الفرنج بالساحل لم يَسِر إلى مصر، فحشدوا وجاءوا ومقدّم الفرنج ((البرنس)) صاحب أنطاكية ، والقمص صاحب أطرابلس وأعمالها ، وابن جوسلين وهو من مشاهير الفرنج وأبطالها، و ((الدوك)) وهو رئيس الروم ومقدّمها، وجمعوا معهم من الرَّاجِل ما لا يقع عليه الإِحصاء، قد ملئوا الأرض وحجبوا بقسطلهم السماء ، فحرّض نور الدين أصحابه ، وفَّق نفائس الأموال على شجعان الرجال، فلمّا قاربَهُ الفرنج، رحل عن ((حارم)) إلى ((أرتاح)) وهو إلى لقائهم مرتاح ، وإنما رَحَل طمعًا أن يتبعُوه ، ويتمكّن منهم إذا لَّقُوه ، فساروا حتى نزل على عمّ(١)، وهو على الحقيقة تصحيفُ ما لقوه من الغَمّ ، ثم تيقُّنُوا أن لا طاقة لهم بقتاله ، ولا قُدرة لهم على نزاله ، فعادوا إلى حارم وقد حرمتْهم كلَّ خير ، وتَبعهم نور الدين ، فلمَّا تقاربوا واصطفُوا للقتال ، وبدأت الفرنج بالحملة على ميمنة المسلمين ، وبها عسكر حلب وفخر الدين ، فبدَّدُوا نظامهم ، وزلزلوا أقدامهم ، وولّوهم الأدبار ، وتَبِعَهُم الفرنج ، وكانت تلك الفَّرة من الميمنة على اتّفاقٍ ورأي دَبَّرُوه ، ومكر بالعدوِّ مَكَرُوه، وهو أن يبعدوا عن راجلهم(٢)، فيميل عليهم من بقي من المسلمين ، ويضعوا فيهم السيوف ، ويُرغموا منهم الأنوف ، فإذا عاد فرسانهم من أثر المنهزمين ، لم يلقوا راجِلًا يلجئون إليه ، ويعود المنهزمون (١) قرية بين حلب وأنطاكية . (٢) قُصد بها أن الفارس المدرّع الثقيل، غير المدعم بقُوَّى من المشاة ، وغير المحروس من قِبَلها ، يفقد فاعليَّته في المعركة ، وهذا يدلّ على حِنكة نور الدين العسكرية . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ١٥٠ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس في آثارهم ، وتأخذهم سيوف الله من بين أيديهم ومن خلفهم ، فكان الأمر على ما دَبَّروا، فإن الفرنج لمَّا تبعوا المنهزمين ، عَطَفَ زين الدين في عسكر الموصل على راجلهم ، فأفناهم فتْلًا وأسّرًا ، وعادت خيَّالُهم ، ولم يُمْعنوا في الطَّلب خوفًا على راجِلِهم من العَطَب ، فصادفوا راجلهم على الصعيد مُعفَّرِين ، وبدمائهم مُضَرَّجِين ، فسقط في أيديهم ، ورأوا أنهم قد ضلُّوا، وخضعتْ رقابُهم وذَّلُّوا، فلمَّا رجعوا ، عطف المنهزمون أعِنَّتهم وعادوا ، فبقي العدو في الوسط ، وقد أحدق بهم المسلمون من كلٍّ جانب ، فحينئذٍ حمي الوطيس ، وباشر الحربَ المرؤوس والرئيس ، وقاتل الفرنج قتال من يرجو بإقدامه النجاة ، وحاربوا حراب من أيس من الحياة ، وانقضَّتِ العساكر الإِسلامية عليهم انقضاضَ الصُّقور على بُغات الطيور ، فخرقوهم بَدَدا، وجعلوهم قِدَدا ، فألقى الفرنج بأيديهم إلى الإِسار ، وعجزوا عن الهزيمة والفرار ، وأكثر المسلمون فيهم القتل ، وزادت عدَّة القتلى على عشرة آلاف(١)، وأما الأسرى فلم يُحصوْا كثرةً، ويكفيك دليلًا على كثرتهم، أن ملوكهم قد أسروا ، وهم الذين قَبْلُ ذُكِروا . قلت : وبلغني أن نور الدين - رحمه الله - لمَّا التقى الجمعان أو قُبيله ، انفرد تحت تّ حارم ، وسجد لربِّه عز وجل ، ومرّغ وجهه وتضّع وقال : يا ربّ ، هؤلاء عبيدُك، وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك، وهم أعداؤك ، فانصر أولياءك على أعدائك ، أيش فضول محمود في الوسط . يشير إلى أنك يا ربّ ، إنْ نصرتَ المسلمين فدينك نصرت ، فلا تمنعهم النصر بسبب محمود ، إن كان غير مستحقِّ النصر . وبلغني أنه قال : اللهم انصر دينك ولا تنصر محمودًا ، من هو محمود الكلب حتى يُنصر ؟! وجرى بسبب ذلك منامٌ حسن .. سنذكره . وهذا (١) في الروضتين ١٣٣/١: عشرين ألفًا . https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ١٥١ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس فتحّ عظيم ، ونصرٌ عزيز ، أنعم الله به على نور الدين والمسلمين ، مع أن جيشه - عامئِذٍ - كان منه طائفةٌ كثيرة بمصر مع أسد الدين شيركوه ، وهذا من عجيب ما وقع واتَّفَق )). وفي سنة ٥٦١هـ فتح حصن المنيطرة: سار إليه على غَرَّةٍ من الفرنج وحَصَرَهُ، وجَدَّ في قتاله ، فأخذه عَنْوَةً وقَتَل من به ، وسَى وغنم غنيمةً كثيرةً . تحيضُ دماءً والسُّيُوفُ ذُكُورُ ومن عَجَبٍ أن السُّيُوفَ لديهمُ تأجَّجُ نارًا والأكُفُّ بحورُ وأعْجَبُ من ذا أنَّها في أُكُفِّهمْ وفي سنة ٥٦٢هـ تملَّك نور الدين صافيتا والعريمة. توحيد مصر والشام سنة ٥٦٤هـ : لم يَغِب عن بال السلطان محمود ، أن توحيد بلاد الشام ومصر من أقوى الأسباب للوقوف في وجه الصليبيين . وجاءت الفرصة المناسبة عندما استجار به وزير العُبيديين في مصر شاور السعديّ ، وذلك لمساعدته في إرجاع منصب الوزارة الذي فَقَّدَه ، بادر نور الدين للإِجابة ، وأرسلَ جيشًا بقيادة أسد الدين شيركوه ، على أن يكون لنور الدين ثلث دَخْل مصر . دَخَل جيشُ نور الدين القاهرة ، وأعاد شاورًا للوزارة ، ولكنْ شاور غدرَ ما عاهَدَ عليه ، وطلب من أسد الدين مغادرة مصر ، واستنجد بالصليبيين الذين وجدوها فرصة ، فاضطرّ أسد الدين للانسحاب دون خسائر ، وفي نِيَّتِه العودة لمصر لتأديب شاور ، وفي عام ٥٦٢ هـ كان أسد الدين قد أكْمَلَ الاستعدادات وجَدَّ في السيْ ، فوصل مصر وعسكَرَ غربي القاهرة ، فالتقى مع المصريين يُساعدهم الفرنجة ، وهزمهم شرَّ هزيمةٍ ، وليس معه إلا ألفان من الفرسان ، ثم إن المصريين بذلوا له الأموال للصُّلح ، فوافق ورجع للشام ، https://weblessam.blogspot.com/ بعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://arabessam.blogspot.com/ ١٥٢ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس وكان الفرنجة في هذه المرة قد تمكَّنُوا من شاور وحكومته ، وشرطوا شروطًا ، منها أن يكون لهم حامية في القاهرة ، فتحكَّمُوا في المسلمين ، واستدعَوْا الصليبيين من فلسطين لأخذ مصر ، فاشتدَّ خوف نور الدين أن يأخذ الكفارُ مصر ، فتجهّز أسد الدين للمرة الثالثة ، وأخذ معه ابنَ أخيه صلاح الدين وهو كارة لذلك، ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم ﴾ . وكان شاور قد أرضى الصليبيين بالمال ليعودوا عن مصر ، فاستجابوا له ، ولكن أسد الدين كان قد عزم هذه المرة أن يستقرّ بمصر ، وبدأ شاور يُماطل ويعمل الحِيَل لإبعاد جيش نور الدين ، وقَّر القبض على أسد الدين وأمرائه، فأشار عليه ابنُه (الكامل ) بألّا يفعل . فقال له شاور : لئن لم أفعل لنُقتلنّ جميعًا. قال الابن: لأن نُقتل ونحن مسلمون ، والبلاد إسلاميةٌ ، خيرٌ من أن نُقتل وقد مَلَكَها الفرنج . ولكن شاور أصَّ على غذْره ، وشعر به قُوَّاد أسد الدين ، فاتَّفقُوا على قتْله واستراحوا منه ، واستراحت مصر منه أيضًا . وأصبح أسد الدين وزيرًا للدولة المصرية العُبيدية ، وكان آخر ملوكها العاضد ليس له من الأمر شيء ، فكانت وزارة شيركوه أوّل خطوة على طريق إعادة مصر إلى السُّنَّة . بعد شهرين من وزارته توفِّي رحمه الله ، وتولَّى بعده ابنُ أخيه صلاح الدين ، وهو الذي أزال الدولة العُبيدية ، بعد إلحاحٍ من نور الدين بأن يقطع الخطبة للعاضد ويخطب للخليفة العباسي ، وصلاح الدين يعتذر خوفًا من أهل مصر ، ولكن عندما استجاب لم يُخالفه أحد ، ولم ينتطح فيها عنزان . وهكذا كان إرجاع مصر للسُّنَّة وتوحيدها مع بلاد الشام ، من خطوات الجهاد المباركة التي بدأها نور الدين عليه رحمة الله ، وأكْمَلَ هذه الخطوات السلطانُ المجاهد صلاح الدين . قال ابن عساكر يُهنِّئ نور الدين - رحمه الله - باستيلاء عسكره على ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ١٥٣ مصر ، وكان قد أعفى أهل دمشق من المطالبة والخشب : لمَّا سمحتَ لأهل الشام بالخشبِ عُوِّضتَ مصرَ بما فيها من النَّشَب ومنها : حتى ينالَ بها العالي من الُّتَبِ فَأَحْزَمُ النّاسِ مَنْ قَوَّى عزيمتَهُ والحزْمُ في العَزْمِ والإِدراكُ في الطَّلَبِ فالجدُّ والجَدُّ مقرونانِ فِي قَرٍَ صفحاتٌ من نور لنور الدين: ((إني لأستحيي من الله تعالى أن يراني مبتسمًا ، والمسلمون مُحاصَرُون بالفرنج )» : في سنة ٥٦٥هـ نزل الفرنج - خذلهم الله - على دمياط . قال ابن الأثير : كان فرنج الساحل لمَّا ملك أسد الدين مصر ، قد خافوا ، فكاتبوا فرنج الأندلس وصقلية ، يستمدُّونهم ويُعرِّفونهم ما تجدَّد من ملك مصر ، وأنهم خائفون على البيت المقدس من المسلمين ، وأرسلوا جماعةً من القسوس والرهبان يحرِّضون الناس على الحركة ، فأمدُّوهم بالمال والرجال والسلاح ، واتَّعدوا على النزول على دمياط، ظنًّا منهم أنهم يملكونها، ويتَّخذونها ظهرًا يملكون به ديار مصر ، فحَصِّرُوا وضيّقُوا ، فأرسل إليها صلاح الدين العساكر في النيل ، وتابَعَ رسله إلى نور الدين يشكو ما هو فيه من المخاوف ، وأنه إن تخلّف عن دمياط مَلَكَها الفرنج، وإن سار إليها ، خَلَفَهُ المصريون في مُخلَّفِيه ومخَلَّفي عسكره بالسُّوء، وخرجوا عن طاعته ، وصاروا من خَلْفِه والفرنج من أمامه ، فجهَّز نور الدين إليه العساكر أرسالًا، كلما تجهَّرتْ طائفةٌ أَرْسَلَها ، فساروا إليه ، يتلو بعضُها بعضًا ، ثم سار نور الدين في مَن عنده من العساكر ، فدخَلَ بلادَ الفرنج فَتَهَبَها ، فلمَّا رأى الفرنج تتابُعَ العساكر إلى مصر بدخول نور الدين بلادهم ونهْبِها وإخرابها ، رجعوا خائبين، وكان مدَّةُ مقامهم على دمياط خمسين يومًا . https://web1essam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٥٤ قال العماد : لمَّا وصل خبر نزول الفرنج على دمياط ، اهتمّ واغتمَّ ، وأَنْهَضَ عسكرًا ثقيلًا مقدّمه الأمير قطب الدين خُضرو الهذياني ، فوصل قبل رحيل الفرنج بأسبوع . قال أبو شامة: (( وبلغني من شدَّة اهتمام نور الدين - رحمه الله - بأمر المسلمين ، حين نزول الفرنج على دمياط ، أنه قُرئ بين يديه جزء حديثٍ له ، كان له به رواية ، فجاء في جملة تلك الأحاديث حديثٌ مسلسلٌ بالتَّبسُّم ، فطلب منه بعضُ طلبة الحديث أن يبتسم ليتمّ السلسلة ، على ما عُرف من عادة أهل الحديث ، فغضب من ذلك وقال : إني لأستحبي من الله تعالى أن يراني مُبتسمًا ، والمسلمون مُحاصَرون بالفرنج . وبلغني أيضًا أن إمامًا لنور الدين رأى - ليلةً رحيلٍ الفرنج عن دمياط - في منامه النبَّ عَ ◌ّلِ، فقال له: أَعْلِم نور الدين أن الفرنج رحلوا عن دمياط في هذه الليلة . فقال : يا رسول الله، رُبَّما لا يُصدِّقني، فاذكُر لي علامة يعرفُها. فقال: قُل له: بعلامةِ ما سجدتَ على تلّ ((حارم))، وقلتَ : يا ربّ ، انصُر دينك ولا تنصر محمودًا، من هو محمود الكلب حتى يُنصر ، قال : فانتبهت ، ونزلتُ إلى المسجد ، وكان من عادة نور الدين أنه ينزل إليه بغَلَس، ولا يزال يتركَّع فيه حتى يُصلِّي الصبح . قال : فتعرَّضتُ له ، فسألني عن أمري فأخبرته بالمنام ، وذكرتُ له العلامة ، إلَّا أنني لم أذكُر لفظة ( الكلب ). فقال نور الدين رحمه الله : اذْكُر العلامة كلَّها . وألحَّ في ذلك ، فقلتُها ، فبكى رحمه الله، وصدَّق الرُّوُيا، فأَرَّحْتُ تلك الليلة ، فجاء الخبر برحيل الفرنج فيها ))(١). (١) عيون الروضتين ٢٩٨/١ - ٢٩٩ . https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /ttps://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس ١٥٥ صفحاتٌ من علوّ الهمَّة لابن زنكي ، أطْيَبُ من الورد ، وأحْلَى من الشّهْد : منشوره لمَّا أَبْطَلَ ضريبة الأتبان عن أهل دمشق سنة ٥٩٦ هـ : يقول فيه بعد حمدِ الله : ( وبعدُ ، فإن مِن سُنَّتِنا العادلة ، وسِيرَ أيامنا الزّاهرة : إشاعة المعروف ، وإغاثة الملهوف ، وإنصاف المظلوم وإعفاء رسْم ما سنَّهُ الظالمون من الرُّسوم، وما نزال نُجدِّد للَّعيَّة رسْمًا من الإِحسان ، يرتعون في رياضه ، ويرتوون من حِياضه ، ونَسْتَقْرِئ أعمال بلادنا المحروسة، ونُصفِّيها من الشُّبَهِ والشَّوائب ، وتُلحِق ما نعثر عليه من بواقي رسومها الضّائرة ، بما أسقطناه من المُكُوس والضَّرائب ، تقُّبًا إلى الله تعالى ، الكافلِ لنا بسبُوغِ المواهب وبلوغِ المطالب ، وقد أطلقْنا جميع ما جرتِ العادةُ بأخذه من فريضة الأتبان المقسَّطة على أعمال دمشق المحروسة ، وضياع الغوطة والمرج ، وجبل سنير وقصر حجاج والشاغور ، والعقيبة(١) ومزارعها الجارية في الأملاك ، وجميع ما يقسّط بعد المقاسمة من الأتبان على الضّياع الخواص ، والمقطعة بسائر الأعمال المذكورة ، ووَفْناهُ على أربابه ، طلبًا لمرضاة الله وعظيم أجره وثوابه ، وهربًا من انتقامه وأليم عقابه . وسبيلُ الثواب إطلاقُ ذلك على الدوام ، وتَعْفِيَةُ آثاره، والاستعفاء من أوزاره ، والاحترازُ من الدَّنَّس بأوضاره ، وإبطالُ رسْمه من الدَّواوِين ، لاستقبال سنة تسعٍ وستين ، وما بعدها على تعاقُب الأيام والسنين ) . قال العماد : وكلَّف نور الدين - في هذه السنة - بإفادة الألطاف ، والزيادة في الأوقاف ، وتكثير الصدقات ، وتوفير النفقات ، وكسوة النسوة (١) من أحياء دمشق . بعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٥٦ الأيامَى في أيامها ، وإغناء فقراء الرّعيَّة وإنجادها بعد إعدامها ، وصُوْن الأيتامِ والأرامل ببذْله ، وعوْن الضعفاء وتَقْوِيَة المُقْوين بعدْله ، وعمارة المساجد المهجورة ، وتعفية آثار الآثام ، وإسقاط كلّ ما يدخل في شبهة الحرام ، فما أبقى سوى الجِزْيَةِ والخَرَاج وما تحصَّل من قسْم الغَلَّات على قويم المنهاج . قال : وأمَرَ أن يُكتب مناشير لجميع أهل البلاد ، فكُتب أكثر من ألف منشور ، وحَسَبْنا ما تصدق به على الفقراء في تلك الأشهر ، فزاد على ثلاثين ألف دينار . وكانت عادته في الصَّدَقة ، أنّه يُحضر جماعةٌ من أماثل البلد من كلّ محلَّةٍ ، ويسألهم عمَّن يعرفون في جوارهم من أهل الحاجة ، ثم يصرف إليهم صدقاتِهم . وكان برسم نفقته الخاصّ في كلِّ شهرٍ من جزية أهل الذمّة ، مبلغُ ألفي قرطيس يصرفه في كسوته ونفقته وحوائجه المهمَّة ، حتى أجرة خيّاطه وجامكيّة طباخه ، ويتفضَّل منه ما كان يتصدَّق به في آخر الشهر . وأما ما كان يُهدى إليه من هدايا الملوك وغيرهم ، فإنه كان لا يتصرَّف في شيءٍ منه ، لا قليلٍ ولا كثيرٍ ، بل إذا اجتمعَ يُخرجه إلى مجلس القاضي ويحصِّل ثمنه ، ويصرفه في عمارة المساجد المهجورة ، وتقدَّم بإحصاء ما في محالّ دمشق من ذلك ، فأناف على مائة مسجد ، فأمر بعمارة ذلك كلِّه ، وعيّن له وُقُوفًا . قال : ولو اشتغلتُ بذكْر وقوفه وصدقاته في كل بلد ، لَطالَ الكتابُ ، ولم أبلغ إلى أمره . ومُشاهدةُ أَبْنيته الدَّالَّة على خُلُوص نِيَّتَه ، تُغني عن خبرها بالعيان ، ويكفي أسوار البُلْدان فضْلًا عن الربط والمدارس ، على اختلاف المذاهب واختلاف المواهب ، وفي شرْح طُوله طول ، وعمله لله مبرورٌ مقبول . وواظبَ على عقْد مجالس الوُعَّاظ ، ونصْب الكراسيّ لهم في القلعة للإِنذار والاتِّعاظ ، وأكبرهم الفقيهُ قطبُ الدين النيسابوريُ ، وهو مشغوفٌ ببركة أنفاسه ، واغتنام كلامه واقتباسه . ووفد من بغداد ابنُ الشيخ أبي النجيب الأكبر ، وبُسط له في كلِّ أسبوعِ المنبرُ، وَشَاقَهُ وَعْظُه ، https://web lessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس ١٥٧ وراقَهُ معناهُ ولِفْظُهُ . وكذلك وفد إليه من أصفهان شرفُ الدين عبد المؤمن ابن شَوْرَوَه . وما أَيْمَنَ تلك الأيام وأبرك تلك الشتوة . قال: ولمَّا أَسْقَطَ نورُ الدين الجهاتِ المحظورة والشُّبَهَ المحذورة ، عزل الشِّحَن ، وعزل عن الرعية تصرفهم المحن ، وقال للقاضي كمال الدين الشهرزوري : انظر أنت في ذلك ، واحْمِلْ أمورَ الناس فيها على الشريعة . قال : ولم يكن لمال المواريث الحشريّة حاصل ، ولا لديوانه طائل ، فجعل نور الدين ثلث ما يحصُل منه لكمال الدين الحاكم ، فوقَّره نُوَّابُه وكثّرُوه ، وما كان نور الدين يُحاسب القاضي على شيءٍ من الوقوف ، ويقول : أنا قد قلَّدْتُه على أن يتصرّف بالمعروف ، وما فضل من مصارفها وشروط واقفها بأمره ، يصرفه في بناء الأسوار، وحفظ الثغور، وكانت دولتُه نافذةَ الأُمْر، منتظمة الأمور . وقال في موضع آخر : كان مَلِك الشام ومالكها ، والذي بيده ممالكها ، الملكُ العادل نور الدين ، أَعَفّ الملوك وأتقاهم ، وأعْدَلهم وأعبدهم، وأزهدهم وأطهرهم . وهو الذي أعاد رَوْنَق الإِسلام في بلاد الشام، وقد غَلَب الكفر وبَلَغ الضُّرَ ، فاستفتحَ معاقِلَها واستخلَصَ عقائلها ، وأشاع بها شعارَ الشرع في جميع الحلّ والعقد ، والإِبرام والنَّقْض ، والبسط والقبض ، والوضع والرفع . وكانت للفرنج في أيام غيره على بلاد الإِسلام بالشام قطائع ، فقطعَها ، وأعفَى رسومها ومَنَعَها . ونصره الله عليهم مرارًا، حتى أسَرَ ملوكهم وبدَّد سلوكهم . وصان التُّغور منهم وحماها عنهم، وأحيا معالم الدين الدَّوارِس ، وبنى للأئمة المدارس ، وأنشأ الخانقاهات للصُّفية ، وكثَّرها في كلِّ بلد ، وكثّر وقوفها ووقّر معروفها ، وأدْنَى للوافِدِين من جَنان جِنانه قُطُوفَها، وأجدَّ الأسوار والخنادق . وأنمى المرافق ، وحمى الحقائق ، وأمر في الطُّرقات ببناء الرُّبُط والحانات . وهو الذي فتح مصر وأعمالها ، وأنشأ دولتها ورجالها . https://web1essam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٥٨ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد السادس وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ((تاريخه))، في ترجمة نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله : مولدُه - على ما ذَكَر لي كاتبُه أبو اليسر - وقتَ طلوع الشمس يوم الأحد ، سابع عشر شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة ، ولمَّا راهَقَ لزمَ خِدمَة والده ، إلى أن انتهت مدَّته سنة إحدى وأربعين على قلعة جعبر ، ثم قَصَد حلب ورتَّب فيها وفي القلعة النُّاب، واستنقذَ الُّها من الفرنج، ولمَّا استتبَّ له الأمر ، ظهر منه بذْلُ الاجتهاد في القيام بأمر الجهاد ، والقمْع لأهل الكفر والعناد ، والقيام بمصالح العباد ، وخرج غازيًا في أعمال تلُ باشر ، فافتتحَ حصونًا كثيرةٌ ، وافتتح قلعة أفامية ، وحصن الباره ، وقلعة الراوندان ، وقلعة تلّ خالد ، وحصن كفرلاثا ، وحصن بسرفوث بجبل بني عليم ، وقلعة عزاز ، وتلّ باشر ، ودلوك ، ومرعش ، وقلعة عين تاب ، ونهر الجوز ، وغير ذلك . وغزا حصن إنَّب ، فقصده الإِبرنس متملّك أنطاكية ، وكان من أبطال العدوّ وشياطينهم، فرحل عنها ، ولَقِيَهِ دُونَها، فكَسَرَه وقَتَلَه وثلاثةَ آلاف إفرنجِّ كانوا معه . وأظهر بحلب السُّنَّة حتى أقام شعار الدِّين، وغيّر البدعة التي كانت لهم في التَّأَذِين ، وقَمَعَ بها الرافضةَ والمبتدعةَ ، ونشر فيها مذاهب أهل السُّنَة الأربعة ، وأسقط عنهم جميع المُون ، ومنعهم من التَّوتُّب في الفتن ، وبنى بها المدارس ، ووَقَفَ الأوقافَ ، وأظهر فيها العدلَ والإِنصافَ ، وحاصر دمشق مَرَّتَيْن، فلم يتيسَّر له فتحُها ، ثم قصدها الثالثةَ فَتَمَّ له صُلحها وسلَّم أهلها إليه البلدَ لغلاء الأسعار ، والخوف من استعلاء كلمة الكفار ، فضبطَ أمورها ، وحصَّن سورها ، وبنى بها المدارس والمساجد ، وأفاض على أهلها الفوائد ، وأصلحَ طرقها ، ووسَّع أسواقها ، وأدرّ الله على رعيَّته ببركته أرزاقها ، وأبطل منها الأنذال ، ورفع عن أهلها الأثقال ، ومنعَ من أخذ ما كان يُؤْخَذ منهم من المغارم بدار البِطّيخ وسوق البقْل https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد السادس ١٥٩ وضمان النهر والكيالة وسوق الغنم ، وغير ذلك من المظالم . وأمَرَ بترك ما كان يُؤخذ على المَكْس ، ونهى عن شرب الخمر ، وعاقب عليه بالحدِّ والحبس ، واستنقذَ من العدوّ - خذلهم الله - ثغر بانياس ، وغيره من المعاقل المنيعة كالمنيطرة وغيرها . قال : وبلغني أنه في الحرب رابطُ الجأش، ثابتُ القدم ، حَسَن الَّمْي ، صليب الضرْب، يَقْدُمُ أصحابَهُ عند الكَرَّة ، ويحمي مُنهزمهم عند الفَرّة، ويتعرَّض بنفسه للشهادة، لِمَا يرجو بها من كمال السعادة، وسَمِعَهُ كاتبُه أبو اليسر ، يسأل الله أن يحشره من بطون السباع ، وحواصِل الطير ، وأحْسَنَ إلى العلماء وأكرَمَهم ، وقرّب المتديِّنين واحترمهم، وتوّى العدل في الأحكام والقضايا ، وألانَ كَنَفَه . وأظهر رأْقَتَهُ بالَرعايا ، وبنى في أكثر مملكته آدر العدل ، وأحضرها القضاة والفقهاء ، وحضرها بنفسه في أكثر الأوقات ، واستمع من المتظلِّمين الدعاوى والبيِّات ، وأدرّ على الضعفاء والأيتام الصدقاتِ ، حتى وقفَ وُقُوفًّا على المرضى والمجانين ، وأقام لهم الأطباء والمعالِجِين ، وكذلك على جماعة العلماء، ومعلِّمي الخطّ والقرآن ، وعلى ساكني الحرمين ، ومجاوٍرِي المسجديْن ، وجهَّز عسكرًا يحفظ المدينة ، وأَقْطَعَ أمير مكة ، ورفع عن الحُجّاج ما كان يُؤْخَذ منهم من المَكْس، وأقطع أمراءَ العرب لئلا يتعرّضوا للحُجّاج . وأمر بإكمال سور مدينة الرسول صلّى الله عليه وسلم، واستخراج العين التي بأُحُد ، وكانت قد دفنتها كثرةُ السُّيُول، وعمَّر الرُّبُط والخانقاهات والبيمار ستانات ، وبنى الجسور في الطرق والخانات ، ونصب جماعةً من المعلِّمين لتعليم يتامى المسلمين ، وأجرى الأرزاقَ على معلِّميهم وعليهم ، بقدر كفايتهم ، وكذلك صنعَ لمَّا مَلَكَ سنجار، وحّان، والرها ، والّقّة ، ومنبج، وشیزر ، وحماة ، وحمص ، وبعلبك ، وصرخد ، وتدمر . فما من بلدٍ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد السادس ١٦٠ = منها إلَّا وله فيه حُسْن أثر . وحصَّل الكثير من كتب العلوم ووقفها على طُلَّابها . وجدَّد كثيرًا من قني السبيل . وأجهدَ نفسَهُ في جهاد أعداء الله تعالى، وبالغَ في حربهم . وتحصَّل في أسْرِه جماعةٌ من أمراء الفرنج - خذلهم الله - كجوسلين وابنه ، وابن الفنش ، وقومص طرابلس ، وجماعة من صنوفهم ، وكان متملِّك الروم قد خرج من قسطنطينية ، وتوجَّه إلى الشام طامعًا في تسلُّم أنطاكية ، فشغَلَهُ عن مَرَامه بالمراسلة ، إلى أن وصل أخوه قطب الدين في جنده من المواصلة ، وجمع له الجيوش والعساكر ، وأنفق فيهم الأموال والذخائر ، فأيِسَ الرومُي من بلوغ ما كان يرجو ، وتمنَّى منه المصالحة عساه ينجو ، فاستقرّ رجوعُه إلى بلادِهِ ذاهبًا، فرجعَ منْ حيثُ جاءَ خائبًا، وحَمَلَ إلى بيت المال ما حمل، ولم يبلغ ما أمَّله وضَلَّ ما عمل . ثم ذكَر تسييرَه الجيوش لفتْح مصر مرارًا إلى أن فُتحتْ ، وانفصلتِ القضيَّة ، قال : وظهرتْ كلمة أهل السّنّة بالديار المصرية ، وأراح الّعن بها مِن الفتنة ، ورفَع عنهم المحنة ، والحمد لله على ما مَنح ، وله الشكر على ما فتَح . ثم قال : ومع ما ذكرتُ من هذه المناقب كلّها ، وشرحتُ من دِقّها وجِلّها ؛ فهو حَسَن الخطِّ بالبنان ، مُتَأَتّ لمعرفة العلوم بالفهم والبنيان ، حريصٌ على تحصيل كتب الصحاح والسنن ، مُقْتٍ لها بأوفر الأعواض والثمن ، كثيرُ المطالعة للعلوم الدينية ، مُتبّعٌ للآثار النبويّة ، مواظبٌ على الصلوات في الجماعات ، مُراعٍ لآدابها في الأوقات ، مؤذٍّ فروضَها ومسنواتِها ، مُعظّم لقدرها في جميع حالاتها ، عاكف على تلاوة القرآن على مرِّ الأيام ، حريصٌ على فِعْل الخير من الصَّدقة والصِّيام ، كثيرُ الدعاء والتسْبيح ، راغبٌ في صلاة التراويح ، عفيفُ البطن والفَرْج، مُقْتَصِد في الإِنفاق والخرج ، مُتحرِّ في المطاعم والمشارب والملابس ، متبرّئٌ من https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد