Indexed OCR Text
Pages 321-340
https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد علو الهمة في صناعة الحياة ٣٢١ ذلك الزمن نفسه». مرَّ أکثر من ثلاثة قرون على أوروبا، اعتبارًا من زمننا هذا، قبل أن تعرف للمستشفيات العامة معنى، ولا نبالغ إذا قلنا: بأنه حتى القرن الثامن عشر (١٧١٠ م) والمرضى يعالجون في بيوتهم أو في دور خاصة كانت المستشفيات الأوربية قبلها عبارة عن دور عطف وإحسان، ومأوى لمن لا مأوى لديه، مرضى كانوا أم عاجزين، وأصدق مثال لذلك هو مستشفى ((أوتيل ديو)) بباريس، أكبر مستشفيات أوروبا في ذلك العصر، وصفه كل من ((ماكس)) توردو وتينون بما يلي: ((يحتوي المستشفي على ١٢٠٠ سرير، منها ٤٨٦ خصصت لنفر واحد، أما الباقي -ولم تكن سعة الواحد منها تتجاوز خمسة أقدام- فتجد فيها عادة ما يتراوح بين ثلاثة مرضى وستة، وكانت الردهات الكبرى عفنة كثيرة الرطوبة، لا منافذ تهوية فيها، مظلمة دومًا، ترى فيها في كل حين حوالي ثمانمئة مريض يفترشون الأرض وهم مكدسون بعضهم فوق بعض، على القاع أو على كوم من القش، في حالة يرثى لها .. إنك لتجد في السرير ذي الحجم المتوسط أربعة أو خمسة أو ستة مرضى متلاصقين، قدم أحدهم على رأس الثاني، تجد أطفالًا بجانب شيوخ، ونساءً بجانب رجال، ((قد لا تصدق لكنها الحقيقة)) تجد امرأة في المخاض مع طفل في حالة تشنج مصاب بالتيفوس يحترق في بحران الحمى، وكلاهما إلى جنب مريض بداء جلدي يحك جلده المهترئ بأظفاره الدامية فيجري قيح البثور على الأغطية. وطعام المرضى من أخس ما يتصوره العقل، يوزع عليهم بكميات قليلة للغاية، وفي فترات متباعدة لا نظام فيها. واعتادت الراهبات أن يحابين المرضى الطائعين المنافقين على حساب الآخرين، فيسقينهم الخمور، ويصلنهم بالحلوى والمآكل الدسمة مما يتفضل به المحسنون في الوقت تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٣٢٢ صلاح الأمة في علو الهمة الذي هم فيه أحوج إلى الحمية، فيموت الكثير منهم بالتخمة ويفطس غيرهم جوعًا. وكانت أبواب المستشفى مفتوحة في كل وقت وحين لِكُلِّ رائحٍ وغادٍ وبهذا تنتشر العدوى بانتقالها، وبالفضلات وبالهواء النتن الملوث. وإن لم يتفضل المحسنون على المرضى ماتوا جوعًا، كما يموتون أحيانًا بالتخمة أو من فرط السكر، والفرش حافلة بالحشرات الدنيئة وهواء الحجرات لا يطاق لفساده، حتى أن الخدم والممرضين لم يكونوا يجرؤون على الدخول إلَّا بعد وضع إسفنجة مبللة بالخُلِّ على أنوفهم. وتترك جثث الموتى ٢٤ ساعة على الأقل قبل رفعها من السرير المشاع، وكثيرًا ما تتفسخ الجثة وتتعفن وهي ملقاة بجانب مريض يكاد يطير صوابه)). هذه مقارنة بسيطة بين حالة المستشفيات عندنا في عهود حضارتنا، وحالتها عند الغربيين في تلك العصور، وهي تدل على مبلغ الانحطاط العلمي الذي كان عليه القوم، والجهل الفاضح بأصول المستشفيات، بل بقواعد الصحة العامة البديهية. وإنا لنرى فيما يرويه العربي أسامة بن منقذ في كتاب الاعتبار، مبلغ جهل الغربيين الصليبيين بالطب، ومبلغ على أطبائهم بشكل مضحك، من الحادثتين التاليتين: ■ ومن عجيب طبهم ((الفرنج)) أن صاحب المنيطرة كتب إلى عمي يطلب منه إنفاذ طبيب يداوي مرضى من أصحابه. فأرسل إليه طبيبًا نصرانيًّا يقال له: ثابت، فما غاب عشرة أيام حتى عاد، فقلنا له: ما أسرع ما داويت المرضى، قال: أحضروا عندي فارسًا قد طلعت في رجله دملة وامرأة قد لحقها نشاف، فعملت للفارس لبخة ففتحت الدملة وصلحت، وحميت المرأة ورطبت مزاجها، فجاءهم طبيب إفرنجي، فقال لهم: ((هذا تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٣٢٣ علو الهمة في صناعة الحياة ما يعرف شيء يداويهم))، وقال للفارس: أيما أحب إليك، تعيش برجل واحدة أو تموت برجلين؟ قال: أعيش برجل واحدة. قال: أحضروا لي فارسًا قويًّا وفأسًا قاطعًا، فحضر الفارس والفأس، وأنا حاضر، فحط ساقه على قرمة خشب وقال للفارس: اضرب رجله بالفأس ضربة واحدة واقطعها. فضربه وأنا أراه ضربة واحدة ما انقطعت. ضربه ضربة ثانية .. سال مخ الساق ومات من ساعته، ثم ينطلق ليروي كيف أن هذا الطبيب الصليبي أمر بتغطيس المرأة بماء مغلي فماتت لساعتها)). ■ ونختم هذا الحديث بالنتائج التي نحب أن نلفت الأنظار إليها بعد هذه المقارنات، أننا في حضارتنا كنا أسبق من الغربيين إلى تنظيم المستشفيات بتسعة قرون على الأقل، وأن مستشفياتنا قامت على عاطفة إنسانية نبيلة لا مثيل لها في التاريخ ولا يعرفها الغربيون حتى اليوم، وأننا كنا أسبق الأمم إلى معرفة ما للأدب المضحك والإيحاء الذاتي من أثر بالغ في شفاء المرضى، وأننا بلغنا في تحقيق التكافل الاجتماعي حدًّا لم تبلغه الحضارة الغربية حتى اليوم حين نجعل الطب والعلاج والغذاء للمرضى بالمجان، بل حين كنا نعطي الفقير الناقه من المال ما ينفق على نفسه حتى يصبح قادرًا على العمل، إن هذه نزعة إنسانية بلغنا فيها الذروة يوم كنا نحمل لواء الحضارة، فأين نحن منها اليوم، وأين منها هؤلاء الغربيون؟(١). إنجلترا وباريس في القرن العاشر الميلادي ((الرابع الهجري)»: جاء في التاريخ العام لـ((لأفيس)) و((رامبو)) ما يلي: كانت إنجلترا (١) ((من روائع حضارتنا)) (ص١١٦ - ١١٨). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٢٤ صلاح الأمة في علو الهمة الإنجلوسكسونية في القرن السابع الميلادي إلى ما بعد العاشر فقيرة في أرضها منقطعة الصلات بغير بلادها، سمجة وحشية، تبني البيوت بحجر غير منحوت، وتشيدها من تراب مدقوق، وتجعلها في وطاء من الأرض، مساكن ضيقة المنافذ، غير محكمة الإغلاق، واصطبلات وحظائر لا نوافذ لها، تقرض الأمراض والأوبئة المتكررة المواشي والسائمة وهي المورد الوحيد في البلاد، ولم يكن الناس أحسن مسكنًا وأمنًا من الحيوانات، یعیش رئیس القبيل في کوخه مع أسرته وخدمه ومن اتصل به، يجتمعون في قاعة كبرى في وسطها كانون ينبعث دخانه من ثقب فتح في السقف فتحًا غليظًا، ويأكلون كلهم على خوان واحد، يجلس السيد وقرينته في أحد أطراف المائدة، ولم تكن الشوكات معروفة، وللأقداح حروف من أسفلها، فكان على كل مدعو أن يمسك بيده قدحه، أو يفرغه في فيه دفعة واحدة وينتقل السيد إلى غرفته في المساء بعد أن يتناولوا الطعام ويعربدوا على الشراب، ثم ترفع المنضدة والصقالات وينام جميع المجتمعين في تلك القاعة على الأرض أو علی دِكَك، واضعًا كل فرد سلاحه فوق رأسه؛ لأن اللصوص كانوا من الجرأة بحيث يقتضي على الناس أن يقفوا لهم بالمرصاد كل حين لئلا يؤخذوا على غرة. وكانت أوروبا في ذلك العهد غاصة بالغابات الكثيفة، متأخرة في زراعتها، وتنبعث من المستنقعات الكثيرة في أرباض المدن روائح قتالة، تجتاح الناس وتحصدهم. وكانت البيوت في باريس ولندن تبنى من الخشب والطين المعجون بالقش والقصب ((كبيوت القرى عندنا منذ نصف قرن)) ولم يكن فيها منافذ ولا غرف مدففة، وكانت البسط مجهولة عندهم، لا بساط لهم غير القش ينشرونه على الأرض، ولم يكونوا يعرفون تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٢٥ علو الهمة في صناعة الحياة ٠ النظافة، ويلقون بأحشاء الحيوانات وأقذار المطابخ أمام بيوتهم فتتصاعد منها روائح مزعجة، وكانت الأسرة الواحدة تنام في حجرة واحدة تضم الرجال والنساء والأطفال، وكثيرًا ما كانوا يؤوون معهم الحيوانات الداجنة، وكان السرير عندهم عبارة عن کیس من القش فوقه کیس من الصوف، يجعل مخدة أو وسادة، ولم يكن للشوارع مجار ولا بلاط ولا مصابيح، ولم تكن أكبر مدينة في أوروبا تضم أكثر من خمسة وعشرين ألفًا. هكذا كان الغرب في القرون الوسطى حتى القرن الحادي عشر فما بعده، باعتراف مؤرخيهم أنفسهم)» (١). (١) ((من روائع حضارتنا)) (ص ١٣٢ - ١٣٣). https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٢٦ صلاح الأمة في علو الهمة وما تزال خَلِيَّة الإسلامِ تَعْسِل لا تزال دوحة الإسلام وارفة الظلال، وما تزال خليّة الإسلام تعسل، سَنُطِبُّ المريض بدوائنا، صُمَّت أُذُنُ الدنيا إنْ لم تسمع لنا، ما عَقِمت أمّ مُ الفتيان، ولله أوسُ آخرون وخزرجُ، وفجر الإسلام وحضارته آت نوقن به أكثر من يقيننا بوجودنا .. والإسلام معطاء ولود .. كل يوم -حتى في وسط الظلمات- تهل تباشير الصباح .. وهناك أناس وأبناء له يبعثون الأمل على قدرة الإسلام وأبنائه على تبوُّء أعلى القمم في ميادين الحياة، وهذه أمثلة ناصعة البياض .. عطرة .. تبرهن أعظم البراهين على ما نقول: الدكتور علي مصطفى مشرّفة عالم الذَّرّة الفريد يحفظ القرآن الكريم والصحيحين: لما سمع أينشتين بخبر موته لم يصدق، ثم قال: ((كلا .. كلا، لا تقولوا: إنَّ مشرَّفة مات .. إنها خسارة جسيمة)) !! ووصفه بواحد من أعظم علماء الفيزياء (١). ونعته الإذاعة في أمريكا على أنه ((واحد من سبعة علماء في العالم يعرفون أسرار الذرة !! ))(٢). إنه العالم المصري المسلم الدكتور علي مصطفى عطية أحمد مشرفة، من روَّاد علوم الرياضيات والفيزياء. نشأته ورحلته العلمية : وُلِدَ مشرفة سنة ١٣١٦ هـ / ١٨٩٨م في حي المظلوم بمدينة دمياط. (١) «١٠٠ عالم غيَروا وجه العالم)) (ص١٧٩). (٢) ((مشرّفة بين الذَّرة والذُّروة)) لمحمد الجوادي (ص٥٦)-مكتبة مدبولي. تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٣٢٧ علو الهمة في صناعة الحياة وكان والده من ذوي اليسر والجاه، وهو ما جعل مشرفة يقضي سنواته الأولى في رغد من العيش وهناءة البال، غير أن تلك الحياة الرغدة لم تدم طويلًا .. ففي سنة ١٩٠٩ م توفي والده بعد تعرضه لأزمة مالية أودت بكل ما تملك الأسرة، وكان ذلك قبل امتحان الشهادة الابتدائية لمشرفة بثلاثة أشهر، ولكنه تغلب على الصدمة ونال الابتدائية بتفوق وكان ترتيبه الأول على القُطْر المصري !! انتقلت الأسرة بعد ذلك إلى القاهرة، وقبل امتحان البكالوريا بشهرين تُوفيت والدته، ولكنه بنفس العزيمة حصل على شهادة البكالوريا بتفوق، وكان ترتيبه الثاني على القطر المصري، وذلك سنة ١٩١٤م !! (١). آثر مشرفة أن يلتحق بمدرسة المعلِّمين العليا؛ فحصل على دبلومها سنة ١٩١٧م، وكان ترتيبُه الثاني على الدبلوم. وقد أَهَّله هذا التفوق ليُختار ضمن بعثة علمية إلى إنجلترا، فالتحق بكلية ((نوتنجهام)) بجامعة لندن، فحصل منها على درجة البكالوريوس في الرياضة مع مرتبة الشرف، وكان الحصول على هذه الشهادة يحتاج أربع سنوات من الدراسة، إلّا أن مشرفة اختصرها في ثلاث سنوات فقط، فحصل عليها سنة ١٩٢٠م !! (٢). وفي فبراير سنة ١٩٢٣ م حصل مشرفة على درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم (ph.D) البريطانية، من جامعة لندن في أقصر مدة تمسح بها قوانين (١) («١٠٠ عالم)) (ص١٧٩)، ((مشرفة بين الذرة والذروة)) (ص ٢٦،٥٢). (٢) ((مشرفة بين الذرة والذروة)) (ص٢٧)، (١٠٠ عالم)) (ص١٧٩). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web1essam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٣٢٨ صلاح الأمة في علو الهمة الجامعة، وأصبح عضوًا في الجمعية الملكية البريطانية وأخذ يحاصر العلماء من أعضاء الجمعية ولم يتجاوز بعدُ الخامسة والعشرين من عمره !! (١). على أن آمال مشرفة في الحصول على درجة ((الدكتوراه في العلوم (D.Sc) ظلت تُلِحُّ عليه، فواصل ليله بنهاره في صيف سنة ١٩٢٣ م حتى انتهى من إعداد أطروحة دكتوراه العلوم في شهر سبتمبر، فعرضها على أستاذه السير ((ريتشاردسون)) ((أكبر علماء الطبيعة في عصره))، ولم تكن جامعة لندن تسمح بدخول امتحان هذه الدرجة إلّا بعد مرور عامين - على الأقل- من حصول الطالب على درجة دكتوراه الفلسفة في العلوم، وتقدم مشرَّفة - بناء على نصيحة أساتذته - يلتمس إذنًا خاصًا من مجلس إدارة الجامعة یمگّنه من دخول الامتحان في أقرب فرصة؛ نظرًا لأنه نشر أبحاثًا عملية جليلة القدر، وفي الحادي والعشرين من نوفمبر سنة ١٩٢٣ م وافق مجلس إدارة جامعة لندن للدكتور مشرفة على أن يؤدي هذا الامتحان بصفة استثنائية في الرابع والعشرين من يناير سنة ١٩٢٤ م، وأدَّى مشرفة الامتحان في الموعد المحدد، وأُعلِنَت نتيجةُ الامتحان في مارس سنة ١٩٢٤ م بحصول الدكتور مشرفة على الدكتوراه في العلوم؛ وبذلك أصبح مشرفة العالِمِ الحادي عشر في العالم الذي يحصل على هذه الدرجة، وأول عالم مصري يحصل على هذه المكانة الرفيعة !! (٢). رجع مشرفة إلى مصر؛ وعُيِّن مدرِّسًا للرياضيات التطبيقية بكلية العلوم بجامعة القاهرة، ثم مُنِح درجة ((أستاذ)) في عام ١٩٢٦م رغم (١) ((مشرفة بين الذرة والذروة)) (ص٢٨). (٢) ((مشرفة بين الذرة والذروة)) (ص٢٨). تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد. https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٣٢٩ علو الهمة في صناعة الحياة اعتراض قانون الجامعة على منح اللقب لمن هو أدنى من الثلاثين !! وكان بذلك أول أستاذ مصري في كلية العلوم، ولمّا يتجاوز الثامنة والعشرين من عمره !! وقد اعتُمِدَ عميدًا للكلية في عام ١٩٣٦م، وانتُخِبَ للعمادة أربع مراتٍ متتاليات، كما انتُخِبَ وكيلاً للجامعة سنة ١٩٤٥ م (١). وقد تمتعت كلية العلوم في عصره بشهرة عالمية واسعة؛ حيث عني عناية تامة بالبحث العلمي وإمكاناته، فوفّر كل الفرص المتاحة للباحثين الشباب لإتمام بحوثهم، ووصل به الاهتمام إلى مراسلة أعضاء البعثات الخارجية، وسمح لأول مرة بدخول الطلبة العرب الكلية، وكان من أهم أعماله أيضًا أنه أنشأ قسمًا للترجمة العلمية بالكلية؛ لأن الدراسة كانت باللغة الإنجليزية، وكان يهدف من وراء ذلك إلى ترجمة المراجع العلمية إلى اللغة العربية، حتى يمكن تمصير الكلية والمعاهد العليا بوجه عام، وحتى تكون اللغة العربية هي لغة التعليم بدلًا من الإنجليزية. كما حوَّل مشرفة الدراسة في قسم الرياضيات التطبيقية الذي يرأسه والرياضيات البحتة باللغة العربية !! (٢). سمْتُه وثقافته: أبرز ما كان يميز مشرفة ما كان من تمسكه بدينه منذ صغره، وبعد سفره، وقد تجسّد ذلك في حفظه القرآن الكريم والصحيحين، واستشهاده بذلکم في سائر کلامه، کما عُرف عنه مواظبته على أداء فروض الدین، وكان يحتفظ في جيبه بمصحف صغير على الدوام، وكان يؤتي الزكاة (١) المصدر السابق (ص ٣٠)، ((مسلمون علَّموا العالم)) لمحمد عثمان علي (ص٧٠). (٢) ((مسلمون علموا العالم)) (ص ٧٠)، و((مشرفة بين الذرة والذروة)) (ص١٣٦). تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة ٣٣٠ مضاعفةً ما استطاع، وفي الخفاء، ولما مات جاءت مجموعة من الطلبة الصوماليين يواسون أسرته، وهم يبكون على مشرّفة وعلى مستقبلهم الذي ظنوه سيضيع بوفاة عائلهم الذي تكفّل بنفقات تعليمهم من دون أن يعلم أحدٌ عن ذلك شيئًا، ولم يكن هذا التدين غريبًا عن مشرفة وهو العالم الذي تعمق في العلوم، ووقف على أسرار الكون وخلق الله (١). ٦ وكانت ثقافة مشرَّفة الدينية مثلًا فريدًا، ليس عند العلماء الذين تستهويهم الثقافات الدينية، ولكن عند علماء الدين أنفسهم، فقد حفظ مشرفة القرآن، والتوراة والإنجيل -المحرَّفَيْن-، واستطاع أن يدرس الإسلام واليهودية والنصرانية دراسة مقارنة، وكان عقله جاهزًا في كل حين لاستحضار الصورة الكاملة للمفاهيم الدينية المختلفة في أية قضية من القضايا، ولم يكن مشرفة يبهر علماء الأديان بثقافته تلك فحسب، وإنما كان يناظرهم ويقارعهم الحجّة وينتصر عليهم في كثير من الأحيان !! والذين يتتبعون مشرفة في حياته كلها يجدون في نفوسهم إحساسًا قويًّا بأن مشرفة عمل ودرس، وسعى وجاهد، وقرأ وبحث، وكشف وكتب وحاضر ابتغاء مرضاة الله (٢)، على أن الأمر في مثل هذه النية لا يقف عند الإحساس الذي يجده المتتبعون، وإنما حفظ لنا الدهر عبارةً في خطاب كتبه مشرّفة إلى صديقٍ لوالده يقول فيه: ((أَمَا وقد تطوّرت في طَوْر جديد من أطوار حياتي أسأل الله أن يجعله سبيلاً إلى تقواه، ومعينًا على طاعته، (١) ((مشرفة بين الذرة والذروة)) (ص ٤٥). (٢) نحسبه كذلك ولا نزِّي على الله أحدًا من عباده. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣١ علو الهمة في صناعة الحياة ومقرِّبًا من جنة رضوانه !! ))(١). وقد أجاد الدكتور مشرفة اللغة الإنجليزية، لا إلى الحد الذي يعبر عنه الناس فيقولون: ((أتقنها كواحد من أهلها)) فحسب، ولكن إلى الحدِّ الذي شجع الإنجليز أنفسهم على اختياره رئيسًا لجمعية المناقشات في الكلية الملكية، وكان مشرفة بالطبع أول أجنبي يختار لهذا المنصب، وقد عُرِفَ مشرفة في هذه الجمعية بقلب Pat وهو اختصار للاسم الأيرلندي patrick وقد اختار له الإنجليز هذا الاسم تقديرًا لقدراته وملكاته الجدلية (٢). دور العلم في حياته: آمن مشرفة إيمانًا عميقًا بالعلم، وبأهمية تطبيقه في الحياة، وكانت هذه هي الفكرة الغالبة على أعماله ومؤلّفاته، وكان مشرَّفة يستنهض الهمم في كل حين إلى العناية بأمر العلم والبحوث العلمية والتطبيقية واستغلال ثرواتنا البحرية والصحراوية، وتنظيم استغلال ثرواتنا الزراعية والتجارية، وكان الساسة يظنّون مشرفة مغاليًا في دعوته، وما كان مشرفة مغاليًا، وإنما كان مقدرًا للأمر قدره الغالي (٣). وكان مشرفة يعمل ما لا يقل عن ثلاثة أرباع اليوم، وكثيرًا ما كان يكتفي من النوم بثلاث ساعات: ساعة في العصر بين الرابعة والخامسة، ويقوم بعدها فيتناول الشاي مع أسرته، وساعتين بعد الفجر من الخامسة إلى السابعة أو من السادسة إلى الثامنة صباحًا، وكان المحيطون به يشفقون (١) المصدر السابق (ص٤٦). (٢) ((مشرفة بين الذرة والذروة)) (ص٤٨). (٣) المصدر السابق (ص٣٩). تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد - ٣٣٢ صلاح الأمة في علو الهمة عليه من هذا الكفاح الذي لا يستريح معه، ولكنه كان معتقدًا أنه إن استراح فقد تقاعس، والتقاعس لا يليق بسيرة العلماء الذين كان يرى أن عليهم واجبًا نحو الإنسانية، ورسالة لا ينبغي أن يتخلّوا عنها طلبًا للراحة (١) . ولم يكن مشرفة من العلماء الذين يحول اشتغالهم بالعلم بينهم وبين الجمهور، ولعل في هذا سرًّا لدعوته الملحة إلى الاتصال بين معاهد العلم وجماهير الشعب، وهي الدعوة التي صدرت عن تقديره لمدى الفوائد الإيجابية التي تعود نتيجة لهذا الاتصال، وعن تقديره لمدى السلبيات التي تنتج عن غياب هذا الاتصال، والتي تتمثل على حد تعبيره في أن يتحول العلم إلى ضرب من ضروب السحر، ويتحول العلماء إلى نوع من الكهنة الذين يُقرَأ عنهم في تاريخ مصر القديمة(٢). ■ وقد ترجم الدكتور مشرفة أفكاره في هذه الناحية إلى واقع عملي، فكان من السبّاقين إلى نشر الثقافة العلمية المبسطة عن طريق الإذاعة، ولم يسلك مشرفة في عمله هذا مسلكًا فرديًّا بغيةَ مجدٍ شخصي، وإنما استطاع أن ينظم سلسلة من الأحاديث الدورية أطلق عليها اسم: ((أحاديث كلية العلوم)) يلقيها على الناس في الراديو أساتذة كلية العلوم، وكان مشرّفة يعتقد أن قيام كلية العلوم بهذا العمل إنما هو جزء من رسالتها في إتاحة الفرصة أمام الجمهور المثقّف للوقوف على أحدث الآراء العلمية، والإلمام بما كشف عنه الباحثون من خفايا الكون وأسرار الطبيعة، وكان يعتقد (١) المصدر السابق (ص٤٤). (٢) المصدر السابق (ص٤٦). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٣٣٣ علو الهمة في صناعة الحياة كذلك أن هذه الأحاديث فرصة عظيمة لطائفة العلماء ليتحدثوا عن دراساتهم، ويعبروا عن وجهات نظرهم، ويتبسَّطوا في هذه الأحاديث بلغة سهلة، خالية على قدر ما يتيسر من المصطلحات الغريبة، والرموز المريبة. غير أن الهدف الأسمى الذي سعى مشرفة إليه من وراء هذه الأحاديث لم يكن إلَّا إشاعة العقلية العلمية في رُوح الشعب؛ حتى تصبح هذه العقلية عادة في تفكيرنا القومي، فإذا ما عنَّت للناس مشكلة من المشكلات استطاعوا التغلب عليها بالأسلوب العلمي، غير متأثرين ہوی نفس أو غرض في التفكير. وقد حرص الدكتور مشرفة في الوقت نفسه على أن يبين للناس في الأحاديث التي قام هو بإلقائها كثيرًا من الأمور الأساسية في العلوم، والاكتشافات الحديثة في دنيا الاختراع، والعناصر الرئيسية في التفكير العلمي، والعلامات البارزة في تاريخ البحث والصناعة، وقد اتسعت دائرة العلوم التي تناولتها هذه الأحاديث، كما تزايد عدد الأساتذة الذين شاركوا في هذا البرنامج الإذاعي حديثًا بعد حديث (١). وعلى الجانب الآخر كان مشرفة يتمنَّى للوظائف العامة أن يتولاها أساتذة الجامعات، ولم يكن من أنصار الرأي القائل بأنه على أساتذة الجامعات أن يترفّعوا عن مثل هذه الوظائف، وكان يقول في الرد على ذلك: كيف يلام أساتذة الجامعة وهم صفوة المتعلمين في الأمة إذا طلبوا ذلك الجاه لكي يُسمَع صوتهم فلا يظلوا بعيدين عن تيارات الحياة في (١) ((مشرفة بين الذرة والذروة)) (ص ٤٧). ١ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة ٣٣٤ الأمة؟!(١) آثاره ومؤلفاته: لعلي مصطفى مشرفة أبحاثٌ متعددة في نظرية الكم، وتفسير كثير من الظواهر الفيزيائية، وكذلك في المادة والإشعاع، وكان من أول القائلين بأنه يمكن اعتبارهما صورتين لشيء واحد، تتحول إحداهما للأخری، وقد اقترن اسمه بهذه النظرية. كما أن له نظرية في مجال الذرة سهلت فيما بعد اقتحام مجال العلوم الذرية، والدخول إلى أعماقها !! (٢). والحقيقة أن أبحاث الدكتور مشرفة بدأت تأخذ مكانها في الدوريات العلمية وعمره لم يتجاوز الخامسة والعشرين عامًا؛ ففي الجامعة الملكية بلندن (kings College) نُشِرَ له أول خمسة أبحاث حول النظرية الكمية التي نال من أجلها درجتي (ph.D دكتوراه الفلسفة وD.sc دكتوراة العلوم)، كما أنَّ له ٢٦ بحثًا مبتكرًا في الطبيعة. ) وقد كان من مؤلّفاته العديدة التي خلَّفها ما يلي: ١- كتاب الميكانيكا العلمية والنظرية، وقد ظهر هذا الكتاب سنة ١٩٣٧ م. كتاب الهندسة الوصفية، وقد ظهر سنة ١٩٣٧م. ٢- كتاب الهندسة المستوية والفراغية، وظهر سنة ١٩٤٤ م. ٣- (١) المصدر السابق (ص ٥٠). (٢) («١٠٠ عالم غيَّروا وجه العالم)) (ص١٧٩). تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٣٥ علو الهمة في صناعة الحياة كتاب حساب المثلثات المستوية، وظهر سنة ١٩٤٤ م. ٤ - كتاب الذرة والقنابل الذرية، وظهر سنة ١٩٤٥ م. ٥- كتاب العلم والحياة، وظهر سنة ١٩٤٦ م. ٦- ٧- كتاب الهندسة وحساب المثلثات، وظهر سنة ١٩٤٧ م. وعلى أن مشرفة كان له إسهاماته الخاصة في مجال إحياء التراث الإسلامي أيضًا، وكان من أشهر تحقيقاته: كتاب ((الجبر والمقابلة)) ((للخوارزمي))، وهو الكتاب الذي ظل عمدة ومرجعًا لعلماء الشرق والغرب طيلة قرون عديدة، وقد قدم مشرفة لهذا الكتاب بمقدمتين: الأولى عن الجبر قبل الخورازمي، والثانية: عن (الخوارزمي) وكتابه ((الجبر والمقابلة))، ثم عرض كتاب الخوارزمي؛ فشرح الجزء الخاص بالجبر، وعلَّق عليه، وحلّل مسائله، وعبر عن المعاني العلمية والفنية بعبارات الاصطلاح الحديث، أما المسائل التي لا ترتبط بصُلب العلم فقد اكتفى فيها بالنقل دون التعليق، وهكذا أخرج لنا مشرفة من كنوز العرب دُرَّة فجلَّاها خير تجلية (١). وفاته: وبعد أن أضاء جنبات الحياة العلمية وأثراها في عصره، تُوُفي الدكتور علي مصطفى مشرفة سنة ١٩٥٠م؛ فرحمه الله رحمةً واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء))(٢) اهـ. (١) ((مشرفة بين الذرة والذروة)) (ص١٨٦)، و((مسلمون علموا العالم)) (ص١٨٠). (٢) ((العلم وبناء الأمم)) (ص٥٩٨ - ٦٠٤). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٣٦ صلاح الأمة في علو الهمة جمال حمدان .. عالم الجغرافيا السابق لِعَصره: ((سبق عصره بعطائه العلمي، واستطاع أن يترك بصماته الفريدة على الدراسات الجغرافية في العصر الحديث، والتي ربط فيها التاريخ بحقائق الأرض والجغرافيا. تفوق منذ النشأة: وُلِدَ ((جمال محمود صالح حمدان)) في قرية ((ناي)) بمحافظة القليوبية بمصر في (١٢ شعبان ١٣٤٦ هـ/ ٤ فبراير سنة ١٩٢٨م)، ونشأ في أسرة كريمة تنحدر من قبيلة ((بني حمدان)) العربية التي نزحت إلى مصر في أثناء الفتح الإسلامي (١). كان والده أزهريًّا ومدرّسًا للغة العربية، وقد اهتم بتحفيظ أبنائه السبعة القرآن الكريم، وتجويده وتلاوته على يديه؛ مما كان له أثر بالغ على شخصية ((جمال حمدان))، وعلى امتلاكه نواصي اللغة العربية؛ مما غلّب على كتاباته الأسلوبَ الأدبيَّ المبدع. حصل ((جمال حمدان)) على الثانوية العامة عام (١٣٦٣ هـ - ١٩٤٤ م)، وكان ترتيبه السادس على القطر المصري، ثم التحق بقسم الجغرافيا بكلية الآداب، وكان طالبًا متفوقًا ومتميزًا خلال مرحلة الدراسة الجامعية؛ حيث كان منكبًّا على البحث والدراسة، متفرغًا للعلم والتحصيل. وبعد تخرجه عام (١٣٦٧ هـ - ١٩٤٨ م) تم تعيينه معيدًا بالكلية، ثم أوفدته الجامعة في بعثة إلى بريطانيا سنة (١٣٦٨ هـ -١٩٤٩ م)، حصل (١) ((جمال حمدان وتراثه الفكري)) (ص٨) لعبد الحميد صالح حمدان. تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٣٣٧ علو الهمة في صناعة الحياة خلالها على الدكتوراة في ((فلسفة الجغرافيا)) من جامعة ((ريدنج)) عام (١٣٧٢ هـ - ١٩٥٣م)، وكان موضوع رسالته: ((سكان وسط الدلتا قديمًا وحديثًا))، ولم تترجم رسالته تلك حتى وفاته. بعد عودته من بعثته العلمية انضم إلى هيئة التدريس بقسم الجغرافيا في كلية الآداب جامعة القاهرة، ثم رُقِّي أستاذًا مساعدًا، وأصدر في فترة تواجده بالجامعة كتبه الثلاثة الأولى: ((جغرافيا المدن))، و((المظاهر الجغرافية لمجموعة مدينة الخرطوم))، و((دراسات عن العالم العربي))، وقد حصل بهذه الكتب على جائزة الدولة التشجيعية سنة (١٣٧٩ هـ - ١٩٥٩م)، وقد لفتت كتبه أنظار الحركة الثقافية عامة، كما أنها صوبت إليها سهام الغيرة من قِبَل بعض زملائه وأساتذته داخل الجامعة، حتى اضطر في عام (١٣٨٣ هـ - ١٩٦٣م) إلى التقدَّم باستقالته من الجامعة؛ احتجاجًا على ظلم إداري تعرَّض له (١). وباستقالة ((جمال حمدان)) من الجامعة تبدأ مرحلة طويلة من التبتل في طلب العلم، والانقطاع للتأليف، أثمرت نتاجًا علميًّا غزيرًا، يأتي في القمة منه موسوعته الفريدة ((شخصية مصر .. دراسة في عبقرية المكان))(٢). ومن الإنصاف أن نؤكد -كما أشار عدد من الباحثين- أن ((جمال حمدان)) لم ينعزل تلك الفترة الطويلة ذلك النوع السلبي من العزلة .. وإنما عَزَلَ ضجيج الحياة وصغائر همومها وتهافت صراعاتها عن فكره الراقي وعقله الثاقب؛ ليطلق لهما العنان في آفاق العلم الرحبة وغير المحدودة. (١) ((موقع إسلام أون لاين مشاهير العرب)). (٢) («جمال حمدان وتراثه الفكري)» (ص٨). تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٣٨ صلاح الأمة في علو الهمة نظرة ((جمال حمدان)) إلى الجغرافيا: ■ لا يرى «جمال حمدان)» في علم الجغرافيا ذلك العلم الذي يقف على حدود الموقع والتضاريس، وإنما هو علم تنصهر في بوتقته علوم مختلفة؛ فالجغرافيا هي: ((تلك التي إذا عرفتها عرفت كل شيء عن نمط الحياة في هذا المكان أو ذاك، جغرافيا الحياة التي إن بدأت من أعلى آفاق الفكر الجغرافي في التاريخ والسياسة، فإنها لا تستنكف عن أن تنفذ أو تنزل إلى أدق دقائق حياة الناس العادية في الإقليم)) (١). ■ وإذا كانت الجغرافيا -كما يقول في تقديمه لكتاب ((شخصية مصر)" -: هي علم ((التباين الأرضي))، أي التعرف على الاختلافات الرئيسية بين أجزاء الأرض على مختلف المستويات؛ فمن الطبيعي أن تكون قمة الجغرافيا هي التعرف على ((شخصيات الأقاليم))، والشخصية الإقليمية شيء أكبر من مجرد المحصلة الرياضية لخصائص وتوزيعات الإقلیم، إنها تتساءل أساسًا عما يعطي منطقة ما تفرَّدها وتميّزها بين سائر المناطق، كما تريد أن تنفذ إلى روح المكان لتستشف عبقريته الذاتية التي تحدد شخصيته الكامنة)) (٢). ■ ولئن بدا أن هذا يجعل للجغرافيا نهجًا فلسفيًّا متنافرًا، يتأرجح بين علم وفنٍّ وفلسفةٍ؛ فيمكن أن نضيف للتوضيح: إنها كذلك؛ فهي علمٌ بمادتها، وفنٌّ بمعالجتها، وفلسفةٌ بنظراتها، والواقع أن هذا المنهج المثلث يعني ببساطة أن ينتقل بالجغرافيا من مرحلة المعرفة إلى مرحلة التفكير، من (١) ((موقع إسلام أون لاين)). (٢) ((شخصية مصر)) - المقدمة لجمال حمدان. تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٣٣٩ علو الهمة في صناعة الحياة جغرافيا الحقائق المرصوصة إلى جغرافيا الأفكار الرفيعة (١). ■ وكانت رؤية جمال حمدان للعلاقة بين الإنسان والطبيعة في المكان والزمان متوازنة؛ فلا ينحاز إلى طرف على حساب الآخر، يظهر ذلك واضحًا في كتابه العظيم ((شخصية مصر))، والذي تبرز فيه نظرته الجغرافية المتوازنة للعلاقة بين الإنسان المصري والطبيعية بصفة عامة، و(النيل))- كمكوِّن أساسي للطبيعة المصرية- بصفة خاصة، وكيف أفضت هذه العلاقة إلى صياغة الحضارة المصرية على الوجهين: المادي والروحي (٢). آثاره وإنجازاته : ـ كان لعبقرية جمال حمدان ونظرته العميقة الفضل -بعد توفيق الله تعالى- في الوصول إلى كثير من التحليلات والآراء التي استُغرِبَت وقت إفصاحه عنها، إلّا أن الأيام أكدتها بعد ذلك؛ فقد أدرك بنظره الثاقب كيف أن تفكك الكتلة الشرقية واقع لا محالة، وكان ذلك عام (١٣٨٨ هـ- ١٩٦٨م)، فإذا الذي تنبأ به يتحقق بعد إحدى وعشرين سنة، عام (١٤٠٩ هـ- ١٩٨٩م)، حيث حدث الزلزال الذي هز أركان أوروبا الشرقية، وانتهى الأمر بانهيار أحجار الكتلة الشرقية، وتباعد دولها الأوروبية عن الاتحاد السوفيتي، ثم تفكك وانهيار الاتحاد السوفيتي نفسه عام (١٤١١ هـ- ١٩٩١م)(٣). (١) ((شخصية مصر) (ص٩) كتاب الهلال. (٢) ((جمال حمدان وتراثه الفكري)) (ص١٣، ١٤). (٣) (استراتيجية الاستعمار والتحرير)) لجمال حمدان (ص١٩٨، ١٩٩) - دار الشروق- القاهرة. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٣٤٠ صلاح الأمة في علو الهمة · وفي عام (١٣٨٧ هـ-١٩٦٧م) أصدر ((جمال حمدان)) كتابه المهم ((اليهود أنثروبولوجيًّا)) والذي أثبت فيه أن اليهود المعاصرين الذين يدَّعون أنهم ينتمون إلى فلسطين ليسوا هم أحفاد اليهود الذين خرجوا من فلسطين قبل الميلاد، وإنما ينتمي هؤلاء إلى إمبراطورية ((الخزر التترية)) التي قامت بين ((بحر قزوين)) و((البحر الأسود))، واعتنقت اليهودية في القرن الثامن الميلادي، وهذا ما أكده بعد ذلك ((آرثر بونيسلر)) مؤلف كتاب ((القبيلة الثالثة عشرة)) الذي صدر عام (١٣٩٦ هـ - ١٩٧٦م)(١). ■ وقد ترك «جمال حمدان)) تسعةً وعشرين كتابًا وتسعةً وسبعين بحثًا ومقالةً، يأتي في مقدمتها كتاب ((شخصية مصر .. دراسة في عبقرية المكان))، الذي أصدر الصياغة الأولى له سنة (١٣٨٧ هـ- ١٩٦٧م) في نحو ٣٠٠ صفحة من القطع الصغير .. ثم تفرغ لإنجاز صياغته النهائية لمدة عشر سنوات، حتى صدر مكتملًا في أربعة مجلدات خلال السنوات بين (١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م/ ١٤٠٤ هـ- ١٩٨٤م)(٢). الجوائز والوفاة: حظي ((جمال حمدان)) بالتكريم داخل مصر وخارجها: ■ فقد حصل عام (١٣٧٩هـ - ١٩٥٩م) على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية. ■ ومنح جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية سنة (١٤٠٦ هـ- (١) مقال جمال حمدان: صاحب مقولة: ((الصراع الحتمي بين أمريكا وأوروبا)) عام ١٩٩١ - موقع وكالة نبأ الإخبارية. (٢) ((جمال حمدان وتراثه الفكري)) (ص٩، ١٠). تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/