Indexed OCR Text

Pages 301-320

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
علو الهمة في صناعة الحياة
٣٠١
فكرة تحرك الأرض، وحكمت عليه الكنيسة بالسجن في بيته -قيد الإقامة
الجبرية - إلى أن يموت (١).
وكذلك أعدمت الكنيسة أيضًا برونو حرقًا في ميدان عام لدفاعه عن
تحرّك الأرض، وتوقّعه وجود أراضين أخرى)) (٢).
((وفي عام ١٢٠٦ نبّه مجمع رؤساء الكنائس المنعقد في باريس رجال
الدين بشدة إلى عدم قراءة كتب العلوم الطبيعيَّة، واعتبر ذلك خطيئة لا
تغتفر (٣).
■ وقال الفيلسوف البريطاني برتر اندرسل في مقال له: «كيف أعاقت
الكنائس التقدم)): ((لقد عارضت الكنيسة جاليليو. وفي الأيام التي بلغت فيها
أعظم سلطانها، فإنها ذهبت إلى أبعد مدى في معارضة حياة العقل والتفكير،
فلقد كتب البابا جريجوري الكبير (٥٩٠ -٦٠٤م) إلى أحد أساقفته رسالة
يقول فيها: ((لقد وصلنا تقرير لا نستطيع تذكره دون حمرة الوجه خجلًا: ذلك
أنك تشرح قواعد اللغة ((اللاتينية)) إلى بعض الأصدقاء)).
لقد اضطر هذا الأسقف، تحت سلطان صاحب القداسة، أن يكف عن
ذلك العمل الشرير! ولهذا لم تنهض اللاتينية من عقالها إلّا في عصر النهضة.
وكما يعلم كل الناس، فإن الكنائس قد عارضت بقدر الإمكان
القضاء على العبودية، كما أنه خلافًا لبعض الاستثناءات، فإنها تعارض
اليوم أي حركة تجاه العدالة الاقتصادية ويجب أن نذكر أنه في جميع
(١) ((قصة الحضارة)) (٢٦٩/٣٠ - ٢٧٩).
(٢) المصدر السابق (٣٠٠/٣٠).
(٣) ((الحضارة الإسلامية وجهتها الله)) للواء أحمد عبد الوهاب (ص١٧).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٣٠٢
-
صلاح الأمة في علو الهمة
العصور، بدءًا من عصر قسطنطين (القرن الرابع) حتى نهاية القرن السابع
عشر، فإن المسيحيين قد تعرضوا لاضطهادات رهيبة على يد مسيحيين
مثلهم آخرين، أكثر بكثير مما تعرضوا على أيدي الأباطرة الرومان !.
حقيقة أن المسيحي المعاصر قد أصبح أقل غلظة، لكن الفضل في ذلك
لا يرجع إلى المسيحية، وإنما يرجع إلى أجيال من أحرار الفكر، الذين
جعلوا المسيحيين -يخجلون- منذ عصر النهضة إلى الآن -من كثير من
معتقداتهم التقليدية))(١).
■ وفي عام ١٦٠٠، أحرقت الكنيسة القس جوردانو برونو، في ميدان
الأزهار «کامبو دي فيوري)» بروما.
وكان من بين التهم الموجهة إليه: الزندقة والردة. والدعوة لنظرية
((كوبر نيك)) في الفلك القائلة بأن الأرض ليست مركز الكون، وأن
الكواكب تدور حول محورها وحول الشمس، وهو ما يتنافى مع الجغرافيا
والفلك كما استخلصتهما الكنيسة من الكتاب المقدس ومن أعمال أرسطو
وبطليموس الجغرافي، وكان من التهم أيضًا، الاشتغال بالسحر، ويدخل
في هذا الباب الدعوة إلى العلم للسيطرة على الطبيعة.
· وفي عام ١٦٤٢ مات الفلكي ((جاليليو)) في عزلته كمدًا، بعد أن
أصیب بالعمى، فقد حاكمته الكنيسة، وحكمت عليه بتحديد إقامته بعد
أن أعلن تبرأه من مفاهيمه العلمية حول الأرض وحركتها، والشمس
والكون. فقال في اعترافه أمام المجمع المقدس عام ١٦٣٣: ((أستنكر هذه
الأخطاء والزندقات المذكورة، وبوجه عام كل الأخطاء والزندقات
. Bertrand Russel: Why I am not a Christian ; pp. ١) ٢٨ -١٥)
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٣٠٣
علو الهمة في صناعة الحياة
والمعتقدات المتعارضة مع الكنيسة المقدسة))(١).
■ ولو أردنا دليلًا آخر على مدى الهوة العميقة التي كانت تفصل
الشرق عن الغرب، لكفانا أن نعرف أن نسبة ٩٥٪ على الأقل من سكان
الغرب في القرون: التاسع، والعاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، كانوا
لا يستطيعون القراءة والكتابة.
وبينما كان ((شارل الأكبر)) يجهد نفسه في شيخوخته لتعلم القراءة
والكتابة، وبينما أمراء الغرب يعترفون بعجزهم عن الكتابة أو القراءة، وفي
الأديرة يندر بين الكهنة من يستطيع مسك القلم، لدرجة أنه عام ١٢٩١ م
لم يكن في دير جالينوس من الكهنة والرهبان من يستطيع حل الخط - بينما
كان هذا كله يحدث في الغرب - كانت آلاف مؤلفة من المدارس في القرى
والمدن تستقبل ملايين البنين والبنات، يجلسون على سجادهم الصغير
يكتبون بحبر يميل إلى السواد فوق ألواحهم الخشبية، ويقرؤون مقاطع
من القرآن حتى يجيدوها، ويُوِّدون ذلك معًا بلحن جميل عن ظهر قلب،
ثم يتقدمون خطوة تلو الأخرى في المبادئ لقواعد اللغة.
وكان الدافع إلى كل هذا هو رغبتهم الصادقة في أن يكونوا مسلمين
حقًّا كما يجب أن يكون المسلم. فلم يجبرهم أحد على ذلك، بل اندفعوا إليه
عن رغبة وإيمان؛ لأن من واجب كل مسلم أن يقرأ القرآن.
فالكتاب المقدس لا يجد الناس إليه سبيلًا؛ إذا استثنينا الكهنة ورجال
الدين، فهم وحدهم يستطيعون قراءته وفهم لغته. ومنذ عام ٨٠٠
ميلادية لم يعد الشعب يفهم المواعظ الملقاة باللاتينية، حتى أن مجلس
(١) المصدر السابق (ص ٧٢ - ٧٣).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٣٠٤
صلاح الأمة في علو الهمة
رؤساء الكنائس المنعقد في مدينة تور أوصى بوعظ الناس باللغة التي
يتكلمون بها. ولم تكن هناك حاجة تدعو الشعب في تلك العصور إلى تعلم
اللاتينية، بل لم تكن هناك أية رغبة في تعليم الشعب أو تثقيفه (١).
■ «وثار المجددون المتنورون من أهل الغرب، وعيل صبرهم،
وأصبحوا حربًا لرجل الدين وممثلي الكنيسة والمحافظين على القديم،
ومقتوا كل ما يتصل بم ويعزي إليهم من عقيدة وثقافة وعلم وأخلاق
وآداب، وعادوا الدين المسيحي أولًا والدين المطلق ثانيًا، واستحالت
الحروب بين زعماء العلم والعقلية، وزعماء الدين المسيحي -ويلفظ أصح،
الديانة والبوليسية- حربًا بين العلم والدين مطلقًا، وقرر الثائرون أن
العلم والدين ضرتان لا تتصالحان، وأن العقل والنظام الديني ضدان لا
يجتمعنان، فمن استقبل أحدهما استدبر الآخر، ومن آمن بالأول كفر
بالثاني، وإذا ذكروا تلك الدماء الزكية التي أريقت في سبيل العلم
والتحقيق، وتلك النفوس البريئة التي ذهبت ضحية لقسوة القساوسة
ووساوسهم، تمثل لأعينهم وجوه كالحة عابسة، وجباه مقطبة، وعيون
ترمي بالشرر، وصدور ضيقة حرجة، وعقول سخيفة بليدة، فاشمأزت
قلوبهم وآلوا على أنفسهم كراهة هؤلاء وكل ما يمثلونه، وتواصلوا به
وجعلوه كلمة باقية في أعقابهم.
تقصير الثائرين وعدم تثبتهم:
ولم يكن عند هؤلاء الثائرين من الصبر والمثابرة على الدراسة
والتفكير، ومن الوداعة والهدوء، ومن العقل والاجتهاد ما يميزون به بين
(١) المصدر السابق (ص١٩ - ٢٠).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٣٠٥
علو الهمة في صناعة الحياة
الدين ورجاله المحتكرين لزعامته، ويفرقون بين ما يرجع إلى الدين عن
عهدة ومسؤولية، وما يرجع إلى رجال الكنيسة من جمود وجهل واستبداد
وسوء تمثيل، فلا ينبذوا الدين نبذ النواة، ولكن الحفيظة وشنآن رجال
الدين والاستعجال لم يسمح بالنظر في أمر الدين والتريث في شأنه كغالب
الثوار في أكثر الأعصار والأمصار.
* ولم يكن عندهم من صدق الطلب والنصيحة لأنفسهم وأُمَّتِهِم
وسعة الصدر ما يحملهم على النظر في الدين الإسلامي الذي كانت تدين به
أمم معاصرة لهم، الدين الذي يخلصهم من هذه الأزمة و﴿ يَأْمُرُهُم
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَبِثَ
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِمْ ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
ولكن حمية الجاهلية والسدود التي أقامتها الحرب الصليبية بين الغرب
المسيحي والشرق الإسلامي ودعاية الكهنة ورجال الكنيسة ضد الإسلام
وصاحب رسالته عليه الصلاة والسلام، وعدم تجشم التعب والمطالعة،
وقلة الحرص على النجاة الأخروية والاهتمام بها بعد الموت، زد على ذلك
تفريط المسلمين في التبشير الإسلامي، ونشر الإسلام في أوروبا، كل ذلك
منعهم من الرجوع إلى الدين الإسلامي والأخذ به في ساعة كانوا يحتاجون
إليه حاجة السليم إلى راق والمسموم إلى ترياق))(١).
واتجه الغرب إلى المادية ودعا السياسيون أمثال ميكافيليي الفلار نساوي
(١٤٦٦ - ١٢٥٧ م) إلى فصل الدين عن الدولة وكان لهم ما أرادوا.
(١) ((ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)) (ص ١٩٤ - ١٩٦).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣٠٦
صلاح الأمة في علو الهمة
مؤكدات لهذه الحقائق من بيانات غربية منصفة (١):
جاء في كتاب ((شمس العرب تسطع على الغرب)) للمستشرقة الألمانية
(زیغرید هونكه)) ما يلي:
■ لقد قصَّ ((فيلهلم)) على رفاق سفره الدهشین ما يلي: «كان عندنا في
بلادنا فارِسٌ كبير القَدْر، فمرض وأشرف على الموت، فجئنا إلی قسَّ کبیر
من قساوستنا، وقلنا: تجيء مَعَنا حتَّى تُبْصر الفارس فلانا؟.
قال: نعم، ومشى معنا، ونحْنُ نتحقَّق أنَّه إذا حطّ يَدَهُ علیه عوفي.
فلمَّا رآه قال: أعطوني شمعًا، فأحْضَرْنا له قليل شمْعٍ، فَلَينَهُ بيده
وعَمِلَه مثل عُقَدِ الإصبع، ووضع واحدة في جانب أنفه الأيمن، ووضع
أخرى في جانب أنفه الأيسر، فمات الفارس.
٠٠
فقلنا له: قد مات.
قال: نعم، كان يتعذّبُ، سدَدْتُ أنْفَه حتی یموت ویستریح)).
وعلقت ((زيغريد)) على هذه القصة بقولها: ((أيدٍ تُوضع، وشيطانٌ
يُطْرد، وصلاةٌ تُقامُ ..
تلك كانت الوسائل المفضلة في المعالجة التي حاول أطباء أوروبة -
عن طريق مُسوح الكهنوت والرهبان - إنقاذ الإنسانية المريضة، وتخليصها
من براثن الداء والألم))(٢).
■ وجاء فيه قولها: ((ولعلّ من أهَمَّ عوامل انتصارات العرب -أي:
(١) انظر: ((الحضارة)) لحبنكة (ص٦٦١ - ٦٦٨).
(٢) (شمس العرب)) (ص٢١٨).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٣٠٧
علو الهمة في صناعة الحياة
المسلمين- هو ما فوجئت به الشعوب من سماحتهم، حتى إنَّ الملك
الفارس ((كيروس)) نفسه قال: ((إنَّ هؤلاء المنتصرين لا يأتون كمخربين))
فما يدَّعيه بعضهم من اتهامهم بالتعصُّب والوحشية، إن هو إلَّا مجرد
أسطورة من نسج الخيال تكذبها آلافٌ من الأدلة القاطعة عن تسامحهم
وإنسانيتهم في معاملاتهم مع الشعوب المغلوبة)) اهـ.
■ أقول: أليس هذا من مظاهر الارتقاء الحضاري لدى المسلمين، مع
أنهم هم المنتصرون الفاتحون، وأصحاب السيادة والسلطان؟ !.
■ وتُتْبعُ المستشرقة ((زيغريد)) بيانها هذا بقولها: ((والتاريخ لا يقدم لنا
في صفحاته الطوال إلَّا عددًا ضئيلاً من الشعوب التي عامَلَتْ خُصومَها
والمخالفين لها في العقيدة بمثل ما فعل العرب - أي: المسلمون-)).
وكان لَمَسْلَكِهِم هذا أطْيَبُ الأثر، مما أتاح لحضارتهم أن تتغلغل بين
تلك الشعوب بنجاح لم تحظَ به الحضارة الإغريقيَّة ببريقها الزائف، ولا
الحضارة الرومانية بعنفها في فرض إرادتها بالقوة)) (١)اهـ.
■ وجاء فيه عقب بيانها الموسع عن اتجاه الإمبراطورية الرومانية
لمحاربة البحث العلمي في الظواهر الطبيعية لاكتشاف قوانين الكون
وسننه، وأنَّ من الضلال البحث عن الحقيقة في غير الكتاب المقدس،
والتفكير والتمحيص في أمور دنيوية، قولها: ((وكان أكبر دليل مؤلم على
هذا التفكير الغريب أعمدة الدخان، وألسنة اللهب التي اندلَعَتْ فوق
الإسكندرية، كنز المعرفة الإغريقية على مرّ العصور، والتي أصبحت
حينذاك مركزًا للكنيسة المسيحية إلى جانب رومة.
(١) المصدر السابق (ص٣٥٧ - ٣٥٨).
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٣٠٨
صلاح الأمة في علو الهمة
احمرَّت بنيرانها فوق دَلْتَا النيل، وأحْرِقت نفائس ثمينة لا تُعَوَّضُ، من
الشعر، والأدب، والفلسفة، والتاريخ، والعلم، والثقافة الإغريقية.
أحرقتها وأبادتها جُموع من المسيحيِّين المتعصِّبين.
لقد ذهبَ جزء هام من المكتبة قبل ذلك، عام (٤٨ ق.م) طعمةً
للنيران أثناء حصار ((يوليوس قيصر)) ولكن ((كليوباطرة)) عوَّضت هذه
الخسائر من مكتبة ((برجامون Pergamon)) وفي القرن الثالث الميلادي
بدأت تَبْرُز التخريباتُ المبيتة ضدَّها، فأغلق أحد البطاركة المسيحيين
مدرسة متحف الإسكندرية، وطَرَدَ طُلابها.
وفي أيَّام حكم القيصر ((فالنس ٣٣٦م valens)) حُوِّل المتحف إلى
كنيسة، وسُلِبَتْ مكتبته، وطُوردَ فلاسفته بتهمة السحر والشعوذة.
وفي عام (٣٨١م) استصدر البطريرك ((تيوفيلس Theophilos)) من
القيصر ((تيودوسيوس Theodosius)) إذنًا بتخريب السرابيون، أكبر ما
تبقّى من الأكاديميَّات وآخرها، وإشعال النيران في مكتبته الثمينة.
وبهذه الطريقة فقدت البشرية جزءً هامًّا من ثقافتها لا يُمْكِنُ
تعويضه)».
وقالت أيضًا: ((وهكذا اختفت مراكز الحضارة الإغريقية واحدًا إِثْر
واحد .. وأُقفلت آخر مدرسة للفلسفة في آثينة عام (٥٢٩م) وأحرقت في
رومة عام (٦٠٠م) مكتبة البلاتين، وهدم ما تبقى من آثار أبنية القدماء.
وعندما دخل العرب -أي: المسلمون- الإسكندرية عام (٦٤٢م) لم
يكن هناك منذ زمن طويل مكتبات عامة كبيرة.
وأمَّا ما اتّهم به قائدهم -عمرو بن العاص- من إحراقه لمكتبة
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٣٠٩
علو الهمة في صناعة الحياة
الإسكندرية، والذي يُعبَّرُ به حتى اليوم عن صُورةٍ مُفْزِعة للبرْبَرية
والوحشية، فقد ثبت في أكثر من مناسبة، وبعد أبحاث مستفيضة أنَّه مجرد
اختلاقٍ لا أساس له من الصحة.
إِنَّ ((عمرو بن العاص)) فاتح الإسكندرية، هو نفسه ((عمرو)) الذي
ضرب المثَلَ بتسامحه طَوال فتوحاته، وحرم النَّهْبَ والسَّلْب والتخريب
على جنوده، وعَمِل ما كان غريبًا عن فَهْم الشرقيين القدماء والمسيحيين
على السواء.
لقد ضمِنَ صراحةً للمغلوبين حُرِيَّةَ ممارسة شعائرهم الدينية
المتوارثة)) (١) اهـ.
■ وجاء فيه في معرض مقارنتها بين حث الإسلام على العلم،
واكتساب المعرفة الدنيوية بالإضافة إلى المعرفة الدينية، وتخوف المسيحيين
من المعارف الدنيوية قولها: ((مفهومان مختلفان، بل عالمان منفصلان تمامًا،
حذَّدًا بهذا طريقين متناقضين للعلم والفكر، في الشرق والغرب.
وبهذا اتسعت الهُوَّةُ بين الحضارة العربية -أي: الإسلامية - الشامخة،
والمعرفة السطحية المعاصرة في أوروبا حيث لا قيمة لمعرفة الدنيا كلها)).
-أي: إيَّان ازدهار حضارة المسلمين -.
■ وقولها بشأن رفض معلمي الكنيسة يومئذٍ فكرة كروية الأرض:
((أمَّا ما يدعيه بعضهم من أن الأرض كروية فهو كفرٌ وضلال، فمعلم
الكنيسة ((لاكتانتوس Lactanius)) يتساءل مستنكرًا: ((هل هذا من
المعقول؟ أَيُعْقُلُ أن يُجَنَّ الناس إلى هذا الحد، فيدخل في عقولهم أنّ البلدان
(١) ((شمس العرب)) (ص ٣٦٢ - ٣٦٣).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٣١٠
صلاح الأمة في علو الهمة
والأشجار تتدلَّ من الجانب الآخر من الأرض، وأنَّ أقدام الناس تعلو
رؤوسهم؟».
لقد كانت الأرض بالنسبة إلى بعض الناس تلا تدور الشمس حوله ما
بين الشروق والغروب، وبالنسبة إلى الآخرين مسطحًا تحيط به المحيطات.
لقد قُضِيَ بهذا التفكير الساذج على تطور العقل البشري في العصور
السابقة، وعاد عَصْرُ الملاحِظَةِ البدائية والتفكير المشعوذ إلى الحياة من
جدید.
ملعونٌ من يقتنع أو يقبل في ذلك العصر تفسيرًا علميًّا لحوادث
الطبيعة. خارجٌ عن طاعة الرب من يشرح أسبابًا طبيعية لبزوغ كوكب، أو
فيضان نهر، بل من يعلل علميًّا شفاءَ قَدَم مكسورة، أو إجهاض امرأة،
فتلك كلها عقوبات من الله، أو من الشيطان، أو هي معجزات أكبر من أن
نُدْرِك گُنْهَها !!.
وإذا كانت القوى الدينية -أي: المسيحية - قد كرَّسَت جهدها للهدف
الديني، فإنها قد هبطت بالمعرفة الدنيوية، فابتعدت تمامًا عن الثقافية،
والفكر الإغريقي، وانغمست في الخرافات والتَّرَّهات التي لن نستطيع
اليوم أن نتَصَور مدَى انتشارها، وسيْطَرَتها على العقول الساذجة.
ولم تشمل هذه الحركة الرجعية العامة من الناس فحسب، بل إنَّ
المتعلمين أيضًا لم يكن لهم من زاد عقلي سوى بعض الأساطير المليئة
بالخرافات المقتبسة أسوأ اقتباس عن اللاتينية البربرية، أو عن قصص
الإغريق وأساطير الشرق القديمة.
وما وصلت إليه الكنيسة وكَهَنَتُها في المجال الديني لم يكن عامِلَ إنقاذ
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
علو الهمة في صناعة الحياة
٣١١
للحضارة بل كان عائقًا لها.
وظلَّ الفِكْر الإغريقي بالنسبة إليهم غريبًا، فحوالي عام (٣٠٠م) عَلَّل
أسقف قيصرية ((أوزيبوس Eusebius)) ذلك المسلك لعلماء الطبيعة من
(الإسكندرية)) و((برجامون)) قائلًا: إنَّ موقفنا هذا ليس جهلا بالأشياء
التي تُعطونها أنتم كُلَّ هذه القيمة، وإنَّما لاحتقارنا لهذه الأعمال التي لا
فائدة منها، لهذا فإننا نشغل أنفسنا بالتفكير فيما هو أجدى وأنفع.
ولقد كان الفكر الإغريقي يُمثِّل للمسيحيين شبحًا ملعونًا، فلم
يقتربوا منه، بل حطَّموا جزءًا كبيرًا من تُراثه، وحرَموا منه البشرية.
حتى إنَّ الغرب اضطَّر بعد صحوته أن يبدأ من جديد، على الرغم من
أن الحضارات القديمة، والهيلينيَّة (١) على الخصوص، كانت قد وصلَتْ في
سالف أيامها إلى درجة كبيرة من الرقيّ.
وعلى الرغم من هذا فقد بدأ للسَّادةِ المهيمنينَ على الأمور ضرورةُ
تحريم الكتب، التي تهتَمُّ بالأمور الحقيرة الدنيوية على المتعلمين ورجال
الدين المسيحي.
ففي عام (١٢٠٦ م) نبّه مجمع رؤساء الكنائس المنعقد في باريس رجال
الدين بشدَّة على عدم قراءة العلوم الطبيعية، واعتبر ذلك خطيئة لا تغتفر.
وقضى هذا التفكير الضيَّقُ على كل موهبة، وعاقَ كلّ بحثٍ علمي،
وأجْبَرَ كلَّ المفكرين الذين لا تتفق أعمالهم ومعتقدات الكنيسة هذه، على
إنكار ما قالوه من النظريات العلمية، وإلّا كان مصيرهم الحَرْقَ العلني
بالنار، لكفرهم وخروجهم على المعتقدات الإلهية -بحسب زعمهم
(١) الهيلينية: أي: اليونانية.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة
٣١٢
الفاسد -.
ومن هنا فقط يتّضِحُ لنا تمامًا لماذا احتاجت الحضارة في الغرب ألفًا من
السنين، قبل أن تبدأ بالازدهار تدريجيًّا، مع أنَّها قد كانت لدَيْها فرصةٌ
مناسبة لتبدأ قبل الحضارة العربية -أي: حضارة المسلمين- بقرنين أو
ثلاثة.
وما قاله ((هيجل Hegel)) عن بوم ((منيرڤا)) الذي لا يبدأ طيرانه إلَّا
عند الغَسَق، ينطبق على التراث اليوناني السائر إلى الوراء حينذاك، بل
ينطبق انطباقًا أكثر على العلوم في الغرب التي ظلّت في دور الحضانة ألفًا
من السنین.
وهو لا ينْطَبِقُ على التطور العربي -أي: تطور المسلمين- ذلك لأن
العلوم عندهم لم تكن قطَّ ثمرَةً متأخّرةً لشجرة الحضارة.
فما أن انقضى قَرْنٌ واحدٌ من الزمان على الفتوحات الإسلامية حتى
ازْدَهَرَتْ حضارةُ العرب -أي: المسلمين- وآتت أكُلَها مُكْتملةً
ناضجة)) (١))ه.
■ وجاء فيه أيضًا قولها: ((لقد أحاط العرب -أي: المسلمون- الكتب
بقلوبهم، حتى المؤلفات الفنيّة الدقيقة في الهندسة والميكانيكا والطبَّ
والفلك والفلسفة.
وكما تطْلُبُ الدولةُ المنتصرة من الدولة المنهزمة تسليم أسلحتها
وسُفُنها الحربية، شرطًا أساسيًّا لعَقْدِ الصُّلح، هكذا طلب ((هارون
الرشيد)» بعد احتلاله لعمُوريَّة وأنقرة تسليم المخطوطات الإغريقية
(١) ((شمس العرب)) (ص ٣٧٠ - ٣٧٢).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
علو الهمة في صناعة الحياة
٣١٣
القديمة.
وكما يَسْتولي المنتصرون اليوم على المناجم، والصناعات الحربية الهامّة،
والأسلحة المدمّرة مع مخترعيها، نرى ((المأمون)» بعد انتصاره على («ميخائيل
الثالث)) قيصر بيزنطية، يُطالبُ بتسليم أعمال الفلاسفة القدماء، التي لم
تَتِمَّ ترجمتُها بعد العربية، ويعتبر ذلك بديلًا عن تعويضات الحرب.
إنَّها أسلحة تُسَاهِمُ في بناء المجد.
وما دام الأمراء العرب قد شُغِفُوا بأوراق البردي والبرجامون نصف
الممزقة، فإنَّه لم يكن هناك من طريق لكسب صداقتِهم أنجح من إهدائهم
بعض لفائف، الكُتب التي تراكم الترابُ فوقها.
هذا ما فكر به قاطنو البوسفور، فأرسلوا إلى ((عبد الرحمن الثالث))
أمير الأندلس، حقيبةً كبيرة -بغية توطيد الصداقة معه- وهذه الحقيبة
ملأى بالمخطوطات القديمة، ومن بينها تعاليم الطب والعلاج لـ
((ديسقوريدس Diosktrides)) وكان ثمن بيع هذا الفكر القديم باهظًا،
ولكن العرب -أي: المسلمین- كانوا على استعداد لدفع الثمن مهما كان.
وأُرْسلت البعثاتُ الخاصة من بغداد، للبحث عن كنوز العلم، حاملةً
أكياسًا من النقود، إلى بيزنطية والهند، إذ قام المتعلِّمُون من مختلف البلدان
بدور السماسرة.
وأصبح اقتناء المخطوطات التي لم تُتَّرْجم حتى ذلك الحين هوايةً
الأمراء، والوزراء، وسَراةِ القوم. فضَحَّوْا بمبالغ طائلةٍ في بلاد الإغريق
وآسية الصغرى، وفي كل مكانٍ وطتَتْهُ أقدامُ الإغريق يومًا ما، عن طريق
بعثات العلماء، أو عن طريق عملائهم الخاصين.
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣١٤
صلاح الأمة في علو الهمة
أجل لقد دفعوا ثمنًا باهظًا وجدوه باقيًا من الآثار العلمية، وكان قد
نجا من أعمال التخريب الفظيعة الشائنة.
واستطاع العرب -أي: المسلمون- كذلك أن يكشفوا كثيرًا من
الكنوز، ففي قَبْو مظلم تسْكُنه الفئران والعناكب في الإسكندرية، عثَرَ
القومُ بين حجريْن هائلَين على كتابٍ في فُنونٍ الحرْبِ، وعثَرُوا علی کتاب
آخر في قدرٍ مغلقةٍ تحت جُدران دیر سوري.
وفي آسية الصغرى، وعلى مسير ثلاثة أيام بيزنطية، عثر ((محمد بن
إسحاق)) على مكتبة ضخمة في مَعْبَدٍ قدیم کبیر، له بابٌ لم يَرَ من قبل بابًا
حدیدیًّا في ضخامته.
لقد أنشأ الإغريق هذا المعبد يوم كانوا يعبدون النجوم والأوثان،
وقدَّموا فيه القرابين لآلهتهم.
■ ويتحدَّث ((محمد بن إسحاق)) عن مجهوده في هذا السبيل، باعتباره
مندُوبًا عربيًا في البلاط البيزنطي، فيقول: ((لقد رجَوتُ الحاكم أنْ يفتح لي
هذا المعبد، ولكنه ماطلَ في ذلك؛ لأن أبواب هذا المعبد لم تُفْتَحْ منذ
انتحلوا المسيحية، ولكنّني لم أكُفَّ عن إغرائه، فعاودتُه في مناسبات عدة،
وطلبت إليه ذلك كتابةً ومشافهةٌ في جلسة من جلسات بلاطه التي
اشترکت فیھا.
وأخيرًا وافق على فتحه، فرأيت في هذا المبنى المشيد بأحجار المرمر
الفاخرة، رأيتُ على حوائطه من الكتابات والرسوم ما لم أرَ أفخم ولا
أَجمل منه، ومن المخطوطات القديمة شاهدتُ هناك ما يُحُمِّلُ جمالًا، إنَّها
تقارب الألف كتاب، وكان جزءٌ منها ممزقًا، وكان الجزء الآخر نصيبًا
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣١٥
علو الهمة في صناعة الحياة
للديدان)».
إنّ ما قام به العرب -أي: المسلمون- هُوَ عَمَلٌ إنقاذيٌّ له مغزاه في
تاريخ العالم.
إنَّها حضارةٌ قد هَوَتْ وتحطَّمَتْ، وكانت على وشك الفناء أمام أعين
صانعيها الذين صار لهم هدفٌ آخر يَسْعَون إليه، وهذا الهدف لا يمُتَّ لهذا
العالم بصلة.
فما بقي من هذه الحضارة يَجبُ أنْ تشكُّرَ عليه البشريّة اليوم العربَ -أي:
المسلمين- وحُبَّهُم للعلم، ولا يَعُودُ لبيزنطية فيه إلَّا فضل قليل)) (١)هـ.
وشهد شاهد من أهلها :
ا يقول ((جوزيف رينو)) في كتابه ((الفتوحات الإسلامية في فرنسا
وإيطاليا وسويسرا)) كوسيلة من وسائل نقل الحضارة: ((عندما استقر
المسلمون في القرن التاسع الميلادي في بروفانس وفي دوفيني وسافواي،
وفي سويسرا، كانوا قد قطعوا أشواطًا في العلوم والفنون، ويتقدمون
بطريقة عجيبة. ومما لا جدال فيه أن مسلمي الأندلس وصقلية، ومسلمي
أفريقيا الشمالية، كانوا أكثر تقدمًا من سكان فرنسا والبلدان المجاورة،
حيث كانت هذه البلدان كلها تعاني من الفوضى ومن كل أنواع البؤس
التي تلازمها.
فمن ذا الذي لم يسمع بعظمة مسجد قرطبة، ومن ذا الذي يجهل ما
شيده المسلمون من الجسور، وما شقوه من الأنهار والقنوات لري
(١) ((شمس العرب)) (ص ٣٧٥ - ٣٧٧).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣١٦
صلاح الأمة في علو الهمة
الأرض، وما شيدوه من الآثار العظيمة في الأندلس ابتداء من النصف
الثاني للقرن الثامن الهجري؟!
وعظمة المسلمين وتفوقهم لا تتجلى في الفنون وحدها، حيث أن
عبقريتهم قد برزت في العلوم أيضًا -العلوم التي لا يمكن أن تقوم دعائم
حضارة بدونها، فقد كان العرب يملكون ذخائر علوم الأولين وكنوزهم،
وكانوا قد ترجموا إلى العربية كتب أرسطو وأبقراط وجالينوس
ودسقوريدس وبطليموس وغيرهم، وأضافوا مساهمات ثمينة إلى ما
اكتشفه الأولون.
وهكذا، فقد كان تفوق العرب حقيقة لا مراء فيها، ويعترف بها
المسیحیون أنفسهم.
وقد حفظ لنا التاريخ قصة ((شانجة Sanche)) ملك ليون الذي طلب
إذنًّا من عبد الرحمن الثالث، عندما أصيب بمرض عضال في سنة ٩٦٠م،
ليقصد قرطبة ملتمسًا الاستشفاء على يد الأطباء المسلمين، ويضيف
المؤرخون أن شانجة قد وجد عند هؤلاء العناية، وفي علمهم المساعدة
التي كان ينشدها، وقد ظل طوال حياته يذكر الحفاوة التي قوبل بها
والاهتمام الذي أحيط به.
وفي غضون تلك الفترة نفسها، كان قسيس اسمه ((جيربر Gerbert))
قدر له أن يصبح البابا ((سيلفستر الثاني Sylvester)) قد قصد إلى الأندلس
ليطلب العلوم الطبيعية والرياضية. وقد حصل من تلك العلوم وغيرها
حظًا عظيمًا، بحیث اعتبرته عامة الناس في فرنسا ساحرًا.
على أن عددًا صغيرًا من الفرنسيين استطاع الاغتراف من معين الثقافة
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٣١٧
علو الهمة في صناعة الحياة
والعلوم العربية في الأندلس، في الوقت الذي ظلت فيه الجماهير غارقة في
ظلمات الجهالة في فرنسا.
إن نشر النفوذ الحضاري العربي الحقيقي في فرنسا والبلاد المجاورة
لها، قد بدأ بعد ذلك، أي ابتداء من القرن الثاني عشر الميلادي، ولا سيما في
أعقاب الحروب الصليبية، وبعد الاحتكاك الذي وقع بين الإسلام
والمسيحية، والشعوب الشرقية والشعوب الغربية التي من بينها الشعوب
الفرنسية والإنجليزية والألمانية -تلك الشعوب التي بدأت تخرج من
سباتها العميق، وشرعت في أبداء رغبتها في الاستفادة مما حققته الحضارة
العربية من التقدم.
كانت العلوم اليونانية في ذلك الوقت قد انمحت من أوروبا، ولكنها
كانت مترجمة ومحفوظة عند العرب. وكذلك اتجه المسيحيون من فرنسا
والبلدان المجاورة لها إلى أسبانيا ليتعلموا تلك العلوم العربية، لينقلوها إلى
اللغة اللاتينية التي كانت يومئذٍ لغة العلم في أوروبا. وهذه الكتب المترجمة
هي التي ستدرس في الجامعات الأوروبية حتى القرن الخامس عشر.
سوف لا نتوقف لدرس مختلف الأشياء المحفوظة بعناية في فرنسا
والتي يرجع تاريخها إلى العهد العربي، وهذه الآثار تتكون، خصوصًا، من
أقمشة الحرير، وصناديق العاج أو الفضة، وكؤوس البللور وأسلحة ..
إلخ، وجزء كبير من هذه التحف لا يزال محفوظًا في الكنائس ولدى الهواة
لجمع التحف الأثرية.
لقد ظل الناس في فرنسا والبلدان المجاورة لها، أجيالًا طويلة، وهم لا
يفكرون إلّا في عظمة الفكر الإسلامي، وفي قوة المسلمين واتساع آفاق
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣١٨
صلاح الأمة في علو الهمة
فتوحاتهم.
وكذلك كان الرأي العام يعزو إلى العرب كل ما هو عظيم وضخم
من المنجزات العمرانية.
■ لقد جاء المسلمون إلى فرنسا قبل النورمانديين والهنغاریین، وقد
استمر وجودهم فيها، بعد غارات هؤلاء وأولئك. والفتوحات الإسلامية
كانت تكتسي طابعًا من الجلال والعظمة بحيث لا يمكن أن يقرأ إنسان
أخبارها أو يسمع رواياتها دون أن تهتز نفسه لها، فعلى عكس النورمانديين
والنهغاريين، كان المسلمون، أجيالًا طويلة، في طليعة قافلة الحضارة في
العالم))(١).
:
■ لقد ذكر ((جوزيف رينو)) ما ذكره الناس في فرنسا عن البابا
((سلفستر الثاني))، الذي درس العلوم الطبيعية والرياضية على يد المسلمين
في الأندلس، إذا اعتبروه ساحرًا، وخاصة عندما كان يدهشهم بتجاربه في
الكيمياء والفيزياء.
■ أمَّا ((لويس يونج)»، فإنه يعطي تفصيلاً عن الفكر الأوروبي في ذلك
الوقت، والذي استمر حتى القرن السابع عشر، لا يملك إلّا أن يعزو كل
ما كان يجهله إلى الشيطان وألاعيبه، وما جنون ظاهرة تعقب النساء
المتشيطنات ببعید.
■ يقول ((بونج)): ((لقد أغنى الرياضيون العرب العالم بالمعرفة في جميع
المجالات، وبخاصة الأفكار والملاحظات الرياضية.
وأحد أوائل الأوربيين الذي أخذوا بالأرقام العربية كان ((جربرت))،
(١) («الفتوحات الإسلامية في فرنسا)) (ص٢٥١ - ٢٥٦، ٢٦٤ - ٢٦٥) لجوزيف رينو.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٣١٩
علو الهمة في صناعة الحياة
الذي أصبح فيما بعد (في عام ٩٩٩ م) البابا ((سيلفستر الثاني)) (ولد ٩٤٥ -
وتوفي ١٠٠٣م). سافر جربرت هذا بين عامي (٩٦٧ - ٩٧٠م) إلى
أسبانيا، حيث درس العلوم، وألف بعد ذلك كتابًا يشرح فيه كيفية
استخدام الأرقام العربية.
إلَّا أن أوروبا لم تلق بالًا إلى هذا النظام الجديد، بل كان ينظر إلى
((جربرت)) بعين الشك؛ لأنك درس على يد العرب في أسبانيا، وعلى
المستوى الشعبي کان یشك في أنه يمارس السحر.
ولقد رويت عنه كثير من الروايات الخارقة، فقيل: أنه كان يغادر
الدير ليلًا، ويطير في الهواء إلى أسبانيا حيث يدرس الفلك والفنون
السحرية، ثم يعود إلى حجرته قبل بزوغ الفجر.
كما كان يظن بأنه تعلم إحضار الأرواح من جهنم، وأنه يحتفظ بکتاب
سحر حصل عليه بالمكر والخديعة من ساحر عجوز، وأنه رهن روحه
للشيطان لكي يحميه من انتقام هذا الساحر العجوز.
وبعد فترة طويلة من الزمن تبنت أوروبا الأرقام العربية، نتيجة أعمال
((ليوناردو فيبوناتشي)) من بيزا، الذي توفي عام ١٢٤٠ م، وكان فيبوناتشي
رياضيًا، درس الرياضيات على يد معلم عربي، في شمال أفريقيا، وأصدر
كتابًا يشرح فيه نظام الأرقام العربية عام ١٢٠٢م، وكان ذلك بداية تبني
أوروبا للأرقام العربية، وبداية لعلم الرياضيات الأوروبي))(١).
■ وبقيت كلمة نقولها: أن رجال الكنيسة أرادوا من العلماء الطاعة
العمياء لهم، وقد أدخلوا في دينهم ما ليس منه، واعتبروا أي مخالفة لذلك
(١) («العرب وأوروبا)) (ص١٢٥).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٣٢٠
صلاح الأمة في علو الهمة
إنما هي هرطقة وكفر جزاؤهما الإحراق في الدنيا رحمة بالمذنبين، بدلًا من
الإحراق الأبدي في الآخرة.
ويعبر عن هذا المنطق الرهيب (تور كويمادا)) (١٤٢٠ - ١٤٩٨م)،
رئيس محاكم التفتيش في أسبانيا، الذي كان ((يبرر إحراق مئات الزنادقة
والسحرة على الخازوق، وتعريف الزنادقة والسحرة وكل منشق على
الكنيسة الكاثوليكية أو رافض لها في العقيدة أو السلوك أو المصالح،
بقوله: نحن نحرقك في الدنيا رحمة بك حتى ننقذك من النار الأبدية في
الآخرة!».
ولقد كان من نتيجة تطبيق هذا الفكر الكنسي الرهيب أن تعرض
الكثير للتعذيب أو الإحراق أو كليهما معًا، ونكتفي أخيرًا بذكر هذا المثال:
■ في عام ١٤١٥م أحرقت الكنيسة ((جون هس)) أعظم واعظ
بالإنجيل في بوهيميا، وقد كان رئيسًا لجامعة براغ التي كانت آنذاك أعظم
جامعات أوروبا بعد باريس وأوكسفورد. ولقد أدين أمام مجمع
كونستانس (١٤١٤ - ١٤١٨ م) بتهمة الهرطقة وعومل في السجن بوحشية
ثم أحرق حيًّا !.
الطب عندهم من المضحكات المبكيات:
قال الدكتور ((ماكس مايرهوف)) المستشرق الألماني عن حالة
المستشفيات في أوروبا في العصر الذي كانت فيه المستشفيات في حضارتنا
كما وصفناها .. قال الدكتور ((ماكس)): ((إن المستشفيات العربية ونظم
الصحة في البلاد الإسلامية الغابرة لتلقي علينا الآن درسًا قاسيًا مرَّا لا
نقدره حق قدره إلّا بعد القيام بمقارنة بسيطة مع مستشفيات أوروبا في
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/