Indexed OCR Text

Pages 541-560

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٥٤١
وكلّ حال صَحِبَه تأثير في نصرة دينه ، والدعوة إليه فهو منّة ،
وإلّا فهو حجّة .
وكلّ مالٍ اقترن به إنفاقٌ في سبيل الله وطاعته ، لا لطلب الجزاء
والشكور ، فهو منّة ، وإلّا فهو حجَّة .
وكل فراغٍ اقترن به اشتغال بما يريد الربُّ مِن عبده فهو مِنّة عليه ،
وإلّا فهو حجة .
وكلّ قبول في الناس ، وتعظيمٍ ومحبةٍ له ، اتصل به خضوع للربِّ
وذلّ وانكسارٌ ، ومعرفة بعيْب النفس والعمل ، وبذل النصيحة للخلق ؛ فهو
منّة ، وإلّا فهو حجَّة .
وكلّ بصيرة وموعظةٍ وتذكير وتعريف من تعريفات الحقّ سبحانه
إلى العبد اتصل به عِبرةٌ ، ومزيدٌ في العقل ، ومعرفةً في الإِيمان ؛ فهي منّة ،
وإلَّ فهي حجة .
وكلّ حال مع الله تعالى ، أو مقام اتصل به السير إلى الله ، وإيثار مراده
على مراد العبد ؛ فهو منّة من الله ، وإنْ صحبَه الوقوف عندَه والرضا به ، وإيثار
مقتضاه ، من لذّة النفس به ، وطمأنينتها وركونها إليه ؛ فهو حجّة .
فليتأمَّل العبد هذا الموضع العظيم الخطير ، ويميّز بين مواقع المنن
والمِحن ، والحُجَجِ والنعم ، فما أكثر ما يلتبس ذلك على خواصّ الناس
وأرباب السلوك .
الرُّكن الثاني مِن أركان المُحَاسَبة :
أنْ تميّز ما للحقّ عليك ؛ من وجوب العبودية والتزام الطاعة ، واجتناب
المعصية ، وبين ما لك وما عليك . فالذي لك : هو المباح الشرعي . فعليك
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٥٤٢
حق ، ولك حقّ . فأدِّ ما عليك يؤتِكَ ما لك .
الركن الثالث :
(( أن تعرف أنَّ كلَّ طاعة رضيتَها منك فهي عليك ، وكلّ معصية
عَّرتَ بها أخاك فهي إليك)).
فرضاء العبد بطاعته دليل على حسن ظنّه بنفسه ؛ وجهله بحقوق
العبودية .
فجهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله ، وجهله بربه وحقوقه
وما ينبغي أن يعامل به ؛ يتولّد منهما رضاه بطاعته ، وإحسان ظنّه بها ،
ويتولّد من ذلك - من العجب والكبر والآفات - ما هو أكبر من الكبائر
الظاهرة ؛ من الزنا وشرب الخمر والفرار من الزحف .
فالرضا بالطاعة من رُعونات النفس وحماقتها ، وأرباب العزائم والبصائر
أشد ما يكونون استغفارًا عُقَيْبَ الطاعات ، لشهودهم تقصيرهم فيها ، وترك
القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه .
فبعد الصلاة لأرباب العزائم استغفارٌ؛ ففي الصحيح أن النبي عَوضبيم
كان إذا سلم من الصلاة استغفرَ ثلاثًا، ثم قال: (( اللهمَّ أنت السلامُ ، ومنك
السلامُ ، تباركتَ يا ذا الجلال والإِكرام )).
وبعد صلاة الليل استغفار ؛ قال تعالى: ﴿ والمستغفرين بالأسحار
الآية [ آل عمران: ١٧ ].
وبعد إفاضتهم مِن عَرَفاتٍ استغفارٌ؛ قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أفضْتُمْ مِن
عَرَفَاتٍ فاذكُرُوا اللهَ عندَ المَشْعَرِ الحرامِ واذْكُرُوهُ كمَا هداكُمْ وإنْ كُمْ
مِن قبلهِ لَمِنَ الضالِّينَ * ثُمَّ أفيضُوا مِن حيثُ أفاضَ الناسُ واستغفرُوا اللهَ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٥٤٣
إِنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ ﴾ [ البقرة : ١٩٨ - ١٩٩ ].
وخاتمة الوضوء استغفار؛ ((سبحانك اللهمَّ وبحمدك ، أشهد أن
لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك، اللهمَّ اجعلني من التوابين واجعلني
من المتطهرين )).
وبعد أداء الرسالة والقيام بأعبائها أمر الله رسولنا عَ ◌ّةٍ بالاستغفار ؛
فقال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي
دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا ﴾ [ النصر:
١ - ٣ ] .
فهذا شأن مَن عرف ما ينبغي لله ، ويليق بجلاله من العبودية وشرائطها ،
لا جهلَ أصحاب الدعاوي وشطحاتهم .
وقال بعض العارفين : متى رضيتَ نَفْسَكَ وعملَكَ الله ، فاعلمْ أنه
غير راضٍ به ، ومَن عرف أن نفسه مأوى كلِّ عيب وشرّ، وعمله عُرْضة
لكلّ آفة ونقْص، فكيف يرضى الله نَفْسه وعمله ؟!
والله دَرُّ الشيخ أبي مَدْيَنَ حيث يقول : مَنْ تحقّق بالعبودية نظر أفعاله
بعْيْن الرياء ، وأحواله بعين الدعوى ، وأقواله بعين الافتراء .
وكلّما عظم المطلوب في قلبك، صغُرَتْ نفسك عندك، وتضاءَلَتْ القيمة
التي تبذلها في تحصيله ، وكلّما شهدتَ حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية ،
وعرفتَ الله وعرفت النفسَ ، وتبيَّن لك أن ما معك مِن البضاعة لا يصلح
للمَلِك الحقّ ، ولو جئتَ بعمل الثقلّيْن خشيتَ عاقبته ، وإنما يقبله بكرمه
وجوده وتفضُّله ، ويُثيبك عليه أيضًا بكرمه وجوده وتفضله .
قال ابن القيم: (( التوبة بين محاسبتَيْن ، محاسبةٍ قبلها تقتضي وجوبها ،
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٥٤٤
ومحاسبةٍ بعدها تقتضي حفظها ))(١).
صفحاتٌ عَطِرَة في أقوال السلف عن المحاسَبَة وعلوِّ همَّتهم فيها :
عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمعتُ عمر بن الخطاب
رضي الله عنه يومًا وخرجتُ معه ، حتى دخل حائطًا ، فسمعتُه يقول -
وبيني وبينه جدار ، وهو في جوف الحائط - : عمرُ بن الخطاب أميرُ
المؤمنين ! بَخٍ(٢) ! واللهِ لَتقينّ اللهَ ابنَ الخطّاب، أو لَيعذبنْكَ(٣).
أبو الدرداء رضي الله عنه :
قال رضي الله عنه: (( لا يفقه الرجل كلّ الفقهِ حتى يمقُتَ الناس
في جَنْب الله ، ثم يرجع إلى نفسه ، فيكون لها أشدَّ مقتًا))(٤).
وفي الزهد لأحمد: قال أبو الدرداء: ((إنك لا تفقهُ كلَّ الفقه حتى
ترى للقرآن وجوهًا ، وإنك لا تفقه كلّ الفقه حتى تمقُتَ الناسَ في جنبِ الله ،
ثم ترجع إلى نفسك ، فتكون لها أشدَّ مقتًا منك للناس )) .
الأَحْتَفُ بنُ قَيْس :
عن سلمة بن منصور ، عن مولَّى لهم ، كان يصحب الأحنف بن
قيس، قال: ((كنتُ أصحبه ، فكان عامّة صلاته الدعاء ، وكان يجيء
(١) مدارج السالكين ١ / ١٦٩ - ١٧٦ بتصرف .
(٢) اسمُ فعل يُقال عند الرضا بالشيء .
(٣) إسناده صحيح متصل ، موقوف على عمر رضي الله عنه ، أخرجه أحمد في
الزهد ، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس .
(٤) محاسبة النفس لابن أبي الدنيا صـ ٤٦، تحقيق: مجدي السيد إبراهيم - مكتبة القرآن .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٥٤٥
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
بالمصباح ، فيضع أصبعه فيه ، ثم يقول : حَسْ . ثم يقول : يا حنيف ، ما
حملك على ما صنعتَ يومٍ كذا ؛ ما حملك على ما صنعتَ يوم كذا ؟ ))(١).
رحمك الله أبا بحر ، ولله درّ مَن قال فيك: ما رأيتُ أحدًا أعظم
سلطانًا على نفسه منه .
الحَسَنِ الْبَصْريّ :
قال الحسن في قوله تعالى: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّامَة ﴾ [ القيامة:
٢]: (( لا تَلقى المؤمنَ إلَّا يُعاتب نفسه: ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردتُ
بأكْلتي ؟ ماذا أردتُ بشرْبتي ؟ والعاجز يمضي قُدُمًا، لا يعاتب نفسه)).
وقال رحمه الله: رحمَ اللهُ عبدًا وقَفَ عند همِّه ؛ فإنْ كان لله مضى ،
وإن كان لغيره تأخّرَ .
وقال رحمه الله: ((المؤمن قوّام على نفسه ، يُحاسب نفسه لله عز
وجل ، وإنما خفّ الحسابُ يوم القيامة على قوم حاسَبوا أنفسهم في الدنيا ،
وإنما شقَّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر مِن غير محاسَبة .
إنّ المؤمن يفجأه(٢) الشيء ويعجبه ، فيقول : والله إني لأشتهيك ،
وإنك لَمِن حاجتي ، ولكن واللهِ ما من صلة إليك ، هيهاتَ ! حِيل بيني
وبينك . ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه ، فيقول : هيهات ! ما أردتُ
إلى هذا ، وما لي ولهذا ؟! ما أردتُ إلى هذا، وما لي ولهذا ؟! والله ما أُعْذَر
بهذا ، والله لا أعود إلى هذا أبدًا إن شاء الله .
إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن ، وحال بينهم وبين هلَكَتهم . إنّ المؤمن
(١) صفة الصفوة ٣ / ١٩٩، والإِحياء ٥ / ٣٩٢، ومحاسبة النفس صـ ٣٦.
(٢) يفجأه الشيء: يأتيه على بَعْتَة وغفلة.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٥٤٦
أسير في الدنيا ، يسعى في فِكَاك رقبته ، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله ،
يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه ، وفي بصره ، وفي لسانه ، وفي جوارحه ،
مأخوذ عليه في ذلك كلّه))(١).
وقال رحمه الله : ((حادثوا هذه القلوب ؛ فإنها سريعة الذنوب ،
واقرعوا هذه الأنفُس ؛ فإنها طلعة ، وإنها تنازع إلى شرِّ غايةٍ ، وإنكم إن
تعاونوها لا تُبقي لكم من أعمالكم شيئًا ، فَتَصَبَّرُوا وتَشَدَّدُوا؛ فإنما هي
أيام قلائل ، وإنما أنتم رَكْب وُقُوف ، يوشك أن يُدعَى الرجل منكم فيجيب
ولا يَلْتَفُّ، فانتقلوا بصالح ما بحضرتكم))(٢).
وقال: ((ابنَ آدم ، عن نفسك فكايسْ ؛ فإنك إنْ دخلتَ النار لم
تَنْجَبِرْ بعدها أبدًا )).
وقال : المؤمن في الدنيا كالغريب ، لا ينافس في عزّها ، ولا يجزَع
مِن ذَلِّها ، للناس حال وله حال ، الناس منه في راحة ، ونفسه منه في شغل .
وقال : إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته لا يأمن شيئًا
حتى يلقى الله تبارك وتعالى(٢).
قَتَادَةُ رحمه الله :
قال قتادة في قول الله تعالى: ﴿ وَكانَ أمُرُهُ فُرُطًا﴾ الآية [ الكهف:
٢٨ ]: (( أضاع أكبر الضيعة ، أضاع نفسه ، وعسى مع ذلك أن تجده
(١) محاسبة النفس صـ ٣٨ - ٣٩، وصفة الصفوة ٣ / ٢٣٤، والإِحياء ٥ /
٩٣٢، وإغاثة اللهفان ١ / ٩٥، والحلية ٢ / ١٥٧.
(٢) الحلية ٢ / ١٤٤، وصفة الصفوة ٣ / ٢٣٦، ومحاسبة النفس صـ ٦٢ .
(٣) الحلية ٢ / ١٥٧ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٥٤٧
حافظًا لماله ، مُضَيِّعًا لدينه)) (١).
مَیْمُون بنُ مهران :
قال رحمه الله: ((لا يكون الرجل تقيًّا حتى يكون لنفسه أشدَّ محاسبةً
مِن الشريك لشريكه ))(٢).
وقال رحمه الله: ((التقّ أشدُّ محاسبة لنفسه من سلطانٍ عاصٍ ، ومن
شريك شحيح)) (٣).
مالِكُ بنُ دِینار :
قال رحمه الله: ((رحم اللهُ عبدًا قال لنفسه النفيسة : ألستِ صاحبة
كذا ؟ ألست صاحبة كذا ؟ ثم ذمّها ، ثم خطَمها ، ثم ألزمها كتاب الله ،
فكان لها قائدًا))(٤).
(( وكان - رحمه الله - يقول لنفسه : إني والله ما أريدُ بك إلّا الخير.
مرتین )»(*).
إبراهيمُ التَيْمي :
((أنت في الأمنية فاعملي)):
(( قال سفيان بن عُيينة : قال إبراهيم التيمي : مثّلتُ نفسي في الجنة
(١) محاسبة النفس ٢ / ٣٢ .
(٢) الحلية ٤ / ٨٩، ومحاسبة النفس ٣٣ .
محاسبة النفس صـ ٣٤، والإحياء ٥ / ٣٩٢، وإغاثة اللهفان ١ / ٩٥ .
(٣)
(٤) الإِحياء ٥ / ٣٩٢، وإغاثة اللهفان ١ / ٩٦، ومحاسبة النفس صـ ٣٤.
وخطَمَها : أي قادها بكتاب الله ، فالخطام : هو الحبل الذي يُقاد به البعير .
(٥) محاسبة النفس صـ ٦٣ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٥٤٨
آكُلُ مِن ثمارها، وأشرب مِن أنهارها ، وأعانق أبكارها ، ثم مثلتُ نفسي في
النار آكل من زقّومها ، وأشرب من صديدها ، وأعالج سلاسلها وأغلالها ،
فقلتُ لنفسي : أي نفسي ، أَّ شيءٍ تريدين ؟ قالت : أريد أن أُردّ إلى
الدنيا، فأعملُ صالحًا. قال: فقلتُ: فأنتِ في الأمنية فاعملي))(١).
الحجّاج الثقفي :
((ما زال يقول: امرءًا. حتى أبكاني)):
قال مالك بن دينار: ((سمعتُ الحجّاج يخطبُ ويقول: امرءًا وزَن
نفسه ، امرءًا اتخذ نفسه عدوًّا، رحم الله امرءًا حاسَب نفسه قبل أن يصير
الحساب إلى غيره ، امرءًا آخذٌ بعنان عمله ، فنظر أين يريد ؟! امرءًا نظر
في مكياله ، امرءًا نظر في ميزانه . فما زال يقول: امرءًا. حتى أبكاني)).
ويا ليت الحجّاج عمل بهذا .. فقد مضى إلى لحده وإلى ربّه سفَّاكًا
غشومًا جبّارًا ظالمًا، لو تخابثتِ الأمم ، فجاءت كلّ أمّة بخبيثها وجئْنا به ،
لُفُقْناهم .
خطب الحجّاج يومًا فقال: (( يَأْيُّهَا الرجل ، وكلُّكم ذلكَ الرجل ،
ذمُّوا أنفسكم واخطموها ، وخذوا بأزمَّتها إلى طاعة الله ، وكفوها بخطمها
عن معصية الله )) .
وقال: ((رجل خطَم نفسه وذمّها ، فقادها بخطامها إلى طاعة الله ،
وعنجها(٢) بزمامها عن معاصي الله )).
(١) الزهد لأحمد ٤٣٤، والحلية ٤ / ٢١١، ومحاسبة النفس صـ ٣٤ .
(٢) أي: جذبها وشدّها إلى طاعة الله، بعيدًا عن المعاصي ، انظر : محاسبة النفس
صـ ٣٧ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٥٤٩
وَحِكْمة مِن آل داود :
((وساعةٍ يُحاسِب فيها نفْسَه)):
عن وهب بن منّهٍ قال: ((مكتوب في حكمة آل داود: حقٌّ على
العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعاتٍ : ساعةٍ يُناجي فيها ربّه ، وساعةٍ يحاسب
فيها نفسه ، وساعةٍ يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ، ويَصدقونه
عن نفسه ، وساعة يخلو فيها بين نفسه ، وبين لذّاتها ، فيما يحلّ ويحمد ،
فإنّ في هذه الساعة عوْنًا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب(١).
وحقّ على العاقل أن لا يُرَىُ ظاعِنًا(٢) إلا في ثلاث : زادٍ لميعاد ، أو
مرمةٍ لمعاش(٣) ، أو لذّة في غير محرّم .
وحقّ على العاقل أنْ يكون عارفًا بزمانه ، حافظًا للسانه ، مقبلًا على
شأنه ))(٤).
الأسْود بنُ كُلثوم :
قال حميد بن هلال : كان الأسود بن كلثوم إذا مشى نظر إلى قدميْه . قال :
ودور النساء إذ ذاك فيها تواضع ، فعسى أن يفجأ النسوة ، فيقول بعضُهن
لبعض : كلًّا ، إنه الأسود بن كلثوم ، إنه لا ينظر ، فلما قرب غازيًا ، قال :
اللهم إن هذه النفس تزعم في الرخاء أنها تحبّ لقاءك ، فإن كانت صادقةً
فارزقها ذاك ، وإن كانت كاذبة فاحملها عليه ، وإن كرهتْ فاجعلْ ذلك
(١) إجمامًا للقلوب: يعني ترويجًا وتخفيفًا لها .
(٢) ظاعنًا : يعني مسافرًا ومرتحلًا .
(٣) يعني : جلب ما يقتات به ، ويعيش عليه من طعام وشراب وملبس .
(٤) محاسبة النفس صـ ٣٦ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
:

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٥٥٠
قتلًا في سبيلك، وأطعمْ لحمي سباًا وطيرًا. قال : فانطلق في طائفة مِن
ذلك الجيش الذي خرج فيه ، حتى دخلوا حائطًا فيه ثلْمة (١)، وجاء
العدو حتى قام على الثلمة ، فنزل عن فرسه ، وضرب وجهه فانطلق غايرًا ،
ثم عمد إلى ماء في الحائط ، فتوضأ منه وصلّى . قال : تقول العجم :
هكذا استسلام العرب . فلما قضى صلاته قاتلهم حتى قُتل ، وعظم الجيش
ذلك على الحائط ، وفيهم أخوه ، فقيل لأخيه : ألا تدخل الحائط ، فتنظر
ما أصبتَ من عظام أخيك ، فتجبه (٢) ؟ قال : ما أنا بفاعل شيئًا دعا به
أخى (٣) ، فاستجيب له(٤).
ورجلٌ من الصالحين يقول لنفسه: لَأَعرضنَّكِ على اللهِ : أخَذَك أو تركَكِ :
قال عبد الله بن قيس أبو أمية الغفاري: ((كنا في غزوة لنا ، فحضر
عدوُّهم ، فصيح في الناس ، فهم يثوبون إلى مَصَافُهم ، وفي يومٍ شديد
الريح ، إذا رجل أمامي ، رأس فرسي عند عجز فرسه ، وهو يخاطب نفسه ،
فيقول : أي نفسُ ، ألم أشهد مشهد كذا وكذا ؟ فقلتِ لي : أهلك وعيالك ،
وأطعتُكِ فرجعتُ ؟ ألم أشهد مشهد كذا وكذا ، فقلتِ لي : أهلك وعيالك .
فأطعتُكِ فرجعتُ ؟ والله لأعرضتَّك اليوم على الله عزَّ وجل ، أخذكِ أو
ترككِ . فقلتُ : لأرمقنَّه اليوم ، فرمقتُه ، فحمل الناسُ على عدوّهم ، فكان
في أوائلهم ، ثم إنَّ العدو حَمَل على الناس ، فانكشفوا ، وكان في حُمَاتهم ،
ثم حملوا على عدوهم ، فكان في أوائلهم ، ثم حمل العدو ، وانكشف الناس ،
فكان في حُمَاتهم . قال : فوالله ، ما زال ذلك دأبه حتى رأيتُه صريعًا ،
(١) يعني : ثغرة .
(٢) يعني : تحضر ما بقي من جسده .
(٣) وهو أن يطعم الله لحمه للسباع والطير .
(٤) الزهد لأحمد ٢٥٦، وصفة الصفوة ٣ / ٢٩١، ومحاسبة النفس صـ ٤٦.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٥٥١
فعددتُ به وبدابّتِهِ ستين، أو أكثر من ستين طعنةً ))(١).
ابنُ رَوَاحَة وشدَّةُ محاسبته لنفسه :
لما قُتِلَ جعفر بن أبي طالب ، دعا الناسُ : يا عبد الله بن رواحة،
يا عبد الله بن رواحة . وهو في جانب العسكر ، ومعه ضلْع جملٍ منهشة(٢) ،
ولم يكن ذاق طعامًا قبل ذلك بثلاث ، فرمى بالضِّلع ، ثم قال : وأنت مع
الدنيا ؟! ثم تقدّم فقاتل ، فأصيبت أصبعه ، فارتجز ، فجعل يقول :
وفي سبيلِ اللهِ ما لِقِيتِ
هَلْ أنت إلَّا أصبعٌ دميتِ
هذا حياضُ الموتِ قد صليتٍ
يا نفسُ إلَّا تُقْتلي تموتي
إنْ تفعلي فِعْلها هديتِ
وما تمنيتِ فقد لقيتِ
وإن تأخرتي فقدْ شقيتي
ثم قال : يا نفسي ، إلى أي شيءٍ تتشوقين ؟ إلى فلانة ، فهي طالق
ثلاثًا ، وإلى فلان وفلان - غلمان له - وإلى معجف - حائط له - فهو لله
ولرسوله .
أُقْسِمُ بِاللَّه لَتَنزِلِنَّهْ
يا نفسُ مالك تكرهينَ الجنَّهْ
فطالَ ما قَدْ كُنْتِ مطمئنَّة
طائعةً أو لتُكْرِهِنَّةْ
قد أجلبَ النَّاسُ وشدُّوا الرَّةُ(٣)
هَلْ أنتِ إلَّا نطفةٌ فِي شَنَّهُ
عابدةٌ لا ترى قدمَيْها أهلًا للطَّوافِ حوْلَ الكعبة :
قال وهيب بن الورد: ((بينما امرأةٌ في الطواف ذاتَ يوم وهي تقول :
(١) محاسبة النفس ص ٤٥ .
(٢) يعني : جمل قليل اللحم ، والضلع من الحيوان : هي عظام الجنبين .
(٣) محاسبة النفس صـ ٤٣، والحلية ١ / ١٢٠ - ١٢١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٥٥٢
يا رب ، ذهبتِ اللذات وبقيت التبعات . يا رب ، سبحانك وعَّتك إِنَّك
لأرحم الراحمين . يا ربّ ، ما لك عقوبة إلا النار ! فقالت صاحبة لها
كانت معها : يا أُخيَّة ، دخلتِ بيتَ ربِّكِ اليوم . قالت : والله ما أرى هاتَين
القدمَين - وأشارت إلى قدميها - أهلًا للطواف حول بيت ربي ، فكيف أراهما
أهلًا أطأُ بهما بيتَ ربي، وقد علمتُ حيث مشيَتَا، وإلى أين مشيتا))(١).
عطاء السليمي :
عن إبراهيم بن أدهم قال: ((كان عطاء السليمي إذا استيقظ قال :
ويحك يا عطاء، ويحك يا عطاء، وأبيك يا عطاء، وأمك يا عطاء . حتَّى
(٢)
يصبح ))(٢).
ضَيْغَم بن مالك :
((احذر نفسَك على نفسِك)):
قال أبو أيوب مولى ضيغم بن مالك: (( قال لي أبو مالك يومًا : یا
أبا أيوب ، احذر نفسَك على نفسِك ؛ فإني رأيتُ هموم المؤمنين في الدنيا
لا تنقضي ، وايمُ الله، لئنْ لم تأتِ الآخرة المؤمن بالسرور ، لقد اجتمع
عليه الأمران ؛ هُمُّ الدنيا ، وشقاءُ الآخرة . قال : قلتُ : بأبي أنت وأمِّي ،
وكيف لا تأتيه الآخرة بالسرور ، وهو ينصب لله في دار الدنيا ويدأب ؟!
قال : يا أبا أيوب ، فكيف بالقبول ؟ وكيف بالسلامة ؟ قال : ثم قال :
كم من رجل يرى أنه قد أصلح شأنه ، وقد أصلح قُربانه ، قد أصلح همته ،
قد أصلح عملَهُ ؛ يُجمع ذلك يوم القيامة ثم يُضرب به وجهُه))(٣).
(١) الحلية ٨ / ١٥٠، ومحاسبة النفس صـ ٥٠ .
(٢) محاسبة النفس صـ ٦٨ .
(٣) صفة الصفوة ( ٣ / ٣٦٠)، ومحاسبة النفس صـ ٦٨ - ٦٩ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٥٥٣
وهب بن منبّه :
عن وهب بن منبّه قال : الإِيمان قائد ، والعمل سائق ، والنفس بينهما
حرون(١) ، فإذا قاد القائد ولم يسُقِ السائق، لم يُغنِ ذلك شيئًا . وإذا ساق
السائق ولم يقدِ القائد ، لم يغنِ ذلك شيئًا . فإذا قاد القائد وساق السائق ،
اتبعته النفس طوعًا وكرهًا وطابَ العمل(٢) .
قال عبد الرحمن بن زامرد الأزرق العدني - وكان عابدًا - :
لو قد دعاني للحساب حسيبي
ويلي وويحي مِن تتابعِ جُزْمي
إنْ كنتُ في الدنيا أخذتُ نصيبي
والويلُ لي ويلٌ أليمٌ دائمٌ
حذرًا يُهِيِّجُ عَبْرَتي ونحيبي(٢)
واستيقظي يا نفسُ ويحكِ واحذري
وقال الفُضَيْل بنُ عِياض في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلوا أَنْفُسَكُمْ ... ﴾
الآية [النساء: ٢٩]: لا تغفلوا عن أنفسكم ، ثم قال : مَن غفل عن نفسه
فقد قتلها .
عمرُ بنُ عبد العزيز :
عن عطاء قال : دخلتُ على فاطمة بنت عبد الملك ، بعد وفاة عمر
ابن عبد العزيز ، فقلت لها : يا بنت عبد الملك ، أخبريني عن أمير المؤمنين .
قالت : أفعل ، ولو كان حيًّا ما فعلت ، إنَّ عمر رحمه الله كان قد فَرَّغ
نفسه وبدنه للناس ؛ كان يقعد لهم يومه ، فإن أمسى وعليه بقيّة من حوائج
يومه وصله بليله ، إلى أنْ أمسى مساء وقد فرغ من حوائج يومه ، فدعا
بسراجه الذي كان يُسرج له من ماله ، ثم قام فصلى ركعتين ، ثم .....
(١) أي : واقفةٌ بينهما .
(٢) حلية الأولياء ٤ / ٣٠، وصفة الصفوة ٢ / ٢٩٥.
(٣) محاسبة النفس صـ ٧٢ - ٧٣ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٥٥٤
أقعلى (١) واضعًا رأسه على يده ، تسايل دموعُه على خدّه ، يشهق الشهقة،
فأقول : قد خرجتْ نفسه ، وانصدعتْ كبدُه . فلم يزل كذلك ليلته ، حتى
برق له الصبح ، ثم أصبح صائمًا . قالت : فدنوتُ منه فقلتُ : يا أمير
المؤمنين ، لشيءٍ ما كان قبل الليلة ما كان منك ؟ قال : أجل ، فدعيني
وشأني وعليك بشأنك . قالت: فقلت له: إني أرجو أن أتّعِظ . قال: إِذَا
أخبُرُكِ ؛ إني نظرتُ إلّ ، فوجدتُني قد وُلّيتُ أمر هذه الأمة ؛ صغيرها
وكبيرها وأسودها وأحمرها ، ثم ذكرتُ الغريب الضايع ، والفقير المحتاج ،
والأسير المفقود ، وأشباههم ، في أقاصي البلاد وأطراف الأرض ، فعلمتُ
أن الله مسائلي عنهم، وأن محمدًا عَّلِ حجيجي فيهم، فخفتُ أن لا يثبت
لي عند الله عذر، ولا يقوم لي مع رسول الله عَ ◌ِّ حجّة، فخفتُ على
نفسي خوفًا دمعتْ له عيني ، ووجِلَ له قلبي ، فأنا كلما ازددتُ لها ذكرًا
ازددتُ لهذا وَجَلًا، وقد أخبرتكِ فاتعظِي الآن أو دعي(٢).
عامُرُ بنُ عبدِ قیْسٍ :
((قومي يا مأوى كلِّ سُوءٍ)):
كان عامر بن عبد قيسٍ إذا صلّى العصر جلس ، وقد انتفخت ساقاه
من طول القيام ، فيقول : يا نفسُ ، بهذا أُمرتِ ، ولهذا خُلِقتِ ، يوشك
أن تذهب الغيابق(٣).
وكان يقول لنفسه : قومي يا مأوى كلّ سوء ، فوعزّة ربي لأزحفنَّ
بكِ زَحْفَ البعير ، وإن استطعتُ أن لا يمسَّ الأرض من .
(١) تساند إلى ما وراءه .
(٢) محاسبة النفس ص ٧٤ - ٧٥ .
(٣) في صفة الصفوة : يوشك أن يذهب العناء .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٥٥٥
زهمك(١) ، لأفعلنَّ. ثم يتلوّى كما يتلوى الحبُّ على المقلى ، ثم يقوم ،
فينادي : اللهمَّ إن النار قد منعتني من النوم ، فاغفر لي(٢).
وتعبّد رجل ببيت شعرٍ سمِعَه :
لِنفسي أبكي لستُ أبكي لغيرِهَا
مسروق بن عبد الرحمن :
لنفسي في نفسي عنِ الناسِ شاغُ
قيل لمسروق : لو أنك قصّرت عن بعض ما تصنع . أي : من العبادة ،
فقال: ((والله لو أتاني آتٍ من ربي ، فأخبرني أن الله لا يعذبني ، لاجتهدتُ
في العبادة . قيلَ : وكيف ذاك ؟ قال : حتى تعذرني نفسي ، إنْ دخلتُ
جهنم لا ألومها ، أمَا بلغكَ في قول الله تبارك وتعالى: ﴿ولا أُقسمُ بِالنَّفْسِ
اللَّامِةِ﴾ [ القيامة: ٢]، إنما لاموا أنفسهم ، حتى صاروا إلى جهنم واعتنقتْهم
الزبانية ، وحِيل بينهم وبين ما يشتهون ، وانقطعت عنهم الأماني ، ورُفعت
عنهم الرحمة، وأقبل كلّ امرئ منهم يلوم نفسه))(٢).
يزيدُ الرقّاشي :
قال يزيد الرقاشي: (( ابنَ آدم ، إنك رقيقٌ على الناس ، غليظٌ بعضُك
على بعض لو نُعي إليك بعضُ أهلك بكيتَ ، وأنت كلّ يومٍ تُنْعَى إليك
نفسُك لا تبكيها )).
وللهِ دَرُّ القائل :
كأنَّ بكفَّيْه أمانًا مِن الرَّدَى
فيبكي على مَيْتٍ ويغفلُ نفسَهُ
(١) الزّهم : يطلق على الشحم من الجسم .
الحلية ٢ / ٨٩، وصفة الصفوة ٣ / ٢٠٢، ومحاسبة النفس صـ ٧٧ .
(٢)
صفة الصفوة ٣ / ٢٥ ومحاسبة النفس صـ ٨٠ - ٨١ .
(٣)
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
٥٥٦
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
وما الميّتُ المقبورُ في صَدْرٍ يومِهِ أَحقُّ بأنْ يَبكِيهِ مِن مَّتٍ غدًا
قال أبو الحجاج المهدي : مَن جعل شهوته تحتَ قدمَيْه ، فَرَق
الشيطانُ من ظِلِّهِ .
عابٌ يحتسب غفلَتَه في نفسه وتقصيره في حظّه :
قال كلاب بن جري رأيتُ شابًّا ببيت المقدس ، قد عَمِشَ من طول
البكاء ، فقلت له : يا فتى ، كم تكون العين سليمة على هذا البكاء ؟ قال :
فبكى ، ثم قال : كم شاءَ ربي فلتكن ، وإذا شاء سيدي فلْتذهبْ ، فليستْ
بأكرمَ علّ من بدني ، إنما أبكي رجاء السرور والفرح في الآخرة ، وإن
تكن الأُخرى ، فهو والله شقاء الدهر ، وحزن الأبد ، والأمر الذي كنتُ
أخافه وأحذره على نفسي ، وإني أحتسب على الله غفلتي في نفسي ، وتقصيري
في حظّي . ثم غُشي عليه .
فقلتُ للدمعِ أَسعدْني فأسعدَني
إني أرقتُ وذكرُ الموتِ أَرّقني
قبلَ المماتِ ولمْ أرقُّ لها فَمَنٍ
إنْ لم أبكِ لنفسي مشعرًا حزنًا
ومَنْ يموتُ فمَا أولاهُ بِالحَزَنِ
يا مَنْ يموتُ ولم تحزِنْهُ ميتتُهُ
جدبُ الزمانِ لها بالوَهْنِ والعَفَنِ
إني لأَرْقعُ أثوابي ويخلِقُها
لمن أروحُ لِمَنْ أَغدو لِمَنْ لِمَنِ
لِمَنْ أَثْمِّرُ أموالي وأجمعُهَا
تحتَ الثرىُ تَرِبَ الخَدَّيْنِ والذَّقْنِ
لمنْ سيوقِعُ بي لَحْدي ويتركُني
وقال سوّار أبو عبيدة : قالتْ لي امرأة عطاء السليمي : عاتِبْ عطاء
في كثرة البكاء . فعاتبتُه ، فقال لي : يا سوار ، كيف تعاتبني في شيء ليس
هو إلَّي ، إني إذا ذكرتُ أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله عز وجل
وعقابه، تمثّلتْ لي نفسي بهم ، فكيف لنفسٍ تغلّ يدَها إلى عنقها ، وتسحب
في النار ؛ أن لا تصيح وتبكي ؟! وكيف لنفسٍ تُعذّب أن لا تبكي ؟! ويحك
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٥٥٧
يا سوار ! ما أقلّ عناء البكاء عن أهله ، إن لم يرحمهم الله عز وجل .
وقال أبو سليمان الداراني: وصفتُ لأختي ((عبدة )) قنطرةً من قناطر
جهنم ، فأقامت ليلة ويومًا في صيحةٍ واحدةٍ ، ما تسكت ، ثم انقطع عنها
بعدُ ، فكلما ذكرتُ لها صاحتْ صيحة واحدة ، ثم سكتت ، قلت : مِن
أيّ شيءٍ كان صياحها ؟ قال : مثّلت نفسها على القنطرة وهي تكفأ بها .
وكتب أبو الأبيض العابد إلى بعض إخوانه : أمّا بعد ، فإنك لم تُكلّف
من الدنيا إلَّا نَفْسًا واحدة ، فإن أنت أصلحتَهَا ، لم يضرّك فساد من فسد
بصلاحها ، وإن أنت أفسدتها لم ينفعْك صلاحٍ مَن صلح بفسادها ، واعلم
أنك لا تسْلَم من الدنيا حتى لا تبالي من أكْلها ، من أحمَر أو أسود .
أخي ، إنَّ النفوس رهائن يُكسبونها ، فاعملْ ؛ فإن فكاكَهنَّ الدَّأبُ.
زياد بن أبي زيادٍ يُخَاصِمُ نَفْسَه :
قال محمد بن المنكدر : (( إنِّي خلَّفتُ زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش ،
وهو يخاصم نفسه في المسجد ، يقول : اجلسي ، أين تُريدين ؟ أين تذْهبين ؟!
أتخرجين إلى أحسن من هذا المسجد ؟! انظري إلى ما فيه ، تريدين أن تبصري
دار فلان ودار فلان ودار فلان ؟ قال : وكان يقول لنفسه : وما لك من
الطعام يا نفس إلا هذا الخبز والزيت ، وما لك من الثياب إلّا هذان الثوبان ،
وما لك من النساء إلا هذه العجوز ، أفتحبّين أن تموتي ؟ فقالت : أنا أُصبر
على هذا العيش))(١).
توبةُ بنُ الصّمّة يحاسب نفسه ، فيُعْشَى عليه ويموت :
((كان توبة بن الصّمّة بالرقة ، وكان محاسبًا لنفسه ، فحسب فإذا
(١) محاسبة النفس ٩٣ - ٩٤ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٥٥٨
هو ابن ستين سنة ، فحسب أيامها ، فإذا هي واحدٌ وعشرون ألف وخمسمائة
يوم ، فصرخ وقال : يا ويلتى ، ألقى الملك بواحِدٍ وعشرين ألف ذنب ،
كيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب ؟! ثم خرَّ مغشيًّا عليه ، فإذا هو
ميت ، فسمعوا قائلًا يقول: يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى))(١).
لله دَرُّه !! ما أعلى همته !!
وليس لها في الخَلْقِ كلِّهم ثمنْ
أُثَامِنُ بالنفسِ النفيسة ربَّها
بشيءٍ مِنَ الدنيا فذلكمُ الغبنْ
بها تُمْلَكُ الدنيا فإنْ أنا بِعْتُها
لقد ذهبتْ نفسي وذهب الثمنْ
لئن ذهبتْ نفسي بدنيا أصبتُها
قال الحسن رحمه الله: (( أيسُرُ الناس حسابًا يوم القيامة ، الذين
يحاسبون أنفسهم في الدنيا ، فوقفوا عند همومهم وأعمالهم ؛ فإن كان
الذي همّوا به لهم مَضَوْا ، وإن كان عليهم أمسكوا . قال : وإنما ثقُلَ الأمرُ
يوم القيامة على الذين جازفوا الأمور في الدنيا ؛ أخذوها من غير محاسبة
فوجدوا الله عزّ وجلّ قد أحصى عليهم مثاقيلَ الذَّرّ، وقرأ ﴿ مَا لِهَذَا
الكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَاهَا﴾))(٢).
أخي ، كيف لا يُحاسِبُ عالي الهمّة العاقل نفسَه ، فيما يتعلّق به
خطَّرُ الشقاوة والسعادة أبد الآباد .
وينبغي أنْ يتقي غبينةَ النَّفْسِ ومكرَها ؛ فإنها خدّاعةٌ مُلبّسةٌ مكّارة ،
فليطالبها أولًا بتصحيح الجواب عن جميع ما تكلّم به طول نهاره ، وليتكفَّل
بنفسه من الحساب ما سيتولاه غيره في صعيد القيامة ، وهكذا عن نظره ،
بل عن خواطره وأفكاره ، وقيامه وقعوده ، وأكله وشربه ونومه ، حتى عن
(١) محاسبة النفس صـ ٦٧ .
(٢) محاسبة النفس صـ ٩٤ .
https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلوّ الهمة - المجلد الرابع
٥٥٩
سكوته أنه لِمَ سكت ؟ وعن سكونه لم سكّن ؟ فإذا عرف مجموع الواجب
على النفس ، وصحّ عنده قدر ، أدى الواجب فيه ، كان ذلك القدر محسوبًا
له ، فيظهر له الباقي على نفسه ، فليثبته عليها ، وليكتبه على صحيفة قلبه ،
كما يكتب الباقي الذي على شريكه على قلبه ، وفي جريدة حسابه .
ثم النفْسُ غريمٌ يمكن أن يستوفى منه الديون ؛ أمَّا بعضها فبالغرامة
والضمان ، وبعضها بردّ عينه ، وبعضها بالعقوبة لها على ذلك ، ولا يمكن
شيء من ذلك إلّا بعد تحقيق الحساب ؛ وتمييز الباقي من الحق الواجب
عليه ، فإذا حصل ذلك اشتغل بعده بالمطالبة والاستيفاء ، ثم ينبغي أن
يحاسب النفْس على جميع العمر ؛ يومًا يومًا ، وساعةً ساعة، في جميع
الأعضاء الظاهرة والباطنة ، كما نُقِلَ عن توبة بن الصمة ، فهكذا ينبغي
أنْ يُحَاسِبَ نفسه على الأنفاس ، وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كل
ساعة ، ولو رمى العبدُ بكلِّ معصية حجرًا في داره ، لامتلأتْ دارُه في
مدَّة يسيرة قريبةٍ مِن عمره ، ولكنَّه يتساهل في حفْظ المعاصي ، والملَكَان
يحفظان عليه ذلك، ﴿ أَحْصَاهُ اللهُ ونَسُوه ... ) الآية [المجادلة: ٦].
إزراؤهم على أنفسهم :
إذا ما اشتدَّ الصالحون في محاسبة أنفسهم ؛ مقتوا أنفسَهم ، ونظروا
إليها بعين النقص .
قال مطرّف بن عبد الله وهو بعرفة : اللهمّ لا تردّ الجميع من أجلي .
وقال بكر بن عبد الله المزني بعرفة : ما أحلى هذا الجمع ، لولا أني
فيهم .
وكان بكر رحمه الله إذا رأى شيخًا قال: هذا خير مني ، هذا عبد الله قبلي .
وإذا رأى شابًّا قال : هذا خير مني ، ارتكبتُ مِن الذنوب أكثر مما ارتكب .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عَلَوَ الهمة - المجلد الرابع
٥٦٠
وقال مالك بن دينار : إذا ذُكر الصالحون ، فأُفِّ لي وثُفِّ .
وقال أيوب السختياني : إذا ذكر الصالحون ، كنتُ عنهم بمعزِل .
وقال سفيان الثوري : جلست ذات يوم أحدّث ومعنا سعيدُ بن السائب
الطائفي ، فجعل سعيد يبكي حتى رحمتُه ؛ فقلت : يا سعيد ، ما يُبكيك
وأنت تسمعني أُذْكُرُ أهلَ الخيرِ وفعالهم ؟ قال : يا سفيان ، وما يمنعني
من البكاء ، وإذا ذكر مناقبُ أهل الخير ، كنتُ منهم بمعزلٍ . قال سفيان :
حُقَّ له أن يبكي .
وقال يونس بن عبيد : إني لأُعدّ مائة خصلة من خصال الخير ، ما
أعلم أن في نفسي واحدة منها .
وقال صلةُ بنُ أشيم : اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ، أوَ
مثلي يجترئ أنْ يسألك الجنَّة ؟ !.
وقال محمد بن واسع : لو كان للذنوب ريحٌ ، ما قدر أحد أن
يجلسَ إلَّي ، أو لو كانت للذنوب رائحة ، ما استطاع أحد أن يجالسني من
نَتَن رائحتي . ورأى رحمه الله ابنًا له وهو يخطر بيده ، فقال: ويحك !
تعالَ ، أتدري مَن أنت ؟ ◌ُمُّك اشتريتُها بمائتي درهم ، وأبوك ! فلا أكثر الله
في المسلمين ضْبَه . أو قال نحوه .
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز : يا أمير المؤمنين ، كيف أصبحت ؟
قال: أصبحت بطيئًا بطيئًا. متلوّثًا مِنَ الخطايا، أتمنَّى على الله الأماني(١).
ولقي مالك بن دينار ثابتًا البناني ، فقال له ثابت : يا أبا يحيى ،
كيف بك ؟ قال : كيف بمن هو ظاهرُ العيوب كثيرُ الذنوب ، مستورٌ على
(١) الحلية ٥ / ٢٨٧ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
i
1
i