Indexed OCR Text

Pages 21-40

ttps://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٢١
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
تلكَ النفوسُ الغالباتُ على العُلى والمجدُ يغلبها على شَهِوَاتها
الله دَرُكَ يا عاصم ! لَكأنك تصيح بدنيء الهمة مِنْ أمثال من يشتكي
منهم عصرُنا .
فما المجدُ إلا السيفُ والفتكةُ البِكرُ
ولا تحسبَنَّ المجدَ زِقًّا وقَيْنة
لِك الْهَبَوَاتِ السّودُ والعِسْكَرُ الْمَجْرُ(١)
وتضريبُ أعناقِ الملوكِ وأنْ تُرَى
تَداولَ سَمْعَ المرءِ أَنمُلُهُ العَشْرُ
وَتَرْكُك في الدنيا دَويًّا كأنَّما
جِبالُ وبحرٍ شاهدٍ أنني البحرُ
وكمْ مِن جبالٍ جُبْتُ تشهدُ أنني الْـ
لله دَرُّكَ يا عاصمٍ ! كم كان عميقًا إيمانُك بالقضاء والقدر وَسِرِّ اللهِ
فيه !
في «البصرة)) و((فارس)):
سار عاصم في جيشٍ عتبة بن غزوان الذي بعث به عتبة ، لإِنقاذ
جيش العلاء بن الحضرمي ، وَشَهِدَ عاصم كافّة معارك عتبة بن غزوان في
جنوبِّ العراق .
عاصم الفاتح :
بعد فتْح ((نهاوند))، عقد عمر - بنفسه - سبعة ألوية لسبعةٍ قادة ،
عَهِدَ إليهم بالانسياح في أرض فارس كلها ، وكان من بين هذه الألوية السبعة
لواءُ ((سجستان))، دفعه إلى عاصم، وأمّره على رأس قوةٍ من أهل البصرة ،
وأمدّه برجال من الكوفة ، منهم عبد الله بن عمير ؛ فعسكر عاصم قريبًا من
البصرة، ثم تحرّك إلى ((سجستان))، وهي أعظم من خراسان وأبعد فروجًا،
يقاتل أهلُها ((القندهار)) وأُممًّا
٠
(١) الهَبَوات: الغَبَرات. المَجْر : الكثير .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٢٢
كثيرة(١) ، وهي ناحية كبيرة وولاية واسعة ، كلّ ذلك يدلّ على أهمية
واجب عاصم ، وأن اختياره لهذا الواجب الخطير كان دليلًا على الثقة
البالغة بقيادته . والتقى عاصم بحُماةِ ((سجستان )) على تُخُوم بلادهم ، فلم
يثبتُوا للمسلمين ، بل انسحبوا إلى ((زَرنج)) عاصمة ولاية ((سجستان))،
فحاصرهم المسلمون فيها ، وبُّوا كتائبهم تتغلغل في المنطقة بأسْرها ، ولمّا
أيقن المحاصَرون أن طول الحصار لا يُجدِيهم نفعًا، طلبوا الصُّلح، على
أن تكون مزارع ((سجستان )) حمَّى لا يطوُها المسلمون(٢)، وبذلك فُتحت
ولايةُ ((سجستان)).
الله دَرُّكَ يا عاصم !!
ولا تزال منائر ((سجستان)) رافعةً رؤوسها شامخةً ، تذكر فاتحها
عاصمًا التميمي الصحابي الجليل رضي الله عنه .
الأحنفُ بن قَيْسِ التميمي فاتحُ ((قاشان)) و((خراسان))، أبو بحر ، سيِّدُ
أهل المشرق ، المسمَّى بغيْرِ اسمِهِ :
سيِّدٌ من سادات التابعين ، لمّا وفد على عمر بن الخطاب احتبسه عنده
حَوْلًا كاملًا، ثم قال له : ((هل تدري لِمَ حبستُك؟ إنّ رسول الله عَ له
خوّفنا كلَّ منافقٍ عليم ، ولستَ منهم إن شاء الله )). وقال له: (( يا أحنف،
قد بلوتُك وخبّرتك ، فلم أرَ إلّا خيرًا ، ورأيتُ علانيتك حسنة ، وأنا أرجو
أن تكون سريرتك مِثْلَ علانيتك)» ..
كان الأحنف سيدَ قومه؛ قال فيه معاوية : ((هذا الذي إذا غَضِبَ
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٢٥٦.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٢٥٦، وابن الأثير ٣ / ٧ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٢٣
غَضِبَ لغضبه مائةُ ألفٍ من بني تميمٍ ، لا يدرون فيمَ غَضِبَ ))(١).
قال فيه الشاعر :
إِذَا الأبصارُ أبصَرَتِ ابْنَ قِيسٍ
ظَلَلْنَ مهابةً مِنْهُ خُشُوعا
ضُرِبَ بحلمه المثلُ ، وكان رحمه الله من دهاة العرب ، وكان
رحمه الله عالي الهمّة ؛ فقد سمع الأحنفُ رجلًا يقول : ما أبالي أمُدحتُ
أَمْ ذُمِمْتُ، فقال له : ((لقد استرحتَ مِن حيثُ تَعِبَ الكرامُ)) (٢) ..
الله دَرُّكَ من سيدٍ ينطق بالحكمة !
أشار الأحنفُ على عُمر ، ورغّب إليه الانسياح في بلاد فارسٍ ،
فقال الأحنف: (( يا أمير المؤمنين ، إنك نهيْتَنَا عن الانسياح في البلاد ،
وإنّ مَلِكَ فارس بين أظهرهم ، ولا يزالون يقاتلون ما دام مَلِكُهم فيهم ،
ولم يجتمع مَلِكانِ مُتَّفقان حتى يُخرج أحدُهما صاحبَه، وقد رأيتُ أَنَّا لم
نُؤخذ شيئًا بعد شيءٍ إلا بانبعاثهم وغدرهم ، وإنّ ملكهم هو الذي يبعثهم ،
ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا بالانسياح ، فنسيح في بلادهم ونُزيل
ملكهم، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس)). فقال عمر: ((صدقتني والله)).
وَأَذِن في الانسياح في بلاد فارس(٣).
الفاتح :
عَرَفَ عُمُرُ الأحنفَ معرفةً شخصيةً ، فرأى منه عقلًا ودينًا ، كما برز
مجاهدًا في الحروب ، فدفع إليه لواءَ ((خراسان)) حين أذِنَ في الانسياح في
(١) وفيات الأعيان ٢ / ١٨٦ - ١٨٧، وشذرات الذهب ١ / ٢٨ .
(٢) وفيات الأعيان ( ٢ / ١٨٨).
(٣) الطبري ٣ / ١٨٤ - ١٨٥، وابن الأثير ٢ / ٢١٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
٢٤
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
بلاد فارس سنة سبع عشرة من الهجرة ، وقبل أن يتوجّه إلى خراسان شهد
مع أبي موسى فتْح ((قم))، ووجّهه أبو موسى إلى ((قاشان))، ففتحها
عَنوةً، ثم لَحِقٍ بأبي موسى الأشعري. وسار إلى خراسان، وكان ((يزدجرد))
قد قصد خراسان ، فأتى ((مرو )) فنزلها وبنى بيتًا للنار ، فدانَ له مَن فيها
من الفرس ، فكاتَب الهرمزانَ ، وأثار أهل فارس والجبال ، فسار الأحنف
حتى دخل خراسانَ من ((الطَّيسَين))، فافتتح ((هراة)) عَنوة ، وسار نحو
((مرو الشاهجان))، فكتب ((يزدجرد)) - وهو في ((مرْو الرّوذ)) - إلى
خاقان ملك الترك ، وإلى ملك ((الصغد))، وإلى ملك الصين ، يستمدهم.
وخرج الأحنف من مرو الشاهجان ، بعد أن وصلته إمداداتُ أهل الكوفة ،
فسار نحو ((مرو الروذ))، فلما سَمِعَ ((يزدجرد)) سار عنها إلى ((بلخ))،
وَقَدِمَ أهل الكوفة إلى ((بلخ)) وأتبعهم الأحنف ، فالتقى أهل الكوفة بيزدجرد
في ((بلخ)) فهزموه ، فما لَحِقَ الأحنف بأهل الكوفة إلا وقد فَتَحَ الله
عليهم. وتتابع أهل ((خراسان)) - ممن شذّ أو تحصّن - على الصلح ،
فيما بين ((نيسابور)) إلى ((طخارستان))، ممن كان في مملكة كسرى ،
وكتب الأحنفُ إلى عمر بن الخطاب بفتح خراسان ، فقال عمر عن
الأحنف : ((هو سيد أهل المشرق، المسمّى بغير اسمه )). وخشي عمر
أن يتقدم الأحنف بجنوده إلى ما وراء خراسان من أرض المشرق ، فكتب
إلى الأحنف : (( أما بعد ، فلا تَجُوزَنَّ النهر ، واقتصْرْ على ما دونه ، وقد
عرفتم بأي شيءٍ دخلتم على خراسان ، فداوموا على الذي دخلتم به يدمْ
لكم النصر ، وإياكم أن تعبروا فتنفضّوا )). وقد كان عمرُ رضي الله عنه
حصيفَ الرأي ، بعيدَ النظر ، فقد سار خاقان الترك في جنده ، ويزدجرد
معه، فعبروا النهر إلى ((بلخ))، واضطر جند الكوفة أن يتراجعوا منها إلى
((مْو الرّوذ))، ومِن ((بلخ)) تقدمتْ قوات ((خاقان)) وحلفائه باتجاه
الأحنف في ((مرو الروذ ))، وكان الأحنف قد خرج بقواته ليلًا من المدينة
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
٢٥
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
وعسكر خارجها، وفي الصباح جمع الناسَ وقال لهم: (( إنكم قليل ، وإن
عدوَّكم كثير ، فلا يَهُولنَّكم ؛ فكم من فِئةٍ قليلةٍ غلبتْ فئةً كثيرةً بإذن الله ،
والله مع الصابرين . ارتحِلُوا من مكانكم هذا ، فاسندوا إلى هذا الجبل ،
فاجعلوه في ظهوركم ، واجعلوا النهر بينكم وبين عدوّكم ، وقاتِلوهم مِن
وجهٍ واحد )) .
وهذه الفكرة أخذها الأحنف من فَمِ جنوده ليلًا وهو يتسمَّع ، فعمل
بها ، فلَّه دَرُّه من قائدٍ ! وكانت قوة الأحنف تُقدَّر بعشرين ألفًا : عشرة
آلافٍ من الكوفة ، وعشرة آلافٍ من البصرة . وأقبل الترك ، فكانوا
يُناوشون المسلمين نهارًا ويتنخّوْن عنهم ليلًا، فخرج الأحنف بنفسه -
ليلةً - طليعةً لأصحابه حتى كان قريبًا من معسكر ((خاقان)) الترك، فلمّا
تنفّس الصبحُ ، خرج فارسٌ من الترك بطوْقه ، وضرب بطبله ، فَحَمَلَ عليه
الأحنف ، فاختلفا ضربَتَيْن ، فطعنه الأحنف وهو يقول :
إنَّ على كلِّ رئيسٍ حقّا أنْ يَخضُبَ الصَّعْدَةَ أَوْ تَنْدِقًا(١)
إنّ لنا شيخًا بها مُلَقَّى سيفُ أبي حفصِ الذي تبقّى
وخرج فارسٌ تركّي ثانٍ، فأورده الأحنف حَتْفَهُ بطعنة نجلاءَ ، وهوَ
يرتجزُ :
ويمنَعُ الخلّاءِ إمَّا أربعُوا(٢)
إنّ الرئيسَ يَرْتبِي وَيَطْلعُ
(١) الصعدة: الرمح ، والمعنى: واجب كل أمير أن يقاتل حتى يُدمي رمحه أو يتحطمَ
من شدّة القتال .
(٢) يرتبي: يصعد الرابية. الخلاء: جمع خلّي ، وتميم تقول: خلّا فلان على اللبن
واللحم ، إذا لم يأكل معه شيئًا ولا خلط به . رَبَعَ المكانَ : أقام ، يريد : أن
واجب الرئيس أن يتحمل عِبْءَ الدفاع عن رجاله وحمايتهم .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٢٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
وخرج فارس تركِّي ثالث ، فأورده الأحنف مورد صاحبيْه وهو
يرتجز :
جرىُ الشَّمُوسُ ناجِزًا بِنَاجِزْ مُتْحفلا في جرْيِهِ مُشارِزٌ(١)
ثم انصرف الأحنف إلى عسكره ، وأعدّ رجاله للقتال ، ولكنّ الترك آثروا
العودة إلى ديارهم ؛ لأَنّ مقامهم لا جَدْوَىُ فيه ، ولأنّهم تكبّدُوا خسائر فادحةً
بالأرواح، وعَبَر (( يزدجرد )) معهم إلى بلاد الترك، وثار عليه الفُرْس لما
أراد أنّ يمضي بخزائن فارس إلى أرض الترك، وفرّ ((يزدجرد)) إلى
((فرغانة)) عاصمة الترك، وأقبل أهل فارس على الأحنف ، فصالحوه
وعاهَدوه ، ودفعوا إليه خزائن كسرى وأمواله ، فسار الأحنف بجند الكوفة
من ((مرو الروذ)) إلى ((بلخ))، فأنزلهم بها ، ثم عاد إلى مَقِرِّ قيادته في
((مرو الروذ ))، وكتب الأحنفُ إلى عمر بالفتح، فجمع عُمرُ الناسَ
وخطبهم ، وقرأ عليهم كتاب الفتح، وقال في خطبته: (( أَلَا إنّ الله قد
أهلك مُلك المجوسية ، وفّق شملهم ، فليسوا يملكون من بلادهم شبرا
يضُرُ بمسلم ، ألَّا وإنّ الله قد أورثكم أرضَهم وديارهم ، وأموالهم وأبناءَهم
لينظر كيف تعملون ، واللهُ بالتّ أمرَه ، ومنجزٌ وَعْدَه ومُتْبَعٌ آخِرَ ذلك
أوَّلَه ... )). وكان فتْح الأحنف لخراسان النذيرَ الصادق لانتهاءِ دولة
الأكاسرة مِن بني ((ساسان))، ونشْر راياتِ الإِسلام في تلك البلاد .
استعادة فتح خراسان :
ولمّا نكث أهلُ فارس العهد بعد عمر ، استعادَ عبد الله بن عامر فتح
بعض أرض فارس ، في أيام عثمان بن عفان ، وغزا خراسان وعلى مقدمته
(١) الشموس : الفرس التي تمنع ظهرها، مشارز: الشدة والقوة. يعني أنه يزجُ نفسَه
في الحرب بقوة واندفاع كما تندفع الشموس ، لا تلوي على شيءٍ في جريها الشديد .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٢٧
الأحنف، فأتى ((الطبسَين))، وهما حِصْنا وبابا ((خراسان))، فصالحه
أهلها، فسار إلى ((قهستان)) فلقيه أهلها ، وقاتلهم حتى ألجأ هم إلى حصنهم ،
فَقَدِمَ عليها عبدُ الله بن عامر وصالَحَ أهلها . ووجّه ابن عامر الأحنف إلى
((طخارستان))، فأتى إلى حصن ((مرو الروذ))، وله رستاقٌ(١) عظيم يُعرف
برستاق الأحنف ، فحصر الأحنف أهله ، فصالحوه على ثلاثمائة ألف درهم .
ومضى الأحنف إلى ((مرو الروذ )) ، فصالَحَ أهلها بعد قتالٍ شديد ، وسیّر
الأحنف سريةً، فاستولت على رستاق ((بغ))، وصالَحت أهله . وجمع له أهل
((طخارستان))، فاجتمع أهل ((الجوزجان)) و((الطالقان)) و((الفارياب))،
ومَن حولهم، فبلغوا ثلاثين ألفًا، وجاءهم أهل ((الصغاينان))، وهم من
الجانب الشرقي من نهر ((جيحون))، فالتقوا، وقاتل قتالًا شديدًا، فانهزمَ
الفرس وحلفاؤهم ، فطاردهم المسلمون ، وألحقوا بهم خسائر فادحةً
بالأرواح(٢).
وسيّر الأقرعَ بن حابس إلى (( الجوزجان)) فهزَم عدوّه ، وفتحوا
الجوزجان عَنوةً، واستعاد الأحنف فتْح (( الطالقان)) صلحًا، وفتح
((الفارياب))، ثم سار إلى ((بلخ)) فصالحه أهلُها . وهكذا استعاد الأحنف
فتْح خراسان مرةً ثانيةً .
رضي الله عن الأحنف ؛ فقد كان إمامًا في الحِلم ، إمامًا في الدهاء ،
إمامًا في رَجَاحة عقلِهِ ، إمامًا في وَرَعه ، إمامًا في عبقرية قيادته .. لقد كان
رجلًا في أُمَّة، وأُمَّة في رجل .. إنه سيدُ أهل المشرق، المسمَّى بغير
اسمه ، كما يقول الفاروق رضي الله عنه .
(١) مجموعة القرى .
(٢) الطبري ٣ / ٢٥٦، والبلاذري ٣٩٧.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
٢٨
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
عبدُ الله بنُ سعْد بنِ أبي سَرْحٍ ، الصحابِّ ، فاتحُ إفريقيَّة ( تونس ) :
كان عبد الله بن سعد بن أبي السرح قائدًا لميمنة عَمرو ، منذ توجّه
من ((قيسارية)) إلى أن فرغ من حروبه في مصر، وكان عَمرو يبعثه إلى
أطراف إفريقية غازيًا ، ويمدُّه بالجنود ، فيعود من غزواته ظافرًا غانمًا .
وولّاه عمر بن الخطاب صعيد مصر بعد فتحها ، ولمَّا تولَّى عثمانُ
رضي الله عنه الخلافة ، عزلَ عَمْرًا وولّى عبد الله مكانَه على مصر والصعيد .
فتحُ إفريقية :
يذكر التاريخ لعبد الله بن سعد فتحه لإِفريقية ؛ فلقد سار إليها في
جيش تعداده عشرون ألفًا ، سنة ستٍ وعشرين هجرية ، والتقى مع جيش
((جرجير)) - البالغ عددُه مائة ألفٍ وعشرون ألفًا - بـ ((عقوبة))، ونشبتْ
معركة حامية بين الطرفين .. ذكرنا خبرها في ترجمة عبد الله بن الزبير ، وقتل
فيها ابنُ الزبير ((جرجيرَ)) وأخذ ابنته سَبيَّةً.
فللَّه درُّ جيش العبادلة : ابن عباس ، وابن الزبير ، وابن عمرو ، وابن
عمر ، وابن جعفر .
وحاصر ابن سعد ((سُبَيْطلة))، ورأى فيها من الأموال ما لم يكن
في غيرها ، فكان سهم الفارس ثلاثة آلافٍ دينارٍ ، وسهْمُ الراجل ألف دينار ،
وبعث عبد الله جيوشه في البلاد، فبلغت ((قفصة))، فسبُوا وغنموا ، كما
سَيّر جيشًا إلى حصن «الأجم )) ، وقد احتمى به أهل تلك البلاد ، فحصروه ،
وفتحه بالأمان ، فصالحه أهل إفريقية على ألفي ألفٍ وخمسمائة ألفٍ دينار ،
وهذا ما يساوي ثلاثمائة قنطارٍ من ذهب ، وأرسل عبدُ الله بن الزبير إلى عثمانَ
بالبشارة بفتح إفريقية .
فرضي الله عن عبد الله بن سعد فاتح إفريقية سَهْلِهَا
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٢٩
وجَبلِها(١)؛ فلقد فتح الله على يديْه فتحًا عظيمًا (٢)، وأذلَّت تلك الواقعةُ
الُّومَ بإفريقية، وأصابهم رعبٌ شديد(٣). وكان فتحه لها فتحًا مستدامًا .
فأين الرجال؟! تولَّوْا، وبقي ((زَيْنُ العابدين))، واسمه منه بريءٌ.
ألقابُ مملكةٍ في غَيْرِ مَوْضِعِهَا كَالِهِرِّ يَحكي انْتفاخًا صَوْلَةَ الأسدِ
إي والله ... هذا اسمُهُ؛ ((زين العابدين)) :
وقادَ الأُسودَ سِرِبُ النعامِ
واستبدَّ الْبُغاثُ في ذِروة النَّسْرِ
في البوادي مِن مَوْطني المترامي
غارقاتٌ في سَكْرة الأحلامِ
وانحرافٌ عن دَرْبِهِ المتسامي
فهنيئًا لِعُصْبَةِ النُّوَّامِ
يا لقومي مِن ضَيْعَةِ الحُكَّامِ.
ترشُفُ العارَ مِن كئوسِ مدامٍ
وَرَمَوْا جَمعَها بِشَرِّ سِهَامٍ
وقطيعٌ يعتزّ بالعمِّ سامٍ
شاردُ اللُّبِّ حائِرُ الأفهامِ
مُلِئَتْ بِالغِنَاءِ والآثامِ
وعلى الذلِّ والمهانةِ نامي
في الجبالِ الشَّمَّاءِ مِن أرضٍ تونس
عربداتٌ مِن الطِّلَى ورؤوس
وضلالٌ عنِ الهدى وضياعٌ
نامَ فيكَ الرعاةُ حتَّى استكانُوا
وأقامُوا على الفجورِ وذُلُّوا
أُمَّةُ الذُّلِّ في ظلامِ الليالي
قسّموها قطعانَ ذَلِّ مَهِينٍ
فقطيعُ ((ميترانَ )) يحمي حِمَاهُ
وقطيعٌ باتَ الرغيفُ هَواهُ
ليسَ يدري مِنْ أمرهِ غیرَ دُنيا
أمة الفسقِ والمهانةِ قُومي
(١) النجوم الزاهرة ١ / ٧٩ .
(٢) تهذيب الأسماء واللغات
(٣) البيان المُغرب ٨/١.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٣٠
غَزْؤُه للُّوبة :
غزا عبد الله النوبة سنةً إحدى وثلاثين هجرية ، فقاتله الأساود من
أهل النوبة قتالًا شديدًا، فأصيبتْ عيونُ كثيرٍ من المسلمين ؛ قال الشاعر :
لمْ تَرَ عيني مثلَ يومٍ ((دُنْقُلَهْ))(١) والخيلُ تعدُو بالدُّروعِ مُثْقَلَةْ
وسأل أهل النوبة عبد الله بن سعد الهدنة ، فصالحهم على رقيقٍ
يُؤتُونه، وبعد دخول جيش المسلمين ((دنقلة)) و((مقرة))، بنى على باب
مدينة ملِكهم مسجدًا ، وشرط عليهم حفظه أبدًا ، ثم أسلمتْ النوبة والبجّة
كلهم .
في قُبْرُص :
كان لعبد الله فضْل كبيرٌ في فتحها مع فاتحها معاوية بن أبي سفيان ،
سنةً ثمانٍ وعشرين .
في غزوةِ ذاتِ الصَّوَارِي :
في سنة أربع وثلاثين هجريةً: غزا عبد الله غزوةَ: ((ذات الصواري))
في البحر ، من ناحية الإِسكندرية ، فلقيه قسطنطين بن هِرَقل في جمْع لم
تجمعِ الرومُ مثلَه مُذْ كان الإِسلام ، فخرجوا في خمسمائةِ مركبٍ أو ستمائة ،
والمسلمون في مائتي مركبٍ ، وكان في كلّ مركبٍ نصفُ شحنته ، إذْ قد
خرج النصف الآخر إلى البر للقتال في منطقة أُخرى ، وَقَدِمَ أهل الشام
وعليهم معاوية بن أبي سفيان ، وعلى البحر عبد الله بن سعد ، وكانت الريح
على المسلمين لمّا شاهدوا الروم ؛ فأرسى المسلمون والروم وَسَكَنَتِ الريحُ ،
فقال المسلمون : الأمان بيننا وبينكم . فباتوا ليلتهم ، والمسلمون يقرءون
(١) مدينة كبيرة في بلاد النوبة .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٣١
القرآن ويصلّون ، وأصبحوا وقد أجمع الروم أن يقاتلوا ، فقرّبُوا سفنهم ،
وقّب المسلمون سفنهم ، فربطوا بعضها إلى بعض ، وصفّ عبد الله بن
سعد المسلمين على نواحي السفن ، وجعل يأمرهم بقراءة القرآن ويأمرهم
بالصَّبر ، واقتتل الطرفانِ بالسيوف والخناجر ، فَقْتِلَ مِن الروم بَشَرٌ كثير ،
وقُتِلَ من الروم ما لا يُحصى ؛ وصبر المسلمون يومئذٍ صبرًا لمْ يصبروا
مثلَه في مَوْطن قطُّ ، فجُرح قسطنطين ملك الروم وقائدهم في هذه
المعركة ، فانهزموا ولم يَنْجُ منهم إلا الشَّرِيدُ . وفي هذه المعركة تعرضت
حياة عبد الله لخطرٍ داهمٍ ؛ فقد قَرَنَ مركبَه بمركبٍ مِن مراكبِ الروم ،
فكاد مركب العدو يجرُّ مركبَ عبد الله إليهم ، إلا أنّ أحد رجاله ضرب
السلسلة التي تربط المركبيْن بالسيف فقطعها ، وبذلك نجا عبد الله من
الموت أو الأسر. لقد أظهر عبد الله في معركة (( ذات الصواري))(١)
بطولةً فائقة ، تلك الغزوة التي أبعدت خطر الروم ، بعد اندحارهم عن مصر
وأرض الشام . ومات القائد ، الذي قضى سبعَ سنواتٍ من مدة حكمه مصر
غازيًا ، وثلاث سنوات بين أهله ..
ودعا ابن أبي السرح: ((اللهمّ اجعل خاتمتي على صلاة الصبح)).
فلما طلع الفجر - من يوم وفاته - توضأ ، ثم صلّى الصبح ؛ فقرأ في
الركعة الأولى بفاتحة الكتاب و((العاديات)) ، والثانية بأم القرآن وسورةٍ ،
ثم سلّم عن يمينه ، ثم ذهب ليُسلِّم عن يساره ، فقبض اللهُ رُوحه ، سنةً
ستٍ وثلاثين(٢). فرضي الله عنه ، وما أطيب خاتمته من خاتمةٍ !!
(١) سُمِّيت بذلك لكثرة صواري المراكب واجتماعها .
الروض الأنف ٢ / ٢٧٤، وتهذيب الأسماء واللغات ١ / ٢٧٠، والإصابة ٤ /
١١، والكامل لابن الأثير ٣ / ١١٤ .
(٢)
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٢
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
القائد الصالح مجابُ الدعوة: عقبةُ بنُ نافعٍ، فاتحُ ((زويلة))
و((غدامس))، وبعض كُور السودان، و((فزّان))، وعامّة بلاد البربر
و((باغاية))، وبلاد ((الزاب)) و((طنجة))، و((السوس الأدنى))
و((السوس الأقصى)) ومُختَطُّ ((القَيْروان)):
١ - في مصر وليبيا :
شهد عقبةُ فتح مصر تحت لواء عمرو ، وبرزت مواهبُه القياديّة بصورةٍ
مبكّرة حينذاك ؛ بعثه عمرو بن العاص على رأس جيش إلى ((زَويلة))،
فافتتحها صُلْحًا وصار ما بين ((برقة)) و((زويلة)) - سلمًا - للمسلمين(١).
ولقد كان عقبة على رأس حامية برقة ، يحمي الحدود الغربية لمصر ،
وحافَظَ عقبة على تلك المنطقة ، حتى في أخطر الظروف والأحوال ، وحَمَاها من
الروم ، وأصبحت قاعدةً متقدمة للمسلمين ، ينطلقون منها إلى فتح إفريقية .
٢ - مِن ليبيا إلى القيْروان :
في سنة إحدى وأربعين هجرية استعمل عمرو بن العاص عقبة على
إفريقية، فانتهى إلى ((لُوَاته ))(٢) وكانوا قد صُولِحوا ، فنقضُوا عهدَهم زمنَ
معاوية بن أبي سفيان، فغزاهم عقبةُ، فتنحَّوْا ناحيةَ ((أطرابلس)) ، فقاتلهم
عقبةُ حتى هزمهم ، فسألوه أن يصالحهم ويعاهدهم ، فأبى عليهم وقال :
((إنه ليس لمشركٍ عهدٌ عندنا؛ إنَّ الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿ كيفَ
يكونُ للمشركينَ عهدٌ ﴾ [ التوبة: ٧]، ولكنْ أبايعكم على أنكم تُوفوني
ذمّتي ، إنْ شئنا أقررناكم، وإنْ شئنا بعناكم)) .
(١) المغرب في حُلى المغرب ١ / ٤٥، والطبري ٣ / ٢٢٧.
(٢) من أشهر قبائل البربر .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٣٣
وعقد عمرو لعقبة على ((هَوّارة)) (١)، فأطاعوهُم و((لواته)) ثم
كفروا ، فغزاهم عقبة من سنته ، فَقَتَل وسَبى .
وفي سنة اثنتين وأربعين الهجرية افتتح عقبة ((غدامس))، وقتل وسبى،
وفي سنة ثلاث وأربعين افتتح كور (٢) من السودان، وافتتح ((ودان))
ثانية ، وهي من برقة ، وذلك سنة ستٍ وأربعين ، فقد خرج عقبة إلى
((ودان )) في أربعمائة فارس ، وأربعمائة جمل ، وثمانمائة قِريةِ ماءٍ ، على
كُلِّ جملٍ قربتان ، فلما وصلها ، أبى أهلها إلا العصيان وعدم الطاعة ،
فحاربهم عقبة حتى أخضع البلاد بلدًا بلدًا ، وقبض على ملكهم فجدَع
أُذَنَه، فقال: ((لِمَ فعلت هذا بي؟! )) فقال عقبة: ((فعلتُ هذا بك أدبًا
لك، إذا مَسَسْتَ أذنَك ذكرته فلا تحارب العرب !! ))
لله دَرُّكَ يا عقبة ! فهذه عِزّة القائد المسلم .
واستخرج منهم ما كان بُسْر بن أبي أرطاة فرضَه عليهم سنة ثلاثٍ
وعشرين هجرية ، ثلاثمائة رأسٍ وستين رأسًا من العبيد، ولمّا استتبَّ الأمرُ
لعقبة في بلاد ((ودّان))، سأل عقبةُ أهلها: ((هل من ورائكم مِن أحدٍ؟)).
فقيل: ((جرمة))(٣). فسار إليها ثماني ليالٍ من ((ودّان))، فلمّا دنا منها
دعا أهلها إلى الإِسلام ، فأجابوا ، فنزل منها على ستة أميالٍ ، وخرج
ملكهم يريد عقبة ، فأرسل عقبة خيلًا ، فحالت بين ملكهم وبين موكبه ،
فأمشَوْه راجلًا، حتى أتى عقبة وقد لَغِبَ - وكان ناعمًا - فجعل يبصُق
الدم، فقال له : ((لِمَ فعلتَ هذا بي؛ وقد أتيتك طائعًا؟! )). فقال عُقبة :
(١) من أشهر قبائل البربر .
(٢) الكورة تطلق على مجموعة من القرى .
(٣) عاصمة بلاد ((فَّان)) أيام الفتح الإِسلامي.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٤
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
(( أدبًا لك، إذا ذكرته لمْ تحاربِ العرب)). وفرض عليهم ثلاثمائة وستين
عبدًا، ومضى عقبة في فتْحه حتى فتح بلاد ((فرّان)) ، حتى أتى على
آخرها ، ونشر الإِسلام في رُبوعها . وهذه أول مرةٍ دخل فيها العرب بلادَ
((فزان)) فاتِحِينَ. وسأل عقبة أهل فزّان: ((هل مِن ورائكم أحد؟)).
فقالوا: أهل ((خاور )) . وهو قصرٌ عظيمٌ على رأس المفازة ، في وُعورةٍ
على ظهر جبل ، وهو قصبة ((كاوار ))، فسار إليه خمسَ عشرةَ ليلةً ، فلما
وصل إليه دعا أهلَه إلى الإِسلام فأبُوْا، وطلب منهم الجزية فامتنعوا
بحصْنهم ، فحاربهم ، وأقام على حصارهم شهرًا ، وتقدّم بجيشه جنوبًا
لفتح بقية بلاد ((كاوار))، ففتحها حتى أتى على آخرها ، وقبض على
ملكهم وقطع إصبعه، فقال: ((لِمَ فعلت هذا بي؟)). فقال عقبة: ((أدبًّا
لك، إذا أنتَ نظرتَ إلى أصبعك لم تحارب العرب)) ... ثم فرض عليهم
ثلاثمائة وستين عبدًا (١).
وأراد عقبة أن يمضي قُدُمًا في مجاهل الصحراء ، فسأل أهل
((كاوار)): ((هل من ورائكم أحد؟)). فقال الدليل: ((ليس عندي
بذلك معرفة ولا دلالة )). فانصرف عقبة راجعًا، فمرّ بقصر ((خاور)) فلم
يعرِض له ، ولم ينزل بهم ، ثم سار ثلاثة أيام فأمنوا وفتحوا مدينتهم ، وأقام
عقبة بمكانٍ اسمُه اليوم ((ماء فَرَس))، ولم يكن به ماءٌ فأصابهم عطشٌ
شديد ، أشفى منه عقبةُ وأصحابُه على الموت ، فصلّى عقبةُ ركعتين
ودعا الله ، وجعل فرسُ عقبة يبحث بيديه في الأرض ، حتى كشف عن
صَفَاةٍ ، فانفجر الماء منها ، فجعل الفرسُ يمصُّ ذلك الماءِ ، وأبصره عُقبةُ ،
فنادى في الناس ((أنِ احتفرُوا)). فحفروا سبعين حسْيًا(٢) ، وشربوا
(١) فتوح مصر والمغرب صـ ٢٦٣.
(٢) الحسي : الحفرة القريبة العُمق .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣٥
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
واستقوا فسُمّيَ ذلك المكان لذلك: ((ماء فرس)). ورجع عقبة إلى
((خاور)) من غير طريقه التي أقبل منها ، فلم يشعروا به حتى طرقهم ليلًا،
فوجدهم مطمئنِّين قد تمهّدوا في أسرابهم ، فاستباح ما في المدينة مِن
ذُرِيّاتهم وأموالهم ، وقتل مُقَاتِلَتَهم .
فللَّهِ دُرُّه ! وما أبرع حركته هذه ، وما أحلى مباغتته ! فقد أطبق على
((خاور)) في وقتٍ لم يتوقعه أهلها. وانصرف عُقبة بعد فتح ((خاور))،
حتى نزل بموضع زويلة اليوم ، ثم ارتحل ، حتى قدِم على عسكره بعد
خمسة أشهر ، وقد جمّت خيولُهم وظهورُهم . وسار عقبة بجيشه إلى
المغرب، وجانب الطريق الأعظم، وأخذ إلى أرض ((هوارة )) فافتتح كل
قصر بها، ومضى إلى ((صفر))، فافتتح قلاعها وقصورها ، ثم بعث خيلًا
إلى ((غدامس)) فاستعاد فتحها، وتوجّه إلى ((قفصة)) فافتتحها، ثم افتتح
((قَسْطِيلية))، ثم انصرف إلى القيروان.
لقد طهّر عقبة بهذا الفتح كلّ المقاومات المعادية، بين ((برقة))
و((القيروان))، فأصبحت هذه المنطقة خالصةً للمسلمين ، حَرِيّةً أن تكون
قاعدةً رصينة ، تنطلق منها القوات الإِسلامية لفتح شمال إفريقية حتى
المحيط الأطلسي .
بِنَاءُ عقبة للقيْروان (١)، وما كان فيه من الكَرامات :
((قال عقبة لرجاله : ((إِنَّ إفريقية إذا دخلها إمام أجابوه للإِسلام،
فإذا تركها رجع مَن أجابَ منهم لدين الله إلى الكفر ، فأرى لكم يا معشر
المسلمين أن تتخّذوا مدينة تكون عِزًّا للإِسلام إلى آخر الدَّهر)). فركب
إلى موضع ((القيروان))، اليوم، وكان غيْضةً، كثيرَ الأشجار ، مأوى
(١) معنى القيروان: المدينة أو المعسكر أو المسلحة، وموضع اجتماع الناس والجيش .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
٣٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرأس
الوحوش والحّات، فقال له رجاله: ((إنك أمَرتنا بالبناء في شعارٍ وغِياض
لا تُرام، ونحن نخاف من السباع والحيّات، وغير ذلك من دواب الأرض)).
وكان في عَسْكَرهِ خمسة عشر رجلًا من أصحاب رسول الله عَ لمه ، وسائر
ذلك تابعون ، فدعا الله عز وجل ، وجعل أصحابه يؤمِّنون على دعائِه ،
ومضى إلى ((السنجة)) وواديها ونادى: (( أَيَّتُهَا الحيّات والسباع، نحن أصحاب
رسول الله عَّمه، فارحلوا عنا فإنا نازلون، ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه)).
ونظر الناس بعد ذلك إلى أمرٍ مُعجب ، من أن السباع تخرج من الشعار
تحمِل أشبالها ، والذئب يحمل جَرْوَه ، والحيّاتُ تحمل أولادها ، ونادى
في الناس: (( كُفُّوا عنهم حتى يرتحلوا عنا )) . فلمّا خرج ما فيها من
الوحوش والهوام - وهم ينظرون إليها - نزل عقبة الوادي ، وأمرهم أن
يقطعوا الشجر))(١).
وفي السِّير : ((كان الموضعُ غيْضَةً لا يُرام من السباع والأفاعي ،
فدعا عليها ، فلم يبقَ فيها شيءٌ، وهربوا، حتى إن الوحوش لتحملُ
أولادها )).
وعن موسى بن محمد، عن أبيه قال: نادى: ((إنا نازلون فاظعنوا)).
فخرجْنَ من جِحَرَتِهن هوارب .
وروى نحوه يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال : لمّا افتتح عُقبة
إفريقية، قال: (( يا أهَلَ الوادي، إنا حالُّون إنْ شاء الله، فاظعنوا )). ثلاثَ
مراتٍ ، فما رأينا جُحْرًا ولا شجرًا إلا يخرج من تحته دائَّةٌ ، حتى هبطْنَ
بطنَ الوادي ، ثم قال للناس: (( انزلوا بسم الله)).
(١) رياض النفوس ١ / ٦ - ٧، والبيان المغرب ١ / ١٣ - ١٤ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣٧
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
قال مفضل بن فضالة: ((كان عقبة بن نافعٍ مجابَ الدعوة)) (١).
وأمر عقبة ببناء القيروان سنة خمسين ، وأنجز بناءَها سنة خمسٍ
وخمسين ، وكان عقبة في أثناء عِمَارة المدينة يغزو ويُرسل السرايا ، فتغيرُ
وتنهب ، ودخل كثير من البربر في الإِسلام ، ورسخ الدين ، وصارت
القيروان عاصمةَ الإِسلام في المغرب ، والقاعدة الأمينة للمسلمين في شمال
إفريقية .
مِن القيروان إلى المحيط :
وفي ولايته الثانية خرج عقبة بن نافع من القيروان ، بعد أن استخلف
بها زهير بن قيس البلوي ، ودعا عقبة بأولاده قبل مغادرته القيروان ، وقال
لهم: (( إني قد بعتُ نفسي مِن الله عز وجلّ، فلا أزال أجاهد مَن كفر
بالله))(٢). ثم وعظهم ووصَّهم، ثم قال: ((عليكم سلامُ الله، وأراكم لا تروني
بعد يومكم هذا)). ثم قال: (( اللهمَّ تقبّل نفسي في رضاك ، واجعلِ الجهادَ
رحمتي ، ودار كرامتي عندك)) (٣).
سار عقبة في عسكر عظيم حتى انتهى إلى مدينة ((باغاية))، لا يُدافعه
أحدٌ ، والرومُ يهربون في طريقه يميناً وشمالاً ، فحاصرها ، وقد اجتمعوا بها ،
وقاتلهم قتالًا شديدًا، فانهزموا عنه وقتل فيهم قتلًا ذريعًا، وغنَم منهم مغانم
كثيرة، واحتمى المنهزمون داخل أسوار المدينة، فَكَرِهَ المُقَام عليهم(٤).
(١) تاريخ الطبري ٥ / ٢٤٠، وتاريخ ابن عساكر، وطبقات علماء إفريقية ٨،
وحسن المحاضرة ٢ / ٢٢٠ - ٢٢١ .
(٢) ابن الأثير ٤ / ٤٢ .
(٣) رياض النفوس ١ / ٢٢ - ٢٣ .
(٤) ابن الأثير ٤ / ٤٢ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
٣٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
ورحل عقبة إلى ((تلمسان))، وهي من أعظم مدائنهم ، فانضمَّ إليها
مَنْ حَوْلَهَا من الروم والبربر ، فخرجوا إليه في جيشٍ ضخم لَجِبٍ ، والتحم
القتال ، ووقع الصبر ، حتى ظنَّ المسلمون أنه الفناء ، ولكنهم هاجموا
الروم هُجُومًا عنيفًا ، حتى ألجئوهم إلى حصونهم ، فقاتلوهم إلى أبوابها ،
وأصابوا منهم غنائم كثيرة .
وسار عقبة إلى بلاد ((الزاب))، فسأل عن أعظم مدينة في بلاد
الزاب ، فقيل له: (( أرَبة))، وهي دار ملِكهم ، وكان حولها ثلاثمائة
وستون قرية ، كلّها عامرة ، فامتنع بها مَن هناك من الروم والنصارى ،
وهرب بعضهم إلى الجبال ، فاقتتل المسلمون وَمَنْ بالمدينة من النصارىُ ،
ثم انهزم النصارى ، وقُتل كثير من فرسانهم(١).
ورحل عقبة إلى (( تاهرت))، فاستغاث الروم بالبربر ، فأجابوهم
ونصروهم ، فقام عقبة في الناس خطيبًا ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال :
((أُّها الناس، إنَّ أشرافكم وخياركم - الذين رضي الله تعالى عنهم، وأنزل
فيهم كتابه - بايعوا رسول الله عَ لّمه بيعة الرضوان على مَن كفر بالله إلى
يوم القيامة ، وهم أشرافكم والسابقون منكم إلى البيعة ، باعُوا أنفسَهم من
رب العالمين بجثَته بيعةً رابحةً ، وأنتم اليوم في دار غُربة ، وإنما بايعتم ربَّ
العالمين ، وقد نظر إليكم في مكانكم هذا ، ولم تبلغوا هذه البلاد إلا طلبًا
لرضاه وإعزازًا لدينه ، فأبشروا ؛ فكلّما كثر العدوّ كان أخزى لهم وأذلّ ،
إن شاء الله تعالى، وربُّكم عزّ وجلّ لا يُسْلِمُكم ، فالقُوهم بقلوبٍ صادقة ؛
فإنّ الله عز وجل جعلكم بأسَهُ الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين)) . فاشتد
الأمر على المسلمين لكثرة العدوّ ، ولكنهم انتصروا أخيرًا ، فانهزمَت الروم
(١) ابن الأثير ٤ / ٤٢.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
٣٩
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
والبربر ، وأخذهم السيف ، وكثُر فيهم القتل، وغَنِمَ المسلمون أموالهم
(١)
وسلاحهم (١).
وسار عقبة حتى نزل طنجة، فلقيه بِطْرِيقٌ من الروم اسمُه ((يليان))،
فنزل على حُكْمِه ، وأراد عُقبة فتح الأندلس، فقال له ((يليانُ)): ((أتترك
كُفّار البربر وترمي بنفسك في بحبوحة الهلاك مع الفرنج ، ويقطع البحر بيْنك
وبين المدد؟!)). فقال عقبة: ((وأين كفار البربر؟)). فقال: ((في بلاد
((السوس))، وهم أهل نجدة وبأس)). فقال عقبة: ((وما دينهم؟)).
فقال: (( ليس لهم دين ولا يعرفون أن الله حقٌّ، وإنما هُم كالبهائم)).
وكانوا على دين المجوسية يومئذٍ. فتوجّه عقبة، فنزل على مدينة ((وَلِيْلِى))
بإزاء جبل ((زرهون))، وهي يومئذٍ من أكبر مدن المغرب ، وهي المسمّاة
اليوم: ((قصر فرعون))، فافتتحها عقبة وغَنِمَ وَسَبِى.
وانتهى عقبةُ إلى ((السوس الأدنى))، وهو مغرب طنجة ، فقاتل
جموعَ البربر الكثيرة ، وقتل منهم قتلًا ذريعًا ، وبعث خيله في كل مكانٍ
هربوا إليه، ثم سار حتى وصل إلى (( السوس الأقصى)) ، وقد اجتمعَ له
البربر في عالم لا يُحصى ، فلقيهم وقاتلهم وهزمهم ، وسار عقبة حتى
وصل إلى ((مالبان)) - أقصى بلاد المغرب - ورأى البحر المحيط ، فقال :
(( يا رب ، لولا هذا البحر لمضَيْتُ في البلاد مجاهدًا في سبيلك)) (٢). ثم
قال: ((اللهمَّ اشهدْ ؛ إني قد بلغتُ المجهود ، ولولا هذا البحرُ لمضيْتُ
في البلاد أقاتل من كفر بك، حتى لا يُعبد أحدٌ دونك)) (٢).
الكامل لابن الأثير ٤ / ٤٢ .
(١)
(٢)
الكامل لابن الأثير ( ٣ / ٤٢ - ٤٣ ).
(٣) رياض النفوس ١ / ٢٥ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٤٠
لله دَرُّ عُقبة وهو يتنقّل مِن نصرٍ إلى نصرٍ ناشرًا الإِسلام ، حتى وصل
إلى بلاد (( أَسَفى))(١) على المحيط الأطلسي ، وأدخل قوائم فرسه في البحر
المحيط، ووقف ساعةً، ثم قال لأصحابه: ((ارفعُوا أيديكم)). ففعلوا ،
فقال: ((اللهمَّ إني لم أخرجْ بطرًا ولا أَشَرًا، وإنك لَتَعلمُ أَنّما نطلب السببَ
الذي طلبه عبدُك ذو القرنَيْن، وهو أنْ تُعْبَدَ ولا يُشرك بك شيءٌ ، اللهمَّ
إنا معاندون لدينٍ الكفر ، ومدافعون عن دين الإِسلام ، فكنْ لنا ولا تكن
علينا ، يا ذا الجلال والإكرام )). ثم انصرف راجعًا(٢). وبعد ذلك سقط
البطل شهيدًا في ((تهوذة)) ، على يد البربر .
لله دَرُّك يا عقبة !! كانت فتوحاتك مَدْعاة للفخر والاعتزاز ، وهي
من الناحية العسكرية تستحقّ كلّ التقدير والإِكْبار ؛ لقد انطلق عقبة بكلّ
حماسةٍ لتحقيق آماله وأمانيه في فتح إفريقية ، من القيروان حتى المحيط
الأطلسي ، وأنجز ذلك في وقتٍ قد لا يصدِّقه العقل عند دراسته من الناحية
العسكرية البحتة ، ولكنّ هذا هو الذي حدَث فعلًا .
تُرى، هل يذكر التاريخ عقبة الفاتح الذي أذلّ ملوك ((ودان))
و((جرمة)) و((فزان)) وأدّبهم؟! أمْ سيذكر التاريخ مَأَفُون الصحراء صاحبَ
((الكتاب الأخضر)) ؟! وأيّ ذَلِّ لم نعرفه على أيدي هؤلاء العبيد ؟!
وطعنةُ الغَدْرِ .. يا للموتِ .. تُلهينا
مُطَأْطً الرأسِ ظَّ السيفُ يسبقني
والقُدسُ في كَرْبِهِ يدعو المُعَزِّينَا
وأُنَّهُ الأرضِ تبكي في سلاسِلِهَا
وفْعَةُ الموتِ لمْ تَسْتَبْقِ لِي دِينا
وطارقُ البطْشِ يغُدُو في منازِلنا
غَابَ الأذانُ بِهَا يا وَيحَ نَادِيْنَا
والمئذناتُ التي كمْ هبّ ثائِرُهَا
(١) بلدة على شاطئ البحر المحيط بأقصى المغرب .
(٢) الاستقصا (١ / ٧٤ ).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/