Indexed OCR Text
Pages 701-720
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٧٠١ كانت ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياءٌ عند ربِّهم يُرزقون ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠ ] . وإذا نُرستْ شجرةُ المحبَّة في القلب ، وسُقيت بماء الإِخلاص ومتابعة الحبيب ؛ أثمرتْ أنواع الثمار ، وآتت أكُلَها كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها ، أصلها ثابت في قرار القلب ، وفرعها متصل بسدرة المنتهى . لا یزال سعي المحبِّ صاعدًا إلى حبيبه لا يحجُبُه دونه شيء ﴿ إلیه یصعد الكلمُ الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ [فاطر: ١٠]))(١). قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون کسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربَّصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ [ التوبة: ٢٤ ] . وقال تعالى : ﴿ومنَ الناسِ من يتخذ من دون اللهِ أَندادًا يحبُّونهم كحبِّ اللهِ والذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله﴾ [ البقرة: ١٦٥]. وقال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا مَن يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللهُ بقومٍ يحبُّهم ويحبُّونهم أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ﴾ [ المائدة : ٥٤ ] . وفي ((الصحيحيْن)): عن أنسٍ، عن النبي عَّ له قال: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم ، حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين )). وفي (( الصحيحين)) أيضًا : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : يا رسول الله ، والله لأنت أحبُّ إلَي من كل شيء إلّا من نفسي . فقال : (١) مدارج السالكين ٦/٣ - ٩ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٧٠٢ (( لا يا عمر، حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك)). فقال: والله لأنت أحبُّ إلَّ من نفسي. فقال: ((الآن يا عمر)). ومعلوم أن محبة الرسول تابعة لمحبّة الله عز وجل ، فما الظنُّ بمحبّة الله عز وجل ؟ ! . وقال تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهنَّ فإنْ علمتموهنَّ مؤمناتٍ فلا ترجعوهنَّ إلى الكفّار ﴾ [ الممتحنة: ١٠ ] . قال ابن عباس في هذه الآية: كانت المرأة إذا أتتِ النبي عَّه لِتُسْلِمِ؛ حلّفها بالله ما خرجت من بغض زوج إلّا حبًّا لله ورسوله . ((وفي الصحيحين)): عن أنس رضي الله عنه، عن النبي عَّ له قال: (( ثلاث مَن كُنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإِيمان : أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما ، وأن يحبَّ المرء لا يحبُّه إلا الله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله ، كما يكره أن يُقذف في النار)). وعن معاذ - في حديث اختصام الملأ الأعلى - عن النبي عَ ل قال : (( أتاني ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة ؛ يعني في المنام)) فذكر الحديث ، وقال في آخره: (( قال : سل . قلتُ : اللهمَّ إني أسألك فعْل الخيرات ، وترك المنكرات ، وحبَّ المساكين ، وأن تغفر لي وترحمني ، وإذا أردتَ بقوم فتنةً فتوقّني إليك غير مفتون ، وأسألك حبَّك، وحبَّ مَن يحبُّك، وحبَّ كلِّ عمل يقرِّبني إلى حبِّك)). فقال رسول الله عَ له: ((إنها حقّ فادرسوها، ثم تعلموها))(١). (١) حديث صحيح : أخرجه أحمد، والترمذي وقال: حسن صحيح . وخرّجه الحاكم ، وقال: صحيح الإسناد . وصحَّحه الألباني في صحيح الترمذي رقم ٢٥٨٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٧٠٣ وفي ((الصحيحين)): عن أنس: أن رجلاً سأل النبَّ عَ له، قال: متى الساعة يا رسول الله؟ قال: (( ما أعددتَ لها ؟ )). قال: ما أعددتُ لها من كبير صلاة ولا صيام ولا صدقة ، ولكنِّي أحبُّ الله ورسوله . فقال رسول الله عَ لِ: ((أنت مع من أحببتَ)). وفي رواية للبخاري: فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: ((نعم)). قال أنس : ففرِحْنا يومئذ فرحًا شديدًا. وفي رواية لمسلم : قال أنس: فما فرحنا بعد الإِسلام فرحًا أشدَّ من قوله: (( أنت مع من أحببتَ )). قال أنس: فأنا أُحبُّ الله عز وجل ورسوله عَّهِ، وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم ، وإن لم أعمل بأعمالهم . قال بعض العارفين : يكفي للمحبِّين شرفًا هذه المعيَّة . وقال سمنون: ((ذهب المحبُّون بشرف الدنيا والآخرة ؛ لأن رسول الله عَ ◌ِّ قال: ((المرءُ مع مَن أحبَّ)) (١). فهم مع الله في الدنيا والآخرة)). الأسباب الجالبة للمحبّة المقوِّية لها : ((الأسباب الجالبة للمحبَّة والمقوِّية لها كثيرة؛ منها : الأول : قراءة القرآن بالتدبُّر والتفهُّم لمعانيه وما أريد به . قال رسول الله عَّله: ((مَن سَّه أن يحبَّ الله ورسوله، فليقرأ في المصحف))(٢). (١) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس ، ورواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود . (٢) حسن : رواه البيهقي في سننه ، وأبو نعيم في الحلية ، وابن شاهين ، وابن عدي في (( الكامل)) عن ابن مسعود ، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع رقم ٦١٦٥ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٧٠٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس الثاني : التقُّب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض ؛ فإنها توصِّله إلى درجة المحبوبيَّة بعد المحبَّة؛ كما جاء في الحديث القدسي: (( ... ولا يزال عبدي يتقَّب إلّ بالنوافل حتى أحبَّه)). الثالث : دوام ذكْرِه على كلِّ حال ؛ باللسان والقلب والعمل والحال . فنصيبه من المحبَّة على قدر نصيبه من الذِّكْر. قال ذو النون : مَن شغل قلبه ولسانَه بالذِّكْر ؛ قذف اللهُ في قلبه نور الاشتياق إليه . وقال إبراهيم بن الجُنيد : كان يُقال : من علامة المحبَّة لله : دوام الذكر بالقلب واللسان ؛ وقلما ولع المرء بذكر الله عز وجل إلّا أفاد منه حبَّ الله عز وجل . وقال إبراهيم بن أدهم : أعلى الدرجات أن يكون ذكْر الله عندك أحلى من العسَل ، وأشهى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف . وقال مالك بن دينار : ما تلدَّذ المتلذِّذون بمثل ذكْر الله عز وجل . طابَ الحديثُ بذكرهمْ ويطيبُ يا من يذكِّرُني بعهْدِ أحبَّتَي إنَّ الحديثَ عن الحبيبِ حبيبُ أعِدِ الحديثَ علَّي من جنباته قلبٌ إذا ذُكِرَ الحبيبُ يذوبُ ملأ الضلوعَ وفاضَ عنْ أجنابها يا ليتَ شعري هلْ تطيرُ قلوبُ؟! ما زالَ يخفِقُ ضاربًا بجَناحِهِ وقال الشاعر : وأحسُّ منها في القلوبِ دبيبًا خطراتُ ذكْري تستثيرُ موڈَّتي فكأنَّ أعضائي خُلِقِنَ قلوبًا لا عضوَ لي إلّا وفيهِ محبَّةٌ الرابع : إيثارُ محابّه على محابِّك عند غَلَبَات الهوى ، والتسنُّم إلى محاِبِّه وإن صعُب المرتقى . الخامس : مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ، ومشاهدتها ومعرفتها ، وتقُّبه في تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٧٠٥ رياض هذه المعرفة ومباديها ، فمَن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبَّه لا محالة . عن عائشة: أنَّ رسول الله عَ لَّه بعث رجلًا على سرية(١)، فكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿ قل هو الله أحد﴾، فلمَّا رجعوا ذكَروا ذلك لرسول الله عَ له، فقال: ((سلوه: لأّ شيءٍ يَصنع ذلك؟)). فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن؛ فأنا أحبُّ أن أقرأ بها. فقال رسول الله عَ له: ((أخبروه أن الله يحبُّه ))(٢) . السادس : مشاهدة بِّه وإحسانه وآلائه ، ونعمه الظاهرة والباطنة . السابع - وهو من أعجبها -: انكسار القلب بين يدي الله تعالى ، وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات . قال الفضل الرقاشي : والله لو جُمع للعابدين جميعُ لذّات الدنيا بحذافيرها؛ لكانَ امتهانُ أنفسهم لله بطاعته ألذَّ وأحلى عندهم من ذلك . الثامن : الخلوة به وقتَ النزول الإِلهي ، لمناجاته وتلاوة كلامه . والوقوف بالقلب والتأدُّب بأدب العبودية بين يديه ، ثم ختْمُ ذلك بالاستغفار والتوبة . التاسع : مجالسة المحبّين والصادقين ، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما يُنتقى أطايبُ الثمر، ولا تتكلّم إلّا إذا ترجَّحت مصلحة الكلام، وعلمتَ أن فيه مزيدًا لحالك ومنفعة لغيرك . العاشر : مباعدة كلِّ سببٍ يحول بين القلب وبين الله عز وجل . فمن هذه الأسباب العشرة وصَل المحبُّون إلى منازل المحبَّة ، ودخلوا على الحبيب ... ومِلاك ذلك كلِّه أمران : (١) السرية: هي القطعة من الجيش ، سُمِّيت سرية ؛ لأنها تسري في ◌ُفْيَة . (٢) متفق عليه. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٧٠٦ ١ - استعداد الروح لهذا الشأن : فمنِ الذي يبتاعُ بالثَّمَنِ بدمِ المحبِّ يُباعُ وصْلُهُمُ أو كما قالوا : أنتَ القتيلُ بكلِّ من أحْبَيْتَهُ فاخترْ لنفسِكَ في الهوىُ مَن تصطفي ٢ - وانفتاح عيْن البصيرة. وبالله التوفيق))(١). الحادي عشر : قطع علائقِ الدنيا ، وإخراج حبِّ غير الله من القلب ؛ فإن القلب مثل الإِناء لا يتسع للخلّ مثلًا ما لم يخرج منه الماء ؛ ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبْن في جوفه﴾ [الأحزاب: ٤] وكمال الحبِّ في أن يحبَّ اللهَ عز وجل بكل قلبه ، وما دام يلتفت إلى غيره فزاوية من قلبه مشغولة بغيره . فبقدر ما ينشغل بغير الله ينقص منه حبُّ الله . الثاني عشر : قوة معرفة الله تعالى واتساعها واستيلاؤها على القلب ، وذلك بعد تطهير القلب من جميع شواغل الدنيا وعلائقها ؛ يجري مجرى وضْع البذْر في الأرض بعد تنقيتها ، ثم يتولّد من هذا البذر شجرة المحبَّة والمعرفة . ولا يُوصل إلى هذه المعرفة بعد انقطاع شواغل الدنيا من القلب ، إلا بالفكْر الصافي والذكر الدائم، والجدِّ البالغ في الطلب والنظر المستمر في الله ، وفي صفاته وفي ملكوتِ أسمائه وسائر مخلوقاته . والواصلون إلى هذه الرتبة ينقسمون إلى : الأقوياء : ويكون أول معرفتهم بالله تعالى ، ثم به يعرفون غيره ، وإليه الإِشارة بقوله تعالى: ﴿ أو لم يكفِ بربِّك أنه على كلّ شيء شهيد ﴾ [فصلت: ٥٣]، وبقوله تعالى: ﴿شهِد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [ آل عمران: ١٨]. وقول الصالح : « عرفتُ ربي بربي ، ولولا ربي ما عرفتُ ربي)). (١) مدارج السالكين بتصرُّف، ١٧/٣ - ١٨. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٧٠٧ والضعفاء : ويكون أول معرفتهم بالأفعال ثم يترقّون منها إلى الفاعل . وإليه الإِشارة بقوله تعالى: ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتی یتبيَّن لهم أنه الحقّ﴾ [فصلت: ٥٣] وهذا الطريق هو الأسهل على الأكثرين وهو الأوسع على السالكين ، وإليه أكثر دعوة القرآن ، عند الأمر بالتدُّر والتفكُر والاعتبار . والمعرفة بحْرٌ لا ساحل له ، فلا جَرَم أنَّ تفاوت أهل المعرفة في الحب لا حصر له . قال بديل بن ميسرة : من عَرَف ربَّه أحبَّه ، ومن عَرَف الدنيا زهِد فيها . وقال عبيد الله بن محمد التميمي : التفكّر في نِعَم الله أفضل العبادة . (( وقال الحسن : أوصيكم بتقوى الله عز وجل ، وإدمان التفگُّر ؛ فإنه مفتاح خِلال الخير كله ، وبه يخصُّ اللهُ كَّ موفَّق . واعلموا أن خير ما ظفر به مدرك من تفكّر بخالصة الله ، وشرب كأس حبِّه ، وإنّ أحباءَ اللهِ هُمُ الذين ظفروا بطيب الحياة ، وذاقوا لذَّة نعيمها ، بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم ، وما وجدوا من حلاوة حبِّهِ في قلوبهم ، ولا سيما إذا خطر على بال أحدهم ذكّر مشافهته ، وكشْف ستور الحُجُب عنه في المقام الأمين ، والسرور الدائم ، وأراهم جلاله ، وأسمعهم لذَّة منطقه ، وردّ عليهم جواب ما ناجَوه به أيّام حياتهم ، إذْ قلوبهم به مشغوفة، وإذ مودَّتهم إليه معطوفة ، وإذْ هم له مُؤْثِرون ، وإليه منقطِعون، فليُبْشر المصفُّون له وُدَّهم ، بالمنظر العجيب بالحبيب ، فوالله ما أراه يحلّ لعاقلٍ ولا يجمُلُ به أن يستوعبه حبُّ أحدٍ سوى حبِّ الله عز وجل))(١). لو تفكّر الإِنسان في قول مخلوق لمخلوق : وكنتُ أرى أنْ قدْ تناهى بي الهوىُ إلى غاية ما فَوْقَها لي مطلَبُ (١) استنشاق نسيم الأُنس ص٥٦ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٧٠٨ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس تيقَّنتُ أني إنما كنتُ أَلْعَبُ فلمَّا تلاقيْنا وعاینْتُ حُسْنَها فكيف بالخالق الملك ، الحقِّ العظيم ، الذي لا يُقدَّر حقّ قدره ، ولا يحيط خلْقُه بهِ عِلْمًا، ولا يُحصون ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه . أمَا يكفينا قولُ ربّنا لملائكته الذين يلتمسون مجالس الذكر: (( فكيف لو رأوني؟ )). فيقولون: لو رأوك كانوا أشدَّ لك عبادة، وأشدَّ لك تمجيدًا وتحميدًا ، وأكثر لك تسبيحًا . السبب الثالث عشر : معاملة الله بالصدق والإِخلاص ومخالفة الهوى . قال بِشْر الحافي : قال فتح الموصلي : مَن أدام النظر بقلبه ، ورَّثه ذلك الفرح بالمحبوب . ومَن آثره على هواه ورّثه ذلك حبَّ إياه . ومَن اشتاق إليه وزهد فيما سواه ، ورعى حقّه وخافه بالغيب ، ورَّثه ذلك النظرَ إلى وجهه الكريم . السري السقطي من سادات المحبّين الصادقين : انظر رحمك الله إلى صدْق السري السقطي مع الله ، وكيف ورَّثه ذلك الحبَّ لله. فقد كان للسري دكّان فاحترق السوق الذي فيه الدكّان ، ولم يحترق دكانه ، فأخبر بذلك ، فقال : الحمد لله. ثم تفكّر في ذلك، فرأى أنه قد سُرَّ بعطبِ الناس وسلامته ، فتصدَّق بما في دكَّانه ، فشكر اللهُ له ذلك ورقّاه إلى درجة المحبَّة . سئل رحمه الله عن حاله فأنشد : مَن لم يبِتْ والحبُّ حشوُ فؤادِهِ لم يدرِ كيفَ تفتُّتُ الأكبادِ ((وبلغ من أمره أنه لمّا مرض رفع ماؤه إلى الطبيب ، فلمّا رآه الطبيب ، قال : هذا عاشق. فصُعق حامِل الماء ، وغُشي عليه . ونظروا إلى جسده مرة وكان سقيمًا مضنيًا ، فقال : لو شئتُ أن أقول : تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٧٠٩ هذا كله من محبته ؛ لَقلتُ))(١) . درجاتُ المحبَّة : قال الهروي: (( وهي على ثلاث درجات : المحبة الأولى: محبَّ تقطعُ الوساوس، وئِلِذُّ الخدمة، وتُسَلّي عن المصائب)): قال ابن القيم: (( إن الوسواس والمحبَّة متناقضان. فإنَّ المحبَّة تُوجب استيلاء ذكْر المحبوب على القلب . والوساوس تقتضي غيبته عنه ، حتى توسوس له نفسُه بغيره . فبّيْن المحبَّة والوساوس تناقُضٌّ شديد ، كما بين الذكْر والغفلة ، فعزيمة المحبة : تنفي تردُّد القلب بن المحبوب وغيره ، وذلك سبب الوساوس . وهيهات أن يجد المحبُّ الصادق فراغًا لوسواس الغير ، لاستغراق قلبه في حضوره بين يدي محبوبه . وهل الوسواس إلّا لأهل الغفلة والإعراض عن الله تعالى ؟ ومن أين يجتمع الحبُّ والوسواس ؟! لا كان مَن لسواكَ فيهِ بقيّةٌ فيها يُقَسِّمُ فكرَهُ ويسوسُ . والمحبُّ يلتذُّ بخدمة محبوبه ، فيرتفع عن رؤية التعب الذي يراه الخلّ في أثناء الخدمة ، وهذا معلوم بالمشاهدة . والمحبُّ يجد في لذّة المحبة ما يُنسيه المصائب ، ولا يجد مِن مسِّها ما يجد غيره ، حتى كأنه قدٍ اكتسى طبيعة ثانية ليست طبيعة الخلق ، بل. يقوى سلطان المحبَّة، حتى يلتذّ المحبُّ بكثير من المصائب التي يُصيبه بها حبيبه أعظم من التذاذِ الخلي بحظوظه وشهواته ، والذوق والوجود شاهد بذلك. والله أعلم))(٢). قال الهروي: ((وهي محبَّ تَنبتُ من مطالعة المنّة ، وتثبت باتباع السُّنَّة ، وتنمو على الإِجابة بالفاقة )). (١) استنشاق نسيم الأُنْس ص٥٥ . (٢) مدارج السالكين ٣٦/٣ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٧١٠ صلاحِ الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد الخامس قال ابن القيم عنها: (( تنشأ من مطالعة العبد منّة الله عليه ، ونعمه الباطنة والظاهرة ، فبقدر مطالعته ذلك تكون قوة المحبة ؛ فإن القلوب مجبولة على حبٍّ من أحسن إليها ، وبُغْضٍ مَن أساء إليها ، وليس للعبد قطُّ إحسان إلّا من الله ، ولا إساءة إلّا من الشيطان . ومن أعظم مطالعة منّة الله على عبده : تأهيلهُ لمحبَّتَه ومعرفته ، وإرادة وجهه ومتابعة حبيبه . وأصل هذا : نورٌ يقذفه الله في قلب العبد ؛ فإذا دار ذلك النور في قلب العبد وذاته ، أشرقت ذاته ، فرأى فيه نفسه ، وما أُهِّلَتْ له من الكمالات والمحاسن ، فعلَتْ به همته ، وقويت عزيمته ، وانقشعت عنه ظلمات نفسه وطبعه، فرقيتْ الروح حينئذٍ بين الهيبة والأنس إلى الحبيب الأول . نقّل فؤادَك حيثُ شئْتَ مِنَ الهوى ما الحبُّ إلّا للحبيب الأوَّلِ كمْ منزل في الأرضِ يألفهُ الفتى وحنينُهُ أبدًا لأوّلِ منزلٍ وهذا النور كالشمس في قلوب المقرّبين السابقين ، وكالبدر في قلوب الأبرار أصحاب اليمين ، وكالنجم في قلوب عامَّة المؤمنين . وتفاوتهم فيه كتفاوت ما بين الزهرة والسُّهى . وثبات هذه المحبة إنما يكون بمتابعة الرسول عَّ له في أعماله وأقواله وأخلاقه . فبحسب هذا الاتباع ؛ يكون منشأ هذه المحبَّة وثباتها وقوتها . وبحسب نقصانه يكون نقصانها . وهذا الاتباع يُوجب المحبَّة والمحبوبية معًا ، ولا يتمُّ الأمر إلا بهما . فليس الشأن في أن تحبَّ الله ، بل الشأن في أن يحبَّك اللهُ، ولا يحبُّك الله إلّا إذا اتبعتَ حبيبه ظاهرًا وباطنًا، وصدَّقته خبّرًا، وأطعْتَه أمْرًا ، وأجبته دعوة ، وآثرته طوْعًا، وفنيت عن حكْمِ غيره بحكمه ، وعن محبَّة غيره من الخلْق بمحبّته ، وعن طاعة غيره بطاعته ؛ وإن لم يكن ذلك فلا تتعنَّ ، وارجعْ من حيث شئتَ فالتمسْ نورًا ؛ فلستَ على تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس ٧١١ شيء . وتأمّل قوله: ﴿ فاتبعوني يحببْكُمُ الله﴾ [ آل عمران: ٣١] أي الشأن في أن الله يحبّكم، لا في أنكم تحبُّونه، وهذا لا تنالونه إلا باتباع الحبيب عَّه. ((وتنمو على الإِجابة بالفاقة)): أن يجيب الدَّاعي بموفور الأعمال، وهو خالٍ منها كأنه لم يعملها ، بل يجيب دعوته بمجرّد الإفلاس والفقر التامّ ؛ فإن طريقة الفقر والفاقة تأبى أن يكون لصاحبها عمل أو حال أو مقام ، وإنما يدخل على ربه بالإِفلاس المخْض والفاقة المجرّدة ، ولا ريب أن المحبَّة تنمو على هذا المشهد ، وهذه الإِجابة . وما أعزّه من مقام ، وأعلاه من مشهد ، وما أنفعه للعبد ، وما أجلبَه للمحبَّة. والله المستعان))(١). ((الدرجة الثانية : محبَّة تبعثُ على إيثار الحقِّ على غيره ، وتُلِهِج اللسانَ بذكْره ، وتُعَلِّقُ القلب بشهوده ، وهي محبَّة تظهر من مطالعة الصفات ، والنظر إلى الآيات ، والارتياض بالمقامات»: قال ابن القيم: ((هذه الدرجة أعلى ممَّا قبلها ، باعتبار سببها وغايتها . فإنَّ سبب الأولى : مطالعة الإِحسان والمنّة ، وسبب هذه : مطالعة الصفات ، وشهود معاني آياته المسموعة ، والنظر إلى آياته المشهودة ، وحصول الملكة في مقامات السلوك ، وهو الارتياض بالمقامات ، ولذلك كانت غايتها أعلى من غاية ما قبلها . ولكمالها وقوتها فإنها تقتضي من المحبِّ أن يترك لأجل الحقِّ ما سواه ، فيؤُثِره على غيره ، ولا يُؤثر غيره عليه ، ويجعل اللسان لهِجًا بذكّره ، فإن مَن أحبَّ شيئًا أكثر من ذكره ، وتعلَّق القلب بشهوده لفرْطِ استيلائه على القلب وتعلُّقه به حتى كأنَّه لا يشاهد غيره . : i (١) مدارج السالكين ٣٦/٣ - ٣٨. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ! 1 تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٧١٢ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس وهي محبة تظهر من مطالعة الصفات بإثباتها أولًا ، ومعرفتها ثانيًا ، ونفي التحريف والتعطيل عن نصوصها ثالثًا ، ونفي التمثيل والتكييف عن معانيها رابعًا . فلا يصحُّ له مطالعة الصفات الباعثة على المحبة الصحيحة ، إلّا بهذه الأمور الأربعة ، وكلما أكثر قلبُه من مطالعتها ، ومعرفة معانيها ، ازدادت محبَّته للموصوف بها . ولذلك كانت الجهميَّة قُطَّاع طريق المحبَّة ، بين المحبِّين وبينهم السيْفُ الأحمر . وقوله: ((النظر إلى الآيات)): أي نظر الفكر والاعتبار إلى آياته المشهودة ، وفي آياته المسموعة ؛ وكلّ منهما داعٍ قويٌّ إلى محبَّته سبحانه ؛ لأنها أدلة على صفات كماله ، ونعوت جلاله ، وتوحيد ربوبيَّتَهِ وإلهيته ، وعلى حكمته وبرِّه ، وإحسانه ولطفه ، وجوده وكرمه ، وسَعة رحمته وسبوغ نعمته ، فإدامة النظر فيها داعٍ - لا محالة - إلى محبّته . وكذلك الارتياض بالمقامات؛ فإنَّ مَن كانت له رياضة ومَلَكَة في مقامات الإِسلام والإِيمان والإِحسان ؛ كانت محبته أقوى ؛ لأن محبّة الله له أتُّ. وإذا أحبَّ الله عبدًا أنشأ في قلبه محبته)) (١). وتوحيد المحبة والبقاء أكمل من توحيد الفناء ، وأعلى مقامًا وأجلُّ مشهدًا ، وهو مقام الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وخواصّ المقرّبين . ولسان المحبة أتُمُّ ، ومقامها أكمل ، وحالها أشرف ، وصاحبها من أهل الصَّحْو لا السُّكْرِ ، والتمكين لا التلوين ، والبقاء لا الفناء ، ولسانه نائب عن كلِّ لسان، وبيانه وافٍ بكل ذوق ، ومقامه أعلى من كل مقام ، فهو أمين على كل مَن دونه من أرباب المقامات ؛ لأنَّ مقامه أميرٌ على المقامات كلِّها . أمينٌ أمينٌ عليه الندى جوادٌ بخيلٌ بأنْ لا يجودا (١) مدارج السالكين ٣٨/٣ - ٣٩. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس ٧١٣ العبوديَّة مرتبةٌ عظيمةٌ من مراتبِ المحبَّة : العبودية : مرتبة عظيمة من مراتب المحبَّة . قال ابن القيم رحمه الله : (( حقيقة العبودية : الحبُّ التام مع الذلِّ التامّ والخضوع للمحبوب . والعبد هو الذي ملك المحبوبُ رقّه ، فلم يبق له شيء من نفسه ألبتة ، بل كله عبدٌ لمحبوبه ظاهرًا وباطنًا . وهذه هي حقيقة العبودية ، ومَن كمَّل ذلك فقد كمَّل مرتبتها . ولمَّا كمَّل سيد ولد آدم عَّ لم هذه المرتبة؛ وصفه الله بها في أشرف مقاماته : مقام إنزال الكتاب عليه : ﴿ تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ... ﴾ [الفرقان: ١]. وقال تعالى: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ... [ الكهف : ١ ] . ومقام الإِسراء : كقوله: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ... ) الآية [ الإسراء : ١ ] . ومقام الدعوة : كقوله: ﴿وأنه لمّا قام عبد الله يدعوه ... ) الآية [ الجن : ١٩ ] . ومقام التحدي : كقوله: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزَّلْنا على عبدنا .. ﴾ الا ية [ البقرة : ٢٣ ] . وبذلك استحقَّ التقديمَ على الخلائق في الدنيا والآخرة . وكذلك يقول المسيح عليه السلام إذا طلبوا منه الشفاعة بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام : ((اذهبوا إلى محمد ؛ عبد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر)). سمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية - قدّس الله روحه - يقول : فحصلتْ له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله تعالى، وكمال مغفرة الله له)). اهـ . فلا طريق أقرب إلى الله من العبودية ، ولا حجابَ أغلظ من الدعوى ، ولا ينفع مع الإِعجاب والكِبْر عمل واجتهاد، ولا يضُرّ مع الذلِّ والافتقار بطالة تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٧١٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس بعد عمل الفرائض. ((ومَن أراد السعادة الأبديَّة فليلزمْ عتبة العبودية)) كما قال ابن تيمية . مرتبة الخُلَّةِ أعلى مقامات المحبّة ، وهي للخلیلیْن محمد وإبراهيم صلى الله عليهما وسلم : ((الخلَّة)): هي المحبَّة التي تخلّلتْ روحَ المحبِّ وقلبَه، حتى لم يبقَ فيه موضع لغير المحبوب ، كما قيل : قدْ تخلّلْت مسلَكَ الروحِ مني وِبِذا سُمِّي الخليلُ خليلَا وهذه المرتبة انفرد بها الخليلان إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم ، كما صحَّ عنه عَّ لِ أنه قال: ((لو كنتُ متخذًا من أُمتي خليلًا دون ربي، لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلًا، ولكن الله اتخذ صاحبَكم خليلاً))(١). وقال عَّه: ((لو كنتُ متخذًا من أمتي خليلًا دون ربي، لاتخذتُ أبا بكر خليلاً ، ولكن أخي وصاحبي))(٢) . وقال عَّ ◌ُله: ((لو كنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا، لاتخذتُ ابنَ أبي قحافة خليلًا ، ولكن صاحبكم خليلُ الله))(٣). وقوله عَ ◌ّه: ((إنَّ الله اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا))(٤). ولهذه الخلَّة شأن عظيم ، وهي السُّ الذي لأجله - واللهُ أعلم - أُمر الخليلُ بذبح ولده وثمرة فؤاده وفلذة كبده ؛ لأنه لمّا سألَ الولدَ فأعطيه ، تعلَّقت به شعبة من قلبه، و (( الخلَّة )) مَنصبٌ لا يقبل الشركة والقسمة ، فغار الخليل على خليله أن يكون في قلبه موضعٌ لغيره ، فأمره بذبح الولد ، ليُخرِجَ (١) رواه مسلم عن ابن مسعود . (٢) رواه البخاري ، وأحمد في مسنده عن ابن الزبير ، والبخاري عن ابن عباس . (٣) رواه مسلم عن ابن مسعود . (٤) رواه مسلم والحاكم في المستدرك عن جندب بن سمرة . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٧١٥ المزاحِمَ من قلبه ، فلمَّا وطّن نفسه على ذلك ، وعزم عليه عزمًا جازمًا حصل مقصود الأمر ، فلم يبقَ في إزهاق نفس الولد مصلحة ، فحال بينه وبينه ، وفداه بالذبْح العظيم ، وقيل له: ﴿ يا إبراهيمُ قد صدَّقَتَ الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ﴾ [ الصافات: ١٠٤ - ١٠٥ ] نجزي مَن بادر إلى طاعتنا ، فنقُّ عيْنَه كما أقررنا عينك بامتثال أوامرنا، وإبقاء الولد وسلامته، ﴿إِنَّ هذا لهوَ البلاءُ المبين ﴾ . وهذه الدعوة إنما دعا إليها بها خواصَّ خلْقه ، وأهل الألباب والبصائر منهم ، فما كُلُّ أحدٍ يجيب داعيها ، ولا كل عين قريرة بها . فما كلُّ عيْنِ بالحبيبِ قريرةٌ ولا كُلُّ مَن نُودِي يُجيبُ المناديا يُحِبْ كلّ مَن أضحى إلى الغِ داعیا ومَن لا يُجِبْ داعي هُداكَ فخلِّهِ سنا الشمسِ فاستغشي ظلام اللياليا وقلْ للعيونِ الرَمْدِ إياكِ أنْ ترئي ودعْها وما اختارت ولا تُ جافيا مغيبُكَ عنْ ذا الشانِ لو كنتَ واعيا رحمتَ عدوًّا حاسِدًا لكَ قاليا على حالِه فارحمْهُ إنْ كنتَ رائیا ولاءمها قطْعٌ من الليلِ باديا ر بدا استخفتْ وأعطتْ تواريا ضريرٍ وعِنِّينِ من الوجْدِ خاليا يعودُ لعيْنيه ظلامًا كما هيا إلى أن ترىُ كُفؤًا أتاك موافيا -جبانُ تأخّرْ لستَ كُفْوًّا مساويا -مَحَّبَّة في ظهْرِ العزائمِ ساريا سیکفیك وجهُ الحِبِّ في اللیل هادیا سیکفي المطایا طيبُ ذكراهُ حادِیا وسامِحْ نفوسًا لم يهيْهَا لحُبِّهِمْ وقلْ للذي قد غاب يكفي عقوبةً وواللهِ لو أضحى نصيبك وافرًا ألمْ ترَ آثارَ القطيعةِ قدْ بدتْ خفافيشُ أعشاها النهارُ بضوْئِهِ فجالتْ وصالتْ فیه حتى إذا النها فيا محنةً الحسناءِ تهدى إلى امرئ إذا ظُلْمةُ الليلِ انجلتْ بضيائها فضِنَّ بها إنْ كنتَ تعرفُ قدرها فما مهرها شيءٌ سوی الروحِ أيُّها الْـ فکنْ أبدًا حیثُ استقلَّتْ ر کائبُ الْـ وأُذلجْ ولا تخشَ الظلامَ فإنَّهُ وسُقْها بذكراهُ مطاياكَ إنهُ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٧١٦ صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس فما مَشِيتْ واستَبْقِ العظامَ البواليا وعِدْها بُرُوحِ الوصْل تُعطيكَ سیرَها تريحكَ من عيْشٍ بِهِ لِسْتَ راضيا وأقدِمْ فإمَّا مُنيةٌ أو منيَّةٌ وحسبُك فوْزًا ذاكَ إنْ كنتَ واعيا فما ثَمَّ إلّا الوصْلُ أو كَلَفِّ بِهِمْ فما لي أرى الأعضاءَ منك كواسيا ولمّا ادَّعيتُ الحبَّ قالتْ : كذبتَني وتذبُل حتى لا تجيب المناديا فلا حبّ حتى يلصقَ القلبُ بالحشا سوى مقلةٍ تبكي بها وتناجيا وتنحلُ حتى لا يبقِّي لكَ الهوى نعمْ .. إمَّا أنْ تموتَ بدائك ، وإما أن تصل إلى دوائك . أطيبُ الحياةِ أنْ تكونَ مُحِبًّا لله محبوبًا : عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي عَ لّم قال: ((يقول الله عز وجل : مَن عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب ، وما تقَرَّبَ إلَّي عبدي بشيء أحبّ إلّ مما افترضتُه عليه ، ولا يزال عبدي يتقرّبُ إلّ بالنوافل حتى أُحبَّه ، فإذا أحببته كنتُ سمعَه الذي يسمع به ، وبصره الذي يُبصر به ، ويده التي يَبْطِشُ بها ، ورِجْلَه التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينَّه ، ولئن استعاذ بي الأُعيذَّه ، وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته ))(١) . قال ابن القيم: (( أطيب الحياة : حياة هذا العبد ؛ فإنه محبٌّ محبوب ، متقرِّب إلى ربه ، وربُّه قريب منه ، قد صار له حبيبَه لفرط استيلائه على قلبه ، ولهجه بذكْره ، وعكوف همته على مرضاته ، بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله ، وهذه آلات إدراكه وعمله وسعيه ؛ فإنّ سمِعِ سمِع بحبيبه ، وإنْ أبصرَ أبصر به ، وإن بطش بطش به ، وإن مشى مشى به . فإن صعب عليك فهْمَ هذا المعنى ، وكُوْن المحب الكامل المحبَّة يسمع (١) رواه البخاري في ((صحيحه)). كتاب الرقائق . باب التواضع. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٧١٧ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ويبصر ويبطش ويمشي بمحبوبه ، وذاته غائبة عنه ؛ فاضربْ عنه صفْحًا ، وخلّ هذا الشأن لأهله . خلِّ الهوىُ لأناس يُعرَفونَ بِهِ قَدْ كَابَدُوا الحُبَّ حتى لانَ أَصعَبُهُ فإنّ السالِك إلى ربِّه لا تزال همَّته عاكفة على أمريْن : استفراغ القلب في صدق الحبِّ ، وبذل الجهد في امتثال الأمر ، فلا يزال كذلك حتى يبدو على سرِّه شواهد معرفته ، وآثار صفاته وأسمائه ، ولكن يتوارى عنه ذلك أحيانًا، ويبدو أحيانًا؛ يبدو مِنْ عيْن الجود ، ويتوارى بحكم الفتْرة . والفترات أمّرٌ لازم للعبد، فكل عامل له شَّة، ولكل شّة فتْرة، فأعلاها فترة وهي للأنبياء ، وفترة الحال الخاصِّ للعارفين ، وفترة الهمّة للمريدين ، وفترة العمل للعابدين . وفي هذه الفترات أنواع من الحكمة والرحمة ، والتعُّفات الإلهية ، وتعريف قدر النعمة ، وتجديد الشوق إليها ، ومحض التواجد إليها وغير ذلك . ولا تزال تلك الشواهد تتكرر وتتزايد حتى تستقرّ ، وينصبغ بها قلبه ، وتصير الفترة غير قاطعة له ، بل تكون نعمة عليه وراحة له ، وترويحا وتنفيسًا عنه . فهمَّة المحبِّ إذا تعلَّقت روحه بحبيبه ، عاكفًا على مزيد محبَّتَه وأسباب قوتها ، فهو يعمل على هذا ، ثم يترقَّى منه إلى طلب محبَّة حبيبه له ، فيعمل على حصول ذلك ، ولا يعدم الطلب الأول ولا يفارقه ألبتة ، بل يندرج في هذا الطلب الثاني ، فتتعلَّق همَّته بالأمريْن جميعًا ؛ فإنه إنما يحصل له منزلة ((كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يُصر به)) بهذا الأمر الثاني وهو كونه محبوبًا لحبيبه ؛ كما قال في الحديث: ((فإذا أحببتُه كنتُ سمعه وبصره ... )) إلخ. فهو يتقرّب إلى ربِّه حِفظًا لمحبته له ، واستدعاءً لمحبّة ربِّه له . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٧١٨ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس فحينئذٍ يشدُّ مِئزر الجدِّ في طلب محبَّة حبيبه له ، بأنواع التقُّب إليه ؛ فقلبه المحبَّة والإِنابة والتوكُّل والخوف والرجاء ، ولسانه للذكر وتلاوة كلام حبيبه ، وجوارحه للطاعات ؛ فهو لا يفتر عن التقُّب من حبيبه . وهذا هو السير المفضي إلى هذه الغاية التي لا تُنال إلا به . ولا يُتوصَّل إليها إلّا مِن هذا الباب وهذه الطريق ، وحينئذ تُجمع له في سيره جمیعُ متفرقات السلوك ؛ من الحضور ، والهيبة ، والمراقبة ، ونفي الخاطر ، وتخلية الباطن . فإنَّ المحبَّ يشرع - أولًا - في التقربات بالأعمال الظاهرة ، وهي ظاهر التقُّب ، ثم يترقَّى من ذلك إلى حال التقُّب ، وهو الانجذاب إلى حبيبه بكلِّيَّته ، بروحه وقلبه ، وعقله وبدنه ، ثمَّ يترقّى من ذلك إلى حال الإِحسان ، فيعبد الله كأنه يراه ، فيتقَّب إليه حينئذٍ من باطنه بأعمال القلوب ؛ من المحبة والإِنابة والتعظيم والإِجلال والخشية ، فينبعث حينئذ من باطنه الجود ببذْل الروح ، والجود في محبَّة حبيبه بلا تكلف ، فيجود بروحه ونفسه ، ونَفَسه وإرادته ، وأعماله لحبيبه، حالًا لا تكلُّفًا . فإذا وجد المحبُّ ذلك فقد ظِفِر بحال التقُّب وسرِّه وباطنه . وإنْ لم يجده فهو يتقرّب بلسانه وبدنه وظاهره فقط ، فليدُمْ على ذلك ، وليتكلَّفِ التقُّب بالأذكار والأعمال على الدوام ، فعسَاه أن يحظى بحال القُرْب . ووراء هذا ((القرب الباطن)) أمر آخر أيضًا، وهو شيء لا يُعبَّر عنه بأحسن من عبارة أقرب الخلق إلى الله؛ رسول الله عَِّ عن هذا المعنى؛ حيث يقول حاكيًا عن ربِّه تبارك وتعالى: (( مَن تقَرَّب منِّي شبرًا تقربتُ منه ذراعًا، ومَن تقرّب مني ذراعا تقربتُ منه باعًا، ومَن أتاني يمشي أتيتُه هَرْولةٌ )). فيجد هذا المحب في باطنه ذوق معنى هذا الحديث ذوقًا حقيقيًّا . فذكر مِن مراتب القُرْب ثلاثة ، ونبّه به على ما دونها وما فوقها ، فذكر تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٧١٩ تقُّب العبد إليه بالبِّر، وتقُّبه سبحانه إلى العبد ذراعًا ، فإذا ذاق العبد حقيقة هذا التقُّب انتقل منه إلى تقُّب الذراع ، فيجد ذوق تقُّبِ الربِّ إليه باعًا ، فإذا ذاق حلاوة هذا القرب الثاني ؛ أسرَع المشي حينئذٍ إلى ربّه ، فيذوق حلاوة إتيانه إليه هرولةً ، وهاهنا منتهى الحديث . منبِّهًا على أنه إذا هرول عبده إليه كان قربُ حبيبه منه فوق هرولة العبد إليه . فإمّا أن يكون قد أمسَكَ عن ذلك لعظيمِ شاهدِ الجزاء ، أو لأنه يدخل في الجزاء الذي لم تسمع به أذن ، ولم يخطر على قلب بَشَر ، أو إحالةً على المراتب المتقدِّمة . فكأنه قيل له : وقِسْ على هذا . فعلى قدْر ما تبذل منك متقرِّبًا إلى ربِّك يتقَّب إليك بأكثر منه . وعلى هذا فلازم هذا التقرب المذكور في مراتبه ؛ أي : مَن تقَرَّب إلى حبيبه بروحه وجميع قواه ، وإرادته وأقواله وأعماله ؛ تقرّب الربُّ منه سبحانه بنفسه في مقابلة تقُّب عبده إليه . ولله درّ القائل : تتحيّرُ الألبابُ عندَ نزولِهِ ما زلتُ أُنزِلُ مِنْ ودادِكَ منزلًا وليس القُرْب في هذه المراتب كلِّها قْبَ مسافة حِسّيَّة ولا مُماسَّة ، بل هو قرب حقيقي ، والربُّ تعالى فوق سماواته على عرشه والعبد في الأرض ، وهذا الموضع هو سُّ السلوك وحقيقة العبودية . وملاك هذا الأمر : هو قصد التقُّب أولًا، ثم التقُّب ثانيًا ، ثم حال القرْب ثالثًا وهو الانبعاث بالكليَّة إلى الحبيب. وحقيقة هذا الانبعاث : أن تفنى بمراده عن هواك ، وبما منه عن حظّك ، بل يصير ذلك هو مجموع حظِّك ومرادك ، وقد عرفت أنَّ من تقَّب إلى حبيبه بشيء جُوزي على ذلك بقرْبٍ هو أضعافه . وعرفتَ أن أعلى أنواع التقُّب : تقُرُّب العبدِ بجملته - بظاهره وباطنه - وبوجوده إلى حبيبه . فمن فَعَل ذلك فقد تقرَّب بكلِّه ، ولم تبقَ منه بقيَّة لغير حبيبه ؛ كما قيل : يجدُ السبيلَ بها إليه العُدَّلُ لا کان من لسواك فیه بقیٌ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٧٢٠ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس وإذا كان المتقَّب إليه بالأعمال يعطي أضعاف أضعافٍ ما تُقُرِّب به ، فما الظنُّ بمن أُعطي حالَ التقُّب وذوْقه ووجده ؟! فما الظنُّ بمن تقرّب إليه بروحه ، وجميع إرادته ، وهمته وأقواله وأعماله ؟ ! . وهذه الحياة : هي حياة الدنيا ونعيمها في الحقيقة ، فمن فقدها ففقّده لحياته الطبيعيّة أولى به . هذي حياة الفتى فإن فُقِدتْ ففقْدُهُ للحياةِ أليقٌ بِهِ فلا عيش إلا عيش المحبِّين الذين قَّت أعينهم بحبيبهم ، وسكنت نفوسهم إليه ، واطمأنت قلوبهم به ، واستأنسوا بقْبهِ ، وتنعَّموا بحبِّه ، ففي القلب فاقة لا يسدُّها إلّا محبة الله والإِقبال عليه والإِنابة إليه ، ولا يلمُّ شعتهُ بغير ذلك ألبتة . ومن لم يظفر بذلك فحياتهُ كلها همومٌ وغمومٌ ، وآلامٌ وحسَّرَات . فإنه إن كان ذا همة عالية تقطّعت نفسه على الدنيا حسَرَات ؛ فإن همته لا ترضى فيها بالدُّون ، وإن كان مهيئًا خسيسًا فعيْشُهُ كعيْشِ أخسِّ الحيوانات . فلا تقُّ العيون إلّا بمحبَّة الحبيب الأول . أبو بكر الصِّدِّيقِ يسبقُ الأمَّة بحبِّه لله : عن بكر المُزَني قال: ما فاق أبو بكر أصحابَ محمدٍ عَّله بصومٍ ولا صلاةٍ ؛ ولكن بشيءٍ وقَرَ في قلبه . قال إبراهيم : بلغني عن ابن علية أنه قال في عقيب هذا الحديث : الذي كان في قلبه الحبُّ الله عز وجل والنصيحة لخلقه(١). ابن عمر يسأل اللهَ حبَّه : كان ابن عمر يدعو على الصفا والمروة وفي مناسكه: ((اللهمَّ اجعلني (١) استنشاق نسيم الأنس ص١٣ لابن رجب الحنبلي - المكتب الإسلامي. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/