Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوٌ الهمة - المجلد الخامس
فمن علم أن الربّ شكور تنوّعِ في معاملته ، ومن عرف أنه واسع
المغفرة تعلّق بأذيال مغفرته ، ومَن تعلّق بصفة من صفاته أخذته بيده حتى
تُدخله عليه ، ومن سار إليه بأسمائه الحسنى وصل إليه، ومن أحبَّه أَحبَّ أسماءه
وصفاته وكانت آثر شيء لديه .
ولمَّا كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة ؛ کان احبَّ خلقه إليه من
أنَّصف بصفة الشكر .
فهلُمُّوا إلى سيِّدكم ومولاكم ؛ فحياة القلوب في معرفته ومَحَبَّته .
وكمال الجوارح في التقُّب إليه بطاعته ، والقيام بخدمته . والألسنة بذكره ،
والثناء عليه بأوصاف مدحته . فأهل شكره أهل زيادته ، وأهل ذكره أهل
مُجالسته ، وأهل طاعته أهل كرامته ، وأهل معصيته لا يُقنِّطهم من رحمته ؛
إن تابوا فهو حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم ؛ يبتليهم بأنواع المصائب ؛
ليُكفِّرَ عنهم الخطايا ويُطهرهم من المعائب .
فالحمد لله ربِّ العالمين ، حمدًا كثيرًا طيًِّا مباركًا فيه ، كما يحبُّ
ربنا ويرضى ، وكما ينبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله ، حَمدًا يملأ السموات
والأرض وما بينهما، وما شاء ربُّنا من شيءٍ بعد بمجامع حمده كلِّها، ما علمنا
منها وما لم نعلم ، على نعمه كلِّها ، ما علمنا منه وما لم نعلم ، وعدد ما
حمد الحامدون ، وغفل عن ذكره الغافلون ، وعدد ما جرى به قلمه ، وأحصاه
كتابه ، وأحاط به علمه .
فضل الشكر :
منزلة الشكر من أعلى المنازل، وهي فوق منزلة ((الرضا)) وزيادة ، وأمّ
مقام أرفع من الشكر ، الذي يندرج فيه جميع مقامات الإِيمان ، حتى المحبة
والرضا والتوكَّل ؟! فإنَّ الشكر لا يصحُّ إلا بعد حصولها . وتالله ليس لخواصٌ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٤٦٢
أولياء الله وأهل القُرْب منه سبيلٌ أرفع من الشكر ولا أعلى .
فقد قرن الله تعالى ذكره بالشكر مع أنه قال: ﴿ولذكر الله أكبر ﴾.
وكلاهما هو المراد بالخلق والأمر، فقال تعالى: ﴿ فاذكروني أذكر كم وأشكروا
لي ولا تكفرون ﴾ [ البقرة : ١٥٢ ] .
وقرن سبحانه الشكر بالإِيمان ، فقال تعالى: ﴿ ما يفعل اللهُ بعذابكم
إن شكرتُم وآمنتم ... ) الآية. [ النساء : ١٤٧ ].
وأخبر بقّة أهله في العالمين ، الدالّة على أنهم هم خواصُّه ، كما قال تعالى:
وقليلٌ من عبادِيَ الشكور﴾ [سبأ: ١٣].
وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المخصوصون بمثَّته عليهم من بين عباده ،
فقال: ﴿ وكذلك فتَّ بعضَهم ببعضٍ ليقولوا أهؤلاء مَنَّ اللهُ عليهم مِن بيننا
أليس اللهُ بأعلمَ بالشاكرين﴾ [الأنعام : ٥٣].
وقسَّم الناس إلى شكورٍ وكَفُورٍ ، فأبغض الأشياء إليه الكفر وأهله ،
وأحبُّ الأشياء إليه الشكر وأهله ، قال تعالى: ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيلَ إِمَّا شاكرًا
وإمَّا كفورًا﴾. [ الدهر: ٣].
وقال نبيّه سليمان : ﴿ هذا من فضل ربِّي لَبْلُوَني أأشكرُ أم أكفر ومَن
شكر فإنما يشكرُ لنفسه ومَن كفر فإن ربِّي غنِّ كريمٌ﴾ . وقال تعالى :
وإذ تاذَّن رُّکم لئن شکر ثم لأزیدنکم ولئن کفرثم إن عذابي لشدید
[ إبراهيم: ٧]. وقال تعالى: ﴿إِنْ تكفروا فإنَّ اللهَ غنِّ عنكم ولا يرضى
لعباده الكفر وإنْ تشكروا يرضَهُ لكم ﴾. [ الزمر : ٧] .
وقد قطع الله بالمزيد مع الشكر وأطلق ولم يستثن فقال تعالى: ﴿ لئن
شكرتم لأزيدنكم ﴾ [إبراهيم : ٧] ، وقال تعالى: ﴿وسنجزي الشاكرين ﴾
[آل عمران: ١٤٥]، وقال تعالى: ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾ [آل عمران: ١٤٤]،
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٤٦٣
واستثنى في خمسة أشياء ؛ في الإِغناء والإِجابة والرزق والمغفرة والتوبة ،
فقال تعالى: ﴿ فسوف يُغنيكُم اللهُ من فضله إن شاء﴾. [ التوبة: ٢٨]،
وقال: ﴿ فيكشفُ ما تدعونَ إليه إن شاء﴾. [الأنعام: ٤١ ]، وقال تعالى :
: ويرزقُ من يشاء بغير حساب). [آل عمران: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿ ويغفر
ما دون ذلك لمن يشاء﴾. [ النساء: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿ويتوبُ اللهُ على
مَن يشاء ﴾. [ التوبة : ١٥ ] .
وقد جعل الله الشكر مفتاح كلام أهل الجنة ، فقال تعالى : ﴿وقالوا
الحمدُ لله الذي صدقنا وعده﴾. [ الزمر: ٧٤]، وقال: ﴿وآخر دَغواهم أن
الحمدُ لله ربِّ العالمين﴾ [ يونس: ١٠ ] .
ولما عرف إبليس اللعين قَدْر مقام الشكر ، وأنه من أجَلٌ المقامات وأعلاها ؛
جعل غايته أن يسعى في قطع الناس عنه، فقال: ﴿ثم لآتينهم منْ بين أيديهم ومنْ
خلْفهم وعنْ أَيْمانهم وعنْ شمائلهم ولا تَجِدُ أكْثرهمْ شاكرين﴾ [الأعراف: ١٧].
وقد أخبر سبحانه أنما يعبده مَن شكره ، فمن لم يشكره لم يكن من
أهل عبادته، فقال: ﴿واشكروا لله إن كنتم إيَّاه تعبدون﴾ [البقرة: ١٧٢ ].
وأوَّل وصيَّةٍ وصَّى بها الإِنسان بعد ما عقل عنه : الشكر له وللوالدين ،
فقال: ﴿ووصَّنا الإنسان بوالديه حملته أُمُّه وهنًا على وهْنٍ وفِصالُه في عامينِ
أنِ اشكر لي ولوالديك إلَّي المصير﴾. [ لقمان: ١٤ ].
وأخبر أن رضاه في شكره ، فقال تعالى : ﴿ وإن تشكروا يرضه
لكم ﴾ .
والشكر هو الغاية من خَلْق الله وأمره ، بل هو الغاية التي خلق عبيدَه
لأجلها؛ ﴿والله أخرجكم من بطون أُمَّهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم
السمعَ والأبصار والأفئدةَ لعلَّكم تشكرون﴾ [النحل: ٧٨]، وقال تعالى :
ولقد نصر كم الله ببدرٍ وأنعم أذلَّة فاتَّقُوا اللهَ لعلَّكم تشكرون﴾. [آل عمران: ١٢٣].
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٤٦٤
وأخبر سبحانه بأنه غاية إرساله الرسول ، فقال تعالى : ﴿ كما أرسلنا
فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكِّيكم ويعلِّمُكم الكتاب والحكمة ويعلِّمكم
ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ﴾ .
وأخبر رسوله عَّه أن القلب الشاكر خير ما اكتنز الناس، فقال عَ لّه:
(( قلبٌ شاكر ، ولسانٌ ذاكر ، وزوجةٌ صالحة تُعينُك على أمر دنياك ودينك -
خير ما اكتنز الناس )) (١).
قواعد الشكر وأركانه :
قال ابن القيم في ((مدارج السالكين)) (٢٤٤/٢): (( الشكر مبنّي على
خمس قواعد :
خضوعُ الشاكر للمشكور . وحبُّه له . واعترافُه بنعمته . وثناؤه عليه بها .
وأن لا يستعملها فيما يكره .
فهذه الخمس هي أساس الشكر ، وبناؤه عليها ؛ فمتى عُدِم منها واحدة ،
اختلَّ من قواعد الشكر قاعدة . وكلُّ من تكلّم في الشكر وحَدّه ، فكلامه
إليها يرجع ، وعليها يدور )).
١ - أما معرفتها :
فهو إحضارها في الذهن ، ومشاهدتها ، وتمييزها .
فمعرفتُها : تحصيلها ذهنًا كما حصلت له خارجًا ؛ إذ كثير من الناس
تُحسن إليه وهو لا يدري ، فلا يصحُّ من هذا الشكر .
(١) صحيح : رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي أمامة، وأخرجه الترمذي ، وابن
ماجه عن ثوبان ، وعبد الرزاق في الجامع ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع
رقم (٤٢٨٥) .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٤٦٥
٢ - وقبولها :
هو تلقِّيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها ، وأن وصولها إليه بغير
استحقاق منه. قال الجنيد: ((الشكر: أن لا ترى نفسك أهلًا للنعمة)).
وهذا معنى قول حمدون - وما ألطفه -: وشكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليًّا.
٣ - الثناء بها على المنعم :
نوعان : عامّ وخاصٌّ .
فالعام : وصفه بالجود والكرم والبر والإِحسان وسعة العطاء .
والخاصُّ : التحدّث بنعمته ، والإِخبار بوصولها إليه من جهته ، والدعوة
إلى الله ، وتبليغ رسالته ، وتعليم الأمة ، كما قال تعالى: ﴿وأما بنعمة ربِّك
فحدِّث﴾. [ الضحى : ١١ ].
قال ◌َ له: ((التحدُّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، ومَن لا يشكر
القليل لا يشكر الكثير))(١).
عمَّا فعلتَ وأن برّك ناطقُ
ومِن الّزيَّة أن شکريّ صامتٌ
إني إذًا لندى الكريم لسارقُ
وأرى الصنيعةً منك ثم أُسِرُّها
الشكر علمٌ وحالٌ وعمل :
قال الغزالي: (( الشكر ينتظم من علم وحال وعمل ؛ فالعلم هو الأصل ،
فيورث الحال ، والحال يورث العمل .
فأمّا العلم : فهو معرفة النعمة من المنعم .
والحال : هو الفرح الحاصل بإنعامه .
والعمل : هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه ، ويتعلّق ذلك العمل
(١) حسن : رواه البيهقي في شعب الإِيمان عن النعمان بن بشير، وحسَّنه الألباني في
صحيح الجامع رقم (٣٠١٤) ، والسلسلة الصحيحة رقم (٦٦٧).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٦٦
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
بالقلب وبالجوارح واللسان .
الأصل الأول : التقديس والتوحيد والعلم بعين النعمة ، ووجه كونها نعمة ،
وبذات المنْعِم عزَّ وجلّ :
فكمال القدرة والانفراد بالنعم كلِّها لله ، فهو وحده المنْعِم .
قال موسى عليه السلام : إلهي خلقت آدم بيدك ، وفعلتَ وفعلتَ ، فكيف
شكَرك ؟ فقال الله عز وجل : علم أنَّ كلّ ذلك مني ، فكانت معرفته شُكرًا .
فإذن لا تشكر إلا بأن تعرف بأن الكلّ منه ، فإن خالَجَك ريب في هذا ،
لم تكن عارفًا لا بالنعمة ولا بالمنعم ؛ فلا تفرح بالمنعم وحده بل وبغيره ، فبنقصان
معرفتك ينقص حالك في الفرح ، وبنقصان فرحك ينقص عملك .
الأصل الثاني : الحال المستمدَّة من العلم ، وهو الفرح بالمنعم مع هيئة الخضوع
والتواضع :
وأعلى الفرح أن يكون فرح العبد بنعمة الله تعالى ، من حيث إِنَّه يقدر
بها على التوصُّل إلى القرب منه والنزول في جواره والنظر إلى وجهه ، لا أن
يفرح بالنعمة من حيث إنها نعمة فقط ولا حظَّ له في الملك، ولا من يفرح بالنعمة
لكونها تدلُّ على عناية الملِك به ، فكم من فْق بين مَن يريد الملِك للفرس ،
ومَن يريد الفرس للملك. وكم من فرق بين مَن يريد الله ليُنْعِم عليه ، وبين
من يريد نعم الله ليصل بها إليه .
الأصل الثالث : العمل بموجب الفرح . وهذا العمل يتعلق بالقلب واللسان
والجوارح :
أمّا بالقلب : فقصد الخير وإضماره لكافة الخلق . وأما باللسان : فإظهار
الشكر لله تعالى بالتحميدات الدالّة عليه . وأما بالجوارح : فاستعمال نعم الله
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٤٦٧
في طاعته ، والتوقّي من الاستعانة بها على معصيته)) (١).
الشكر يتعلَّق بالقلب واللسان والجوارح ؛ فالقلب للمعرفة والمحبة ،
واللسان للحمد والثناء . والجوارح لاستعمالها في طاعة المشكور، وكفّها عن
معاصيه .
أفادتكم النعماء مني ثلاثةً يدي ولساني والضمير المحجَّبا
الكمال في الشكر : أن تشهد النعمة والمنعم :
قال بعضهم : الشكر: الفناء برؤية المنعم عن رؤية نِعَمِه .
وقال آخرون : بل أن لا تحجبه رؤية نعمه ومشاهدتها عن رؤية المنعم
بها . وهذا أكمل .
قال ابن القيم: (( والكمال أن تشهد النعمة والمنعم ؛ لأن شكره بحسب
شهود النعمة ، فكلما كان أتم كان الشكر أكمل . والله يحبُّ من عبده أن يشهد
نعمه ، ويعترف له بها ، ويُثني عليه بها ، ويحبّه عليها ، لا أن يفنى عنها ، ويغيب
عن شهودها )) .
شُكْر الخاصة وشُكْر العامة :
قال إبراهيم الخواص رحمه الله ((شكْر العامة على المطعم والملبس والمشرب ،
وشكْر الخاصة على واردات القلوب))(٢).
قال ابن القيم: (( شكْر العامة : على المطعم والمشرب والملبس وقوت
الأبدان ، وشكر الخاصة على التوحيد والإِيمان وقوت القلوب)).
وقال أبو عثمان : شكّر العامة على المطعم والملبس ، وشكر الخواصِّ على
ما يرد على قلوبهم من المعاني .
(١) إحياء علوم الدين بتصُّف يسير ٨٦/٤ - ٨٩.
(٢) إحياء علوم الدين ٨٩/٤.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٦٨
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
الفرق بين الحمد والشكر :
قال ابن القيم: (( تكلّم الناس في الفرق بين ((الحمد)) و ((الشكر)) أيهما
أعلى وأفضل؟ والفرق بينهما: أن ((الشكر)) أعمُّ من جهة أنواعه وأسبابه، وأخصُّ
من جهة متعلّقاته. و ((الحمد )) أعمّ من جهة المتعلّقات، وأخصّ من جهة
الأسباب .
ومعنى هذا : أن الشكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانة ، وباللسان
ثناءً واعترافًا ، وبالجوارح طاعةً وانقيادًا. ومتعلقه : النعم ، دون الأوصاف
الذاتية ، فلا يقال : شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه . وهو المحمود
عليها ، كما هو محمود على إحسانه وعدله . والشكر يكون على الإِحسان والنعم ؛
فكلُّ ما يتعلَّق به الشكر يتعلَّق به الحمد من غير عكس ، وكلّ ما يقع به الحمد
يقع به الشكر من غير عكس ؛ فإن الشكر يقع بالجوارح ، والحمد يقع بالقلب
واللسان))(١) .
وقال رحمه الله: (( الشكر أخصُّ بالأفعال، والحمد أخصُّ بالأقوال ،
وسبب الحمد أعُمُّ من سبب الشكر، ومتعلّق الشكر وما به الشكر أعمُّ مما به الحمد ،
فما يُحمد الربُّ تعالى عليه أعمّ مما يُشكر عليه ؛ فإنه يُحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله
ونعمه ، ويُشكر على نِعَمه . وما يُحمد به أخصُّ ممّا يشكر به ؛ فإنه يُشكر بالقلب
واللسان والجوارح، ويُحمد بالقلب واللسان)) (٢).
الشّكر على الشكر أتمُّ من الشكر :
قال ابن القيم: (( يُقال : الشكر على الشكر أتم من الشكر ؛ وذلك أن
(١) مدارج السالكين ٢٤٦/٢ .
عُدَّة الصابرين ص١٤٥ .
(٢)
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٦٩
صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
ترى شكرك بتوفيقه ، وذلك التوفيق من أجلٌّ النعم عليك . تشكر على النعم ،
ثم تشكره على الشكر )) .
الاعتراف بالعجز عن الشكر : شكر :
قال داود عليه السلام : يا رب ، كيف أشكرك ؟ وشكري لك نعمة
علَّي من عندك تستوجب بها شكرًا . فقال : الآن شكرتني يا داود(١).
والاعتراف بالعجز عن الشكر بيانه من وجوه :
الأول : أن شكر النعمة مشروط بمعرفة تلك النعمة ، ومعرفة نعم الله
تعالى غير حاصلة ؛ يقول الله تعالى: ﴿وإنْ تَعُدّوا نعمةَ الله لا تحصوها﴾.
[ النحل : ١٨ ]، فإذا كانت معرفة النعم غير حاصلة ؛ كان الشكر غير ممكن ،
وعجز الإِنسان عن شكره .
الثاني : شُكْرُ النعمة مخلوق من المنْعِم ، وذلك الشكر أعظم قدرًا من
تلك النعمة ، فكيف يُعقَل شكر نعمته من غير نعمته .
الثالث : أن الله يُعطي على هذا الشكر نعمة زائدة ، فإن وقع هذا الشكر
في مقابلة النعمة السابقة ؛ بقيت النعمة اللاحقة بلا شكر . وإن وقع الشكر
في مقابلة اللاحقة ؛ بقيت النعمة السابقة بلا شكر . وعلى التقديرين لا يفي
شكر العبد بنعمة الرب .
الرابع : أن الله يُعطيك مع استغنائه عنك ، وأنتَ تشكره مع افتقارك
إليه ، فكيف يقع هذا الشكر الصادر عن الحاجة والضرورة في مقابلة الإِنعام
الذي هو محض التفضُّل والإِحسان .
ولله دُّ محمود الورَّاق إذ يقول :
علَّيّ له في مثلها يجب الشكْرُ
إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةً
(١) مدارج السالكين ٢٤٥/٢ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٧٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
وإنْ طالت الأيام واتَّصل العمْرُ
فكيف وقوع الشكر إلّا بفضله
وإن مسَّ بالضَرّاء أعقبها الأُخْرُ
إذا مسَّ بالسّرّاءِ عمَّ سرورها
تضيق بها الأوهامُ والبُّ والبحْرُ
وما منهما إلّا له فيه مِنَّةٌ
وقال الشاعر أحمد مخيمر :
تجودُ به والشكر أولى به العبدُ
لك الحمدُ إذْ أنت الشكور على الذي
وجلّ بنا ما يصنع الصمدُ الفردُ
وشكْرُك للخير الذي أنت صانع
درجات الشكر :
قال شيخ الإسلام الهروي : وهو على ثلاث درجات :
الدرجة الأولى : الشكر على المحابِّ :
قال ابن القيم: ((إذا علمتَ حقيقة ((الشكر))، وأن جزء حقيقته
الاستعانة بنعم المنعِم على طاعته ومرضاته ؛ علمتَ اختصاص أهل الإِسلام بهذه
الدرجة ، وأن حقيقة الشكر على المحابِّ ليست لغيرهم .
نعم لغيرهم منها بعض أركانها وأجزائها ؛ كالاعتراف بالنعمة ، والثناء
على المنعم بها . فإن جميع الخلق في نعم الله ، وكلّ من أقر بالله ربًّا، وتفرّده
بالخلق والإِحسان ، فإنه يضيف نعمته إليه . لكن الشأن في تمام حقيقة الشكر ،
وهو الاستعانة بها على مرضاته . وقد كتبت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية
رضي الله عنه: (( إن أقَّ ما يجبُ للمنعِم على مَن أنعم عليه ، أن لا يجعل ما
أنعم عليه سبيلًا إلى معصيته)).
وقد عُرف مراد الشيخ ، وهو أن هذا الشكر مشترك ، وهو الاعتراف
بنعمه سبحانه ، والثناء عليه بها ، والإِحسان إلى خلقه منها . وهذا بلا شكِّ
يُوجب حفظها عليهم والمزيد منها . فهذا الجزء من الشكر مشترك ، وقد تكون
ثمرته في الدنيا بعاجل الثواب . وفي الآخرة بتخفيف العقاب ؛ فإن النار دركات
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٤٧١
في العقوبة مختلفة ))(١).
الدرجة الثانية : الشكر في المكاره :
قال الهروي: ((الدرجة الثانية: الشكر في المكاره. وهذا ممّن تستوي
عنده الحالات ؛ إظهارًا للرضا . وممّن يُميِّز بين الأحوال ؛ لكظم الغيظ ، وستْر
الشكوى ، ورعاية الأدب ، وسلوك مسلك العلم . وهذا الشاكر أول مَن
يُدعَى إلى الجنة)).
قال ابن القيم: (( يعني أن الشكر على المكاره أشدُّ وأصعب من الشكر
على المحابِّ ؛ ولهذا كان فوقه في الدرجة ، ولا يكون إلا من أحد رجلين :
إمَّا رجل لا يُميِّز بين الحالات ، بل يستوي عنده المكروه والمحبوب ؛
فشكْر هذا إظهارٌ منه للرضا بما نزل به ، وهذا مقام الرضا .
الرجل الثاني : مَن يُميِّز بين الأحوال ؛ فهو لا يحبُّ المكروه ، ولا يرضى
بنزوله به . فإذا نزل به مكروه شكر الله تعالى عليه ، فكان شكره كظْمًا
للغيظ الذي أصابه ، وستّرًا للشكوى ، ورعايةً منه للأدب ، وسلوكًا لمسلك
العلم . فإن العلم والأدب يأمران بشكر الله على السَّرَّاء والضَرّاء . فهو يسلك
بهذا الشكر مسلك العلم ؛ لأنه شاكر لله شكر من رضي بقضائه ، كحال الذي
قبله . فالذي قبله أرفع منه .
وإنما كان هذا الشاكر أول مَن يُدعى إلى الجنة ؛ لأنه قابل المكاره
التي يُقابلها أكثر الناس بالجزع والسخط ، وأوساطهم بالصبر ، وخاصَّتهم
بالرضا - فقابلها هو بأعلى من ذلك كلِّه ، وهو الشكر ، فكان أسبقهم دخولًا
إلى الجنة ، وأول مَن يُدعى منهم إليها .
(١) مدارج السالكين ٢٥٣/٢.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٧٢
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
وقسّم أهَلَ هذه الدرجة إلى قسمين : سابقين ، ومُقَرَّبين . بحسب
انقسامهم إلى مَن يستوي عنده الحالات من المكروه والمحبوب ، فلا يؤثر
أحدهما على الآخر ، بل قد فني بإيثاره ما يرضىُ له به ربُّه عما يرضاه هو
لنفسه. وإلى مَن يُؤثر المحبوب، ولكن إذا نزل به المكروه قابله بالشكر))(١).
قال الثوري : كان يُقال: ليس بفقيه مَن لم يعدَّ البلاء نعمة ، والرخاء
مصيبة .
الدرجة الثالثة : أن لا يشهد العبد إلا المنعم :
قال الهروي: (( فإذا شهد المنعم عبوديةً؛ استعظم منه النعمة . وإذا
شهده حبًّا ، استحلى منه الشدة . وإذا شهده تفريدًا ؛ لم يشهد منه نعمة ولا
شدَّة)) .
قال ابن القيم: ((هذه الدرجة يستغرق صاحبها بشهود المنعم عن النعمة .
فلا يتَّسع شهوده للمنعِم ولغيره .
وقسَّم أصحابها إلى ثلاثة أقسام ؛ أصحاب شهود العبودية ، وأصحاب
شهود الحب ، وأصحاب شهود التفريد . وجعل لكل منهم حكْمًا هو أولى به .
فأما شهوده العبودية: فهو مشاهدة العبد للسيد بحقيقة العبودية والملك
له ؛ فإن العبيد إذا حضروا بين يدي سيدهم فإنهم ينسون ما هم فيه من الجاه
والقرب الذي اختُصُّوا به عن غيرهم باستغراقهم في أدب العبودية وحقها ،
وملاحظتهم لسيدهم ؛ خوفًا أن يشير إليهم بأمر فيجدهم غافلين عن ملاحظته .
وهذا أمر يعرفه من شاهد أحوال الملوك وخواصّهم .
فهذا هو شهود العبد للمنعِم بوصف عبوديته له ، واستغراقه عن الإِحسان
(١) مدارج السالكين ٢٥٤/٢.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي
مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٤٧٣
بما حصل له منه من القرب الذي تميَّز به عن غيره .
فصاحب هذا المشهد : إذا أنعم عليه سيِّده في هذه الحال - مع قيامه
في مقام العبودية - يُوجب عليه أن يستصغر نفسه في حضرة سيده غاية
الاستصغار ، مع امتلاء قلبه من محبَّته . فأيّ إحسان ناله منه في هذه الحالة
رآه عظيمًا . والواقع شاهد بهذا في حال المحبِّ الكامل المحبَّة ، المستغرق
في مشاهدة محبوبه إذا ناوله شيئًا يسيرًا ؛ فإنه يراه في ذلك المقام عظيمًا
جدًّا ، ولا يراه غيره كذلك .
القسم الثاني : يشهد الحق شهود محبة غالبة قاهرة له ، مستغرق
في شهوده کذلك ؛ فإنه يستحلي في هذه الحال الشدة منه ؛ لأن المحبَّ يستحلي
فعْل المحبوب به :
وأقُّ ما في هذا المشهد : أن يَخِفٌّ عليه حمل الشدائد ، إن لم تسمح
نفسه باستحلائها . وفي هذا من الحكايات المعروفة عند الناس ما يغني عن
ذكرها؛ كحال الذي كان يُضرب بالسياط ولا يتحرّك، حتى ضُرب آخر سوط،
فصاح صياحًا شديدًا ، فقيل له في ذلك ، فقال: العين التي كانت تنظر إلَّ
وقْت الضرب كانت تمنعني من الإِحساس بالألم ، فلما فقدتُها وجدتُ ألم
الضرب .
وهذه الحال عارضة ليست بلازمة ، فإن الطبيعة تأبى استحلاء المنافي
كاستحلاء الموافق .
نعم قد يقوى سلطان المحبة حتى يستحلى المحبُّ ما يستمِرُّه غيره ،
ويستخف ما يستثقله غيره ، ويأنس بما يستوحش منه الخَلُّ ، ويستوحش مما
يأنس به ، ويستلين ما يستوعره . وقوة هذا وضعفه بحسب قهْر سلطان المحبة ،
وغلبته على قلب المحب .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٧٤
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
القسم الثالث : أن يشهده تفريدًا ؛ فإنه لا يشهد معه نعمةً ولا شدَّة :
يقول : إن شهود التفريد يفني الرسم . وهذه حال الفناء المستغرَقِ فيه ،
الذي لا يشهد نعمة ولا بليَّة ؛ فإنه يغيب بمشهوده عن شهوده له ، ويفنى
به عنه . فكيف يشهد معه نعمة أو بلية ؟ كما قال بعضهم في هذا : من كانت
مواهبه لا تتعدَّى يديه ، فلا واهب ولا موهوب .
وذلك مقام الجمع عندهم ، وبعضهم يُحرِّم العبارة عنه .
وحقيقته : اصطلام يرفع إحساس صاحبه برسمه فضلًا عن رسم غيره ؛
الاستغراقه في مشهوده وغيبته به عما سواه . وهذا هو مطلوب القوم .
وقد عرفت أن فوقه مقامًا أعلى منه ، وأرفع وأجلّ ؛ وهو أن يصطلم
بمراده عن غيره ، فيكون في حال مشاهدته واستغراقه مُنَفِّذًا لمراسيمه ومراده ،
ملاحظًا لما يلاحظ محبوبه من المرادات والأوامر .
فتأمل الآن عبدين بين يدي ملك من ملوك الدنيا ، وهما على موقف
واحد بين يديه ، أحدهما مشغول بمشاهدته ؛ فإن استغراقه في ملاحظة الملك
ليس فيه مُتَّسع إلى ملاحظة شيءٍ من أمور الملك ألبتة. وآخر مشغول بملاحظة
حركات الملك وكلماته، وأيش أمره ولحظاته وخواطره ؛ ليرتِّب على كل من
ذلك ما هو مرادٌ للملك .
وتأمل قصة بعض الملوك الذي كان له غلام يخصُّه بإقباله عليه وإكرامه ،
والحظوة عنده من بين سائر غلمانه - ولم يكن الغلام أكثرهم قيمة ، ولا
أحسنهم صورة - فقالوا له في ذلك ، فأراد السلطان أن يُبَيِّن لهم فضْل الغلام
في الخدمة على غيره ، فيومًا من الأيام كان راكبًا في بعض شئونه ، ومعه الحشم ،
وبالبعد منه جَبلٌ عليه ثلج ، فنظر السلطان إلى ذلك الثلج وأطرق ، فركض
الغلام فرسه ، ولم يعلم القوم لماذا ركض ، فلم يلبث أن جاء ومعه شيءٌ من
الثلج ، فقال السلطان : ما أدراك أني أريد الثلج ؟ فقال الغلام : لأنك نظرت
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٧٥
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
إليه ، ونظر الملوك إلى شيء لا يكون عن غير قصْد . فقال السلطان : إنما
أخصَّه بإكرامي وإقبالي ؛ لأن لكِلِّ واحد منكم شغلًا ، وشغله مراعاة لحظاتي ،
ومراقبة أحوالي . يعني في تحصيل مرادي .
وسمعتُ بعض الشيوخ يقول : لو قال ملِك لغلاميْن له بين يديه ،
مستغرقيْن في مشاهدته والإقبال عليه : اذهبا إلى بلاد عدوِّي ، فأوصلا إليهم
هذه الكتب ، وطالِعاني بأحوالهم ، وافعلا كيت وكيت . فأحدهما : مضى
من ساعته لوجهه ، وبادر ما أمره به ، والآخر قال : أنا لا أدع مشاهدتك ،
والاستغراق فيك ، ودوام النظر إليك، ولا أشتغل بغيرك . لكان هذا جديرًا
بمقْت الملك له ، وبغضه إياه ، وسقوطه من عينه ؛ إذ هو واقف مع مجرّد
حظّه من الملِك ، لا مع مراد الملك منه . بخلاف صاحبه الأول .
وسمعتُه أيضًا يقول : لو أن شخصيْن ادَّعيا محبَّة محبوب ، فحضرا
بين يديه ، فأقبل أحدهما على مشاهدته والنظر إليه فقط ، وأقبل الآخر على
استقراء مراداته ومراضيه وأوامره ليمتثلَها ، فقال لهما : ما تريدان ؟ فقال
أحدهما : أريد دوام مشاهدتك ، والاستغراق في جمالك . وقال الآخر :
أريد تنفيذ أوامرك ، وتحصيل مراضيك ؛ فمرادي منك ما تريدُه أنت مني ،
لا ما أريده أنا منك . والآخر قال : مرادي منك تمتُّعي بمشاهدتك - أكانا
عنده سواء ؟ . فمن هو الآن صاحب المحبَّة المعلولة المدخولة ، الناقصة
النفسانية ، وصاحب المحبة الصحيحة الصادقة الكاملة ؟ أهذا أم هذا ؟.
وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية - قدَّس الله روحه - يحكي عن بعض
العارفين أنه قال : الناس يعبدون الله ، والصوفية يعبدون أنفسهم .
أراد هذا المعنى المتقدِّم ، وأنهم واقفون مع مرادهم من الله ، لا مع مراد الله
منهم . وهذا عين عبادة النفس . فليتأمل اللبيب هذا الموضع حقَّ التأمُّل ؛ فإنه
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٤٧٦
محكٌّ وميزان ، والله المستعان))(١).
عُلُوُّ همَّة نوح عليه السلام :
قال تعالى: ﴿ ذريَّة من حملنا مع نوح إنه كان عبدًا شكورًا ﴾. [ الإسراء :
٣ ].
قال ابن القيم في ((عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين)) (ص١١٣): (( قد
أثنى الله سبحانه وتعالى على أوّل رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر ، وفي
تخصيص نوح هاهنا بالذِّكر وخطاب العباد بأنهم ذريَّته ؛ إشارة إلى الاقتداء
به فإنه أبوهم الثاني ؛ فإن الله تعالى لم يجعل للخلق بعد الغرق نسلًا إلا
من ذريَّته ، كما قال تعالى: ﴿ وجعلنا ذريَّته هم الباقين﴾. [ الصافات: ٧٧ ]
فأمر الذريَّة أن يتشبَّهوا بأبيهم في الشكر ، فإنه كان عبدًا شكورًا .
عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿ إنه كان عبدًا شكورًا﴾؛ قال: لم يأكل
شيئًا إلا حمد الله عليه، ولم يشرب شرابًا قط إلا حمِدَ الله عليه ، ولم يبطش
بشيءٍ قط إلا حمد الله عليه ؛ فأثنى الله عليه أنه كان عبدًا شكورًا .
وقال محمد بن كعب: ((كان نوح إذا أكل قال : الحمد لله ، وإذا شرب
قال : الحمد لله ، وإذا لبس قال : الحمد لله ، وإذا ركب قال : الحمد لله؛
فسمَّاه الله عبدًا شكورًا)).
فصلواتُ ربِّي وسلامه على مَن حدَّث بنعمة ربِّه عليه ، دعوة إليه وتبليغًا
لرسالته ألف سنة إلا خمسين عامًا .. فما أعظم شكره .
إبراهيم الخليل عليه السلام : الشاكر لأنعم ربِّه :
قال ابن القيم: (( أثنى الله سبحانه على خليله إبراهيم بشكر نعمه فقال :
إن إبراهيم كان أمَّة قانتًا لله حنيفًا ولم يكُ من المشركين شاكرًا لأنْعُمه اجتباه
(١) مدارج السالكين ٢٥٥/٢ - ٢٥٨.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٤٧٧
وهداه إلى صراطٍ مستقيم﴾. [النحل: ١٢١]، فأخبر عنه سبحانه بأنه أمّة ،
أي قدوة يُؤتم به في الخير ، وأنه قانتٌ لله، والقانت : هو المطيع المقيم على
طاعته . والحنيف : هو المقبل على الله ، المعرض عما سواه . ثم ختم له هذه
الصفات بأنه شاكر لأنعمه ، فجعل الشكر غاية خليله))(١).
موسى عليه السلام : من سادات الشاكرين :
قال ابن القيم: (( أمر الله عبده موسى أن يتلقَّى ما آتاه من النبوّة والرسالة
والتكليم بالشكر ، فقال تعالى: ﴿ يا موسى إني اصطفيتُك على الناسِ برسالاتي
وبكلامي فخُذ ما آتيتك وكُن من الشاكرين). [ الأعراف: ١١٤].
عن أبي الجلد قال : قرأتُ في مسألة موسى عليه السلام أنه قال :
(( يا رب ، كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمةٍ وضعتها عندي من نعمك ، لا
يُجازي بها عملي كلّه. قال: فأتاه الوحي: أن يا موسى، الآن شكرتني))(٢).
داود عليه السلام :
عن أبي الجلد قال : قرأت في مسألة داود عليه السلام ربَّه أنه قال :
((أي ربِّ، كيف لي أن أشكرك ، وإني لا أصل إلى شكرك إلا بنعمتك .
قال : فأتاه الوحي : أن يا داود ، أليس تعلم أن الذي بك من النعم مني ؟
قال : بلى يا رب . قال: فإني أرضى بذاك منك شكّرًا)) (٣).
(( قال ثابت البناني: کان داود عليه السلام قد جزّأ ساعات الليل والنهار
على أهله ، فلم يكن ساعة من ليل أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلّي
عُدَّة الصابرين ص١١٣ - ١١٤ .
(١)
(٢) الشكر لابن أبي الدنيا ص١٧ . دار ابن كثير .
الشكر لابن أبي الدنيا ص ٦٧ .
(٣)
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٧٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
فيها ، قال . فعمَّهم تبارك وتعالى في هذه الآية ﴿ اعملوا آل داود شكرًا
وقليلٌ مِن عبادي الشكور﴾. [ سبأ: ١٣)(١).
وعن سعيد بن عبد العزيز قال: ((كان من دعاء داود : سبحان مستخرج
الشكر بالعطاء ، ومستخرج الدعاء بالبلاء))(٢).
وعن الحسن قال: قال نبي الله داود: ((إلهي لو أن لكل شعرة مني
لسانين يسبّحانك الليل والنهار والدهر، ما وفّيتُ حقَّ نعمةٍ واحدة))(٣).
سليمان بن داود عليه السلام :
هذا النبي الصالح ابن النبي الصالح ، عليهما السلام ، ما شغله الملك -
الذي ما آتاه أحدًا من العالمين قبله ولا بعده - عن الشكر والتحدُّث بنعم الله
عليه .
قال تعالى: ﴿وورث سليمان داود وقال ياَيُّها الناسُ عُلِّمنا منطِقَ الطير
وأُوتينا من كلِّ شيءٍ إن هذا هو الفضلُ المبين وحُشِر لسليمانَ جنودُه من
الجنّ والإِنس والطير فهم يُوزعون حتى إذا أَتَوْا على وادي النمل قالت نملةٌ
يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمتَّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون
فتبسَّم ضاحكًا من قولها وقال ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتَ علَّ
وعلى والدّ وأن أعمل صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ﴾.
[ النمل: ١٦ - ١٩ ].
ولما حُمل إليه عرش بلقيس قال : ﴿ هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر
أم أكفر ومن شكر فإنما يشكرُ لنفسه ومن كفر فإنَّ ربي غنِّ كريم ﴾.
[ النمل : ٤٠ ].
(١)، (٢) عُدَّة الصابرين ص ١٢٠ .
(٣) عُدَّة الصابرين ص١٢١ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٤٧٩
سيِّد الشاكرين: رسول الله عَ ◌ّهِ:
قال الله عز وجل لنبيه معَّهِ: ﴿ بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ﴾.
فكان عَّ المه سيِّد الشاكرين.
عن عائشة قالت: كان رسول الله عَ لّهم إذا صلَّى قام حتى تفطّر
رجلاه . قالت عائشة: يا رسول الله ، أتصنع هذا وقد غُفِر لك ما تقدَّم من
ذنبك وما تأخّر؟ فقال: (( يا عائشة، أفلا أكون عبدًا شكورًا))(١)؟!
وعن المغيرة بن شعبة أن النبي معَّ ◌ُلِّ صلَّى حتى انتفخت قدماه ، فقيل
له : أَتكلَّف هذا، وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر ؟! فقال :
((أفلا أكون عبدا شكورًا))(٢).
وعند البخاري: أن نبي الله عَ لٍ كان يقوم من الليل حتى تتفطّر
قدماه ، فقالت عائشة : لم تصنع هذا ، وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك
وما تأخر؟ فقال: ((أفلا أحبُّ أن أكون عبدًا شكورًا)).
وكان من دعائه عَّهِ: ((ربِّ، أعنِّي ولا تُعِن علّ، وانصرني ولا
تنصر علَّي ، وامكر لي ولا تمكر علّ ، واهدني ويسِّر هداي إلّي ، وانصرني
على من بغى علّ .
اللهم اجعلني لك شاكرًا ، لك ذاكرًا، لك راهبًا، لك مطواعًا ، إليك
مخبتًا ، إليك أوَّاهًا منيبًا .
ربِّ تقبَّل توبتي، واغسل حوبتي ، وأجب دعوتي، وثّبِّت حُجَّتي،
واهد قلبي ، وسدِّد لساني ، واسلل سخيمة قلبي ))(٣).
(١) رواه البخاري ، ومسلم واللفظ له .
(٢) رواه البخاري ، ومسلم واللفظ له ، والترمذي ، والنسائي.
(٣) صحيح : رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه والحاكم وابن =
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد السادس
٤٨٠
وفي رواية: ((اجعلني لك شكَّارا)).
وانظر إلى وصيته لمن يحبُّه :
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ لّم: ((يا معاذ،
إني والله لأحبُّك، أوصيك يا معاذ: لا تدعنَّ في دُبُر كلِّ صلاةٍ أن تقول :
اللهم أعنِّي علي ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ))(١).
عن أبي هريرة قال : دعا رجل من الأنصار - من أهل قباء - النبّ
حَ لِّ، فانطلقنا معه، فلما طَعِمَ وغسل يده - أو قال: يديه - قال: ((الحمد
لله الذي يُطْعِم ولا يُطْعَم ، مَنَّ علينا فهدانا ، وأطعمنا وسقانا ، وكل بلاءٍ حسنٍ
أبلانا . الحمد لله غير مودّع ربي ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغنى عنه ،
الحمد لله الذي أطعم الطعام ، وسقى من الشراب ، وكسا من العُرْي ، وهدى
من الضلالة ، وبصَّرَ من العَمَى ، وفضَّل على كثير ممن خلقه تفضيلا ، الحمد
لله ربِّ العالمين ))(٢).
وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي عَ لغم أنه كان يقول: ((اللهم
إني أعوذ بك من زوال نعمتك ، وفُجاءة نقمتك ، وتحوُّل عافيتك ، وجميع
سخطك))(٣).
= أبي عاصم عن ابن عباس ، وصحَّحه الحاكم والذهبي ، والألباني في صحيح الجامع
رقم (٣٤٧٩) .
(١) صحيح: رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في المستدرك
وصحَّحه، ووافقه الذهبي، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع برقم (٧٨٤٦) .
(٢) حسن : رواه ابن أبي الدنيا في الشكر ، وابن السني ، وخرجه الحافظ من طرق
وحسَّنه كما قال ابن علان في الفتوحات الربَّانيَّة على الأذكار النوويّة (٢٣٠/٥).
(٣) رواه مسلم .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/