Indexed OCR Text
Pages 441-460
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٤٤١ وأنت تمشي هذه المشية (١) ؟! وبلغ عمر بن عبد العزيز رحمه الله أن ابنًا له اشترى خاتمًا بألف درهم ، فكتب إليه عمر : بلغني أنك اشتريتَ فصًّا بألف درهم ، فإذا أتاك كتابي ، فبع الخاتم وأشبع به ألف بطنٍ ، واتخذ خاتمًا بدرهميْن، واجعل فصَّهُ حديدًا صينيًّا، واكتبْ عليه: ((رحم الله، امَرَأْ عرف قدْرَ نفسه)). وقال رجاء بن حيوة : قوّمت ثياب عمر بن العزيز رضي الله عنه - وهو يخطب - باثني عشر درهمًا ، وكانت قباء وعمامة وقميصًا وسراويل ورداء وُفَّيْن وقلنسوة . ودخل على عمر بن العزيز واحد من أقربائه فَهَالَهُ ما رأى ؛ لقد رآه لائذًا بركْنٍ شمسٍ عن داره ، متدثِّرًا بإزار ، فحسِبَه مريضًا فسأله : ما الخطب يا أمير المؤمنين ؟ فأجابه عمر : لا شيء .. إني أنتظر ثيابي حتى تجفَّ ، فعاد الزائر يسأل الخليفة : وما ثيابك يا أمير المؤمنين ؟ قال عمر : قميص ورداء وإزار . قال الزائر: ألا تتخذ قميصًا آخر ورداءً أو إزارًا ؟ فأجابه : قد كان لي ذلك ثم تمزقت . قال : ألا تتخذ سواها ؟ فيطرق عمر ، ويجهش بالبكاء ، ويردِّد قول الله تعالى : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون عُلوًّا في الأرضِ ولا فسادًا والعاقبةُ للمتقين﴾ [ القصص: ٨٣] . الإِمامُ القدوةُ مفتي دمشق سعيد بن عبد العزيز : قال عبد الله بن زيد : كنَّا نجلس إلى مكحول ، ومعنا سعيد بن عبد العزيز ، فكان يسقي الماء في مجلس مكحول(٢). (١) مدارج السالكين ٣٣١/٢ . (٢) السير ٣٢/٨ - ٣٨. https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٤٢ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس وقال ابن جابر : أقبَل يزيد بن عبد الملك إلى مجلس مكحول ، فهممنا أن نوسِّع له ، فقال : دعوه يتعلَّم التواضع . تواضعُ إمامِ أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل رحمه الله : (( وعن المروزي قال : لم أرَ الفقير في مجلس أعزَّ منه في مجلس أبي عبد الله؛ كان مائلًا إليهم مقصِرًا عن أهل الدنيا ، وكان فيه حلم ، ولم يكن بالعجول ، وكان كثير التواضع ، تعلوه السكينة والوقار ، إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يُسأل ، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدّر، يقعد حيث انتهى به المجلس ))(١) . وكان رحمه الله ربما خرج إلى البقَّال، فيشتري الجُزْرة الحطب والشيء فيحمله بيده . ((قال محمد بن طارق البغدادي: كنتُ جالسًا إلى جنب أحمد بن حنبل ، فقلتُ : يا أبا عبد الله ، أستمدّ من محبرتك ؟ فنظر إلّ وقال : لم يبلغ ورعي وورعك هذا . وتبسّم . وقال يحيى بن معين : ما رأيت مثل أحمد بن حنبل !! صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيءٍ ممَّا كان فيه مِن الصلاح والخير . وكان الإِمام أحمد رحمه الله يقول : نحن قوم مساكين . وقال إسماعيل بن إسحاق الثقفي : قلت لأبي عبد الله أولَ ما رأيتُه : يا أبا عبد الله ، اْذنْ لي أن أُقْبِّل رأسك. فقال: لم أبلغْ أنا ذاك. وقال أبو بكر المروذي : قلتُ لأبي عبد الله : الرجل يُقال له في وجهه : أحبَيْتَ السنة ؟ قال : هذا فساد لقلب الرجل . (١) ترجمة الإمام أحمد من: تاريخ الإسلام صـ٣١. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٤٤٣ وقال خراسانِّي للإِمام أحمد : الحمد لله الذي رأيتك . فقال له : اقعدْ ، أيّ شيءٍ ذا ؟! من أنا ؟! وقال أحمد بن الحسين بن حسَّن : دخلنا على أبي عبد الله ، فقال له شيخ من أهل خراسان : يا أبا عبد الله ، الله الله ؛ فإن الناس يحتاجون إليك ، قد ذهب الناس ؛ فإن كان الحديث لا يمكن ، فمسائل ؛ فإن الناس مضطرون إليك . فقال أبو عبد الله : إلَّ أنا ؟ واغتمَّ من قوله وتنفّس صعداء ، ورأيتُ في وجهه أثر الغمِّ . وقيل لأبي عبد الله : جزاك الله عن الإِسلام خيرًا . فقال : لا ، بل جزى الله الإِسلام عني خيرًا . ثم قال: ومَن أنا ؟! وما أنا ؟ ودُفع إلى أبي عبد الله كتاب من رجل يسأله أن يدعو الله له ، فقال : فإذا دعونا لهذا نحن ؛ مَن يدعو لنا ؟! وقال محمد بن أحمد بن واصل : سمعتُ أبا عبد الله غيرَ مرة يقول : مَن أنا حتى تجيئون إلّ ؟! من أنا حتى تجيئون إلّي ؟! اذهبوا اطلبوا الحديث . وقال أبو بكر المروذي : سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل وذكَر أخلاق الورعين ، فقال : أسأل الله أن لا يمقتنا ، أين نحن من هؤلاء ؟! وقلتُ لأبي عبد الله : ما أكثر الداعين لك !! فتغرغرتْ عينُه وقال : أخاف أن يكون هذا استدراجًا ، أسأل الله أن يجعلنا خيرًا ممَّا يظنون ويغفر لنا ما لا يعلمون . قلتُ لأبي عبد الله : إن بعض المحدِّثين قال لي : أبو عبد الله لم يزهد في الدراهم وحْدَها ؛ قد زهد في الناس . فقال أبو عبد الله : ومَن أنا حتى أزهد في الناس ؟! الناس يريدون يزهدون فَّي . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : رأيتُ أبي إذا جاءه الشيخ والحدَث من قريش أو غيرهم من الأشراف ، لا يخرج من باب المسجد حتى يُخرجهم ، تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٤٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس فيكونوا هم يتقدمونه ، ثم يخرج بعدهم . وقال أحمد بن علي الأبار : سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل ، وسأله رجل : حلفتُ بيمينٍ ما أرى أيّ شيء هي ؟ فقال : ليتَ أنك إذا دريتَ دريتُ أنا . وقال أبو عثمان الشافعي لأبي عبد الله أحمد بن حنبل : لا يزال الناس بخير ما منَّ الله عليهم ببقائك . وكلام من هذا النحو كثير ، فقال له : لا تقل هذا يا أبا عثمان ؛ لا تقل هذا يا أبا عثمان ، ومَن أنا في الناس ؟! وقال علي بن عبد الصمد الطيالسي : مسحتُ يدي علی أحمد بن حنبل ، ثم مسحتُ يدي على بدني وهو ينظر ، فغضب غضبًا شديدًا ، وجعل ينفض يدَه ويقول : عمَّن أخذتم هذا؟! وأنكره إنكارًا شديدًا. وقال خطاب : وسألته عن شيء من الورَع ، فرأيتهُ قد أظهر الاغتمام ، وتبيَّن عليه في وجهه؛ إزراءً على نفسه، واغتمامًا بأمره، حتى شقَّ علّ، فقلتُ لرجل كان معي حين خرجنا: ما أراه ينتفع بنفسه أيامًا؛ جدَّدنا عليه غمًّا))(١). بهذا صار مالكّ مالكًا : قال مالك بن دينار : لو أنَّ مناديًا ينادي بباب المسجد : ليخرجْ شَرّكم رجلًا. واللهِ ما كان أحد يسبقني إلى الباب إلّا رجلًا بفضل قوّة أو سعْي. قال : فلمّا بلغ ابنَ المبارك قولُه ، قال : بهذا صارَ مالكٌ مالكًا . وقال موسى بن القاسم : كانت عندنا زلزلة وريح حمراء ، فذهبتُ إلى محمد بن مقاتل ، فقلتُ : يا أبا عبد الله، أنت إمامنا فادعُ الله عزَّ وجلّ لنا . (١) مناقب الإِمام أحمد لابن الجوزي صـ ٣٣٤ - ٣٤٧. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٤٤٥ فبكى ثم قال: ليتني لم أكن سببَ هلاككم. قال: فرأيتُ النبيِ عَلِ في النوم، فقال: ((إن الله عز وجل رفع عنكم بدعاء محمد بن مقاتل)). وقال المغيرة : كنا نهاب إبراهيم النخعي هيبة الأمير ، وكان يقول : إن زمانًا صرتُ فيه فقيهَ الكوفة لَزَمَان سوءٍ . الإِمام القدوة العابد أحمد الرفاعي : جاء في ترجمته في (( السير)) (٧٧/٢١ - ٨٠): كان رحمه الله يجمع الحطب ، ويجيء به إلى بيوت الأرامل ، ويملأ لهم بالجرّة. أُحضر بين يديْه طبقُ تمرٍ ، فبقي ينقِّى لنفسه الحشَفَ يأكله ، ويقول : أنا أحقُّ بالدُّون ؛ فإني مثله دون . وكان رحمه الله يقول : أقرب الطريق: الانكسار والذل والافتقار ؛ تعظّم أمْرَ الله، وتشفق على خلق الله، وتقتدي بسنة رسول الله عَ ليه. مِن مظاهر التواضع وصفات المتواضعين : كراهيتهم مشي الناسِ خلفهم : عن شعیب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه قال: ما رئي رسول الله عَ ظُلم يأكل متكئًا ولا يطأ عقبه رجلانٍ(١). قال أبو الدرداء : لا يزال العبد يزداد من الله بعدًا ما مُشي خلفه . سار قوم خلفَ عبد الله بن مسعود ، فنظر إليهم غاضبًا وقال لهم : ارجعوا ؛ فإنها فتنةٌ للمتبوع ، وذلَّة للتابع . ومن صفات المتواضعين : زيارتُهم لغيرهم : قدم سفيان الثوري ((الرملة))، فبعث إليه إبراهيم بن أدهم: أن تعال فحدِّثْنا . (١) إسناده حسن : أخرجه ابن أبي الدنيا في : التواضع والخمول ، وأبو الشيخ في : أخلاق النبي ، والبيهقي في : الزهد . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٤٦ صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس فجاء سفيان ، فقيل له : يا أبا إسحاق ، تبعث إليه بمثل هذا ؟! فقال : أردتُ أن أنظر كيفَ تواضعه . ولا يستنكفون من جلوس غيرهم إلى جوارهم : قال ابن وهب : جلستُ إلى عبد العزيز بن أبي روّاد فمسّ فخِذي فخِذَه ، فنحَّيتُ نفسي عنه ، فأخذ ثيابي فجرَّني إلى نفسه وقال لي : لِمَ تفعلون بي ما تفعلون بالجبابرة ، وإني لا أعرف رجلاً منكم شرًّا مني ؟! ومن صفاتهم : عدم أَنْفَتهم من حمل أمتعتهم الخاصَّة : قال علي رضي الله عنه : لا يُنقِص الرجل الكامل من كماله ما حَمل مِن شيء إلى عياله . وعن الأصبغ بن نباتة قال : كأني أنظر إلى عمر رضي الله عنه معلّقًا لحمًا في يده اليسرى ، وفي يده اليمنى الدِّرَّة، يدور في الأسواق حتى دخل رَحْلَه . ومن صفاتهم : جلوسهم إلى المساكين : عن مسعر قال : مرَّ الحسين بن علي رضي الله عنه على مساكين وقد بسطوا كساءً وبين أيديهم كِسَرٌ، فقالوا: هلمَّ يا أبا عبد الله، فحوَّل وِرْكَهُ وقرأ إنه لا يحبُّ المستكبرين﴾ [ النحل: ٢٣]، فأكل معهم ، ثم قال : قد أجبتُكم فأجيبوني . فقال للرباب - يعني امرأته -: أُخْرِجي ما كنتِ تدَّخرين(١) . ومن التواضع : معرفة قذر النفس ، وأن لا تجعل لنفسِكَ قدرًا مع العلماء الربانيين : ((فلا ينظر الشابُّ المبتدئ إلى نفسه على أنه نِّدٌّ لهذا العالِم أو ذاك ويقول : (١) التواضع والخمول صـ١٥١. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٤٤٧ هم رجال ونحن رجال .. بل - والله - حالنا وحالهم كما يقول القائل : العلماء نسور في السحاب ونحن نحبو أُغَيْلِمة على التراب . ولربما رأيت طويلب علمٍ لا يحفظ من القرآن إلَّا اليسير، ولا يكاد يحفظ حديثًا من البخاري أو مسلم بحروفه ، فضلًا عن سنَدِه ومعناه .. ومع هذا يقف أمام جهابذة العلماء وكأنه أبو حنيفة أو الشافعي !! وهِجِّيراهُ أن يقول : أرى . وأنا . وقلتُ . وعندي ...!! يقولونَ هذا عندنا غيرُ جائز ومَنْ أَنْتُمُ حتى يكونَ لكمْ عِندُ ومن التواضع : أن يتواضع المرءُ مع أقرانه : فربما استعلى الإِنسان على قرينه ، وربما فرِح بالنّيْل منه ، والحطِّ من قدْره وشأنه ، وعيّبه بما ليس فيه ، أو تضخيم ما فيه ، وقد يظهر ذلك بمظهر النصيحة والتقويم وإبداء الملاحظات ، ولو سمَّى الأمور بأسمائها الحقيقية، لَقال : الغيْرة . والعجب أنْ يَغار الداعية من اجتماع ألفٍ أو ألفيْن في مجلس علْمٍ أو دعوة ، لكنَّه لا ينفعل لو سمع أن حفلًا غنائيًا أو مباراة رياضية حضَرَها عشرون أو ثلاثون ألفًا . وهذا والله من البُؤس ، حتى لو كنتَ لا ترضى من أخيك بعض الأمر ، يَكفيك أن يدعو إلى الله ، ويعلّم الناس الدين ، وهو على الجادّة إجمالًا . ومَن ذا الذي تُرضَى سجاياهُ كلُّها كفى المرءَ نَبْلًا أن تُعدَّ معاييُهْ ومن التواضع : التواضع مع من هو دونك : فإذا وجدتَ أحدًا أصغر منك سنًّا ، أو أقلّ منك قدرًا فلا تحقرْه ؛ فقد يكون أسلمَ منك قلبًا ، أو أقلّ منك ذنبًا ، أو أعظم منك إلى الله قرْبًا ، حتى لو رأيتَ إنسانًا فاسقًا وأنت يظهر عليك الصلاح ، فلا تستكبرْ عليه ، واحمدِ الله تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٤٨ صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس على أن نجَّاك ممَّا ابتلاه به ، وتذكَّرْ أنه ربما يكون في عملك رياء أو عجب يُحبطه ، وقد يكون عند هذا المذنب مِن الندم والانكسار والخوف من خطيئته ، ما يكون سببًا في غفران ذنبه . ومن التواضع : أن لا يعظم في عينيك عملك؛ إن عملتَ خيرًا ، أو تقَّبتَ إلى الله بطاعة ، فإنَّ العمل قد لا يُقبل، و ﴿إِنما يتقبَّل الله مِن المتقين .. ﴾ [ المائدة: ٢٧]. ولهذا قال بعض السلف : لو أعلم أن اللهَ قبل مني تسبيحة لَتمنيتُ أن أموتَ الآن))(١). ومن التواضع : (( أن يتواضع بالاحتمال إذا سُبَّ وأوذي وأُخذَ حقّه ؛ فذلك هو الأصل))(٢). ومن التواضع : أن لا يتوقى من مجالسة المرضى والمعلولين كِبْرًا منه وترفُّعًا : فعن جابر بن عبد الله قال: أخذ رسول الله عَ لَّه بيد مجذوم فأدخلها معه في القصْعَة، وقال: ((كُلْ باسمِ اللهِ، ثقةً بالله، وتوكُّلًا على الله))(٣). ومن التواضع: إجابة الدعوة ، ولو إلى أيسرِ شيءٍ : كان عَ ◌ّه يعود المرضى، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد . (١) من أخلاق الداعية لسلمان فهد العودة صـ٣٣ - ٣٦ بتصرُّف يسير . (٢) إحياء علوم الدين ٣٧٦/٣. (٣) إسناده حسن : أخرجه الترمذي ، وأبو داود ، وابن ماجه وابن حبان ، والبغوي في شرح السنة ، وابن أبي الدنيا في : التواضع والخمول . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٤٤٩ قال عَّ ◌ُله: ((لو دُعيتُ إلى ذراع - أو كُراع - لَأجبتُ، ولو أهديَ إلَي ذراعٌ - أو كراع - لَقَبلتُ))(١). أقوالٌ عَطِرةٌ في التواضع : سُئِل الفضيل عن التواضع ، فقال : يخضع للحق ، وينقاد له ، ويقبله ممَّن قاله . قال الفضيل: (( لو سمعته من صبِّ قبلتُه منه، ولو سمعتُه من أجهل الناس ، قبلتُه منه )). وقيل : التواضع أن لا ترى لنفسِك قيمة ؛ فَمْنَ رأَى لنفْسِهِ قيمة فليس له في التواضع نصيب . وهذا مذهب الفضيل وغيره . وقال الجنيد بن محمد : هو خفض الجناح ، ولين الجانب . وقال أبو يزيد البسطامي: هو أن لا يرى لنفسه مقامًا ولا حالًا ، ولا يرى في الخلق شرا منه . وقال ابن عطاء : هو قبول الحقِّ ممن كان . والعُّ في التواضع . فمَن طلبه في الكبر فهو كتطلُّب الماء من النار . وقال حمدون القصَّار : التواضُع أن لا ترى لأحدٍ إلى نفسك حاجة ، لا في الدین ولا في الدنيا . قال صاحب ((المنازل)) شيخ الإسلام الهروي: ((التواضع: أن يتواضع العبد لصوْلة الحقِّ )). قال ابن القيم : (( يعني : أن يتلقّى سلطان الحق بالخضوع له ، والذلِّ ، والانقياد ، والدخول تحت رِقُّه ، بحيث يكون الحقُّ متصرّفًا فيه تصرّف المالك في مملوكه. فبهذا يحصل للعبد خُلُق التواضع؛ ولهذا فسر النبي عَّ ◌ُله الكبرَ بضدِّه ، فقال: ((الكبْرُ بَطْر الحقِّ، وغَمْص الناس)). فبطر الحق: رَدُّه وجَحْده ، (١) رواه البخاري عن أبي هريرة . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس ٤٥٠ والدفع في صدره ، كدفع الصائل . وغمص الناس : احتقارهم ، وازدراؤهم . ومتى احتقرهم وازدراهم ؛ دفَع حقوقهم ، وجحدها ، واستهان بها . ولمَّا كان لصاحب الحق مقال وصوْلة ؛ كانت النفوس المتكبِّرة لا تُقِرُّ له بالصولة على تلك الصَّوْلة التي فيها ، ولا سيما النفوس المبطلة ، فتصول على صولة الحق بكبرها وباطلها . فكان حقيقة التواضع : خضوع العبد لصولة الحق ، وانقياده لها ، فلا يقابلها بصولته عليها ))(١). وقال يوسف بن أسباط: يجزئ قليل الورع مِن كثير العمل ، ويجزئ قليل التواضع من كثير الاجتهاد . رأسُ التواضع : قال ابن المبارك : رأسُ التواضع أن تضعَ نفسك عند من هو دونك في نعمة الدنيا ، حتى تُعْلِمَه أنْ ليس لك بدنياك عليه فضل ، وأن ترفع نفسَك عَمَّن هو فوقك في نعمة الدنيا حتى تعلِمَهُ أنه ليس له بدنياه عليك فضل(٢). قال يحيى بن كثير : رأس التواضع ثلاث : أن ترضى بالدُّون من شرف المجلس ، وأن تبدأ من لقيتَه بالسلام ، وأن تكره المدحة ، والسمعة ، والرياء بالبِّ . قال يحيى بن أبي العاص لعبد الملك بن مروان : أي الرجال أفضل ؟ قال : مَن تواضع عن رِفْعَةٍ ، وزهد على قدْرة، وترك النصرة على قومه . المتواضع في شَرَفِهِ يُكتب من خالص الله عزَّ وجل : دخل ابن السمَّاك على هارون الرشيد، فقال: يا أمير المؤمنين، والله لَتَواضُعُك (١) مدارج السالكين ٣٣٣/٢. (٢) التواضع والخمول صـ١٤٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٤٥١ في شرَفك أشرفُ لك من شرفك . فقال : ما أحسن ما قلتَ !! فقال : يا أمير المؤمنين ، إن امرأ آتاه الله عز وجلّ جمالًا في خَلقه وموضعًا في حسَبه ، وبسَطَ له في ذات يده ؛ فعفّ في جماله ، وواسى في ماله ، وتواضَعَ في حَسَبه - كُتب في ديوان الله عز وجل من خالص الله عز وجل . قال : فدعا هارون بدواة وقرطاسٍ وكتب هذا الكلام بيده(١) . فطوبى للمتواضعين في الدنيا !! هم أصحاب المنار يوم القيامة . وقالوا: ((إن الزرْعِ يَنْبُت في السهل ولا ينبُتُّ على الصَّفَا، كذلك الحكمة تعمل في قلب المتواضع ، ولا تعمل في قلب المتكبر ، ألا ترون أنَّ مَن شمخ برأسه إلى السقف شجَّه، ومَن طأطأ أظلَّه وأكنَّه؟! )). فهذا مثّلّ ضربه للمتكبرين وكيف أنهم يُحرمون الحكمة . خرج يونس وأيوب والحسن يتذاكرون التواضع ؛ فقال لهم الحسن : أتدرون ما التواضع ؟ التواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلمًا إلَّا رأيت له عليك فضلاً . وقال زياد النمري : الزاهد بغير تواضع كالشجرة التي لا تثمر . وقال الشيلي : ذَلِّي عطّل ذلَّ اليهود. ويقال : مَن يرى لنفسه قيمة ، فليس له من التواضع نصيب . وقال أبو سليمان : لا يتواضع العبد حتى يعرف نفسه . وقال أيضًا : لو اجتمع الخلق على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي ، ما قدروا عليه . وقال أبو يزيد : ما دام العبد يظن أنَّ في الخلق من هو شرّ منه فهو متكبِّر - (١) التواضع والخمول صـ ١٤٤ - ١٤٥ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٤٥٢ فقيل له : فمتى يكون متواضعًا ؟ قال : إذا لم يرَ لنفسه مقامًا ولا حالًا . وقالوا : ما أحسن التواضع بالأغنياء في مجالس الفقراء ، رغبةً منهم في ثواب الله !! وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقةً منهم بالله عزَّ وجلّ . وقال يحيى بن معاذ : التكُّر على ذي التكُّر عليك بماله : تواضعٌ. وقال مقدام العلماء معاذ بن جبل رضي الله عنه: ((لن يبلغ العبد ذُری الإِيمان حتى يكون التواضع أحبَّ إليه من الشرف ، وما قلّ من الدنيا أحبَّ إليه مما كثر ، ويكون مَن أحبَّ وأبغضَ في الحقِّ سواء ، يحكمُ للناس كما يحكم لنفسه ))(١) . وقال عبد الله بن عمر: ((رأسُ التواضع أن ترضى بأدون المجالس ، لا لحظ نفسٍ ، فقد يجلس أحدهم عند النعال ومعه من الكِبْر ما الله به عليم ، وما حمله على مجلسه ذلك إلّا لِيُقال: إنه متواضع)). وكان يقول : مِن علامة تواضعك أن تكره ذكْرَك بالبر والتقوى بين الناس . وقالوا : الشرِيف إذا تنسَّك تواضع ، والسفيه إذا تنَسَّك تعاظم . وقالت الحكماء : ثلاثة من أحسن الأشياء : جُود لغير ثواب ، ونصَبٌ لغيْر دنيا ، وتواضع لغير مذلَّة . وقال ذو النون المصري : علامة السعادة ثلاث : متى ما زِيدَ في عمره نقص مِن حرصه، ومتى ما زيد في ماله زيد في سخائه، ومتى ما زيد في قدره زِيدَ في تواضعه . وقال أبو حاتم البستي : التواضع يرفع المرء قدرًا ، ويعظم له خطرًا ، (١) الزهد لابن المبارك صـ ٥٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٥٣ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ويزيده ثُبلًا . ولله دُّ الشاعر إذ يقول : على صفحَاتِ الماءِ وهْوَ رفيعُ تواضع تكنْ كالنجمِ لاحَ لناظرٍ إلى طبقاتِ الجوِّ وهْوَ وضيعُ ولا تكُ كالدُّخَانِ يعلو بنفسِهِ وقال الشاعر : فإنَّ رفيعَ القومِ مَن يتواضعُ تواضعْ إذا ما نَلْتَ في الناسِ رفعةً وقال يوسف بن أسباط : وكفى بمُلْتِمِسِ العلوِّ سِفالاً وكفى بمُلْتِمِسِ التواضعِ رِفْعَةً وقال الشاعر : جلالةُ قَدْرٍ في خمول تواضعِ وأحسنُ مقرونيْنِ في عيْنِ ناظرٍ وقال الشاعر : فإنَّ اتضاعَ المرءِ مِن شَيَمِ العقلِ تواضع إذا ما كان قدرُك عاليًا وقال الشاعر : وبِهِ التقيّ إلى المعالي يرتقي إنَّ التواضعَ مِن خصالِ المتقي وفي الصحيح الموقوف على عائشة رضي الله عنها، قالت: ((إنكم لتغفلون أفضلَ العبادة: التواضع)). فللَّه درُّها ودُّ أبيها !! ونختم بما صحَّ عن رسولنا علم ؛ حيث قال: « انتسبَ رجلانِ علی عهدٍ موسى ؛ فقال أحدهما : أنا فلان بن فلان - حتى عدَّ تسعةً - فمن أنت لا أُمَّ لك ؟ قال : أنا فلان بن فلان بن الإِسلام . فأوحى الله إلى موسى : أن تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٥٤ صلاح الأمة في عُلُوٌ الهمة - المجلد الخامس قل لهذيْن المنتسبَيْن : أمَّا أنت أيُّها المنتسب إلى تسعةٍ في النار ، فأنت عاشرهم في النار . وأما أنتَ أَيُّها المنتسب إلى اثنين في الجنة ، فأنت ثالثهما في الجنة)) (١) . (١) صحيح : رواه النسائي، والبيهقي في الشعب ، والضياء وأحمد، والطبراني في الكبير عن أبّي ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ١٥٠٤ ، والصحيحة رقم ١٢٧٠ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com الفصل السابع عشر عُلُوُّ الِهِمَّة في الشُّكر علَّ له في مثلها يجب الشكرُ إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةً وإن طالتِ الأيامُ واتّصل العمرُ فكيف وقوع الشكر إلّا بفضله ((محمود الورَّاق )) وكفيتني كلَّ الأمور بأسْرها أوْليتني نِعَمًّا أبوحُ بِشكرها فلأشكرنَّك ما حييتُ وإِنْ أَمُتْ فلتشکرتّك أعظُمي في قبرها https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٤٥٧ غُلُوُّ الهِمَّة في الشُّكر يا مَن عزم على السفر إلى الله والدار الآخرة ، قد رُفع لك علم فشمّرْ إليه فقد أمكن التشمير ، واجعل سيُرَك بين مطالعةٍ منَّته ومشاهدة عيْب النفس والعمل والتقصير ، فما أبقى مشهد النعمة والذنب للعارف من حسنة، يقول : هذه مُنجيتي من عذاب السعير . ما المعوَّل إلّا على عفوه ومغفرته ؛ فكلُّ أحدٍ إليها فقير . أبوء لك بنعمتك علَّي ، وأبوء بذنبي فاغفر لي . ما تساوي أعمالك - لو سَلِمَتْ ممَّا يُبطلها - أدنى نَعِمه عليك ، وأنت مُرتهن بشكرها من حين أرسل بها إليك ، فهل رعيتها بالله حقَّ رعايتها وهي في تصريفك وطوْع يديك ؟! فتعلَّق بِحَبْل الرجاء ، وادخل من باب العمل الصالح ؛ إنه غفور شكور . نهج للعبد طريق النجاة وفتح له أبوابها ، وعَرَّفه طُرُق تحصيل السعادة وأعطاه أسبابها ، وحذَّره من وبال معصيته وأشهده على نفسه وعلى غيره شؤمها وعقابها ، وقال : إن أطعت فبفضلي وأنا أشكر ، وإن عصيت فبقضائي وأنا أغفر ؛ ﴿ إن ربَّنا لغفورٌ شكورٌ ﴾ . أزاح عن العبد العلل ، وأمره أن يستعيذ مِن العجز والكسل ، ووعده أن يشكر له القليل من العمل ، ويغفر له الكثير من الَّلل ؛ ﴿ إن ربَّنا لغفور شكور ﴾ . أعطاه ما يُشكر عليه ، ثم يشكُّرُه على إحسانه إلى نفسه لا على إحسانه إليه ، ووعده على إحسانه لنفسه أن يُحسن جزاءَه ويقرِّبه لديه ، وأن يغفر له خطاياه إذ تاب منها ولا يفضحَه بين يديه ؛ ﴿ إن ربَّنا لغفورٌ شكورٌ ﴾ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٤٥٨ وثقت بعفوه هفوات المذنبين فوسعتها ، وعكفت بكرمه آمال المحسنين فما قطع طمعها ، وخرقت السَّبْعَ الطِّباق دعواتُ التائبين والسائلين فسمِعَها ، ووسع الخلائق عفوُه ومغفرتُه ورزقُه ؛ فما من دابة في الأرض إلّا على الله رزقُها ويعلمُ مستقرّها ومستودَعَها ؛ ﴿ إِن رَبَّنَا لغفورٌ شكورٌ ﴾ . يجودُ على عبيده بالنوافل قبل السؤال ، ويُعطي سائله ومؤمِّله فوق ما تعلَّقت به منهم الآمال ، ويغفر لمن تاب إليه ولو بلغت ذنوبُه عدد الأمواج والحصى والتراب والرمال ؛ ﴿إِن ربَّنَا لغفورٌ شكورٌ﴾. أرحمُ بعباده من الوالدة بولدها ، وأفرحُ بتوبة التائب من الفاقد لراحلته - التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة - إذا وجدها ، وأشكرُ للقليل من جميع خلقه ؛ فمَن تقرّب إليه بمثقال ذرَّة من الخير شكرها وحمدها ؛ ﴿ إن ربَّنا لغفورٌ شكورٌ ﴾ . تعَّف إلى عباده بأسمائه وأوصافه ، وتحَّب إليهم بحلمه وآلائه ، ووعد من تاب إليه وأحسن طاعته بمغفرة ذنوبه يوم لقائه ؛ ﴿إِنّ ربَّنا لغفورٌ شکور ﴾. السعادةُ كلُّها في طاعته ، والأرباحُ كلُّها في معاملته ، والمِحَن والبلايا كلُّها في معصيته ومخالفته ، فليس للعبد أنفع من شكره وتوبته ؛ ﴿ إن ربَّنا لغفورٌ شكورٌ ﴾ . أفاض على خلقه النعمة ، وكتب على نفسه الرحمة ، وضمن الكتاب الذي كتبه : أنَّ رحمته تغلب غضبه ؛ ﴿إن ربَّنا لغفورٌ شكورٌ ﴾. يُطاع فيشكر وطاعته من توفيقه وفضله ، ويُعصى فيحلُم ومعصية العبد من ظلمه وجهله ، ويتوب إليه فاعل القبيح فيغفر له ، حتى كأنه لم يكن قطُّ من أهله ؛ ﴿ إن ربَّنا لغفورٌ شكور ﴾ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٤٥٩ الحسنة عنده بعشر أمثالها أو يضاعفها بلا عددٍ ولا حسبان ، والسيئة عنده بواحدة ومصيرها إلى العفو والغفران ، وباب التوبة مفتوح لديه منذ خلق السموات والأرض إلى آخر الزمان ؛ ﴿إن ربَّنا لغفورٌ شكور ﴾. بابه الكريم مناخ الآمال ومحطُّ الأوزار ، وسماء عطاه لا تقلع عن الغيث بل هي مدرار ، ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سخَّاء الليل والنهار ؛ ﴿ إِن ربَّنا لغفورٌ شكور ﴾ . الله عز وجل هو الشكور على الحقيقة : ((والله عز وجل أولى بصفة الشكر من كلِّ شكور ، بل هو الشكور على الحقيقة ؛ فإنه يعطي العبد ويوفّقه لما يشكره عليه ، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقلّه أن يشكره ، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعافٍ مضاعفة ، ويشكر عبده بقوله بأن يُثني عليه بين ملائكته وفي مَلَئه ، ويُلقي له الشكر بين عباده ويشكره بفعله ، فإذا ترك له شيئًا أعطاه أفضل منه ، وإذا بذل له شيئًا ردَّه عليه أضعافًا مضاعفة ، وهو الذي وفَّقه للترك والبذل وشكره على هذا وذاك . ولمَّا عقر نبيُّه سليمان الخيل غضبًا له إذ شغلتْه عن ذكره ، فأراد أن لا تشغله مرة أخرى ؛ أعاضه عنها مثْن الريح. ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته ؛ أعاضهم عنها أن ملَّكهم الدنيا وفتحها عليهم . ولمَّا احتمل يوسف الصديق ضيق السجن ؛ شكر له ذلك بأن مكَّن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء . ولمّا بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزَّقها أعداؤه ؛ شكر لهم ذلك بأن أعاضهم منها طيِرًا خضرًا أقَّر أرواحهم فيها ؛ تَرِدُ أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث ، فيردُّها عليهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٦٠ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ولما بذل رُسُلُه أعراضهم فيه لأعدائهم فنالوا منهم وسبُّوهم ؛ أعاضهم من ذلك بأن صلَّى عليهم هو وملائكته ، وجعل لهم أطيب الثناء في سماواته وبين خلقه ، فأخلصهم بخالصةٍ ذكرى الدار . ومن شكره سبحانه : أنه يجازي عدوَّه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا ، ويخفف به عنه يوم القيامة ؛ فلا يُضيِّع عليه ما يعمله من الإِحسان ، وهو من أبغض خلقه إليه !! ومن شكره : أنه غفر للمرأة البغّ بسفيها كلبًا كان قد جهده العطش حتى أكل الثرى ، وغفر لآخر بتنحيته غصْن شوكٍ عن طريق المسلمين . فهو سبحانه يشكر العبد على إحسانه لنفسه ، والمخلوق إنما يشكرُ من أحسن إليه . وأبلغ من ذلك أنه سبحانه هو الذي أعطى العبد ما يُحسن به إلى نفسه ، وشكره على قليله بالأضعاف المضاعفة التي لا نسبة الإِحسان العبد إليها . فهو المحسن بإعطاء الإِحسان وإعطاء الشكر . فمَن أحقُّ باسم الشكور منه سبحانه ؟! ومن شكره سبحانه : أنه يُخرج العبد من النار بأدنى ذَرَّة من خير ، ولا يُضيِّع عليه هذا القدر . ومن شكره سبحانه : أن العبد من عباده يقوم له مقامًا يُرضيه بين الناس ؛ فيشكر له ، ويُنَوِّه بذكره ، ويُخبر به ملائكته وعباده المؤمنين . كما شكر لمؤمن آل فرعون ذلك المقام ، وأثنى عليه ، ونوَّه بذكره بين عباده . وكذلك شكره لصاحب يسّ مقامه ودعوته إليه ، فلا يهلك عليه بين شكره ومغفرته إلا هالك ))(١). (١) عُدَّة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم ص٢٧٩ - ٢٨٠ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/