Indexed OCR Text
Pages 181-200
مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٨١ صلاح الأمة فى عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ومِن غيرةِ الله على عبْدِه : والله سبحانه وتعالى يَغار عَلَى قلب عبده أن يكون مُعَطّلاً من حبِّه وخوفه ورجائه ، وَأن يكون فيه غيرُه ؛ فالله سبحانه وتعالى خلقه لنفسه واختاره من بين خلقه، كما في الأثر الإِلهي: ((ابنَ آدم، خلقتُك لنفسي وخلقتُ كلَّ شيءٍ لك ، فبحقِّي عليك ، لا تشتغل بما خلقتُه لك عن ما خلقتُك له )). وفي أثر آخر: (( خلقتُك لنفسي فلا تلعبْ، وتكفّلتُ لك برزقك فلا تتعبْ . يا ابنَ آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتَني وجدتَ كلَّ شيءٍ ، وإن قُتُّكَ فاتك كلُّ شيء ، وأنا خيرٌ لك من كل شيء )) . ويغار على لسانه أن يتعطّل من ذكره ويشتغلَ بذكر غيره ، ويغار على جوارحه أن تتعطّل من طاعته وتشتغل بمعصيته ، فيقبح بالعبد أن يغار مولاه الحقُّ على قلبه ولسانه وجوارحه ، وهو لا يغار عليها . وإذا أراد الله بعبده خيرًا سلَّط على قلبه - إذا أعرض عنه واشتغل بحبٍّ غيره - أنواع العذاب حتى يرجع قلبه إليه ، وإذا اشتغلتْ جوارحه بغير طاعته ابتلاها بأنواع البلاءِ ؛ وهذا من غيرته سبحانه وتعالى عَلَى عبده ، وكما أنه سبحانه وتعالى يغار عَلَى عبده المؤمن فهو يغار له ولحُرْمته ، فلا يُمكِّن المفسدَ أن يتوصَّل إلى حُرمته ، غيرةً منه لعبده ؛ فإنه سبحانه وتعالى يدفع عن الذين آمنوا ، فيدفع عن قلوبهم ، وجوارحهم ، وأهلهم ، وحريمهم ، وأموالهم ، يتولّى سبحانه الدفْع عن ذلك كلّه؛ غَيْرَةً منه لهم كما غاروا لمحارمه من نفوسهم ومن غيرهم . والله تعالى يغار عَلَى إمائه وعَبيده من المفسدين شرعًا وقَدَرًا ، ومن أجل ذلك حَرَّم الفواحش وشَرَّع عليها أعظمَ العقوبات وأشنعَ القَتَلَاتِ ؛ لشدَّة غَيْرته على إمائه وعبيده ، فإن ◌ُطِّلت هذه العقوباتُ شرعًا أجراها سبحانه قَدَرًا. غيرةُ الله على توحيدِه وكلامِه : ومن غَيْرَته سبحانه وتعالى: غَيْرَتُه عَلَى توحيده ودينه وكلامه أن يحظى تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٨٢ صلاحِ الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس به مَن ليس مِن أهلِه ، بل حالَ بينهم وبينه غيرةً عليه ، قال الله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥]، ولذلك ثَبّط سبحانه أعداءه عن متابعة رسوله واللَّحاق به غَيْرَةً ، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلكِنْ كَرِهَ الله آئْبِعَاثَهُمْ فَّطَهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ : لَوْ خَرَجُوا فِيَكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ولِأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيَكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ والله عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [ التوبة: ٤٦ - ٤٧]، فغار سبحانه عَلَى نبِّه عَ لَّه وأصحابه أن يخرج بينهم المنافقون فيسعَوْا بينهم بالفتنة فتبطهم وأقعدهم عنهم . قال تعالى: ﴿وإذا قرأت القرآنَ جعلْنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا مستورًا﴾ [ الإسراء: ٤٥]؛ ((قال السري لأصحابه : أتدرون ما هذا الحجاب ؟ حجاب الغيرة . ولا أحد أغير من الله ؛ إن الله تعالى لم يجعل الكفار أهلًا لفهم كلامه ، ولا أهلًا لمعرفته وتوحيده ومحبَّته ، فجعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجابًا مستورًا عن العيون ، غيرة عليه أن يناله من ليس أهلًا له))(١) . نوْعٌ لطيفٌ من غيرة الربِّ سبحانه وتعالى : قال ابن القيم: (( وهاهنا نوع من غيرة الربِّ سبحانه وتعالى لطيف ، لا تهتدي إليه العقول ؛ وهو أن العبد يُفْتَحُ له بابٌ من الصفاء والأنس والوجود ، فيساكنه ويطمئنّ إليه وتلتذّ به نفسُه ، فيشتغل به عن المقصود ، فيغار عليه مولاه الحقُّ فيخلِّيه منه ، ويَرُدُّه حينئذ إليه بالفقر والذِّلَّة والمسكنة ، ويُشهده غايةَ فقره وإعدامه ، وأنه ليس معه من نفسه شيء ألبَّة ، فتعود عزَّةُ ذلك الأُنْس والصفاء والوجود ذِلةً ومسكنة وفقرًا وفاقه ، وذرّةٌ مِن هذا : أحبُّ إليه سبحانه وتعالى ، وأنفعُ للعبد من الجبال الرواسي ، من ذلك الصفاء والأنس المجرّد (١) هذا قوله في مدارج السالكين ٤٣/٣، وفي روضة المحبين ص ٣١١ نسبة إلى الشبلي. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ١٨٣ عن شهود الفقر والذلَّة والمسكنة. وهذا بابٌ لا يتسع له قلب كلٍّ أحَدٍ))(١). الغيرة على دقيقِ العلْمِ أن يُذكَر لمَن لا يفهمه: (( ومن الغَيْرة: الغَيْرة على دقيق العلْم وما لا يدركه فَهْمُ السامع أن يُذْكر له ؛ ولهذه الغيرة قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : حدّثُوا الناسَ بما يعرفون، أَتَحُبُّون أن يُكذّب الله ورسوله ؟! وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ما أنت بمحدِّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم ، إلّا كان لبعضهم فتنةً . فالعالم يغار على علمه أن يَبْذُلَه لغير أهلِه ، أو يضعه في غير محلِّه، كما قال عيسى بن مريم عَّةٍ: يا بني إسرائيل ، لا تمنعوا الحكمة أهلَهَا فتظلموهم ، ولا تبذلوها لغير أهلها فتظلموها . وسُئل ابنُ عباس رضي الله عنهما عن تفسير قوله تعالى: ﴿الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمُوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [ الطلاق: ١٢]؛ فقال للسائل : وما يُؤَمِّنُك أني إنْ أخبرتُك بتفسيرها كفرتُ ؟ فإنك تكذِّب به ، وتكذيبُك بها كفرُك بها . فالمسألة الدقيقةُ اللطيفة التي تُبْذَلُ لغير أهلها ، كالمرأة الحسناء التي تُهْدَى إلى ضريرٍ مُفْعَد ؛ كما قيل : خودٌ تُرَفُّ إلى ضريٍ مُقْعَدٍ يا محنةَ الحسناءِ بالعميانِ)) (٢). ويرحم الله الشافعي حين يقول : * أأنثر درًّا بين سارِحةِ الغنم * ومن قال: ((لا تقلِّدوا الحكمة أعناقَ الخنازيرِ فتظلموها، ولا تمنعوها أهلَها فتظلموهم)) . (١) روضة المحبين ص ٣١١ . (٢) روضة المحبين ص ٣١٢. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ١ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٨٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ويرحم الله مَن قال : علَّ نحْتُ المعاني من معادنها وما علَّ إذا لم تفهَمِ البقرُ ثم يحجب هذا المعاني غيرة عليها من البقر . وكان أبو علي إذا وقع شيءٌ في خِلال مجلسه من تشويش الوقت ، يقول : هذا من غيرة الحقِّ . يريد أن لا يجري ما يجري من صفاء الوقت . نعم .. هناك من الناس من يكون جافيًا جِلفًا غليظًا بليدَ الفهم ، كحال الأعرابي الذي بايعه رسول الله عَ لِ فرسًا، فاستقاله الأعرابي فأقاله ، فقال له الأعرابي: عمَّرك الله، فمن أنت؟ فقال له النبي عَّ له: ((امرؤٌ من قريش)). فقال له بعض الحاضرين: كفاك جفاء أن لا تعرف نبيَّك !! فأحبَّ النبُّ عَ لَّهِ أن يعرِّفه جفاءَه وجَلافتَه بطريقٍ لا يبكِّته بها ، ويعرف من نفسه أنه أهلٌ لذلك . فكأنه يقول بلسان الحال : كفاك جفاءً أن تجهلني فتسألني من أنا !! فلما فهم الصحابي ذلك بلطف إدراكه ودٍقَّة فهمه ، فبادأه به وقال : كفاك جفاءً أن لا تعرف نبيَّك !! كلامٌ حسنٌ : ذكر القشيري عن الشَّلِي أنه قال: ((غيرة الإلهية على الأنفاس أن تُضَيَّع فيما سوى الله )) . قال ابن القيم : وهذا كلام حسن(١) . وقال السَّرُّّ لرجل عارفٍ: بي علَّةٌ باطنةٌ فما دواؤها ؟ قال : يا سَريّ ، الله غيّورٌ ؛ لا يراك تُساكن غيرَه فتسقط من عينه . فهذه غَيْرة صحيحة . سُنَّةُ الحقّ مع أوليائِهِ أنْ يَغار على قلوبهم إذا ساكَنتْ غيرَه : قال ابن القيم: ((مِن سنة الحقِّ مع أوليائه : أنهم إذا ساكنوا غيّرًا، أو (١) روضة المحبّين ص ٣١٦ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ١٨٥ لاحظوا شيئًا ، أو صالحوا بقلوبهم شيئًا يشوِّش عليهم ذلك ، فيغار على قلوبهم بأن يُعيدها خالصةً لنفسه فارغةً ؛ كآدم عليه السلام : لمَّا وطَّن نفسه على الخلود في الجنة أخرجه من الجنة ، وإبراهيم الخليل عليه السلام : لمَّا أعجبه إسماعيل أمَره بذبحه حتى أخرجه من قلبه ، فلما أسلما وتلَّه للجبين وصفّى سَرَّه منه ، أمره بالفِداء عنه . وقال بعضهم : احذروه ؛ فإنه غُيُور لا يحبُّ أن يرى في قلب عبده سواه . وقيل: الْحُّ تعالى غُيُورٌ، ومن غَيْرته أنه لم يجعل إليه طريقًا سواه))(١). لطيفةٌ : ((ومِلاك الغَيرة وأعلاها ثلاثة أنواع: غيْرةُ العبد لربِّه أَن تُنْتَهكَ محارِمُهُ وتُضَيَّعَ حدودُه . وغَيرتُه عَلَى قلبه أن يسكن إلى غيره وأن يأنس بسواه . وغيرتُه عَلَى حُرْمَتِه أن يتطلَّع إليها غيرُه . فالغيرةُ التي يحبُّها الله ورسوله دارت عَلَى هذه الأنواع الثلاثة، وما عداها فإنها مِن خِدَع الشيطان))(٢). غيْرةُ العبدِ على حُرْمِتِهِ وحُرُمَات المسلمين : عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله ، أرأيتَ إنْ وجدتُ رجلًا مع امرأتي، أمهله حتي آتي بأربعة شهداء؟ فقال النبي عَ لِ: ((نعم)). فقال: والذي بعثك بالحقِّ ، إن كنتُ لَأَضربه بالسيف غير مُصْفحٍ (٣) . فقال النبي عَّهِ: ((أتعجبون من غَيْرَة سعد؟! لأنا أَغْيُرُ منه، والله أغير مني))(٤). (١) روضة المحبين ص ٣١٦ . (٢) روضة المحبين ص ٣٢٠ . (٣) صفح بالسيف فلانًا : إذا ضربه بعْضه لا بحدِّه . (٤) رواه الشيخان . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٨٦ صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس غيْرة عمر بن الخطابِ رضي الله عنه : كان عمر رضي الله عنه شديدَ الغَيرَة ، وكانت امرأته تخرُج فتشهد الصلاة فيكره ذلك ، فتقول : إن نهيتنَي انتهيتُ . فيسكت ؛ امتثالًا لقول رسول الله عَ له: ((لَا تَمْنَعُوا إِمَاء الله مَسَاجِدَ الله))، وهو الذي أشار على النبي عَ لِ أن يَحْجُب نساءه، وكان عادة العرب أن المرأة لا تحتجب ؛ لنزاهتهم ونزاهة نسائهم ، ثم قام الإِسلام على ذلك ، فقال عمر : يا رسول الله ، لو حجبتَ نساءَك ؛ فإنه يدخل عليهنَّ البُّ والفاجر ، فأنزل الله عزَّ وجلّ آية الحجاب . عن أنس رضي الله عنه أن النبي عَّ له قال: ((بينما أنا أسير في الجنة فإذا أنا بقصر ، فقلتُ : لمن هذا يا جبريل ؟! ورجوتُ أن يكون لي . قال: قال: لعمر . قال : ثم سِرتُ ساعة ، فإذا أنا بقصْرٍ خيرٌ من القصر الأول . قال : فقلتُ : لمن هذا يا جبريل ؟ ورجوتُ أن يكون لي . قال: قال : لعمر . وإنّ فيه لَمن الحُورِ العِين يا أبا حفص . وما منعنى أن أدخله إلّا غيرتُك)). قال: فاغرورقتْ عينا عمر ، ثم قال: أما عليك فلم أكن لِأُغار(١). ورُفِعَ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجل قد قتل امرأته ومعها رجلًا آخر ، فقال أولياءُ المرأة: هذا قتل صاحبتَنا . وقال أولياءُ الرجل: إنه قد قتل صاحبنا . فقال عمر رضي الله عنه : ما يقول هؤلاء ؟ قال : ضرب الآخر فَخِذَي امرأته بالسيف ؛ فإن كان بينهما أحدٌ فقد قتلته . فقال لهم عمر : ما يقول ؟ فقالوا : ضرب بسيفه فقطع فَخِذَي المرأة فأصاب وسط الرجل فقطعه باثنتين . فقال عمر رضي الله عنه: إن عادوا فَعُدْ . ذكره سعيد بن منصور في سننه . وأخذ بهذا جماعة من الفقهاء منهم الإِمام أحمد وأصحابه رحمهم الله تعالى ؛ قالوا : لو وجد رجلًا يزني بامرأته فقتلهما فلا قصاص عليه ولا (١) صحيح : أخرجه أحمد، وأبو يعلى، وابن أبي عاصم مختصرًا في السنة. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ١٨٧ ضمان ، إلَّا أن تكون المرأة مُكْرَهَة فعليه القصاص بقتلها ، ولكن لا يُقبل قولُ الزوج إلا بتصديق الولي أو بيّنة . واختلفت الرواية عن الإِمام أحمد في عدد البيِّنة؛ فُرُوِيَ عنه: أنها رجلان . ويروى عنه: لا بدَّ من أربعة . وذكر سعيد بن منصور عن علّ بن أبي طالب رضي الله عنه : أنه سُئل عن رجل دخل بيته ، فإذا مع امرأته رجلٌ ، فقتلها وقتله ، فقال علّ رضي الله عنه : إن جاء بأربعة شُهَداء وإلَّا دُفع بُرُمَّتِه(١) . ووجهُ رواية الاكتفاء باثنين : أن البينةَ ليست على إقامة الحدّ ، ولكن عَلَى وجوب السبب المانع من القصاص ؛ فإن الزوج كان له أن يقتل المتعدّيّ عَلَى أهله ، ولكن لما أنكر أولياء القتيل، طُولِبَ القاتلُ بِالبَيِّنة فاكتُفِي برجلين . ورُفع إلى عمر رضي الله عنه رجلٌ قد قتل يهوديًّا فسأله عن قصته فقال : إن فلانًا خرج غازيًا وأوصاني بامرأته ، فبلغني أن يهوديًا يختلف إليها فكمنتُ له حتى جاء ، فجعل ينشد ويقول : حَلَوْتُ بِعِرْسِهِ ليَلَ الثَّمامِ وأبيضَ غرَّه الإِسلام مِنِّي عَلَى جَرْدَاءَ لاحقةِ الْحِزَامِ أبيتُ عَلَى ترائبها ويُمسي فِئامٌ ينهضونَ إلى فِئَامِ كأنَّ مواضعَ الرَّبَلاتِ منها فقمتُ إليه فقتلتُه . فأهدر عُمَر دَمَّهِ . وليس في هذَيْن الأمْرَيْن مطالبة عُمَر رضي الله عنه القاتل بالبيِّنَة ؛ إذْ لعلَّه تيقّن ذلك أو أفَّ به الولُي. والصواب: أنه متى قام عَلَى ذلك دلالةٌ ظاهرةٌ لا تحتمل الكذب، أغنتْ عن البِّنة . وذكر سفيان بن عُيَيْنَةَ عن الزهري ، عن القاسم بن محمد ، عن عبيد ابن عُمَير : أن رجلًا أضاف إنسانًا من هُذَيل ، فذهبتْ جاريةٌ لهم تحتطب ، (١) الرّة: هي قطعة الحبل يُوثق بها الأسير أو القاتل إذا اقتيد للقتْل . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٨٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس فأرادها عن نفسها ، فرمتْه بِفِهْرٍ فقتلته ، فُرُفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : ذاك قتيلُ الله ، لا يُودى أبدًا . وذكر حَمَّاد بن سَلَمة عن القاسم بن محمد : أن أبا السيّارة أولع بامرأة أبي جُنْدَب يراودها عن نفسها ، فقالت : لا تفعل ؛ فإن أبا جُنْدَب إن يعلمْ بهذا يَقْتُلْك . فأبى أن يَنْزِعِ ، فكلَّمتْ أخا أبي جُندب ، فكلَّمه فأبى أن يَنْزِعِ ، فأخبرت بذلك أبا جُندب ، فقال أبو جُندب : إني مخبر القوم أني أذهب إلى الإِبل ، فإذا أظلمتْ جئتُ فدخلتُ البيت ، فإن جاءك فأدخليه علَّي. فودَّع أبو جُندب القوم وأخبرهم : إني ذاهبٌ إلى الإِبل. فلما أظلم الليل جاء فكمن في البيت ، وجاء أبو السّيَّرة وهي تطحن في ظلُّها ، فراودها عن نفسها ، فقالت : وَيْحَكِ! أرأيتَ هذا الأمر الذي تدعوني إليه هل دعوتُك إلى شيءٍ منه قطُّ؟ قال : لا ، ولكن لا أصبر عنك . قالت : ادخلِ البيت حتى أتهيّاً لك . فلما دخل البيتَ أغلق أبو جُندب الباب ، ثم أخذه فدقّهِ من عنقه إلى عَجْبٍ(١) ذَنَبه ، فذهبت المرأة إلى أخي أبي جُندب فقالت : أُدرِكِ الرجلَ ؛ فإن أبا جُندب قاتلهُ . فجعل أخوه يُناشده فتركه ، وحمله أبو جُندب إلى مدْرَجةٍ الإِبل فألقاه ، فكان إذا مَّ به إنسان قال له : ما شأنك ؟ فيقول : وقعتُ من بَكْرٍ (٢) فحطَّمني . وبلغ الخبرُ عُمَرَ رضي الله عنه، فأرسل إلى أبي جُندبٍ فأخبره بالأمر على وجهه ، فأرسل إلى أهل المرأة فصدَّقوه ، فجلد عمر أبا السيارة مائة جلدة وأبطل دِيَتَه . وذكر العباس بن هشام الكلبّ، عن أبيه أنَّ عمرو بن حُمَمَةَ الدَّوْسِيّ أتى مكة حاجًّا ، وكان من أجمل العرب ، فنظرتْ إليه امرأةٌ فقالت : لا أدري: وجهُهُ أحسن أم فرسه ؟ وكانت له جُمَّةٌ(٣) تُسمَّى: الزينة ، فكان إذا جلس (١) العجب: مؤخر كلِّ شيء، وعَجْب الذَّنَب: هو جزء في أصل الذنب عند رأس العُصْعُص. (٢) البكر : يُطلق على الفتي من الإِبل، والجمع: أبكر وبكران، كما يُقال للأنثى: بكرة . (٣) الجمَّة : مجتمع رأس الشعر. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٨٩ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس مع أصحابه نشَرَها، وإذا قام عَقَصَهَا (١) ، فقالت له المرأة : أين منزلك ؟ قال : نجْد . قالت : ما أنت بنجدِّ ولا تِهامِي، فاصدقْني . فقال : رجلٌ من أهل السَّرَاة فيما بين مكة واليمن . ثم أشار إليها : ارْتَدفي خلفي . ففعلت ، فمضى بها إلى السَّرَاة وتبعها زوجُها ، فلم يلحقها فرجع ، فلما استقرّت عنده ، قطَع عروقَها وقال: والله لا تتبعين بعدي رجلًا أبدًا. ثم ردَّها إلى زوجها عَلَى تلك الحال . غيْرة الزبير بن العوَّام رضي الله عنه : عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها قالت : تزوَّجني الزبير رضي الله عنه ، وما له في الأرض مالٌ ولا مملوك ولا شيء غير فرسه . قالت : فكنتُ أعلف فرسه وأكفيه مئونته وأسُوسُه ، وأدقُّ النوى للناضحة ، وأعلفه وأسقيه الماء ، وأخرز غربه ، وأعجن ، ولم أكن أُحسن أُخبزُ ، فكان يخبز لي جاراتٌ من الأنصار ، وكنَّ نسوةَ صدق . قالت : وكنت أنقل النولى من أرض الزبير التي أقطعَهُ رسولُ الله عَ ◌ّهِ على رأسي، وهي على ثُلُثَي فرسخ . قالت: فجئتُ يومًا والنوى على رأسي، فلقيتُ رسول الله عَّ له ومعه نفرٌ من أصحابه فدعا لي، ثم قال ((أخ أخ))؛ ليحملَني خلفه، فاستحييتُ أن أسير مع الرجال ، وذكرتُ الزبير وغيرتَه . قالت : وكان مِن أغيّر الناس . قالت : فعرف رسولُ الله عَّلِ أني قد استحييتُ فمضى ، فجئتُ الزبير فقلتُ : لقيني رسول الله عَ ◌ّه وعلى رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه ، فأناخ لأركبَ معه ، فاستحييتُ وعرفتُ غيرتك ، فقال: والله لحملُك النوى كان أشدَّ علَّ مِن ركوبك معه !! قالت : حتى أرسل إلَّي أبو بكر بعد ذلك بخادم ، فكفتْني سياسة الفرس ، فكأنَّما أعتقني(٢). (١) عقَص الشعر : ضفره ولواه على رأسه . (٢) حياة الصحابة للكاندهلوي ٦٩١/٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٩٠ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس غيْرة معاذ بن جبل رضي الله عنه : ذكر الخرائطُي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أنه كان يأكل ثُفَّاحًا ومعه امرأته ، فدخل عليه غلامٌ له، فناولتْه تفَّاحةً قد أكلت منها، فأوجَعَها معاذٌ ضْبًا(١). غيرة عبدِ الله بن عُمَر رضي الله عنهما : ((ذكر حمَّاد بن زيد عن أُيُوب ، عن ابن أبي مُلَيْكة : أن ابن عمر رضي الله عنهما، سمع امرأته تكلّم رجلاً من وراء جدارٍ ، بينها وبينه قرابةً لا يعلمها ابنُ عمر ، فجمع لهَا جرائد (٢) ثم ضربها حتى أضبَّتْ حسيسًا)) (٢). ولله درّ من قال عن نسوة الصالحين : جوابًا فلا عقْدًا تراه ولا حَلَّا يعزّ على مَن يطرقُ البابَ لفظُها عليها كلأُمُ الأجنبِّ وإنْ قَلَّا يُطيلُ وُقوفًا لا يُجَابُ مُحَرَّمًا ويرحم الله مَن قال في غيرته على زوجته : ومنكِ ومن مكانِكِ والزمانِ أغارُ عليكِ مِن نفسي ومنّ إلى يومِ القيامةِ ما كفاني ولو أني خبأتُك في عيوني ولله درُّ علّ بن أبي طالب كَّم الله وجهَه !! لمّا رأى فاطمةَ رضي الله عنها تستاكُ ؛ غارَ عليها مِن أن يمسَّ السُّواكُ ثغْرَها فأنشأ يقول : وما خفتَ ياعودَ الأراك أَرَاكَا لقد فُزْتَ يا عُودَ الأراكِ بثغْرِها وما لي يا سواكُ سِواكا لو كنتَ مِن أهلِ القتالِ قتلتُكَ وفي واقعنا : (( طولُ السُّهَاد وقرْبُ الوسادِ )): في قصور الكُبَراء - بل في خراباتهم - ما أكثر الخدم والحشَم من الرجال ، مِن سائق وخادم وطبَّاخ .... يخلو الواحد بسيِّداتِ البيوت ، وصاحب البيت لاهٍ في أمور دنياه .... لا يفكر فيما تفكّر فيه النساء ولا فيما (١) روضة المحبين ص ٣٠٦ . (٢) الجرائد : جمع جريدة ، وهي قضبان النخل - يجرّد ويُقلمُ عنها السَّعَف. (٣) الحسيس : الصوت الخفي، وأضبَّ الشيء: أخفاه. روضة المحبين ص ٣٠٦. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ١٩١ يفكّر فيه الخادم ... وكأنَّ نساءَه معصومات، ولا يدري أنه (( ما خلا رجل بامرأة إلا وثالثهما الشيطان))، وأنَّ النساء حبائِلُ الشيطان ، وأنَّ لذّة الرجل عندهنَّ ولذاتهنَّ عند الرجال ، لا يخالف في ذلك إلا معتوه . إن امرأة العزيز لم تسأل عن شرفها وكرامتها ، ولا شرف زوجها ، بل داستهما بيغل الشهوة دوْسًا . إن الله لم يذكر قصة امرأة العزيز إلَّا ليحترس الرجال على نسائهم من الخَدَم . قالوا لامرأة شريفة راودت خادمها حتى فعل معها الفاحشة : لِمَ هذا ؟ قالت: طول السُّهَاد وقْبُ الوساد !! فاحذرْ . قد أصبحت فردًا مِنَ النسوانِ فالحافظاتُ الغيْب منهنَّ التي تُ بُعُولِهِنَّ وهُنَّ للأخدانِ أمَّا جمیلاتُ الوجوهِ فخائنا نفيسةٌ هامَّةٌ : قال ابن القيم في ((روضة المحبِّين)) (٣٢٠ - ٣٢١): ((فإن قيل: فمِن أَّ الأنواع تَعُدُّون غيْرَةَ فاطمة رضي الله عنها ابنةِ رسول الله عَ ◌ّه على علّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، لمَّا عزم عَلَى نكاح ابنةِ أبي جهل ، وغيْرةَ رسول الله عَ ليه لها؟ قيل: من الغيرة التي يُحبُّها الله ورسوله ، وقد أشار إليها النبي عَّ ◌ُلِ بأنها بُضْعَةٌ(١) منه، وأنه يُؤْذيه ما آذاها، ويُريبه ما أرابها (٢)، ولم يكن يَحْسُنُ ذلك الاجتماعُ ألبَتَّة ؛ فإن ابنةَ رسول الله عَ لِ لا يَحْسُن أن تجمع مع ابنة عدوّه عند رجلٍ؛ فإن هذا في غاية المنافرة، مع أن ذكر النبي عَّه. صِهْرَه الذي حدَّثه فصدَّقه ووعدَه فوفَّى له ؛ دليلٌ على أن عليًّا رضي الله عنه كان مشروطًا عليه في العقد، إما لفظًا وإما ◌ُرْفًا وحالًّا، أن لا يُريب فاطمة ولا يُؤْذِيهَا (١) البضْعة : الجزء : وهي قطعة اللحم. (٢) أرابها : أقلقها . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٩٢ صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس بل يُمسكها بالمعروف ، وليس من المعروف أنٍ يَضُمَّ إليها ابنة عدوِّ الله ورسوله ويغيظَها بها ، ولهذا قال النبي عَّ ◌ُله: ((إلّا أنْ يُرِيدَ ابْنُ أبي طالبٍ أنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَتَزَوَّجَ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ)) (١). والشرط العُرْفي الحالي كالشرط اللفظي عند كثيرٍ من الفقهاء ؛ كفقهاء المدينة وأحمد بن حنبل وأصحابه رحمهم الله تعالى. على أن رسول الله عَ ◌ّم خاف عليها الفتنة في دينها باجتماعها وابنة عدوّ الله عنده ، فلم تكن غَيْرِتُه عَلمِ لمجرد كراهية الطبْعِ للمشاركة ، بل الحاملُ عليها حُرْمةُ الدِّين. وقد أشار إلى هذا بقوله: ((إِنِّي أَخَافُ أنْ تُقْتَنَ فِي دينها)). والله أعلم بالصواب )) . درجات الغيرة عند شيخ الإِسلام الهَرَويّ : قال رحمه الله في (( منازل السائرين)): وهي على ثلاث درجات : ((الدرجة الأولى : غيْرة العابد على ضائع يستردُّ ضياعه ، ويستدرك فواته ، ويتدارك قُواه ))(٢): وشَرَح هذا الكلامَ وبَيَّنْهُ ابنُ القيم، فقال: ((العابد)) هو العامل - بمقتضى العلم النافع - للعمل الصالح . فغيرته على ما ضاع عليه من عمل صالح ، فهو يستردُّ ضياعه بأمثاله ، ويجبُر ما فاته من الأوراد والنوافل وأنواع القرب بفعْل أمثالها ، من جنسها وغير جنسها ، فيقضي ما ينفع فيه القضاء ، ويعوِّض ما يقبل العِوضَ ، ويجبُر ما يمكن جَبْرُه . وقوله: ((ويستدرك فواتَه)): الفرق بين استرداد ضائعه ، واستدراك فائِتِهِ. أن الأول : یمکن أن يُستردًّ بعينه ؛ کما إذا فاته الحجُّ في عامٍ تمكَّن منه ، فأضاعه في ذلك العام ؛ استدرَكه في العام المُقبل ، وكذلك إذا أخّر الزكاة عن وقت وجوبها ؛ استدركها بعد تأخيرها ، ونحو ذلك . (١) وهذه القصة رواها الشيخان والترمذي . (٢) مدارج السالكين ٤٨/٣ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٩٣ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس وأما الفائت : فإنما يستدرك بنظيره ؛ كقضاء الواجب المؤقّت إذا فات وقته . أو يكون مرادُه باسترداد الضائع ، واستدراك الفائت : نوعَي التفريط في الأمر والنهي ، فيستردُّ ضائع هذا بقضائه وفعْل أمثاله ، ويستدرك فائتَ هذا - أي سالفه - بالتوبة والندم . وأما (( تدارُك قواه)) : فهو أن يتدارك قوته ببذْلها في الطاعة قبل أن تتبدَّل بالضعْف ، فهو يغار عليها أن تذهب في غير طاعة الله . ويتدارك قُوى العمل الذي لحقه الفتور عنه ، بأن يكسوه قوةً ونشاطًا ، غيْرة له وعليه . فهذه غيرة العباد على الأعمال . والله أعلم . ((الدرجة الثانية : غيْرة المريد ؛ وهي غيْرة على وقتٍ فات ، وهي غيْرة قاتلة ؛ فإن الوقت وَحِّ التقضِّي، أَبُّ الجانب، بطُي الرجوع)): تكلَّمنا عنها في (( عُلُوّ الهِمَّة في حفظ الوقت )) في المجلد الرابع من كتابنا هذا، من ص ١٥٤ إلى ١٥٦ . ((الدرجة الثالثة : غيْرة العارف على عيْنٍ غطّاها غَيْنٌ، وسرِّ غشيَه رَيْنٌ ، ونَفَسٍ عِلِقَ برجاءٍ أو الْتفتَ إلى عطاءٍ )) : قال ابن القيم شارحًا هذه الدرجة العليَّة: (( أي يغار على بصيرةٍ غطَّاها ستّرٌ أو حجاب؛ فإن ((الغيْن)) بمنزلة الغطاء والحجاب ، وهو غطاء رقيق جدًّا، وفوقه ((الغَيْم)) وهو لعموم المؤمنين، وفوقه ((الريْن، والران)) وهو للكفَّار . وقوله: ((وسرِّ غَشِيَه ريْن)) : أي حجاب أغلظ من الغيْم الأول. ((والسر)) هاهنا: إما اللطيفة المدركة من الروح ، وإما الحال التي بين العبد وبين الله عز وجل ؛ فإذا غشيه ريْنُ النفس والطبيعة استغاثَ صاحبه ، كما يستغيث المعذَّب في عذابه ، غيْرةً على سرِّه من ذلك الرِئْن . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٩٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس وقوله: ((ونَّفَسٍ عِلِق برجاء ، والتفت إلى عطاء)) : يعني : أن صاحب النفَس يَغار على نفسه إذا تعلَّق برجاءٍ من ثواب منفصل ، ولم يتعلَّق بإرادة الله ومحبَّتَه ؛ فإن بين النَّفَسَيْن كما بين متعلَّقهما . وكذلك قوله: ((أوِ التفتَ إلى عطاء)): يعني: أنه يلتفت إلى عطاءٍ من دون الله فيرضى به ، ولا ينبغي أن يتعلَّق إلا بالله ، ولا يلتفت إلا إلى المعطي الغني الحميد، وهو الله وحدَه . والله أعلم )). الغَيْرة على الله أعظمُ الجَهْلِ وأبطلُ الباطل : قال ابن القيم: ((وأما الغيرة على الله: فأعظم الجهل وأبطل الباطل ، وصاحبها من أعظم الناس جهلًا، وربما أدَّت بصاحبها إلى معاداته وهو لا يشعر ، وإلى انسلاخه من أصل الدين والإِسلام ، وربما كان صاحبها شرا على السالكين إلى الله من قُطَّاع الطريق ، بل هو من قُطَّاع طريق السالكين حقيقةً ، وأخرج قَطْع الطريق في قالَبِ الغيرة . وأين هذا من الغيرة لله التي توجب تعظيم حقوقه ، وتصفية أعماله وأحواله لله ؟ فالعارف يغَار لله ، والجاهل يغار على الله ، فلا يُقال : أنا أغار على الله . ولكن : أنا أغار لله . كما حُكي عن واحد من مشهوري الصوفية ، أنه قال : لا أستريح حتى لا أرى مَن يذكر الله . يعني غيْرة عليه من أهلِ الغفلة وذكّرهم. والعجب أنَّ هذا يعدُّ من مناقبه ومحاسنه . وغاية هذا : أن يُعذَر فيه ؛ لكونه مغلوبًا على عقله ، وهو من أقبح الشطحات . وذكْر الله على الغفلة وعلى كل حال : خيرٌ من نسيانه بالكليَّة ، والألسن متى تركت ذكر الله - الذي هو محبوبها - اشتغلت بذكر ما يُبغضه ويَمِقُت عليه . فأَّ راحة للعارف في هذا؟! وهل هو إلَّا أَشُّ عليه ، وأكره إليه ؟! وقولُ آخرَ : لا أحبُّ أن أرى الله ولا أنظر إليه . فقيل له : كيف ؟ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ١٩٥ قال : غيْرةً عليه من نظر مثلي . فانظر إلى هذه الغيرة القبيحة ، الدالّة على جهْلٍ صاحبها ، مع أنه في خفارة ذُلِّه وتواضعه وانكساره واحتقاره لنفسه . ومِن هذا : ما يُحكى عن الشِّبلي : أنه لما مات ابنه دخل الحمّام ونَوَّر لحيته ، حتى أذهب شعرها كلَّه . فكل من أتاه معزِّيًا، قال : أيش هذا يا أبا بكر ؟ قال : وافقتُ أهلي في قَطْع شعورهم . فقال له بعض أصحابه : أخبرني : لِمَ فعلتَ هذا؟ فقال : علمتُ أنهم يعُزُّونني على الغفلة ، ويقولون: آجرَك الله . فقديتُ ذكْرهم الله على الغفلة بلحيتي . فانظر إلى هذه الغيرة المحرّمة القبيحة ، التي تضمَّنت أنواعًا من المحرَّمات: حلق الشعر عند المصيبة، وقد قال رسول الله عَ ل: ((ليس منا مَن حلَق وسَلقَ وخرق )) . أي حلَق شعره ، ورفع صوته بالندب والنياحة ، وخرق ثيابه . ومنها: حلق اللحية، وقد أمر رسول الله عَ ل باعفائها وتوفيرها . ومنها : منع إخوانه من تعزيته ونيل ثوابها . ومنها : كراهته لجريان ذكْر الله على ألسنتهم بالغفلة ، وذلك خير - بلا شكٍّ - من ترك ذكْره . فغاية صاحب هذا : أن تغفر له هذه الذنوب ويُعفى عنه . وأما أنْ يُعدَّ ذلك في مناقبه ، وفي الغيرة المحمودة ؛ فسبحانك ، هذا بهتان عظيم !! ومن هذا : ما ذُكِرَ عن أبي الحسين النوري : أنه سمع رجلًا يؤذِّن . فقال: طعنه ، وسمّ الموت . وسمِع كلبًا ينبح ، فقال : لبيك وسعديك . فقالوا له : هذا ترك للدين !! تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٩٦ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس وصدقوا والله ؛ يقول للمؤذِّن في تشهدُّه : طعنه ، وسمّ الموت . ويلبي نباح الكلب !! فقال : أما ذاك فكان يذكر الله عن رأس الغفلة ، وأما الكلب : فقد قال تعالى: ﴿وإِنْ مِنْ شيءٍ إلَّا يسبّح بحمْدِه ﴾ [ الإسراء: ٤٤]. فبالله !! ماذا ترى رسول الله عَ لّه يواجه هذا القائل لو رآه يقول ذلك، أو عمر بن الخطاب ، أو من عَدَّ ذلكِ في المناقب والمحاسن ؟! وسمِعِ الشبلُّي رجلًا يقول: جَلَّ الله . فقال: أحبُّ أن تجلَّه عن هذا. وأُذْن مرةً ، فلمَّا بلغ الشهادتين ، قال : لولا أنك أمرتَني ، ما ذكرتُ معك غيرك. وقال بعض الجهَّال من القوم: ((لا إله إلا الله)) من أصل القلب، و((محمد رسول الله)) من القرط . ونحن نقول : محمد رسول الله ، من تمام قول: لا إله إلا الله . فالكلمتان تخرجان من أصل القلب، من مشكاة واحدة، لا تتُمُّ إحداهما إلا بالأخرى))(١). ((قال القُشَيري: والواجب أن يُقال: الغَيْرةُ غَيْرتان: غَيْرَة الحقِّ على العبد ، وهو أن لا يَجعَله للخلق فَيَضِنَّ به عليهم. وغَيْرة العبد للحقّ ، وهو أن لا يجعل شيئًا من أحواله وأنفاسه لغير الحقِّ سبحانه ، فلا يُقال : أنا أغار عَلَى الله . ولكن يُقال : أنا أغار لله . قال : فإذَن الغَيْرة على الله جهل ، وربما تؤدي إلى ترك الدين . قال القُشَيْري : وقيل لبعضهم : أتحبُّ أن تراهم ؟ قال : لا . قيل : ولِمَ ؟ قال : أُنزِّهُ ذلك الجمالَ عن نظرٍ مثلي . وفي معناه أُنشدوا إني لأحسُدُ ناظريّ علیکا حتى أغُضَّ إذا نظرتُ إليكا وأراكَ تخطُر في شمائلكَ التي هي فِتْنَتي فأغارُ منكَ عليكا قلتُ : وهذه غيْرةٌ فاسدة ، وغاية صاحبها أن يُعْفَى عنه وأن يعدَّ ذلك فِي شَطَحاته المذمومة ، وأما أن تُعَدَّ في مناقبه وفضائله : أن يُقال : أتحبُّ أن ترى الله فيقول : لا . ورؤيتُه أعلى نعيمِ أهلِ الجنة ، وهو سبحانه وتعالى يحبُّ (١) مدارج السالكين ص ٤٥/٣ - ٤٧ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ١٩٧ من عبده أن يسأله النظر إليه ، وقد ثبت عن النبي عٍَّ أنه كان من دعائه : ((اللَّهُمَّ إني أُسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إلى لِقَائِكَ)). وقول هذا القائل : ( أُنزّه ذلك الجمالَ عن نظر مثلي ) : من خِدَع الشيطان والنفس ، وهو يشبه ما يُحْكى عن بعضهم أنه قيل له : ألا تذكره ؟ فقال: أُنزِّهه أن يجري ذكُرُه على لساني . وطَّرْدُ هذا التنزيه الفاسد؛ أن ينزّهه أن يجري كلامُه على لسانه، أو يخطُر هو أيضًا على قلبه . وقد وقع بعضهم في شيء من هذا فلاموه ، فأنشد : وقدْ أَسقطتْ حالي حقوقَهمْ عنِّي يقولونَ زُرْنا واقضٍ واجبَ حقّنا ولم يأْنَفُوا منّي أُنِفْتُ لهمْ منّي إذا هم رأُوْا حالي ولم يأنْفُوا لها وطَّرِّدُ هذه الغيرة أن لا يزور بيتَه غيرةً على بيته أن يزوره مثلُه . ولقد لُمْتُ شَخْصًا مَّةً على ترك الصلاة فقال لي : إني لا أرى نفسي أهلًا أن أدخل بيته . فانظرْ إلى تلاعب الشيطان بهؤلاء !! وسمِع الشبلُّ مرةً رجلًا يقول: جَّ الله . فقال: أحب أن تُجِلَّه عن هذا. ويا عجبًا ممَّن يَعُدُّ هذا في مناقب رجلٍ ، ويجعله قدوةً ، ويزيِّن به كتابه !! وهل شيءٌ أشدُّ على قلب المؤمن وأمُرُ عليه من أن لا يَرى لربِّه ذاكرًا ؟! وهل شيء أقُّ لعيْنِه من أن يَرِى ذاكرين الله بكلِّ مكان ؟! وعذرُ هذا القائل : أنه لا يرى ذاكرًا الله بحقِّ الذكْر ، بل لا يرى ذاكرًا إلَّ والغفلة والسهوةُ مستوليَةٌ على قلبه ، فيذكر ربَّه بلسانٍ فارغٍ من القلب وحضوره في الذكر ، وذلك ذكرٌ لا يليق به ، فيغار محبُّه أن يُذكَر بهذا الذكر، فيحبُّ أن لا يَسمع أحدًا يذكُرُه هذا الذكْر . ولمَّا اشترك الناس في هذا الذكر ، أخبر أن راحته أن لا يرى له ذاكرًا. هذا أُحسنُ ما يُحْمَل عليه كلامه ، وإلَّا فظاهرُه إلى العداوة أقربُ منه إلى المحبَّة، وليس هذا حال الشبلّ رحمه الله تعالى ؛ فإن المحبَّة كانت تغلب عليه ، ومع ذلك فهو من شطحاته التي يُرْجِى أَنْ تُغْفَر له بصدْقِه ومحبَّته وتوحيده ، لا أنها ممَّا يُحْمَدُ عليه ويُقتدى به فيها . وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده أن يذكروه على جميع أحوالهم . وإن كان تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ١٩٨ ذكرهم إيَّاه مراتبَ ؛ فأعلاها : ذكرُ القلب واللسان مع شهود القلب للمذكور وجمعيَّته بكلّته بأحبِّ الأذكار إليه ، ثم دُونه : ذكر القلب واللسان أيضًا وإن لم يشاهد المذكور ، ثم ذكْر القلب وحدَه ، ثم ذكّر اللسان وحده . فهذه مراتب الذكر وبعضها أحبُّ إلى الله من بعض)) (١) . (١) روضة المحبين ص٣١٢ - ٣١٤ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com الفصل التاسع عُلُوُّ الهِمَّةِ في الرَّغْبَة ((تَشَرُّفّ يصحبهُ تقيَّة، تحمله عليها هِمَّة نقيَّة ، لا تُبقي معه من التفُرُّقِ بقيَّة )» [ شيخ الإسلام الهروي ] https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٠ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد