Indexed OCR Text
Pages 161-180
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com الفصل السابع عُلُوُّ الِهِمَّةِ في التَعْظِيم تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ١٦٣ عُلُوُّ الِهِمَّة في التعْظِيمِ [ اعلم يا أخي أنه على قدر المعرفة يكون تعظيم الربِّ تعالى في القلب . وأعرفُ الناس بهِ: أشدُّهم له تعظيمًا وإجلالًا. وقد ذمَّ الله تعالى من لم يعظِّمه حقَّ عظمته ، ولا عَرَفه حقَّ معرفته ، ولا وصفه حقّ صفته . وأقوالهم تدور على هذا؛ فقال تعالى: ﴿ ما لكم لا ترجونَ الله وقارًا ﴾ [ نوح: ١٣] . قال ابن عباس ومجاهد : لا ترجون الله عظمة . وقال سعيد بن جُبير : ما لكم لا تعظِّمون الله حقَّ عظمته ؟! وقال الكلبي : لا تخافون لله عظمة . وروح العبادة: هو الإِجلال والمحبَّة. فإذا تخلَّى أحدهما عن الآخر فسدت ، فإذا اقترن بهذين الثناءُ على المحبوب المعظّم ، فذلك حقيقة الحمد . والله سبحانه أعلم . درجاتُ التعْظِيم : الأولى : تعظيم الأمر والنهي : ((وهو أن لا يُعاَرَضَا بترخّص جافٍ، ولا يُعَرَّضا لتشدُّد غالٍ ، ولا يُحمَلا على عِلَّة تُوهِن الانقياد )). هاهنا ثلاثة أشياء تُنافي تعظيم الأمر والنهي : أحدها : الترشّص الذي يجفو بصاحبه عن كال الامتثال . والثاني : الغلوُّ الذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي . فالأول : تفريط . والثاني : إفراط . وما أمر الله بأمرٍ إلَّا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى تفريط وإضاعة ، وإما إلى إفراط وغلوِّ . ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه ، كالوادي بين تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٦٤ صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس جبلَيْن ، والهدى بين ضلالتيْن ، والوسط بين طرفين ذميمين . فكما أن الجافي عن الأمر مضيِّع له ، فالغالي فيه مضيِّع له ؛ هذا بتقصيره عن الحدِّ ، وهذا بتجاوزه الحدَّ . وقد نهى الله عن الغلو بقوله : ﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحقّ﴾ [المائدة : ٧٧ ] . و ((الغلوُّ)) نوعان: نوع يُخرجه عن كونه مطيعًا؛ كمن زاد في الصلاة ركعة ، أو صام الدهر مع أيام النهي ، أو رمى الجمرات بالصخرات الكبار التي يُرمى بها في المنجنيق ، أو سعى بين الصفا والمروة عشْرًا، أو نحو ذلك عمْدًا. وغلو يُخَافُ منه الانقطاع والاستحسار ؛ كقيام الليل كلِّه، وسَرْد الصيام الدهَرَ أجمع ، بدون صوْم أيام النهي ، والجوْر على النفوس في العبادات والأوراد ، الذي قال فيه النبي عَّهِ: ((إن هذا الدين يُسْرٌ، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلَّا غَلَبه. فسدِّدوا وقاربوا ويَسِّروا، واستعينوا بالغَذْوة والَّوْحَة، وشيءٍ من الدُّلْجَة)). يعني : استعينوا على طاعة الله بالأعمال في هذه الأوقات الثلاثة ؛ فإن المسافر يستعين على قطع مسافة السفر بالسَّيْر فيها . وقال عَّ له: ((لِيُصَلِّ أحدُ كم نَشاطَه، فإذا فَتَرِ فَلْيْقد)). رواهما البخاري. وفي صحيح مسلم: عنه عَّ له أنه قال: ((هلك المتنطِّعون - قالها ثلاثًا - وهم المتعمِّقون المتشدِّدون )) . وفي صحيح البخاري: عنه عَّ الِ: ((عليكم من الأعمال ما تُطيقون ؛ فوالله لا يَمَلُّ الله حتى تَمُّوا)). وفي السنن: عنه عَّلِ أنه قال: ((إن هذا الدِّين متين، فأوغِلْ فيه بِرِفْق ، ولا تُبَغِّضَنَّ إلى نفسك عبادةَ الله )). أو كما قال . وقوله : ((ولا يُحْمَلا على علَّة توهِن الانقياد )): يريد: أنْ لا يتأوَّل في الأمر والنهي علَّة تعود عليهما بالإِبطال ، كما تأوَّل بعضُهم تحريم الخمر بأنه معلَّل تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ١٦٥ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس بإيقاع العداوة والبغضاء ، والتعرُّض للفساد . فإذا أمن من هذا المحذور منه جاز شربه ؛ كما قيل : ولكنْ لأسبابٍ تضمَّنَها السُّكْرُ أُدْها فما التحریمُ فيها لذاتها فسيَّانَ ماءٌ في الزجاجةِ أوْ خَمْرُ إذا لم يكنْ سُكْرٌ يُضِلُّ عن الهدى وقد بلَغ هذا بأقوام إلى الانسلاخِ من الدين جملةً ، وقد حمل طائفةً من العلماء أن جعلوا تحريم ما عدا شراب خمر العنب معلّلًا بالإِسكار ، فله أن يشرب منه ما شاء ، ما لم يُسكر . ومن العلل التي تُوهن الانقياد : أن يعلّل الحكم بعلَّة ضعيفة ، لم تكن هي الباعثة عليه في نفس الأمر ، فيضعف انقياد العبد إذا قام عنده أنَّ هذه هي علَّة الحكم ، ولهذا كانت طريقة القوم : عدم التعرُّض لعلل التكاليف ؛ خشيةً هذا المحذور . وفي بعض الآثار القديمة: (( يا بني إسرائيل، لا تقولوا: لِمَ أمرَ رُبُّنا ؟ ولكن قولوا: بِمَ أمَرَ ربنا؟ )). وأيضًا فإنه إذا لم يمتثلِ الأمرَ حتى تظهرَ له عَّتُه، لم يكن منقادًا للأمر ، وأقل درجاته : أن يضعف انقياده له . وأيضًا فإنه إذا نظر إلى حِكَمِ العبادات والتكاليف مثلًا ، وجعل العلّة فيها هي جمعيَّة القلب والإقبال به على الله ؛ فقال : أنا أشتغل بالمقصود عن الوسيلة . فاشتَغَلَ بجمعيَّته وخلوته عن أوراد العبادات ، فعطّلها ، وترَك الانقياد بحمْله الأمْر على العلّة التي أذهبتِ انقياده . وكلُّ هذا مِن ترك تعظيم الأمْر والنهي . وقد دخل من هذا الفساد على كثير من الطوائف ما لا يعلمه إلا الله . فما يدري ما أُوْهنتِ العلُ الفاسدة من الانقياد إلى الله ، فكم عطَّلتْ لله من أمر ، وأباحت مِن نَهْيٍ ، وحَّمت من مباح ؟! وهي التي اتفقت كلمة السلف على ذمِّها . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٦٦ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس وهذه الدرجة تتضمَّن تعظيمَ الحكم الديني الشرعي . وخواصُّ خلْقِهِ ممَّن يعظِّمون أمره ونهيه ، يريدونه ويريدون ثوابه ؛ قال الله تعالى: ﴿وإنْ كنتنَّ ترذنَ الله ورسوله والدار الآخرةَ فإنَّ الله أعدَّ للمحسنات منكنَّ أجرًا عظيمًا ﴾ [الأحزاب: ٢٩] . فهذا خطابه لخير نساءٍ العالمين ؛ أزواج نبيِّه ێ. وقال الله تعالى: ﴿ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعْيَها وهو مؤمن فأولئك كان سعيُهم مشكورًا ﴾ [الإسراء: ٩]، فأخبر أنَّ السعي المشكور : سعُ مَن أراد الآخرة . وأصرحُ منها : قوله لخواصٌ أوليائه - وهم أصحاب نبيِّه عَُّ ورضي عنهم - في يوم أُحُد: ﴿منكم مَنْ يريد الدنيا ومنكم مَن يريد الآخرة﴾ [آل عمران: ١٥٢ ] فقسّمهم إلى هذيْن القِسْمين اللذَيْن لا ثالث لهما . وقد غلط من قال : فأين مَن يريد الله ؟ فإنَّ إرادة الآخرة عبارة عن إرادة الله تعالى وثوابه ، فإرادة الثواب لا تنافي إرادة الله . والجنة ليست اسمًا لمُجَرد الأشجار والفواكه، والطعام والشراب والحُور العِين ، والأنهار والقصور . وأكثر الناس يغلطون في مسمَّى الجنة ؛ فإن الجنة اسم لدار النعيم المطْلَق الكامل ، ومِن أعظم نعيم الجنة : التمتُّع بالنظر إلى وجه الله الكريم ، وسَماع كلامه ، وقَّة العَيْن بالقرب منه وبرضوانه ، فلا نسبة للذَّةِ ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصُّوَر ؛ إلى هذه اللذَّة أبدًا، فأيسُرُ يسير من رضوانه أكبر من الجِنان وما فيها من ذلك ، كما قال تعالى: ﴿ورضوانٌ من الله أكبرُ ... ) الآية [ التوبة: ٧٢]، وأتى به منكرًا في سياق الإِثبات . أمّ شيءٍ كان من رضاه عن عبده ؛ فهو أكبر من الجنة . قليلُك لا يُقال له قليلُ قليل منك يكفيني ولكنْ وفي الحديث الصحيح - حديث الرؤية -: ((فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى وجههِ)). وفي حديث آخر: أنه سبحانه إذا تجلّى لهم ، تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٦٧ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ورأوا وجهه عيانًا نسوا ما هم فيه من النعيم وذهلوا عنه ، ولم يلتفتوا إليه . ولا ريب أن الأمر هكذا ، وهو أجل مما يخطر بالبال ، أو يدور في الخيال ، ولا سيما عند فوز المحبِّين هناك بمعيَّة المحبّة ، فإن المرء مع من أحبَّ ولا تخصيصَ في هذا الحكم ، بل هو ثابتٌ شاهدًا وغائبًا . فأنّ نعيم ، وأنّ لذة، وأُّ قَرّة عيْن، وأتُّ فْز يُداني نعيمَ تلك المعيَّة ولذَّتها ، وقرة العين بها ؟! وهل فوق نعيم قّة العيْن بمعيَّة المحبوب الذي لا شيء أجلّ منه ولا أكمل ولا أجمل - قرة عين ألبتة ؟! وهذا - والله - هو العلم الذي شمَّر إليه المحبُّون ، واللواء الذي أُمَّهُ العارفون، وهو روح مسمَّى ((الجنة )) وحياتها ، وبه طابتِ الجنة وعليه قامت . وخواصُّ خلْق الله، والكُمَّل من عباده : وسط بين طرفَّيْن : الأول : مَن يريد مِنَ الله ولا يريد الله ؛ فهذا ناقصٌ غاية النقص ، وهو حال الجاهل بربِّه ، الذي سمع أن ثَمَّ جنةً ونارًا ، فليس في قلبه غير إرادة نعيم الجنة المخلوق ، لا يخطر بباله سواه ألبتة ، بل هذا حال أكثر المتكلِّمين ، المنكرين رؤية الله تعالى ، والتلذذ بالنظر إلى وجههِ في الآخرة ، وسماع كلامه ، وحبِّه ، والمنكرين على من يزعم أنه يحبُّ الله، وهم عبيد الأجرة المحضة ، فهؤلاء لا يريدون الله تعالى وتقدَّس، وهم منكرون لإِرادة الله غاية الإِنكار ، وأعلى الإِرادة عندهم : إرادة الأكل والشرب ، والنكاح واللباس في الجنة ، وتوابع ذلك . وهؤلاء من أكثف الناس حجابًا، وأغلظهم طباعًا ، وأقساهم قلوبًا ، وأبعدهم عن روح المحبَّة والتآَلَّه، ونعيم الأرواح والقلوبِ . وهم يكفّرون أصحاب المحبَّة والشوق إلى الله، والتلذّذ بحبِّه، والتصديق بلَذَّة النظر إلى وجهه ، وسماع كلامه منه بلا واسطة . جهلتْ هذه الطائفة أن النفوس العليَّة الزكيَّة تعبده ؛ لأنه أهل أن يُعبَد ، ويُجَلّ ويُحَبّ ويُعظّم ، فهو لذَاتِه مستحقٌّ للعبادة . ومع إرادة النعيم المخلوق في الجنة فهناك نعيم أعلى ، وهو نعيم القُرْب من تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٦٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس المُطَاعِ؛ قال تعالى في حقٍّ نبِّه داود عَّهِ: ﴿وإنَّ له عندنا لزُلْفِى وَحُسْنَ ماب ﴾ [ص: ٤٠]؛ فالزلفى: منزلة القُرْب، وحسْن المآبُ: حسن الثواب والجزاء . وقال تعالى: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ... ) الآية [ يونس: ٢٦]، فالحسنى : الجزاء، والزيادة : منزلة القُرْب، ولهذا فُسِّرَتْ بالنظر إلى وجه الله عزَّ وجل . فالخواصُّ والكُمَّلُ عملهم على المنزلة والدرجة ، وهؤلاء العُمَّال عملهم على الثواب والأجرة ، وشتَّانَ ما بينهما !! والثاني : مَن يريد الله ولا يريد منه ؛ فهذا هو الذي يزعمُ هؤلاءٍ أنه مطلوبهم ، وأنَّ مَن لم يصل إليه ففي سَيْره علَّة ، وأن العارف ينتهي إلى هذا المقام ، وهو أن يكون الله مرادَه ، ولا يريد منه شيئًا ؛ كما يُحكى عن أبي يزيد أنه قال : قيل لي : ما تريد ؟ فقلتُ : أريد أن لا أريد . وأصحاب هذه المنزلة ينكرون على الطرف الآخر ، ولا يعدُّونهم من البَشَر إلا بالصورة ، ومرتبتهم عندهم قريبة من مرتبة الجماد والحيوان البهيم ، وهم عندهم في حجابٍ كثيفٍ عن معرفة نفوسهم وكمالها ، ومعزفة معبودهِم وسِّ عبوديته . وهذا في التحقيق عيْنُ المحال الممتنع ، عقلًا وفِطْرةً، وحِسًّا وشرعًا ؛ فإن الإِرادة من لوازم الحِي ، وإنما يعرض له التجُّد عنها بالغيبة عن عقله وحِسِّه ، كالسُّكْر والإغماء والنوم ، وهذه حالة عارضة غير دائمة ، وليست غاية مطلوبة للسالكين ، ولا مقدورة للبشر ، ولا هي أعلى المقامات فيُؤمر باكتساب أسبابها . ونحن لا ننكر التجريد عن إرادة ما سواه من المخلوقات التي تزاحم إرادتُها إرادته ، أفليس صاحب هذا المقام مريدًا لقْبه ورضاه ودوام مراقبته والحضور تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس ١٦٩ معه ؟! وأنّ إرادة فوق هذه؟! وحال الطائفتَيْن عجَبٌ لمن اطلع عليه، وخير الهدي هديُ محمد عَ ◌ّه . وما سجَّه القرآن من قول آسية: ﴿ربِّ ابنِ لي عندَكَ بيتًا في الجنة ... ) الآية [ التحريم: ١١]، فطلبت جوار الرحمن وعنديَّته والقرْب منه في الجنة، وهي التي كملتْ من النساء . فهذا فصل الخطاب في هذا الموضع . والله سبحانه وتعالى أعلم . الدَرَجَة الثانية : تعظيمُ الحِكْمِ الكَوْنِ القَدَرِّ بأن لا يُغُى له عِوَجٌ ، ولا يُرضى بعِوَض : أما الأول: ((أن لا يُبغى له ◌ِوَج))؛ أي يُطلَب له وج، أو يُرى فيه ◌ِوَج، بل يراه كلَّه مستقيمًا ؛ لأنه صادرٌ عن عين الحكمة ، فلا حَوَج فيه . وهذا موضع قد أشكل على الناس جدًّا؛ ((فقال نُفاة القدر : ما في خلْق الرحمن مِن تَفَاؤُتٍ ولا عِوج ، والكفر والمعاصي مشتمِلَة على أعظم التفاوت والعِوَج ، فليست بخلْقِهِ ولا مشيئَتِه ولا قدَره . وقالت فرقة تقابلهم : بل هي من خلْق الرحمن وقدَره ، فلا ◌ِوج فيها ، وكلُّ ما في الوجود مستقيم . والطائفتان ضالَّتان منحرفتان عن الهدى ، وهذه الثانية أشدُّ انحرافًا؛ لأنها جعلت الكفر والمعاصي طريقًا مستقيمًا لا ◌ِوجَ فيه . وعدم تفريق الطائفتين بين القضاء والمقضي ، والحكم والمحكوم به ، هو الذي أوقعهم فيما أوقعهم فيه . وقول سلف الأُمَّة وجمهورها : إن القضاء غير المقضي ؛ فالقضاء : فعْلُه ومشيئته وما قام به ، والمقضيّ : مفعوله المباين له المنفصل عنه ، وهو المشتمل على الخير والشرّ ، والعِوج والاستقامة . فقضاؤه كلُّه حقّ ، والمقضي : منه حقٌّ ، ومنه باطل . وقضاؤه كلُّه تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٧٠ صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد الخامس عدل ، والمقضيّ : منه عدل ، ومنه جور . وقضاؤه كلَّه مرضي ، والمقضي : منه مرضي ، ومنه مسخوط . وقضاؤه كلُّه مسالم ، والمقضي : منه ما يُسالَم ، ومنه ما يحارب . وهذا أصل عظيم تجب مراعاته ، وهو موضع مزلَّة أقدام كما رأيتَ ، والمنحرف عنه: إما جاهل للحكْمة ، أو القدرة ، أو للأمر والشرع ولا بدَّ . وعلى هذا يُحمل كلام صاحب ((المنازل)) رحمه الله: ((أن لا يُبتَغى للحكم عِوَج )). ((ولا يُرضى بعِوَض)): أي إن صاحب ((مشهد الحكم )) قد وصل إلى حدٍّ لا يطلب معه عوضًا. ولا يكون ممَّن يعبد الله بالعوض ؛ فإنه يشاهد جريان حكم الله عليه ، وعدم تصرُّفه في نفسه ، وأن المتصرف فيه حقًّا هو مالكه الحقُّ ؛ فهو الذي يُقيمه ويُقعده ، ويقلِّبه ذات اليمين وذاتَ الشمال . وإنما يطلب العِوضَ من غاب عن الحكم وذهَلَ عنه ، وذلك منافٍ لتعظيمه ؛ فمِن تعظيمه : أن لا يرضى العبدُ بعِوَض يطلبه بعمله ؛ لأن مشاهدة الحكم وتعظيمه يمنعه أن يرى لنفسه ما يعاوَض عليه . فهذا الذي يمكن حمْل كلامه عليه من غير خروج عن حقيقة الأمر . والله سبحانه أعلم ))(١) . ((الدرجة الثالثة : أعظم التعظيم ؛ تعظيمُ الحقِّ سبحانه ، وهو أن لا يجعل دونه سبًا ، ولا يرى عليه حقًّا ، أو لا يُنازِع له اختيارًا)): هذه الدرجة تتضمَّن تعظيم الحاكم سبحانه ، صاحب الخَلْق والأمْر ، والتي قبلها تتضمَّن تعظيم قضائه لا مقضيّه ، والأولى: تتضمَّن تعظيم أمْره . وذكر من تعظيمه ثلاثة أشياء : (١) مدارج السالكين ٤٩٩/٢ - ٥٠٠ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ١٧١ أحدها : (( أن لا تجعل دونه سببًا)): أي: لا تجعل للوصلة إليه سببًا غيره ، بل هو الذي يُوصل عبدَه إليه ، فلا يُوصِل إلى الله إلا اللهُ، ولا يقرِّب إليه سواه ، ولا يُذْني إليه غيره ، ولا يُتوصَّل إلى رضاه إلا به ، فما دلَّ على الله إلا اللهُ، ولا هدى إليه سواه ، ولا أدنى إليه غيره ؛ فإنه سبحانه هو الذي جعل السبب سببًا ، فالسبب وسببيّته وإيصاله : كلُّه خلقه وفعله . الثاني: (( أن لا يرى عليه حقًّا)) أي: لا ترى لأحد من الخلق - لا لك ولا لغيرك - حقًّا على الله ، بل الحق الله على خلقه . وأما حقوق العبيد على الله تعالى ؛ من إِثابته لمطيعهم ، وتوبته على تائبهم ، وإجابته لسائلهم ؛ فتلك حقوقٌ أحقَّها الله سبحانه على نفسه ، بحكْم وعدِه وإحسانه ، لا أنها حقوق أحقُوها هم عليه . فالحقُّ - في الحقيقة - لله على عبده ، وحق العبد عليه هو ما اقتضاه جوده وبره ، وإحسانه إليه بمخْض ◌ُجُوده وكرمه . هذا قول أهل التوفيق والبصائر . وهو وسط بين قولَيْن منحرفَيْن قد تقدَّم ذكْرهما مِرارًا. والله سبحانه أعلم . الثالث : ((أو لا ينازِع له اختيارًا)): إذا رأيتَ الله عز وجل قد اختار لك أو لغيرك شيئًا - إما بأمْره ودينه ، وإما بقضائه وقدره - فلا تنازع اختياره ، بلِ ارضَ باختيار ما اختاره لك ؛ فإن ذلك من تعظيمه سبحانه . ولا يردُّ عليه قدره من المعاصي ؛ فإنه سبحانه - وإن قدَّرها - لكنه لم يخترها له ، فمنازعتها غير اختياره من عبده ، وذلك من تمام تعظيم العبد له سبحانه . والله أعلم)) (١) . ومن عُلُوِّ الِهِمَّة في التعْظِيم : تعظيم حُرمات الله عزَّ وجل: (( قال تعالى: ﴿ومَن يعظّمْ حرماتِ الله فهو خيرٌ له عند ربِّه﴾ [الحج : ١ ٢٢]، قال جماعة من المفسِّرين: ((حُرُمات الله)) هاهنا : مغاضبه وما نهى (١) مدارج السالكين ٥٠٠/٢ - ٥٠١ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٧٢ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس عنه ، وتعظيمُها : ترك ملابستها . قال الليث : حُرُمات الله : ما لا يحلّ انتهاكها . وقال قوم : الحرمات : هي الأمْر والنهي . وقال الزجَّاج : الحرمة ما وجب القيام به ، وحرّم التفريط فيه . وقال قوم : الحُرُمات هاهنا المناسك ومشاعر الحج ، زمانًا ومكانًا . والصواب: أن ((الحرمات)) تعمُّ هذا كلّه، وهي جمع ((خُرْمة))، وهي ما يجب احترامه وحفظه ؛ من الحقوق والأشخاص ، والأزمنة والأماكن . فتعظيمها: توفيتها حقَّها، وحفظُها من الأضاعة ))(١). فمن الأشخاص: رسول الله عَ ◌ّه، والصحابة ، وأهل بيته. ومن الأزمنة : الأشهر الحُرُم وبخاصة عشْر ذي الحجة ، ورمضان وعشره الأُخرَ . ومن الأماكن : مكة ، والمدينة ، وبيت المقدس ... قال الهروي في ((منازل السائرين)): ((الخرمة هي التحُّج عن المخالفات والمجاسرات)). قال ابن القيم : أراد أنّ الخرمة هي الخروج من حَرَجِ المخالفة وجسارة الإقدام عليها . ومن تعظيمِ الحُرُمات : تعظيم وحفظ حزمة نصوص الأسماء والصفات : قال صاحب ((المنازل)) بعد ذكْره للدرجة الأولى وهي ((تعظيم الأمر والنهي )): (١) مدارج السالكين ٧٤/٢ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٧٣ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ((الدرجة الثانية : إجراء الخبر على ظاهره ؛ وهو أن تبقى أعلام توحيد العامَّة الخبرية على ظواهرها ، ولا يتحمَّل البحث عنها تعسُّفًا ، ولا يتكلَّف لها تأويلا، ولا يتجاوز ظواهرها تمثيلًا، ولا يدَّعي عليها إدراكًا أو توهُّمًا)) (١). قال ابن القيم: ((يشير الشيخ - رحمه الله وقدّس روحه - بذلك إلى حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها ؛ وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أذهان العامَّة . ولا يعني بالعامَّة الجهَّال ، بل عامَّة الأُمَّة . والعصمة النافعة في هذا الباب : أن يُوصف الله بما وصفَ به نفْسَه ، وبما وصفه به رسوله عَ ل ، من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ، ولا تمثيل ، بل نثبتُ له الأسماء والصفات وننفي عنه مشابهة المخلوقات . فيكون إثباتُك منزَّهًا عن التشبيه ، ونفيُك منزَّهًا عن التعطيل ، فمَن نفى حقيقة ((الاستواء)) فهو معطِّل، ومَن شبَّهه باستواء المخلوق على المخلوق فهو ممثِّل، ومَن قال: ليس كمثْلِه شيءٌ ؛ فهو الموحِّد المنزّه . وفي قوله: ((لا يتجاوز ظاهرها تمثيلاً)): إشارة لطيفة ؛ وهي أن ظواهرها لا تقتضي التمثيل ، كما تظنُّه المعطِّة النُّفَاة . وأما قوله: ((ولا يدّعي عليها إدراكًا)): أي لا يدَّعي عليها استدراكًا ولا فَهْمًا ولا معنَّى غيرَ فهم العامَّة ، كما يدّعيه أرباب الكلام . وقوله: ((ولا توهمًا)): أي لا يعدِل عن ظواهرها إلى التوهُّم . و ((التوهُّم )) نوعان : توهُّمُ كيفيَّة : لا تدلُّ عليه ظواهرها . أو توهم معنَّى غير ما تقتضيه ظواهرها . وكلاهما توهُّمٌ باطل ، وهما توهم (١) مدارج السالكين ٨٥/٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٧٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس تشبيهٍ وتمثيل ، أو تحريفٍ وتعطيل . وهذا الكلام من شيخ الإِسلام يُبيِّن مرتبته من السنة ، ومقداره في (١) العلم )) (١) . ((والدرجة الثالثة: (( صيانة الانبساط أن تشوبَه جُرْأة ، وصيانة السرور أن يداخلَه ◌ُمْنٌ)) : فيحذر من شائبة الجرأة ؛ وهي ما يخرجه عن أدب العبودية ، ويُدخله في الشَّطح، كشطح من قال: ((سبحاني)). وهو أبو يزيد البسطامي، وهو القائل أيضًا: ((ما الجنة؟! إنها لعبة صبيان)). وقوله عن ((النار)): ((ما النار ؟! أستطيع أن أبصق عليها فأطفئها)) . وكقول دجَّال الصوفية الحلاج : أُلا أبلغْ أحبَّائي بأني ركبتُ البحرِ وانكسَرَ السفينهْ فلا البطحَا أُرِيدُ ولا المدينه علی دینِ الصليبِ یکونُ موتي وهذه الشطحات المعروفة المخرجة عن أدب العبودية والتي نهاية صاحبها أن يُعذر بزوال عقله، وغلَبَة سُكْر الحال عليه ، وقد تُفضي بصاحبها إلى الردّة ، كما هو حال الحلاج الذي أفتى علماءُ المسلمين بزندقته وردَّته وقتلوه . (( فلا بدَّ من مقارنة التعظيم والإِجلال لبسط المشاهدة ، وإلّا وقع في الجرأة ولا بدَّ ، فالمراقبة تصونه عن ذلك . وينبغي لصاحب الانبساط والمشاهدة أن لا يأمن في حال سروره المكْرَ ، بل يصون سرورَه وفرحه عن خطفات المكْرِ بخوْفٍ العاقبة المطويِّ عنه علمُ غيْبِها، ولا يغتّ))(٢). (١) مدارج السالكين ٨٥/٢ - ٨٧ . (٢) مدارج السالكين ٨٩/٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com الفصل الثامن عُلُوُّ الهِمَّةِ في الغَيْرَةِ (( غيْرُ العبدِ من نفسِهِ أهمُّ مِن غيْرتِهِ من غيره ؛ فإنك إذا غرْتَ من نفسك صحَّتْ لك غيرتُك لله من غيْرك ، وإذا غرتَ له من غيرِك ولم تغِرْ من نفسك ، فالغيرة مدخولة معلولة ولا بدَّ )) [ ابن قيّم الجوزيّة ] تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ١٧٧ عُلُوُّ الهِمَّةِ في الغيْرَة اعلمْ يا أخي أنَّ الغَيْرَة بحسب قوَّة المحبَّة، وأصلُها الحميَّة والأُنَفَة . قال شيخ الإسلام الهرويّ: ((الغيرة: سقوط الاحتمال ضنًّا، والضيقُ عن الصبر نفاسة )) . قال ابن القيم: (( أي عجز الغُيُور عن احتمال ما يشغله عن محبوبه ، ويحجبه عنه ؛ ضًّا به - أي بُخْلًا به - أن يعتاض عنه بغيره ، وهذا البخل : هو محْضُ الكَرَم عند المحبِين الصادقين . وأمَّا ((الضيق عن الصبر نفاسة)): فهو أن يضيق ذرْعُه بالصبر عن محبوبه ، وهذا هو الصبر الذي لا يُذُّ من أنواع الصبر سواه ، أو ما كان من وسيلته . والحامل له على هذا الضيق : مغالاته بمحبوبه ، وهي النفاسة ؛ فإنه - لمنافسته ورغبته - لا يسامح نفسه بالصبر عنه . والمنافسة هي كمال الرغبة في الشيء ومنع الغير منه إن لم يُمدح في المشاركة ، والمسابقة إليه، إن مُدِحتْ فيه المشاركة ؛ قال تعالى: ﴿وفي ذلكَ فَلْيتنافسِ المتنافِسون﴾ [ المطفّفين: ٢٦]))(١). وقد قال الله تعالى - حاكيًا عن نبيِّه سليمان عليه السلام -: ﴿ رُڈُوها علَّ فطفِقَ مسحًا بالسُّوقِ والأعناق﴾ [ ص: ٣٣]. فقد كان ((سليمان عليه السلام يحب الخيل ، فشغله استحسانُها ، والنظر إليها - لمَّا عُرضت عليه - عن صلاة النهار ، حتى توارتِ الشمس بالحجاب ، فلحقتْه الغيرة لله من الخيل ، إذ استغرقه استحسانها والنظر إليها عن خدمة مولاه وحقٌّه، فقال: ﴿ ردُّوها علَّي﴾؛ فطفِق يضرب أعناقها وعراقيَها بالسيف غيرةً لله))(٢). (( والغيرة نوعان : غيرة للمحبوب ، وغيرة عليه . (١)، (٢) مدارج السالكين ٤٧/٣ - ٤٨ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٧٨ صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس فأما الغيرة له : فهي الحميَّة له والغضَب له إذا استُهين بحقِّه وانتُقِصت حرمته ، فيغضب له المحبُّ ويَحمى ، وتأخذه الغَيْرة له بالمبادرة إلى التغيير ومحاربة مَن آذاه ، فهذه غيْرة المحبِّين حقًّا ، وهي من غيرة الرسل وأتباعهم لله ، ممَّن أشرك به واستحلّ محارمه وعصى أمْره . وهذه الغيرة هي التي تحمِلُ على بذْل نفسِ المحبِّ ومالِه وعِرضْه لمحبوبه ؛ حتى يزول ما يكرهه ، فهو يغار لمحبوبِهِ أن تكون فيه صفة يكرهها محبوبُه ويمقته عليها ، أو يفعل ما يُبغضه عليه ، ثم يَغار له بعد ذلك أن يكون في غيره صفة يكرهها ويُبغضها . والدِّين كلَّه في هذه الغيرة ، بل هي الدين . وما جاهد مؤمنٌ نفسَه وعدوَّه ، ولا أمر بمعروف ولا نهى عن منكر إلَّا بهذه الغيْرة ، ومتى خَلَتْ من القلب خلا من الدين ، فالمؤمن يغار لربِّه من نفسه ومن غيره إذا لم يكن له كما يحبُّ ، والغيرة تصفِّي القلب وتُخرج خَبَته كما يُخرج الكِيرُ خَبَثَ الحديد ))(١). قال ابن القيم: (( (الغيرة) منزلة شريفة عظيمة جدًّا ، جليلة المقدار، ولكن الصوفية المتأخّرين منهم من قلَبَ موضوعَها ، وذهب بها مذهبًا آخر باطلًا سمَّاه ((غيرة ))، فوضعها في غير موضعها، وَبِّس عليه أعظم تلبيس ، كما ستراه . أنواع الغيرة : ((والغيرة)) نوعان : غيرة من الشيء ، وغيرة على الشيء. والغيرة من الشيء : هي كراهة مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك . والغيرة على الشيء : هي شدَّة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك دونك أو يشاركك في الفوز به . (١) روضة المحبين ونزهة المشتاقين لابن قيم الجوزية ص ٣٠١ - ٣٠٢ ، تحقيق : د . السيد الجميلي - نشر : دار الكتاب العربي . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد الخامس ١٧٩ و((الغيرة)) أيضًا نوعان: غيرة العبد من نفسه على نفسه ، كغيرته من نفسه على قلبه ، ومن تفرُّقه على جمعيَّته ، ومن إعراضه على إقباله ، ومن صفاته المذمومة على صفاته الممدوحة . وهذه الغيرة خاصَّية النفس الشريفة الزكيَّة العلوية . وما للنفس الدنيَّة المهينة فيها نصيبٌ . وعلى قدر شرف النفس وعلوِّ هِمَّتها تكون هذه الغيرة . ثم (( الغيرة)) أيضًا نوعان : غيرة الحقِّ تعالى على عبده . وغيرة العبد لربِّه لا عليه ؛ فأما غيرة الربِّ على عبده: فهي أن لا يجعله للخلق عبدًا ، بل يتخذه لنفسه عبدًا ، فلا يجعل له فيه شركاء متشاكسين ، بل يُفرده لنفسه ويضنُّ به على غيره ، وهذه أعلى الغيرتَيْن . وغيرة العبد لربِّه ، نوعان أيضًا : غيرة من نفسه ، وغيرة من غيره ؛ فالتي من نفسه : أن لا يجعل شيئًا من أعماله وأقواله وأحواله وأوقاته وأنفاسه لغير ربه ؛ والتي من غيره: أن يغضب لمحارمه إذا انتهكها المنتهكون ، ولحقوقه إذا تهَاون بها المتهاوِنون . وغيرة العبد من نفسه : أهمُّ من غيرته من غيره ، فإنك إذا غِرْتَ من نفسك صَحَّت لك غيرتك لله من غيرك ، وإذا غِرْتَ له من غيرك ، ولم تغْ من نفسك ، فالغيرة مدخولة معلولة ولا بدَّ. فتأمَّلْها وحقِّقِ النظر فيها)) (١). الغيرةُ مِن صفاتِ الله عزَّ وجلّ : قال ابن القيم: (( الغيرة من صفات الله عزَّ وجلّ، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿قل إنما حرَّم ربَيَ الفواحشَ ما ظهر منها وما بطَن ... ) الآية [ الأعراف : ٣٣ ] . ومن غيرته تعالى لعبدهِ وعليه : يحميه مما يضُرُّه في آخرته ؛ كما في الترمذي (١) مدارج السالكين ٤٣/٣ - ٤٤ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٨٠ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس وغيره مرفوعًا: ((إن الله لَيحمي عبده المؤمنَ من الدنيا كما يحمي أحدُكم مريضه من الطعام والشراب )) . ولفظ أحمد عن محمود بن لبيد مرفوعًا: ((إن الله لَيحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبُّه ، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب ؛ تخافون عليه ))(١) . وفي الصحيحين: أن رسول الله عَ لّه قال في خطبة الكسوف: ((والله يا أمة محمد، ما أحد أغيّرَ من الله أن يزني عبدُه أو تزني أُمَتُه )) . وفي ذكْرٍ هذا الذئب بخصوصه في خطبة الكسوف سِرِّ بديع ، فغضُّ البصر يُورث نورًا في القلب ، ولهذا جمع الله سبحانه وتعالى بين الأمر به وبين ذكر آية النور ، فجمع الله سبحانه بين نور القلب بغضِّ البصر ، وبين نوره الذي مثَّله بالمشكاة لتعلُّق أحدهما بالآخر، فجمع النبي عَّ له بين ظلمة القلب بالزنا وبين ظلمة الوجود بكسوف الشمس ، وذكر أحدَهما مع الآخر . وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((ليس شيءٌ أَغْيَرَ من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحدَ أحبُّ إليه المدحُ من الله ، من أجل ذلك أثنى على نفسه ، ولا أحد أحبّ إليه العذْر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل )). وفي الصحيح عنه من حديث أبي هريرة: ((إن الله يغارُ والمؤمن يغار ، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حَّم عليه ))(٢) . وعند مسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((المؤمن يغار والله أشد غيّرًا)). (١) صحيح: رواه أحمد والحاكم، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ١٨١٠ (٢) رواه الشيخان وأحمد والترمذي . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/