Indexed OCR Text
Pages 141-160
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ١٤١ أو ملجأ في المنازل سواك ، لَحقّ لي أن لا أُعرض إليه بوجهي عنك، ولا أختاره عليك ؛ لِقديم إحسانك إلَّ وحديثهِ، وظاهرٍ مِنَّتك علَّ وباطِنها ، ولو تقطَّعْتُ في البلاد إربًّا إربًّا، وانصبَّتْ علَّ الشدائد صبَّاصبًّا، ولا أجد مشتكَّى غيرك، ولا مفرِّجًا لما بي عني سواك، فيا وارث الأرض ومن عليها ، ويا باعث جميع مَن فيها، ورِّثْ أملي فيك مُنِى أَمَلي، وبلِّغْ همِّ فيك منتهى وسائلي))(١). (١) الحلية ٣٥١/٩ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com الفصل الخامس عُلُوُّ الِهِمَّةِ في الإِرَادَةِ ولا تطردِ الذينَ يَدْعُونَ ربَّهِمْ بالغداةِ والعَشِّ يُرِيدونَ وَجْهَهُ﴾ [ الأنعام : ٥٢ ] (( لا يكنْ هُمُّك همَّ النفسِ وَالطّبْع .... أين همُّ القلب .... همُّك ما أهمَّك. فليكنْ همُّك ربَّك عزَّ وجلَّ وما عنده )) [ الجيلاني ] تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ١٤٥ عُلُوُّ الِهِمَّةِ فِي الإِرَادَةِ قال الله تعالى: ﴿ولا تطردِ الذينَ يدعونَ ربَّهم بالغداةِ والعَشِيِّ يُريدون وجهَه .... ) الآية [الأنعام : ٥٢ ] . وقال تعالى: ﴿وإِنْ كُنتنَّ تُرِدْنَ الله ورسوله والدارَ الآخرةَ فإِنَّ الله أعدَّ للمُحسناتِ منكنَّ أجرًا عظيمًا ﴾ [الأحزاب: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿ وما لأحدٍ عندهُ من نعمةٍ تُجزى إلَّا ابتغاءَ وجهِ رِبّه الأعلى ولَسوفَ يرضى﴾ [ الليل: ١٩ - ٢١]. وصدَّر شيخُ الإسلام الهرويّ الأنصاري هذا البابَ بقول الله تعالى: ﴿ قَلْ كلّ يعملُ على شاكِلَتِه فربُّكم أعلمُ بمن هو أهدى سبيلاً ﴾ [الإسراء: ٨٤]. قال ابن القيم معلّقًا في ((المدارج)) (٣٧١/٢): ((في تصديره الباب بهذه الآية : دلالة على عظم قدره ، وجلالة محلّه من هذا العلم ؛ فإن معنى الآية : كُلِّ يعمل على ما يشاكله ، ويُناسبه ، ويَليق به ؛ فالفاجر يعمل على ما يليق به ، وكذلك الكافر والمنافق ، ومريد الدنيا وجيفَتِهَا : عامل على ما يناسبه ، ولا يليق به سواه . ومحبُّ الصُّوَر : عامل على ما يناسبه ويليق به . فكلُّ امرئٍ يهفو إلى ما يحبُّهُ وكلَّ امرئ يصبو إلى ما يناسبهْ فالمريد الصادق المحبُّ لله : يعمل ما هو اللائق به والمناسب له ، فهو يعمل على شاكلةِ إرادته ، وما هو الألْيق به، والأنسب لها)). قال ابن القيم: ((وقد أشكل على المتكلِّمين تعلُّق الإِرادة بالله ، وكون وجهه تعالى مرادًا ؛ قالوا : الإِرادة لا تتعلَّق إِلَّا بالحادث ، وأما بالقديم : فلا؛ لأنَّ القديم لا يُراد. وأوّلوا ((الإِرادة)) المتعلّقة به بإرادة التقُّب إليه. ثم إنه لا يُتصوَّر عندهم التقُّب إليه . فأوّلوا ذلك بإرادة طاعته الموجبة لجزائه . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٤٦ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس هذا حاصل ما عندهم . وحجابهم في هذا الباب غليظ كثيف ، مِن أغلظ الحُجُب وأكثفها ، ولهذا تجدهم أهلَ قسْوة ، ولا تجد عليهم روح السلوك ، ولا بهجة المحبَّة)). ((وقد تنوَّعتْ عبارات القوم عنها ، وغالبهم يُخبر عنها بأنها ترك العادة . ومعنى هذا : أنَّ عادة الناس غالبًا التعريجُ على أوطان الغفلة ، وإجابة داعي الشهوة ، والإِخلاد إلى أرض الطبيعة . والمريد منسلِخٌ عن ذلك ، فصار خروجه عنه : أمَارةً ودِلالةً على صحَّة الإِرادة ؛ فسُمِّي انسلاخُه وتركُه : إرادة . وقيل : نهوض القلب في طلب الحقِّ . ويُقال : لوعة تهوِّن كلّ روعة . قال الدقَّاقي : الإِرادة لوْعة في الفؤاد ، لَذْعة في القلب ، غَرام في الضمير ، انزعاج في الباطن ، نيرانٌ تأجَّجُ في القلوب . وقيل : من صفات المريد : التحبُّب إلى الله بالنوافلٍ ، والإِخلاص في نصيحة الأمة، والأنس بالخلوة ، والصبر على مقاساة الأحكام ، والإِيثار لأمره ، والحياء مِن نظره ، وبذْل المجهود في محبوبه ، والتعُّض لكلِّ سبب يُوصل إليه ، والقناعة بالخمول ، وعدم قرار القلب حتى يصل إلى وليِّه ومعبوده . وقال حاتم الأصمُّ: إذا رأيتَ المريد يريد غيرَ مراده ، فاعلمْ أنه أظهرَ نذالتَه . وقيل : من حِكَم المريد : أن يكون نومُه غَلَبة ، وأُكْلُه فاقة ، وكلامه ضرورة . وقال بعضهم : نهاية الإرادة : أن تشير إلى الله ، فتجده مع الإِشارة . فقيل له : وأين تستوعبه الإِشارة ؟ فقال : أن تجد الله بلا إشارة . وهذا كلام متين فإن المراتب ثلاثة : تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٤٧ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس أعلاها : أن يكون واجدًا لله في كلِّ وقت ، لا يتوقف وجودُه له على الإِشارة منه ولا من غيره . الثاني: أن يكون له مَلَكَة وحالٌ وإرادة تامَّة ، بحيث إنه متى أُشير له إلى الله ، وجدَه عند إشارة المشير . الثالث : أن لا يكون كذلك ، ويتكلَّف وجْدانَه عند الإِشارة إليه . فالمرتبة الأولى : للمقرَّبين السابقين . والوسطى : للأبرار المقتصدين . والثالثة : للغافلين . وقال أبو عثمان الحِيري : مَن لم تصحَّ إرادتُه ابتداء ، فإنه لا يزيده مرور الأيام عليه إلا إدبارًا . وقال : المريد إذا سمِع شيئًا من علوم القوم فعمل به ، صار حكمةً في قلبه إلى آخر عمْره ينتفع به . وإذا تكلّم انتفع به مَن سمِعه . ومَن سمع شيئًا من علومهم ولم يعمل به ، كان حكايةً يحفظها أيامًا ثم ينساها . وقال الواسطي : أول مقام المريد : إرادة الحقِّ بإسقاط إرادته . وقال يحيى بن معاذ : أشدُّ شيءٍ على المريد : معاشرة الأضداد . وسئل الجُنيد : ما للمريد حظٍّ في مجازات الحكايات ؟ فقال : الحكايات جند من جند الله يثِّت الله بها قلوبَ المريدين. ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وكُلَّا نَقُصُّ عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ﴾ [هود : ١٢٠ ]). دفاعُ ابنِ القيِّم عن الجُنَيْد : ذُكر عن الجُنيد - سيِّد الطائفة - في الإِرادة كلمةٌ مجمَلة تحتاج إلى تفسير ، ففسَّرِها ابن القيم مدافعًا عن الجُنيد ومكانتِه : قال الجُنيد: ((المريدُ الصادق غنّ عن العلماء)). قال ابن القيم: (( قلتُ : إذا صدق المريد ، وصحَّ عقْد صِدْقه مع الله ؛ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٤٨ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس فتح الله على قلبه ببركة الصدْق ، وحسْن المعاملة مع الله : ما يُغنيه عن العلوم التي هي نتائج أفكار الناس وآرائهم ، وعن العلوم التي هي فضْلةٌ ليستْ مِن زادٍ القبر ، وعن كثير من إشارات الصوفية وعلومهم ، التي أفنوا فيها أعمارهم ؛ من معرفة النفس وآفاتها وعيوبها ، ومعرفة مفسدات الأعمال ، وأحكام السلوك . فإن حال صدقه ، وصحَّة طلبه : يُريه ذلك كلَّه بالفعل . ومثال ذلك : رجل قاعد في البلد يدأب ليله ونهارَه في علم منازل الطريق وعقباتها وأوديتها ، ومواضع المتاهات فيها ، والموارد والمفاوز . وآخرُ : حمَلَه الوجْدُ وصِدقُ الإِرادة على أنْ ركب الطريق وسار فيها ، فصدْقُه يُغنيه عن علم ذلك القاعد ، ويُريه إياها في سلوكه عِيانًا . وأما أن يُغنيه صدْق إرادته عن علم الحلال والحرام ، وأحكام الأمر والنهي ، ومعرفة العبادات وشروطها وواجباتها ومبطلاتها ، وعن علم أحكام الله ورسوله على ظاهره وباطنه ؛ فقد أعاذ الله مَن هو دُون الجُنيد من ذلك ، فضلًا عن سيد الطائفة وإمامها . وإنما يقول ذلك قُطّاع الطريق ، وزنادقة الصوفية ومَلاحِدتهم ، الذين لا يرون اتّباع الرسول شرطًا في الطريق . وأيضًا فإنَّ المريد الصادق يفتح الله على قلبه ، وينوِّره بنورٍ مِن عنده ، مضاف إلى ما معه مِن نور العلم ، يعرف به كثيرًا من أمْر دينه ، فيستغني به عن كثير من علّم الناس ؛ فإن العلم نور ، وقلب الصادق ممتلئ بنور الصدق ، ومعه نور الإِيمان ، والنور يهدي إلى النور. والجُنيد أخبَرَ بهذا عن حاله . وهذا أمر جزئِّي ليس على عمومه ، بل صدقه يُغنيه عن كثير من العلم . وأما عن جملة العلم : فكلام أبي القاسم الثابت عنه في ضرورةِ الصادِق إلى العلم ، وأنه لا يفلح مَن لم يكن له علّم ، وأن طريق القوْم مقيَّدة بالعلم ، وأنه لا يحلُّ لأحد أن يتكلّم في الطريق إلا بالعلم - فمشهور معروف ، قد ذكرنا فيما مضى طرفًا منه ؛ كقوله: (( من لم يحفظِ القرآنَ ويكتبِ الحديثَ ، لا يُقتدى به في هذا https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ١٤٩ الأمر ؛ لأنَّ علْمَنَا مقيَّد بالكتاب والسنة)). وأيضًا فإن علم العلماء الذين أشار إليهم : هو ما فهموه واستنبطوه من القرآن والسنة . والمريد الصادق : هو الذي قرأ القرآن وحفظ السنة ، والله يرزقه ببَرَكَة صِدْقه وَنور قلبه فَهْمًا في كتابه وسُنَّة رسوله عَ له، يُغنيه عن تقليد فهْم غيره ))(١) . والمريد الصادق لا يقصرُ هِمَّته على ظاهر العبادة دون أرواح المعارف ودون حقائق الإِيمان ، وروح المحبَّة وأعمال القلوب . فالبَّوْن شاسِعٌ بين من يسير بالقلوب والأرواح ، ومَن يسير بمجَّد القوالب والأشباح . والمريد لله بصدقٍ: إذا أراد الله به خيرًا؛ أوْقعه على طائفة يهذِّبون أخلاقه، وَيَدُّونه على تزكية نفسه ، وإزالة أخلاقها الذميمة ، والاستبدال بالأخلاق الحميدة ، ويعرّفونه منازل الطريق ومفازاتِها وقواطعها وآفاتها . لا مَن يُدُقُّك بالعبادة ولا يذيقك شيئًا من حلاوة أعمال القلوب وتهذيب النفوس . والبصير الصادق يضرب في كلِّ غنيمة بسهْم ، ويُعاشر كلّ طائفة على أحسن ما معها ، ولا يتحيَّ إلى طائفة ، وينأى عن الأخرى بالكلِّيَّة : أن لا يكون معها شيء من الحقِّ ، فهذه طريقة الصادقين . ودعوى الجاهلية كامنة في النفوس . ولكني أُريد بِهِ الدُّوَيْنا ولا أعني بذلك أصغريهمْ ولا يذوق العبد حلاوة الإِيمان وطعْمَ الصدق واليقين ، حتى تخرج الجاهلية كلُّها من قلبه . (١) مدارج السالكين ٣٦٦/٢ - ٣٦٨. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٥٠ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس علْمُ السُّلوك مَبنِّ على الإِرادة : قال الهروي: ((الإِرادة من قوانين هذا العلم وجوامع أبنيته)). قال ابن القيم : يريد أنَّ هذا العلم مبني على الإِرادة ، فهي أساسه ومجمع بنائه ، وهو مشتمل على تفاصيل أحكام الإِرادة ، وهي حركة القلب ، كما أن علم الفقهِ يشتمل على تفاصيل أحكام الجوارح . فالفقيه : ينظر في تلك الحركات من جهةٍ موافقتها لأَمْرٍ الشرع ونهيه ، وإذنه وكراهته ، ومتعلِّقات ذلك . والمريد : ينظر في تلك الحركات من جهة كوْنها موصلة له إلى مراده أو قاطعة عنه ، ومفسدة لقلبه أو مصحّحة له . لا بدَّ للسالِكِ مِن ثلاثة أشياء : ولا بد في ذلك من ثلاثة أشياء : نفس مستعِدَّة قابلة لا تعوز إلا الداعي . ودعوة مُستَمَعَة . وتخلية الطريق مِن المانع . فما انقطع مَنِ انقطع إلّ من جهةٍ من هذه الجهات الثلاث . الدرجةُ الأُولى في الإرادة : ((ذَهابٌ عن العاداتِ بصحّة العلم ، مع صدق القصد ، وخلع كلِّ شاغلٍ )) : هذا يُوافق مَنْ حَدَّ ((الإِرادةَ)) بأنها: مخالَفةُ العادة . وهي ترك عوائد النفس ، وشهواتها ، ورعوناتها وبطالاتها . ولا يمكن ذلك إلّا بهذه الأشياء التي أشار إليها ؛ وهي : صحبة العلم ومعانقته ؛ فإنه النور الذي يُعرِّف العبد مواقع ما ينبغي إيثار طلبه ، وما ينبغي إيثار تركه . فمَن لم يصحبه العلم، لم تصحَّ له تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ١٥١ إرادة، باتفاق كلمة الصادقين . ولا عِبرةَ بقطّاع الطريق . وقال بعضهم : متى رأيتَ الصوفي الفقير يقدح في العلم ، فاتهمْه على الإِسلام . وصدْق القصْد يكون بأمرَيْن : أحدهما : توحيده . والثاني : توحيد المقصود . فلا يقع في قصْدك قسْمَة ، ولا في مقصودك . وممَّا يُعين على الإِرادة وترك العادة : ترك الموانع والقواطع العائقة عن السلوك؛ من صحبة الأغيار، والتعلُّق بالأوطان، التي ألِف فيها البطالةَ والنذالةَ ؛ فليس على المريد الصادق أضُّ من عُشَرَائه ووطنه ، والقاطعين له عن سيره إلى الله تعالى . فلْيغتربْ عنهم بجهْده . قال بعضهم : انظرْ كلَّ ما يقطعك عن الله فاقطعْهُ . الدرجَةُ الثانية: ((تقطّعّ بصحبةِ الحال، وترويحُ الأَنْس ، والسَّرُ بین القبْضِ والْبَسْطِ)»: إذا صحَّت له الدرجةُ الأولى أسلمتْه إلى هذه الدرجة العالية ، فينتقل مِن رسوم الأعمال إلى مقام حقائقها وأذواقها ، ومواجيدها ، وأحوالها ؛ فيترقّى من الإِسلام إلى الإِيمان ، ومن الإِيمان إلى الإِحسان . فإن السالك في أول الأمر يجد تعَبَ التكاليف ومشقّة العمل ؛ لعدم أنس قلبه بمعبوده ، فإذا حصل للقلب روح الأُنس زالتْ عنه تلك التكاليف والمشاقُّ ، فصارت قَرّةَ عيْنٍ له ، وقوَّةً ولذَّةً ؛ فتصير الصلاة قرة عيْنِهِ ، بعد أنْ كانت عملًا عليه . ويستريح بها ، بعد أن كان يطلب الراحة منها. فله ميراثٌ مِن قوله عَّ ◌َلِ: ((أرِحْنا بالصلاة يا بلال))، (( وجُعلت قَّة عيني في الصلاة))؛ بحسب إرادته ، ومحبّته، وأُنْسه بالله سبحانه وتعالى ، ووحشته مما سواه . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ١٥٢ وأمَّا ((السيْر بين القبْضِ والبسْط)): فـ ((القبض)) و((البسْط)): حالتان تَعرِضَان لكلِّ سالكِ، يتولَّدان من الخوف تارةً ، والرجاء تارة ، فيقبضه الخوف ويَبْسُطه الرجاء . ويتولَّدان من الوفاء تارة والجفاء تارة ؛ فوفاؤه : يُورثه البسْطَ ، وجفاؤه يُورثه القبض . وقد يهجم على قلب السالك قبْضٌ لا يدري ما سببه ، وبسْط لا يدري ما سببه . وحكم صاحب هذا القبْض أمران : الأول : التوبةُ والاستغفار ؛ لأن ذلك القبْض نتيجةُ جِنَايةٍ أو جفْوة ، ولا يشعر بها . والثاني : الاستسلام حتى يمضيَ عنه ذلك الوقت ، ولا يتكلَّف دفْعَهُ ، ولا يستقبل وقتَهُ مغالبةً وقهْرًا ، ولا يطلب طلوع الفجْر في وسّط الليل، ولْيْقُد حتى يمضيَ عامَّة الليل ، ويحين طلوعُ الفجر وانقشاعُ ظلمة الليل ، بل يصبر حتى يهجم عليه المَلَكَ . فالله يقبض ويبسط . وكذلك إذا هجَم عليه وارِدُ البسْط : فلْيحذرْ كلّ الحَذَرِ من الحركة والاهتزاز ، ولْيحرزْه بالسكون والانكماش . فالعاقل يقف على البساط ، ويحذر من الانبساط ؛ وهذا شأن عقلاء أهل الدنيا ورؤسائهم ؛ إذا ما ورد عليهم ما يسرّهم ويَبسطهم ويهيج أفراحهم ؛ قابلوه بالسكون والثبات والاستقرار ، حتى كأنه لم يهجمْ عليهم . وقال كعب بن زُهَيْر في مدح المهاجرين : ليسوا مفاريحَ إنْ نالتْ رماحُهُمُ قومًا وليسوا مجازيعًا إذا نِيلُوا فلا يخرجه البسْطُ عن استقامته ، وملازمَتِهِ رعاية حقوق سيِّده ، مع التأدُّب بآدابه . ولا عن الوقوف بالأدب بين يديه . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ١٥٣ ونختمُ بما قال شيخ الإِسلام عبد القادر الجيلاني لغلامه: (( يا غلامُ ، لا يكنْ همُّك ما تأكل وما تشرب ، وما تلبس وما تنكِح ، وما تسكن وما تجمع ؛ كلّ هذا: هُمُّ النفس والطبْعِ ، فأين همُّ القلب ؟! همُّك ما أهمّك ، فليكنْ همّك ربّك عزَّ وجل وما عنده ))(١) . (١) إحياء فقه الدعوة للراشد، مجلة المجتمع ص ١٣٦ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com الفصل السادس عُلُوُّ الهِمَّةِ في الرِّعَايَةِ ((ذَّ الله سبحانه مَن لمْ يرعَ قُرْبَةً ابتدَعَها اللهِ حقَّ رعايتها ، فكيفَ بمَنْ لمْ يُرْعَ قُرْبَةً شرعَهَا الله لعبادهِ وأذِنَ بها وحثَّ عليها ؟! )) [ ابن قيّم الجوزيّة ] تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ١٥٧ عُلُوُّ الهِمَّة في الرِّعايةِ و((الرعاية)): منزلةٌ من منازل ﴿إِيَّاكَ نعبُدُ وإيّاك نستعين قال ابن القيم: (( وهي مراعاة العلْم وحفْظُه بالعمل ، ومراعاة العمل بالإِحسان والإِخلاص ، وحفظه من المُفسدَات ، ومراعاة الحال بالموافقة ، وحفظه بقطع التفريق . فالرعاية صيانة وحفْظ . ومراتب العلم والعَمَلِ ثلاثة : ((رواية)): وهي مجرَّد النقل وحمْل المرويّ. و((دِرَاية)): وهي فهْمُهُ وتعقُّل معناه . و((رعاية)): وهي العمل بموجَب ما علمه ومقتضاه . فالنَّقَلَةِ هِمَّتهم الرواية ، والعلماء هِمَّتهم الدراية ، والعارفون همتهم الرعاية . وقد ذَّ الله مَن لم يُرْعَ ما اختاره وابتدَعَه من الرهبانية حقَّ رعايته ؛ فقال تعالى : وجعلنا في قلوبِ الذين اتبعوه رأفةً ورحمةً ورهبانيَّةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلّا ابتغاءَ رِضوانِ الله فما رعوْها حقَّ رعايتها ﴾ [ الحديد: ٢٦]. فالله سبحانه وتعالى ذَّ مَن لم يَرْعِ قُرْبةً ابتدعها لله تعالى حقَّ رعايتها ، فكيف بمَن لم يُرْعَ قُرْبَةً شرَعَها الله لعباده ، وأَذِن بها وحثُّ عليها؟! ))(١). قال شيخ الإسلام الهروي الأنصاري: (( الرعاية : صوْنٌ بالعناية. وهي على ثلاثٍ درجات : الدرجة الأولى : رعايةُ الأعمال . والثانية : رعايةُ الأحوال . والثالثة: رعايةُ الأَوْقات )) .. (١) مدارج السالكين ٦٠/٢ - ٦١ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٥٨ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس الدرجة الأولى : رعاية الأعمال : ((فأمَّا رعاية الأعمال: فتوفيرها بتحقيرها، والقيامِ بها مِن غير نظَرٍ إليها ، وإجراؤها على مجرى العلم ، لا على التزيّن بها )). قال ابن القيِّم: ((قوله: (( أمَّا رعاية الأعمال: فتوفيرها بتحقيرها)): فالتوفير : سلامة مِن طَرَفي التفريط بالنقص ، والإِفراط بالزيادة على الوجه المشروع في حدودها وصفاتها وشروطها وأوقاتها . وأما تحقيرها : فاستصغارها في عينه واستقلالها ، وأن ما يليق بعظمة الله وجلاله وحقوق عبوديته أمرٌ آخر ، وأنه لم يُوَفِّه حقَّه ، وأنه لا يرضى لربه بعمله ، ولا بشيء منه . وقد قيل : علامة رضا الله عنك : إعراضك عن نفسك . وعلامة قبول عملك : احتقاره واستقلاله ، وصغره في قلبك ، حتى إنَّ العارف لَيستغفر الله عقيبَ طاعته، وقد كان رسول الله عَ لِ إذا سلَّم من الصلاة، استغفر الله ثلاثًا . وأمَر الله عباده بالاستغفار عقيبَ الحجِّ . ومدحَهم على الاستغفار عقيبَ قيام الليل . وشرع النبي عَ لِ عقيبَ الطهور التوبةَ والاستغفار . فمن شهِد واجب ربِّه ، ومقدار عمله ، وعيْبَ نفسه : لم يجدْ بُدًّا من استغفار ربِّه منه ، واحتقارِه إِيَّاه واستصغاره . وأمَّا ((القيام بها )): فهو توفيتُها حقَّها، وجعْلُها قائمة ؛ كالشهادة القائمة ، والصلاة القائمة ، والشجرة القائمة على ساقها التي ليست بساقطة . وقوله: ((مِن غير نظَر إليها)): أي من غير أن يلتفتَ إليها ويعدِّدها ويذكرها؛ مخافة العجْب والمِنَّة بها ، فيسقط من عيْن الله ، ويحبط عمله . وقوله: ((وإجراؤها على مجرى العلم)): هو أن يكون العمل على مقتضى العلم المأخوذ من مشكاة النبوة ، إخلاصًا لله وإرادةً لوجهه وطَلَبًا لمرضاته ، لا على تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ١٥٩ وجْهِ التزيُّن بها عند الناس . الدَرَجَةُ الثانيةُ : رِعَايةُ الأحوال : ((أنْ يَعدَّ الاجتهادَ مراءَاةً، واليقينَ تشبُّعًا، والحالَ دعوى)): قال ابن القيِّم : أي يتهم نفسه في اجتهاده : أنه راءَى الناس ، فلا يطغى به ، ولا يسكن إليه ، ولا يعتدُّ به . وأما عدُّه اليقينَ تشبُّعًا : فالتشبُّع : افتخار الإِنسان بما لا يملكه ، ومنه قول النبي عَّلِ: (( المتشبِّع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبي زُور)). وعدُّ اليقينِ تشبُّعًا : يحتمل وجهيْن : أحدهما : أن ما حصل له من اليقين لم يكن به ، ولا منه ، ولا استحقّه بِعِوَض ، وإنما هو فضل الله وعطاؤه ، ووديعته عنده ، ومجّد منَّته عليه . فهو خلعة خلَعها سيِّده عليه ، والعبد وخِلْعته ملْكُه وله . فما للعبد في اليقين مدخل ، وإنما هو متشبِّع بما هو مِلْك الله وفضله ومِتَّته على عبده . والوجه الثاني : أن يتهم يقينه ، وأنه لم يحصل له اليقين على الوجه الذي ينبغي ، بل ما حصل له منه هو كالعارية لا المِلْك المستقرّ ، فهو متشبِّع بزعْم نفسه بأن اليقين ملْكُه وله . وليس كذلك. وهذا لا يختص باليقين ، بل بسائر الأحوال ؛ فالصادق يعدُّ صدقه تشبُّعًا ، وكذا المخلص يعدُّ إخلاصه ، وكذا العالم ؛ لاتهامه لصدقه وإخلاصه وعلمه وأنه لم ترسخ قدمه في ذلك ، ولم يحصل له فيه مَلَكَة . فهو كالمتشبِّع به . ولمَّا كان ((اليقين)) روح الأعمال وعمودها، وذروة سنامها، خصَّه بالذكْر ، تنبيهًا على ما دونه . والحاصل : أنه يتهم نفسه في حصول اليقين ، فإذا حصل فليس حصوله به ولا منه ، ولا له فيه شيء ، فهو يذمُّ نفسه في عدم حصوله ، ولا يحمدها عند حصوله . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٦٠ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس وأما عدُّ الحال دعوى : أي دعوى كاذبة ، اتهامًا لنفسه ، وتطهيرًا لها من رعونة الدعوى ، وتخليصًا للقلب مِن نصيب الشيطان ؛ فإنّ الدعوى من نصيب الشيطان ، وكذلك القلب الساكن إلى الدعوى مأوى الشيطان . أعاذنا الله من الدعوى ومن الشيطان . الدرجة الثالثة : رعاية الأَوْقات : (( أنْ يقف معَ كلِّ خطوة . ثم أن يغيب عن حضوره بالصفاء من رسْمه . ثم أن يذهب عن شهود صفو صفوه )) . قال ابن القيم : (( أي يقف مع حركة ظاهره وباطنه بمقدار تصحيحها ، نيةً وقصدًا وإخلاصًا ومتابعة ؛ فلا يخطو هجْمًا وهمَجًا ، بل يقف قبل الخطوِ حتى يصحِّحَ الخطوة ، ثم ينقل قدَم عزْمِه ، فإذا صحَّت له ونقل قدمَه انفصل عنها ، وقد صحَّت الغيبة عن شهودها ورؤيتها ، فيغيب عن شهود تقدُّمه بنفسه ؛ فإن رسمه هو نفسُه . فإذا غاب عن شهود نفسه وتقدُّمه بها في كلِّ خطوة ، فذلك عيْن الصفاء من رسْمه الذي هو نفسه ، فعند ذلك يشاهد فضْلَ ربه . ولما كانتِ النفس محلّ الأكدار ، سُمِّي انفصاله عنها : صفاءً. وهذه الأمور تستدعي لطفَ إدراكٍ ، واستعدادًا من العبد ، وذلك عيْن المنّة عليه . وأما ذَهابه عن شهود صفوه : أي لا يستحضره في قلبه ، ويشهد ذلك الصفو المطلوب ، ويقف عنده ؛ فإن ذلك من بقايا النفس وأحكامها ، وهو كدر ، فإذا تخلص من الكَدَر لا ينبغي له الالتفات والرجوع إليه ، فيصفو من الرسْم ويغيب عن الصفو ، بمشاهدة المطلب الأعلى ، والمقصد الأُسْنى)). https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد