Indexed OCR Text
Pages 21-40
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢١ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا . قال الذهبي في ((السير)) (٤٣٩/١٢ - ٤٤١): ((صدق رحمه الله ، ومن نَظَر في كلامه في الجرح والتعديل ، علم ورعه في الكلام في الناس ، وإنصافه فيمن يضعِّفه ؛ فإنه أكثر ما يقول : مُنكَرُ الحديث ، سكتوا عنه ، فيه نظر . ونحو هذا ، وقلّ أن يقول : فلانٌ كذَّاب ، أو كان يضع الحديث . حتى إنه قال : إذا قلتُ فلان في حديثه نظر ، فهو مُتَّهم واهٍ . وهذا معنى قوله : لا يحاسبني الله أنِّي اغتبتُ أحدًا. وهذا هو والله غاية الورع. قال محمد بن أبي حاتم الورَّاق : سمعته - يعني البخاري - يقول : لا يكون لي خَصْم في الآخرة . فقلت : إنّ بعض الناس ينقمون عليك في كتاب ((التاريخ))، ويقولون : فيه اغتياب الناس ، فقال: إنما روَيْنا ذلك روايةٌ، لم نقُلْه من عند أنفسنا، قال النبي عَّ ◌ُله: ((بئس مولى العشيرة ... )) يعني : حديث عائشة(١) . الإِمام الحافظ المقرئ : أبو الحسين الحجّاجي محمد بن محمد : قال الحاكم : كان أبو الحسين الحجّاجي من الصالحين المجتهدين بالعبادة، صحبتُه نيِّقًا وعشرين سنة بالليل والنهار ، فما أعلم أن الملَك كتب عليه خطيئة(٢). الحافظ ابن عساكر : قال ابنه القاسم : كان يحاسب نفسه على لحظة تذهب في غير طاعة . وقال أبو المواهب : لم أر مثله ، ولا مَن اجتمع فيه ما اجتمع مِن لزوم (١) أخرجه مالك ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وأحمد . (٢) السير ٢٤١/١٦ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٢ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس طريقة واحدة مدَّة أربعين سنة (١) . الحافظ ابن أبي حاتم ، عبد الرحمن محمد بن إدريس : لا يُعرَف له ذنب : كان رحمه الله بحرًا لا تكدِّره الدِّلاء . قال عنه أبوه أبو حاتم: ((ومَن يقوى على عبادة عبد الرحمن ؟! لا أعرف لعبد الرحمن ذنبًا)) (٢) . وقال علي بن أحمد الفرضي : ما رأيت أحدًا ممن عَرَف عبد الرحمن ذَكَر عنه جهالةً قطّ . وقال علي بن محمد البصري - وهو في جنازة ابن أبي حاتم - : قلنسوة عبد الرحمن من السماء ، وما هو بعجب ؛ رجل منذ ثمانين سنة على وتيرةٍ واحدة ، لم ينحرف عن الطريق(٣). قال علي بن إبراهيم الرازي : كان ابن أبي حاتم قد كساه الله بهاءً ونورًا يسُّ مَن ينظر إليه . دخل محمد بن مهرويه الرازي عليه يومًا ، وهو يقرأ على الناس كتاب الجرح والتعديل ، فحدَّثه بقول يحيى بن معين: (( إِنَّا لنطعن على أقوام ، لعلَّهم قد حطّوا رحالَهم في الجنة من أكثر من مائتي سنة(٤) )). فبكى ، وارتعدتْ يداه ، حتى سقط الكتاب ، وجعل يبكى ويستعيده الحكاية . الإِمام الجليل أبو الطيِّب الطبري، طاهر بن عبد الله بن طاهر: ((ما عصى الله بجارحةٍ قطّ)): اشتهر اسمه، فملأ الأقطار. وشاع ذكْره، فكان أكثر حديث السمَّار. وطاب (١) السير ٥٦٢/٢٠، ٥٦٥ . (٢) تذكرة الحفاظ ٨٣٠/٣، والسير ٢٦٥/١٣. (٣) طبقات السبكي ٣٢٥/٣. (٤) قال الذهبي في السير ٢٦٨/١٣: لعلّها من مائة سنة .. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٣ صلاح الأمة في عُلُوُّ الهمة - المجلد الخامس ثناؤه ، فكان أحسن من مِسْك الليل وكافور النهار . (قال القاضي أبو بكر الشامي: قلت للقاضي أبي الطيب شيخنا- وقد عُمّر -: لقد مُتِّعْتَ بجوارحك . فقال: لم لا ، والله ما عصيتُ الله بواحدة منها قط))(١). وعن القاضي أبي الطيب، أنه رأى النبي عَّ له في المنام، وقال له: ((يا فقيه)) وأنه كان يفرح بذلك، ويقول: سمَّاني رسول الله عَ لّهِ فقيهًا ركْنُ الإِسلام ، الشيخ أبو محمد الجويني : عبد الله بن يوسف بن حَيُّويَه والد إمام الحرمين ، أوحد زمانه عِلْمًا ، ودينًا وزهدًا، وتقشُّقًّا زائدا، وتحرِّيًا في العبادات . (( قال أبو سعيد بن أبي القاسم القشيري : كان أئمتنا في عصره والمحقّقون من أصحابنا ، يعتقدون فيه من الكمال والفضْل والخصال الحميدة ، أنه لو جاز أن يبعث الله نبيًّا في عصره، لما كان إلّا هو؛ من حُسْن طريقته وزهده وكمال فضْله . قال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني : لو كان الشيخ أبو محمد في بني إسرائيل، لنُقل إلينا شمائله ولافتخروا به ))(٢). الإِمام القدوة ابن دقيق العيد ، محمد بن علّ بن وهب : كان حافظًا للسانه ، مقبلًا على شانه ، وقَفَ نفسَه على المعالي وقصَرها ، ولو شاء العادُّ أن يحصر كلماته لحصرها . قال ابن دقيق العيد رحمه الله: (( ما تكلَّمتُ كلمة ، ولا فعلتُ فِعْلًا، إلّا وأعددتُ له جوابًا بين يدي الله عز وجل))(٣). (١) طبقات السبكي ١٥/٥. (٢) طبقات الشافعية للسبكي ٧٤/٥. (٣) طبقات الشافعية ٢١٢/٩. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس الإِمام تقي الدين ، أبو عمرو بن الصلاح عثمان بن عبد الرحمن : (( قال رحمه الله : ما فعلتُ صغيرةً في عمري قطّ)) (١). وهذا فضْل من الله عليه عظيم ... لم يكن ابن الصلاح ، بل هو والله الصلاح ذاته ؛ يعيد زمان السالفين استقامة وجدًّا . الإِمام الزاهد العماد المقدسي ، أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد : قال عنه الإِمام موفّق الدين ابن قدامة : ما نقدر نعمل مثل العماد . وقال عنه الإِمام محاسن بن عبد الملك التنوخي: كان الشيخ العماد جوهرة العصر . قال الضياء المقدسي : سمعت خالي الموفق يقول : من عمري أعرفه - يعني العماد - ما عرفت أنه عصى الله معصية (٢) . ومع هذا كان دعاؤه المشهور : اللهم اغفر لأقسانا قلبًا ، وأكبرنا ذنبًا ، وأثقلنا ظهرًا ، وأعظمنا جُرْمًا ... يا دليل الحيارى ، دلّنا على طريق الصادقين، واجعلنا من عبادك الصالحين . ولما جاءه الموت جعل يقول : يا حي يا قيوم ، لا إله إلا أنت ، برحمتك أستغيث . واستقبل القبلة وتشهَّد . وختام المسْك: شيخ الإسلام ابن تيمية: ((إني إلى الآن أُجدّد إسلامي كلَّ وقت )) انظر إلى هذا الجبل الربّاني ، الذي يقول قولًا تتضاءل كُلُّ الأقوال إلى جانبه : والله إني إلى الآن أجدِّد إسلامي كلّ وقْت وما أسْلمتُ بعدُ إسلامًا جيّدًا. (١) طبقات الشافعية ٣٢٧/٨. (٢) سير أعلام النبلاء ٥٠/٢٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com الفصل الثاني عُلُوُّ الِهِمَّةِ فِي الصِّدْقِ فالصدقُ أكرمُها نِتَاجَا وإذا الأمورُ تزاوجتْ سٍ حليفهِ بالصدقِ تاجا الصدقُ يعقدُ فوقَ رأْ في كلِّ ناحية سراجًا والصدقُ يقدحُ زِئْدُهُ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٢٧ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس عُلُوُّ الهمَّةِ في الصِّدْقِ وهي منزلة القوم الأعظم ، الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين . والطريق الأقوم الذي من لم يَسِرْ عليه فهو من المنقطعين الهالكين . وبه تميَّز أهل النفاق من أهل الإِيمان ، وسُكَّان الجِنان من أهل النيران . وهو سيف الله في أرضه الذي ما وُضِعَ على شيء إلا قطعه ، ولا واجَه باطلا إلا أَرْداه وصَرعه ، مَنْ صال به لم تُردَّ صولتُه . ومن نطق به عَلَتْ على الخصوم كلمتُه . فهو روح الأعمال ، وَمَحَكُّ الأحوال ، والحامل على اقتحام الأهوال ، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال . وهو أساس بناءِ الدِّين ، وعمود فسطاطِ اليقين ، ودرجته تالية لدرجة ((النبوة)) التي هي أرفع درجات العالَمين. ومن مساكنهم في الجنات : تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصِّدِّيقين. كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مددٌ متصلٌ وَمَعين . وقد أمر الله سبحانه أهل الإِيمان أن يكونوا مع الصادقين ، وخصَّ المنعَم عليهم بالنبيين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين ؛ فقال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [ التوبة: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿ ومَن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين﴾ [النساء: ٦٩]، فهم الرفيقُ الأعلى ﴿وَحَسُنَ أولئك رفيقًا﴾، ولا يزال الله يُمِدُّهُم بأنعمه وألطافه ومزيدِه إحسانًا منه وتوفيقًا. ولهم مرتبة المعيَّة مع الله ؛ فإن الله مع الصادقين . ولهم منزلة القرب منه ؛ إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيين . وأخبر تعالى أن مَنْ صَدقَه فهو خير له ؛ فقال: ﴿فإذا عَزَمَ الأَمْرُ فلو صدقوا الله لَكان خيرًا لهم ﴾، [ محمد : ٢١ ] . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٨ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس وأخبر تعالى عن أهل البِرِّ، وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم - من الإِيمان، والإِسلام، والصدقة ، والصبر - بأنهم أهل الصدق، فقال: ﴿ولكنَّ البِرَّ مَن آمن بالله واليومِ الآخرِ والملائكةِ والكتابِ والنبيين وآتى المالَ على حُبِّه ذوي القربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السبيلِ والسائلين وفي الرقابِ وأقام الصلاةَ وآتى الزكاةَ والموفُون بعهدِهم إذا عاهدوا والصابرينَ في البأساء والضرّاء وحين البأسِ أولئك الذين صدقوا وأولئك هُمُ المتقون﴾ [البقرة: ١٧٧ ]، وهذا صريح في أن ((الصدق)) بالأعمال الظاهرة والباطنة، وأن ((الصدق )) هو مقام الإِسلام والإِيمان . - وقسّم الله سبحانه الناس إلى صادق ومنافق؛ فقال: ﴿ ليجزيَ الله الصادقين بصدقهم ويعذِّبَ المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ﴾، [الأحزاب: ٢٤ ]. والإِيمان أساسه الصدق ، والنفاق أساسه الكذب ، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر . وأخبر سبحانه أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد ويُنجيه من عذابه إلا صدقُه ؛ قال تعالى: ﴿ هذا يومُ ينفعُ الصادقين صدقُھُم لهمْ جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضُوا عنه ذلك الفوز العظيم ﴾، [المائدة: ١١٩]. وقد أمر الله رسوله أن يسأله أن يجعل مُدْخَله ومُخْرجَه على الصدق ؛ فقال تعالى: ﴿وقل ربِّ أدخلْني مُدْخِلَ صِدْقٍ وأُخرجني مُخْرجَ صِدْقٍ واجعل لي من لدُنكَ سلطانًا نصيرًا ﴾، [ الإسراء: ٨٠]. وأخبر عن خليله إبراهيم عَّ له أنه سأله أن يهب له لسانَ صِدقٍ في الآخرين ، فقال تعالى: ﴿واجعلْ لي لسانَ صِدقٍ في الآخرين﴾، [ الشعراء: ٨٤]. وبشَّرَ عبادَه بأنَّ لهم قدَمَ صِدْق، ومَفْعَدَ صدْق؛ فقال تعالى: ﴿وبشّر الذين آمنوا أنَّ لهم قدَمَ صدقٍ عند ربهم﴾ الآية [ يونس: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٩ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس المتقين في جنات ونَهَرٍ في مقعدٍ صدقٍ عند مليك مُقْتدِرٍ ﴾، [ القمر : ٥٤ - ٥٥ ]. - وحقيقة الصدق في هذه الأشياء : هو الحق الثابت المتصل بالله ، والموصل إلى الله . وهو ما كان به وله ؛ من الأقوال والأعمال ، وجزاء ذلك في الدنيا وفي الآخرة . -. فمُدْخَل الصدق ، ومُخْرج الصدق أن يكون دخوله وخروجه حقًّا ثابتًا بالله ، وفي مرضاته. كمخرجه عَّم هو وأصحابه يوم بدر، وكذلك مُدخله عَّله المدينة كان مُدْخل صدق بالله ولله، وابتغاء مرضاة الله، فاتصل به التأييد والظفَر والنصر ، وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة . فكلُّ مُدخل ومخرج كان بالله ولله ، فصاحِبه ضامِن على الله ، فهو مخرج صدق مدخل صدق . وكان بعض السلف إذا خرج من داره رفع رأسه إلى السماء ، وقال : ((اللهم إني أعوذ بك أن أخرج مخرجًا لا أكون فيه ضامنًا عليك)). وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه - أو مدخلًا آخر - إلا بصدق أو بكذب ؛ فمخرج كل واحد ومدخله لا يعدو الصدق والكذب . والله المستعان . قال تعالى: ﴿والذين آمنوا بالله ورسِلِه أولئك هم الصِّدِّيقون﴾. روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله عَ لّه قال: (( إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغُرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدُّرِّ الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب ؛ لتفاضل ما بينهم)) . قالوا : يا رسول الله ، تلك منازل الأنبياء ، لا يبلغها غيرهم !! قال: (( والذي نفسي بيده ، رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المرسَلين)). وصحَّ عن رسول الله عَ لِ أنه قال: ((إن تصْدق الله يصدقْكَ)). وصحَّ عنه عَّ له أنه قال: ((أَفلح إنْ صدَق)). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٠ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس وقال رسول الله عَّ ◌ُله: «أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجنة لمن ترك المِراءَ وإِن كان مُحِقًّا ، وببيت في وسط الجنة لِمَن ترك الكذِبَ وإن كان مازِخًا ، وببيتٍ في أعلى الجنة لمن حسَّن خُلقه))(١) . وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي عَّم قال: ((إن الصدق يهدي إلى البِرِّ، وإن البِّ يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليَصدق حتى يُكتَب عند الله صِدِّيقًا . وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل لَيكذب حتى يُكتَب عند الله كذَّابًا)). وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ((إن الرجل ليَصدق حتى يُكتَب عند الله صِدِّيقًا، ويتحرّى الصدق حتى ما يكون للفجور في قلبه موضع إبرة يستقرُّ فيه . وإن الرجل لَيكذب ويتحرَّى الكذب حتى ما يكون للبِّ في قلبه موضع إبرة يستقُّ فيه)). وقال الصِّدِّيق رضي الله عنه : عليكم بالصدق ؛ فإنه مع البِرّ ، وهما في الجنة . وقال إبراهيم الخَوَّاص: الصادق لا تراه إلَّا في فرض يؤدِّيه، أو فضلٍ يعمل فيه. وقيل : ثلاث لا تُخطِئ الصادق : الحلاوة والملاحة والهيْبة . وقال يوسف بن أسباط : لَأَنْ أَبيت ليلة أعاملُ الله بالصدق، أحبُّ إلَّي من أن أضرب بسيفي في سبيل الله . وقال الحارث المُحَاسِبِي : الصادق هو الذي لا يُبالي لو خرج كلُّ قدْرٍ له في قلوب الخلق ؛ من أجل صلاح قلبه ، ولا يحبُّ اطلاع الناس على مثاقيل الدَّرِّ من حُسْنِ عمَلِه . (١) رواه أبو داود، الأدب : ٧ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٣١ وقال بعضهم : مَن لم يُؤدِّ الفرض الدائم ، لم يُقبل منه الفرْض المؤقّت . قيل : وما الفرض الدائم ؟ قال : الصدق . وقيل : مَنْ طلب الله بالصدق أعطاه مرآةً يُبصر فيها الحقَّ والباطل . وقال سهل بن عبد الله : أول خيانة الصِّدِّيقين : حديثهم مع أنفسهم . وقال أبو تراب النخشبي : إذا صدق العبد في العمل وجد حلاوته قبل أن يعمله ، فإذا أخلص فيه وجد حلاوته وقت عمله . كأنس بن النضر رضي الله عنه ؛ وجد ريح الجنة قبل أن يُقاتل . وقال محمد بن سعيد المروزي : إذا طلبتَ الله بالصدقِ ، آتاك الله تعالى مرآةً بيدك ، تُبصر كلّ شيء من عجائب الدنيا والآخرة . وقال محمد بن كعب: إنما يكذب الكاذب من مهانة نفسه عليه . - الصادق يتقلَّب في اليوم أربعين مَّة : قال الجُنَيد: ((الصادق يتقلَّب في اليوم أربعين مرة ، والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة )) . قال ابن القيم في ((مدارج السالكين)) (٢٧٤/٢ - ٢٧٦): ((مراد الشيخ أبي القاسم صحيح غير هذا ؛ فإن المعارضات والواردات التي تردُ على الصادق لا تردُ على الكاذب المرائي ، بل هو فارغ منها ؛ فإنه لا يردُ عليه من قِبَل الحقِّ موارد الصادقين على الكاذبين المرائين ، ولا يُعارضهم الشيطان كما يُعارض الصادقين ؛ فإنه لا أُرَبَ له في خربةٍ لا شيءَ فيها ، وهذه الواردات تُوجب تقلُّب الصادق بحسب اختلافها وتنوُّعها، فلا تراه إلا هاربًا من مكان إلى مكان، ومن عمل إلى عمل ، ومن حال إلى حال ، ومن سبب إلى سبب ؛ لأنه يخاف في كلِّ حال يطمئن إليها ، ومكان وسبب أن يقطعه عن مطلوبه ، فهو لا يساكن حالة ولا شيئًا دون مطلوبه ، فهو كالجوّال في الآفاق في طلب الغِنَى الذي يفوق به الأغنياء . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٢ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس والأحوال والأسباب تتقلَّب به ، وتُقیمه وتُقعده ، وتحرِّ که وتُسكنه ، حتى يجد فيها ما يُعينه على مطلوبه ، وهذا عزيز فيها ؛ فقلبه في تقلب وحر كه شديدة بحسب سَعة مطلوبه ، وعظمته وهمَّته أعلى من أن يقف دون مطلبه على رسم أو حالٍ ، أو يساكن شيئًا غيره ، فهو كالمحبِّ الصادق ، الذي همته التفتيشُ على محبوبه ، وكذا حال الصادق في طلب العلم ، وحال الصادق في طلب الدنيا ، فكلُّ صادق في طلب شيء لا يستقرُّ له قرار ، ولا يدوم على حالة واحدة . وأيضًا : فإن الصادق مطلوبه رضا ربِّه وتنفيذ أوامره وتتبّع محابِّه ، فهو متقلِّب فيها يسير معها أين توجَّهتْ ركائبُها، ويستقلُّ معها أين استقلت مضاربُها، فبينا هو في صلاة ، إذْ رأيتَه في ذِكْر ثم في غزو ، ثم في حجّ ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره من أنواع النفع ، ثم في أمْر بمعروف أو نهي عن منكر ، أو في قيام بسببٍ فيه عمارة الدين والدنيا ، ثم في عيادة مريض أو تشييع جنازة ، أو نصْر مظلوم إن أمكن ، إلى غير ذلك من أنواع القُرَب والمنافع . فهو في تفُّق دائم الله ، وجمعيَّ على الله ، لا يملكه رسمٌ ولا عادةً ولا وضع ، ولا يتقيد بقيْدٍ ولا إشارة ، ولا بمكان معيَّن يصلّي فيه لا يصلي في غيره ، وزِئِّ معيَّن لا يلبس سواه ، وعبادة معيَّنة لا يلتفت إلى غيرها ، مع فضل غيرها عليها ، أو هي أعلى من غيرها في الدرجة ، وبُعْد ما بينهما كبعدٍ ما بين السماء والأرض . فإن البلاء والآفات ، والرياء والتصنُّع ، وعبادة النفس وإيثار مرادها والإِشارة إليها ، كلها في هذا الأوضاع والرسوم والقيود ، التي حبسَتْ أربابها عن السير إلى قلوبهم ، فضلًا عن السير من قلوبهم إلى الله تعالى ، فإذا خرج أحدهم عن رسْمِه ووضعه وزِيِّه وقيده وإشارته - ولو إلى أفضل منه - استهجن ذلك ، ورآه نقصًا وسقوطًا من أعين الناس ، وانحطاطًا لرتبته عندهم ، وهو قد انحطَّ وسقط من عيْن الله . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٣ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس وقد يحسُّ أحدهم ذلك من نفسه وحاله ، ولا تدعه رسومه وأوضاعه وزيُّه وقيوده ، أن يسعى في ترميم ذلك وإصلاحه . وهذا شأن الكذّاب المرائي الذي يُدي للناس خلاف ما يعلمه الله من باطنه ، العامل على عمارة نفسه ومرتبته ، وهذا هو النفاق بعينه ، ولو كان عاملًا على مراد الله منه وعلى الصدق مع الله؛ لأنقلتْه تلك القيود، وحبستْه تلك الرسوم ، ولرأى الوقوفَ عندها ومعها عَيْنَ الانقطاع عن الله لا إليه ، ولَمَا بالى: أَّ ثوب لِبِسَ ، ولا أَّ عملٍ عَمِل ، إذا كان على مراد الله من العبد . فكلام أبي القاسم الجنيد حقٌّ ، كلامُ راسخ في الصدق ، عالمٍ بتفاصيله وآفاته ، ومواضيع اشتباهه بالكذب . - وأيضًا فحمْل الصدق كحمل الجبال الرواسي لا يُطيقه إلا أصحاب العزائم ، فهم يتقلَّون تحته تقلُّب الحامل بحمله الثقيل . والرياء والكذب خفيف كالريشة ، لا يجد له صاحبه ثقلًا ألبتة ، فهو حامل له في أيِّ موضع اتفق ، بلا تعب ولا مشقَّة ولا كُلْفة، فهو لا يتقلَّب تحت حمْله، ولا يجد ثقلَه)). قال بعضهم : لا يشمُّ رائحةَ الصدق عبدٌ داهَنَ نفسَه أو غيره . الصِّدْقُ مِفْتَاحُ الصِّدِّيقَّة : كما جاء في الحديث: ((وإن الرجل لَيصدُق حتى يُكتب عند الله صِدِّيقًا)). فالصدق مفتاح الصِّدِّيقَّة ومبدؤها وهي غايته ، فلا ينال درجتَها كاذبٌ ألبتة ، لا في قوله ، ولا في عمله ، ولا في حاله ، ولا سيَّما كاذب على الله في أسمائه وصفاته ، ونفي ما أثبته ، أو إثبات ما نفاه عن نفسه ، فليس في هؤلاء صِدِّيق أبدًا . وكذلك الكذب عليه في دينه وشرْعه بتحليل ما حَّمه ، وتحريم ما لم تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٤ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس يُحرِّمه ، وإسقاط ما أوجبه ، وإيجاب ما لم يُوجبه ، وكراهة ما أحبَّه، واستحباب ما لم يحبَّه . كل ذلك منافٍ للصِّدِّيقِيَّة . وكذلك الكذب معه في الأعمال ؛ بالتحلِّي بحلية الصادقين المخلصين ، والزاهدين المتوكِّلين ، وليس في الحقيقة منهم . فيها الهدى والتُّقى والوحي والُرُّسُلُ قالوا لنا أرضُنا أرضٌ مبارَكةٌ وأكبرُ الأمر في أرجائها دَجَلُ حتى المشائِقُ قد ضاقتْ بَمَن قُتِلُوا فالزورُ في أهلها دِينٌ لهُ مِلَلُ وكلُّهمْ كاذبٌ قالوا وما فَعَلُوا وكلُّهِمْ في حِمَى الشيطان يَبتهلُ وثوبُنا الخِزْيُ والبُهْتانُ والزلَلُ كيفَ استوى عندها الكذَّاب والرجُلُ يَسَّاقِطُ القَهْرُ والإِرهابُ والدَّجَلُ ومسجدٌ في كُهوفِ الصمْتِ يبتهلُ وقُدْسُنا لم تزلْ في العار تغتسِلُ ونهرُ دمعِ على المحراب ينهملُ وتنزِفُ الدمعَ في أعتابِ مَن رحَلُوا وجَذْوةً مِن ضميرٍ الصدقِ تشتعلُ شمسُ الرجال تساوَى اللصُّ والبطِلُ كُلُّ القلاع تساوى السَّفْحُ والجَبَلُ عصابةٌ مَن رَمَادِ الصبحِ تكتحلُ وأَنْهُرُ الملحِ هْ ينمو بها الشجَرُ حتى إذا قام وسْطَ البيتِ يعتمرُ وُمَّةٌ في مزادِ الموتِ تنتحرُ ما لي أراها وبحرُ الزورِ يُغْرِقُها لم يَبْرحِ الدُمُ في يومٍ مشانِقَها يا لعنةَ الدم مَنْ يومًا يُطهِّرُها في أيّ شيءٍ أمامَ الله قد عدَلُوا هذا جبانٌ وهذا باعَ أُمَّتَهُ مِن يومِ أنْ مَزَّقوا أحكامَ مَّتِهِمْ عارٌ على الأرضِ كيفَ الزورُ ضاجَعَهَا يا وصمة العارِ هُزِّي جِذْعَ نخلَتِنا ما زالَ في القلبِ يدمى جرْحُ قُرْطيةٍ فكمْ بكَيْنا على أطلال قرطبةٍ في القدس تبكي أمام الله مِئذنةٌ وكعبة تشتكي لله غُرْبِتَها كانوا رجالًا وكانوا للورى قبَسًا لم يَبْقَ شيءٌ لنا من بعد ما غربتْ لم يَبْقَ شيءٌ لنا مِن بعد ما سقطتْ في ساحةِ الملكِ أصنامٌ مزركشةٌ من أين تأتي لوجْهِ الزورِ مَكْرُمَةٌ القاتلُ الوغدُ لا تحميهِ مِسَبَحَةٌ في صفقةِ العمرِ دَجَّالٌ وسيِّدُهُ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٣٥ مِن دمِ يوسفَ كُلُّ الأهل قَدْ سَكِرُوا يعقوبُ لا تبتئسْ فالذئبُ نعرفُهُ وابنُ الزبير على الأعناقِ يحتضرُ أسماءُ تبكي أمامَ البيتِ في ألم لنْ يسمعَ الشِّعَرَ مَن بالوحي قد كَفَرُوا يا فارسَ الشّعْرِ قَلْ للشِّعْرِ معذرةٌ لم يَبْقَ من أَهلِها ذِكْرٌ ولا أثّر وصِحْ على القبر هذي أمةٌ رحلتْ عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((إنها ستأتي على الناس سنون خدَّاعة، يصدَّق فيها الكاذب ، ويُكذَّب فيها الصادِق ؛ ويُؤْتَمنُ فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة)) . قيل: وما الرويبضة؟ قال: (( السفيه يتكلّم في أمر العامَّة))(١). أعلى مراتبِ الصِّدْقِ: الصِّدِّيقَّة ، وأعلى مراتبِ الصِّدِّيقِيَّة لأبي بَكْرٍ رضي الله عنه : قال تعالى: ﴿والذي جاء بالصدقِ وصدَّقَ به أولئكَ همُ المتقون ﴾ [ الزمر : ٣٣ ] . قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : والذي نفسي بيده ، إن الله سمَّى أبا بكر في السماء صِدِّيقًا . فالذي جاء بالصدق : مَن هو شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله . فالصدق : في هذه الثلاثة . فالصدق في الأقوال : استواء اللسان على الأقوال ، كاستواء السنبلة على (١) إسناده جيد: رواه أحمد في مسنده ، وقال ابن كثير : إسناده جيد . وقال الشيخ أحمد شاكر : إسناده حسن . والرّابض : هو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها ، فهو التافه الخسيس الحقير . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٦ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ساقها . والصدق في الأعمال : استواء الأفعال على الأمر والمتابعة ، كاستواء الرأس على الجسد . والصدق في الأحوال : استواء أعمال القلب والجوارح على الإِخلاص ، واستفراغ الوسع ، وبذل الطاقة ؛ فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق. وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به: تكون صِدِّيقيته ، ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه : ذروة سَنام الصديقية ، سُمي: ((الصِّدِّيق)) على الإطلاق. و ((الصِّدِّيق)) أبلغ من الصدوق ، والصدوق أبلغ من الصادق . - فأعلى مراتب الصدق : مرتبة الصِّدِّيقَّة؛ وهي كمال الانقياد للرسول عَّةٍ ، مع كمال الإِخلاص للمرسل . قال ابن القيم في ((المدارج))، (٣٩/١ - ٤٠): ((قال شيخنا: والصِّدِّيق أكمل من المُحَدَّث؛ لأنه استغنى بكمال صِدِّيقيّته ومتابعته عن التحديث والإِلهام والكشف ؛ فإنه قد سلَّم قلبَه كلَّه وسِرَّه وظاهره وباطنه للرسول ، فاستغنى به عمّا منه . قال : وكان هذا المحدَّث يعرِض ما يُحَدَّث به على ما جاء به الرسول ؛ فإنْ وافقه قبِلَه ، وإلا ردَّه ، فعُلِمَ أنَّ مرتبة الصِّدِّيقية فوق مرتبة التحديث . قال : وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات : ( حدَّثني قلبي عن ربي ) . فصحيح أن قلبه حدَّثه ، ولكن عمَّن ؟ عن شيطانه ، أو عن ربِّه ؟ فإذا قال: ( حدثني قلبي عن ربي )؛ كان مسندًا الحديث إلى من يَعلم أنه حدَّثه به ، وذلك كذِب )). والفهم عن الله ورسوله عُنوانُ الصديقية ، ومنشور الولاية النبوية ، وفيه تفاوتت مراتب العلماء ، حتى عُدَّ ألفٌ بواحدٍ . صِدِّيق الأنصار سعْدُ بن معاذ ؛ قمَّةٌ سَامِقةٌ في علوِّ الهمَّة في الصدْق بعد الصِّدِّيق الأكبر رضي الله عنه : قال سعد بن معاذ رضي الله عنه: ((ثلاثة أنا فيهنَّ قوي ، وفيما سواهنَّ ضعيف: تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٣٧ ما صليتُ صلاة منذ أسلمتُ فحدَّثتُ نفسي حتى أفرغ منها . ولا شيَّعتُ جنازةً فحدّثتُ نفسي بغير ما هي قائلة وما هو مقولٌ لها ، حتى يُفرَغ من دفنها . وما سمعتُ رسول الله عَِ لّه يقول، إلّا علمتُ أنه حقّ)). فقال ابن المسيِّب: ما ظننت أن هذه الخصال تجتمع إلّ في النبي عليه. درجاتُ الصِّدْق : قال الهروي : (( وهو على ثلاتٍ درجات : الدرجة الأولى : صدق القصد . وبه يصحُّ الدخول في هذا الشأن ، ويتلافى به كلّ تفريط ، ويتَدارَكُ به كلّ فائتٍ ، ويعمر به كلّ خراب . وعلامة هذا الصادق : أن لا يتحمل داعية تدعو إلى نقْضٍ عهد ، ولا يصبر على صحبة ضِدّ ، ولا يقعُد عن الجدِّ بحال)). قال ابن القيم في ((المدارج))، (٢٧٩/٢ - ٢٨٠): ((يعني بصدق القصْد : كمال العزم ، وقوة الإِرادة ؛ بأن يكون في القلب داعية صادقة إلى السلوك ، وميل شديد يقهر السرّ على صحّة التوجُّه . فهو طلب لا يمازجه رياء ولا فتور ، ولا يكون فيه قسمة بحال ، ولا يصحُّ الدخول في شأن السفر إلى الله والاستعداد للقائه ، إلّا به . ((ويتلافى به كلّ تفريط)): فإنه حامل على كل سبب ينال به الوصولَ ، وقطْعِ كلِّ سبب يحول بينه وبينه ، فلا يترك فرصة تفوته ، وما فاته من الفُرصِ السابقة تَدَاركها بحسب الإِمكان . فيصلح من قلبه ما مَزَّقَتْه يدُ الغفلة والشهوة ، ويُعَمِّر منه ما خرّبتْه يد البطالة ، ويُوقد فيه ما أطفأته أهْويةُ النفس ، وَيَلُمُّ منه ما شعَّتْه يد التفريط والإضاعة، ويستردُّ منه ما نهبتْه أَكُفُّ اللصوص والسُّرَّاق ، ويزرع منه ما وجده بُورًا من أراضيه ، ويقلَع ما وجده شوكًا وشِبْرَقًّا في نواحيه ، تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٨ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ويستفرغ منه ما ملأته موادّ الأخلاط الرديئة الفاسدة المترامية به إلى الهلاك والعَطَب ، ويُداوي منه الجراحات التي أصابتْه من عَبَرات الرياء ، ويغسل منه الأوساخ والحوْبات التي تراكمتْ عليه على تقادُم الأوقات ، حتى لو اطلع عليه لأحزنه سوادُه ووسخُه الذي صار دِباغًا له ، فيطهِّره بالماء البارد من ينابيع الصدق الخالصة من جميع الكَدُورات ، قبل أن يكون طهوره بالجحيم والحميم ؛ فإنه لا يجاور الرحمن قلبٌ دَنِسٌ بأوساخِ الشهوات والرياء أبدًا. ولا بدَّ من طهور ، فاللبيب يُؤْثر أسهلَ الطهورَيْن وأنفعَهما . والله المستعان . وقوله : ((وعلامة هذا الصادق : أن لا يتحمّل داعيةً تدعو إلى نقْضِ عهْدٍ)) : يعني أن الصادق حقيقة: هو الذي قد انجذبتْ قوى رُوحه كلها إلى إرادة الله وطَلَبه ، والسير إليه ، والاستعداد للقائه . ومن تكون هذه حاله : لا يحتمل سببًا يدعوه إلى نقضِ عهده مع الله بوجْهٍ . وتزهقُ بالأشواقِ أرواحنا منَّا تضيقُ بنا الدنيا إذا غِبْتُمُ عنَّا ولوْ غبتمُ عَّا ولو نفَسًا مِنْنا بعادُكُمُ موتٌ وقربكمُ حَيا ألَا إِنَّ تَذكارَ الأَحبَّةِ يُنعشنَا نعیشُ بذ کراکُمْ ونحيا بقربکمْ وقوله : ((ولا يصبر على صحبة ضِدٍّ)): الضدُّ عند القوم: هم أهل الغفلة ، وقُطَّاع طريق القلب إلى الله . وأضُرُّ شيء على الصادق : صحبتهم ، بل لا تصبر نفسُه على ذلك أبدًا ، إلّا جمْعَ ضرورة . وتكون صحبتهم له في تلك الحال بقالبه وشَبَحِه دون قلبه وروحه . وشُغلتُ عن فهْمِ الحديثِ سوى ما كان عنكَ فإِنَّهُ شُغلي أنْ قدْ عقلتُ وعندكمْ عقلي وأُدیمُ نحوَ مُحدِّثي وجهي لیری فإنَّ هذا لما استحكمت الغفلة عليه كما استحكم الصدقُ في الصادق ، أحسَّت رُوحه بالأجنبيّة التي بينه وبينهم بالمضادَّة ، فاشتدت النّفرة ، وقوي الهَرَب. وبحسب هذه الأجنبية وإحساس الصادق بها : تكون نفْرته وهربه عن الأضداد ؛ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٩ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس فإن هذا الضدَّ إن نطق أحسَّ قلب الصادق أنه نطق بلسان الغفلة والرياء ، والكبر وطلب الجاه . ولو كان ذاكرًا أو قارئًا، أو مصلِّيًا أو حاجًّا ، أو غير ذلك، فنفر قلبه منه . وإن صمت أحسَّ قلبه أنه صمت على غير حضور وجمعيَّة على الله ، وإقبال بالقلب عليه ، وعكوف السرِّ عليه ، فينفر منه أيضا ؛ فإن قلب الصادق قوي الإِحساس ، فيجد الغيرية والأجنبية من الضدِّ، ويشمُّ القلبُ القلبَ كما يشُّ الرائحة الخبيثة ، فيزوى وجهُهُ لذلك ويعتريه عبوس ، فلا يأنس به إلّا تكلُّفًا ، ولا يصاحبه إلّا ضرورة ، فيأخذ من صحبته قدْر الحاجة ؛ كصحبةٍ مَن يشتري منه أو يحتاج إليه في مصالحه ، كالزوجة والخادم ونحوه . قوله: ((ولا يقعد عن الجدّ بحال)): يعني أنه لما كان صادقًا في طلبه مستجمِعَ القوة ، لم يقعد به عزمُه عن الجد في جميع أحواله ؛ فلا تراه إلا جادًّا ، وأمره كلّه جدٌّ)). ((الدرجة الثانية: أن لا يتمنَّى الحياة إِلّا للحقِّ، ولا يشهد مِن نفسه إلا أثر النقصان، ولا يلتفت إلى تّرْفيه الرُّخَص)). قال ابن القيم: ((أي: لا يحبُّ أن يعيش إلَّا ليشبعَ من رضا محبوبه ، ويقوم بعبوديته ، ويستكثر من الأسباب التي تُقرِّبه إليه وتُدنيه منه ، لا لعلّة من علل الدنيا ولا لشهوة من شهواتها ، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (( لولا ثلاثٌ لَمَا أحببتُ البقاء : لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله ، ومكابدة الليل ، ومجالسة أقوام ينتقون أطايبَ الكلام ، كما يُنْتَقى أطايبُ التمر)). يريد رضي الله عنه : الجهاد ، والصلاة ، والعلم النافع . وهذه درجات الفضائل ، وأهلها هم أهل الزلْفى والدرجات العليا . وقال معاذ رضي الله عنه عند موته: ((اللهم إنك تعلم أنّي لم أكن أحبُّ البقاء لجري الأنهار ، ولا لغرس الأشجار ، ولا لنكح الأزواج ، ولكن لظماً الهواجر ومكابدة الليل ، ومُزاحمة العلماء بالُّكَب عند حلق الذكر)). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٠ صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس وقوله : ((ولا يَشْهد من نفسه إلا أثرَ النقصان)) : يعني لا يرى نفسه إلا مقصِّرًا ، والموجب له لهذه الرؤية : استعظام مطلوبه ، واستصغار نفسه ومعرفته بعيوبها ، وقلّة زاده في عينه . فمن عرف الله وعرف نفسه ، لم يرَ نفسه إلا بعين النقصان . وأما قوله: ((ولا يلتفت إلى ترفيهِ الرخص » : فلأنه - لكمال صدقه ، وقوة إرادته ، وطلبه للتقدُّم - يحمل نفسه على العزائم ، ولا يلتفت إلى الرفاهية التي في الرّخَص . وهذا لا بدَّ فيه من التفصيل ؛ فإن الصادق يعمل على رضا الحق تعالى ومحابِّه . فإذا كانت الرُّخَص أحبَّ إليه تعالى من العزائم ، كان التفاته إلى ترفيهها ، وهو عيْن صِدْقه؛ فإذا أفطر في السفر ، وقَصَرَ وجمع بين الصلاتين عند الحاجة إليه ، وخفّف الصلاة عند الشغْل، ونحو ذلك من الرُّخص التي يحبُّ الله تعالى أن يُؤْخَذَ بها ، فهذا الالتفات إلى ترفيهها لا ينافي الصدق . بل هاهنا نكتة ؛ وهي أنه فَّق بين أن يكون التفاته إليها تَرَقُّهَا وراحة ، وأن يكون متابعةً وموافَقَةً ، ومع هذا فالالتفات إليها ترفُّهًا وراحةً لا ينافي الصدق ؛ فإن هذا هو المقصود منها، وفيه شهود نعمة الله على العبد، وتعبُّده باسمه: ((البُرُّ، اللطيف، المحسن، الرفيق))؛ فإنه رفيقٌ يحبُّ الرفْق. وفي الصحيح: ((ما خُيِّر رسولُ الله عَ لِّ بين أمريْن ، إلَّا اختار أيسرَهما؛ ما لم يكن إثمًا )) لِمَا فيه من روح التعبُّد باسمٍ : ((الرفيق، اللطيف))، وإجمام القلب به لعبودية أخرى؛ فإن القلب لا يزال يتنقّل في منازل العبودية ، فإذا أخذ بترفيه رخصةِ محبوبه ، استعدَّ بها لعبودية أخرى . وقد تَقْطعه عزيمتُها عن عبودية هي أحبُّ إلى الله منها ، كالصائم في السفر الذي ينقطع عن خدمة أصحابه ، والمُفطِر الذي يضرب الأخبية ، ويسقي الركاب ، ويضم المتاع. ولهذا قال فيهم النبي عَّهِ: ((ذهب المفطرون اليومَ بالأجر)). أما الرّخص التأويلية، المستندة إلى اختلاف المذاهب والآراء التي تُصيب تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/