Indexed OCR Text
Pages 541-560
https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في غلُوَ الهمة - المجلد الثاني ٥٤١ وبِعْ ، فإنها مؤدية عنك ، ولا تسأل أحدًا شيئًا . فقال : أفعل ، بأبي وأمي ، وكتب إلى قيِّمه : انظر فلان بن فلان ، فخلّ بينه وبين حصاد أرضك ، فإني قد أعطيته إياه ، فخرج فحصدها ، فباع منها بعشرين ألف درهم ، فأدى اثني عشر ألفًا واستفضل ثمانية آلاف (١). حكيم بن حزام رضي الله عنه : قال حكيم : ما أصبحتُ صباحًا قطُّ ، فرأيت بفنائيُ طالبَ حاجة قد ضاق بها ذرعًا فقضيتها ، إلا كانت من النعم التي أحمد الله عليها ، ولا أصبحتُ صباحًا لم أرَ بغنائي طالب حاجة ، إلّا كان ذلك من المصائب التي أسأل الله عز وجل الأجر عليها(٢). قال عبد الملك بن مروان : ما كنت أحب أن أحدًا ولدني من العرب إلا عروة بن الورد لقوله : بجسمَيَ مسَّ الجوعِ والجوعُ جاهِدُ أتهزأُ مني أن سَمنت وأن ترى وأنت امرؤ عافى إناءك واحدٌ لأني امرؤ عافى إنائي شركةٌ وأحسو قراحَ الماءِ والماءِ بارِدُ (٣) ◌ُقسِّم جسمي في جسومٍ كثيرةٍ ومن أجواد أهل الإِسلام : قال ابن عبد ربه في ((العقد الفريد)) (١ / ٢٩٣ - ٢٩٤ ): ((وأما أجواد أهل الإِسلام فأحد عشر رجلًا في عصر واحد ، لم يكن قبلهم ولا بعدهم مثلهم : فأجواد الحجاز ثلاثة في عصر واحد : عبيد الله بن عباس ، وعبد الله (١) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا صـ ١٢١ . (٢) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا صـ ١٠٧ . (٣) العقد الفريد لابن عبد ربه ١ / ٢٣٦ - ٢٣٧، لجنة التأليف والترجمة والنشر. تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني ٥٤٢ ابن جعفر ، وسعيد بن العاص . وأجواد البصرة خمسة في عصر واحد ، وهم : عبد الله بن عامر ابن كُريز، وعُبيد الله بن أبي بكرة مولى رسول الله عَّةٍ، ومسلم بن زيادة ، وعبيد الله بن معمر القرشي ثم التيمي ، وطلحة الطلحات ، وهو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي . وأجواد أهل الكوفة ثلاثة في عصر واحد ، وهم عَتّاب بن ورقاء الرياحي ، وأسماء بن خارجة الفزاري ، وعكرمة بن ربعي الفيّاض)). عَلَمُ الجُود عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما : إنه أول من فطّر جيرانه ، وأول من وضع الموائد على الطرق ، وأوّل من حيًّا على طعامه ، وأول من أنهبه . من جوده : أنه أتاه رجلٌ وهو بفناء داره ، فقام بين يديه فقال : يا ابن عباس ، إنّ لي عندك يدًا، وقد احتجت إليها . فصعَّد فيه بصره وصوَّبه ، فلم يعرفه ، ثم قال له : ما يُدُك عندنا ؟ قال : رأيتك واقفًا بزمزم وغلامك يمتحُ(١) لك من مائها ، والشمس قد صهرتك ، فظللتك بطرف كسائي حتى شربتَ . قال : إني لأذكر ذلك، وإنه يتردَّدُ بين خاطري وفكري ، ثم قال لقيّمِهِ : ما عندك ؟ قال : مائتا دينار وعشرة آلاف درهم ، قال : فادفعها إليه ، وما أراها تفِي بحق يده عندنا ، فقال له الرجل : والله لو لم يكن لإسماعيل ولدٌ غيرك لكان فيه ما كفاه ، فكيف وقد ولد سيد الأولين والآخرين محمدًا عَِّ ، ثم شفعه بك وبأبيك. ومن جوده أيضًا : أن معاوية حَبَسَ عن الحسين بن علي صِلاتِه حتى (١) المتح : الاستسقاء . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني ٥٤٣ ضاقت عليه حاله ، فقيل له : لو وجهت إلى ابن عمك عبيد الله ، فإنه قد قدم بنحوٍ من ألفٍ ألفٍ درهم . فقال الحسين : وأين تقع ألف ألف من عبيد الله ! فوالله لهو أجود من الريح إذا عصفت ، وأسخى من البحر إذا زخر . ثم وجه إليه مع رسوله بكتابٍ ذكر فيه حَبْسَ معاوية عنه صِلاته وضِيقَ حاله ، وأنه يحتاج إلى مائة ألف درهم ، فلما قرأ عبيد الله كتابه ، وكان مِن أرقّ الناس قلبًا وألينهم عطفًا ، انهملت عيناه ، ثم قال لِقَهْرَ مَانِهِ : احمل إلى الحسين نصف ما أملكَه من فضةٍ وذهبٍ وثوب ودابة ، وأُخْبِرْه أني شاطرته مالي ، فإنْ أقنعه ذلك ، وإلا فارجع واحمل إليه الشطر الآخر ، فقال له القيِّم : فهذه المؤن التي عليك ، من أين تقوم بها ؟ قال : إذا بلغنا ذلك دللتُك على أمرٍ يقيم حالك . فلما أتى الرسول برسالته إلى الحسين ، قال: إِنَّا لله ، حَمَلتُ والله على ابن عمي ، وما حسبته يتسع لنا بهذا كله ، فأخذ الشطر من ماله . وهو أول من فعل ذلك في الإِسلام . ومن جوده : أن معاوية بن أبي سفيان أهدى إليه وهو عنده بالشام من الهدايا حُللًا كثيرة ، ومسكًا وآنية من ذهب وفضّة ، ووجهها مع حاجبه ، فلما وضعها بين يديه نظر إلى الحاجب وهو ينظر إليها ، فقال : هل في نفسك منها شيء ؟ قال : نعم والله ، إنّ في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف عليهما السلام . فضحك عُبيد الله ، وقال : فشأنك بها فهي لك . قال : جعلت فداك ، أخاف أن يبلغ ذلك معاوية فيجد علّ . قال : فاختمها بخاتمك ، وادفعها إلى الخازن ، فإذا حان خروجنا حملها إليك ليلاً . فقال الحاجب : والله لهذه الحيلة في الكرم أكثر من الكرم . ومن جوده أيضًا : أنه جاءه رجلٌ من الأنصار فقال : يا ابن عم رسول الله عَ يٍ ، إنه وُلد لي في هذه الليلة مولود ، وإني سميته باسمك تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عَلَوَ الهمة - المجلد الثاني ٥٤٤ تبُّكًا مني به ، وإنَّ أمه ماتت . فقال عبيد الله : بارك الله لك في الهبة ، وأجزل لك الأجر على المصيبة . ثم دعا بوكيله ، فقال : انطلق الساعة فاشترٍ للمولود جارية تحضنه ، وادفع إليه مائتي دينار للنفقة على تربيته ، ثم قال الأنصاري : عُد إلينا بعد أيامٍ ؛ فإنك جئتنا وفي العِيس يُيسٌ وفي المال قلّة . قال الأنصاري : لو سَبقتَ حاتمًا بيوم واحد ما ذكرتْه العرب أبدًا ، ولكنه سبقك فصرت له تاليًا ، وأنا أشهد أن عفوك أكثر من مجهوده ، وطُّ كرمك أكثر من وابله (١). الله دَرُّ بيت النبوة : هذه هِزة كريم حسيب !! ومن جوده : أنه خرج يريد معاوية ، فأصابته السَّماء وهو في أرضٍ قفر ليلًا، فُرُفعت له نارٌ، فقال لغلامه مِقَسَم : اقصد بنا النار ، فأتاها ، فإذا شيخ معه أهله ، وكان عبيد الله من أجمل الناس ، فلما رآه الشيخ أعظمه ، وقال لامرأته : إن كان هذا قرشيًّا فهو من بني هاشم ، وإن كان يمانيًّا فهو من بني آكل المرار ، فهيِّئَي لنا عنزك أقضي بها ذِمَامه ، فقالت له امرأته : إذن تموت ابنتي من الجوع ، قال الشيخ : الموت خير من اللؤم ، فأخذ الشَّفرة وقام إلى العنز وهو يقول : قَرينَتَا لا توقظي بُنَّهْ إِنْ تُوقِظيهَا تَنْتَحِبْ عَلَيَّهْ أَبْغِضْ بهذا وبذا إليَّهْ وتنزعُ الشفرةَ من يَدَيَّهْ فذبحها ، وحدَّث عبيد الله حتى نضجت ، فأكَل عبيد الله منها وبات ليلته ، فلما قُرُبَ الرحيل قال لمقسم : كم معك من نفقتنا ؟ قال : خمسمائة دينار ، قال : ألقها إلى الشيخ ، قال مقسم : سبحان الله ! إنما (١) العقد الفريد ١ / ٢٩٥ - ٢٩٦. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٥٤٥ كان يكفيه أن تضعف له ثمن عنزه ، والله ما يعرفك ولا يدري من أنت !! قال : لكني أعرف نفسي ، وأدري من أنا ! هذا لم يكن له من الدنيا غير هذه العنز فجاد لنا بها ، وهو لا يعرفنا ، فخرج من دنياه ، وأعطيناه بعض دنيانا ، فهو أجود منا ! وسار عبيد الله حتى قدم على معاوية ، وقضى حوائجه ، فلما انصرف قال : يا مقسم ، مُّ بنا على الشيخ ننظر كيف حاله ، فإذا إبل عظيمة، وأنشده الشيخ شعرًا قال فيه : عليه وقلتُ المرءُ من آلٍ هاشمِ تَوسَّمْته لمنا رأيت مهابةً ملوكُ ملوكٍ من ملوكٍ خَضَارمِ وإلّا فمن آلِ المُرار فإنهم فأَذْبحَها فعل امرئٍ غير عاتمِ فقمتُ إلى عَنْزِ بقية أعتز تساوي عَنَاقي غير خمس دراهم فعوّضني منها غناي ولم تكن أألحق هذا أَوْ هُوَ أضغاث حالمِ فقلتُ لعُرسي في الخلا وصبيتي فقالوا جميعًا لا ، بل الحق هذه بخمسٍ مِئِينٍ من دنانیر ◌ُوِّضَتْ يَخُبُّ بها الركبانُ وسْط المواسمِ من العنز ما جادتْ بها كفُّ حاتمِ فلما ارتحل عبيد الله سار الشيخ في العرب بالذي صنع عُبيد الله ، وبلغ ذلك معاوية ، فقال : للهِ عُبيد الله !! من أتّ بيضةٍ خرج ، ومن أي عشِّ دَرَج ! وهذا لعمري من فَعلاته(١) !! وقال عبيد الله الحسن والحسين: (( إن الله تبارك وتعالى عوّدني عادة جميلة ، فعوّدتها عبادَهُ، ولستُ آمن إن قطعتُ عادتي عن عباده أن يقطع عادته عنّ . فقالا : لا نأمرك في هذا بشيءٍ . وقاما وانصرفًا حامدَيْن لأمره ))(٢). (١) لباب الآداب صـ ٩٩ - ١٠٠. (٢) لباب الآداب صـ ١١٨. تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني ٥٤٦ عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما : قال عنه الذهبي في السير : كان كبير الشأن ، جوادًا ، يصلح للإِمامة . عن ابن سيرين رحمه الله قال: جلب رجل من التجار سُكَّرًا إلى المدينة ، فكسد عليه ، فبلغ عبد الله بن جعفر ، فأمر قَهْرمانه أن يشتريه ، وأن ينهبه الناس(١). (( قال الحميدي : سمعت القدّاح يذكر أن رجلًا عَرَض لعبد الله وقد خرج من باب بني شيبة فقال : يا ابن الطيار في الجنة ، صِلْنِي بنفقةٍ أتبلَّغ بها إلى أهلي ، كرّم الله وجهك . قال : فرمى إليه برمّانةٍ من ذهبٍ كانت في يده ، فوزنها الرجل فإذا فيها ثلاثمائة مثقال . وعن الشعبي قال : كان لعبد الله بن جعفر على رجل من أهل المدينة خمسون ألفًا ، فاستعان عليه بعُبيد الله بن عباس في ذلك فقال : قد خططتُ عنه شطرها وأخرته بالشطر الآخر إلى ميسوره . قال : فجزاه عُبيد الله خيرا وانصرف، فأتبعه ابن جعفر رسولًا: إني قد طيّبت له النصف الآخر))(٢). ومن جوده أيضًا : أنه أعطى امرأةً سألته مالًا عظيمًا . فقيل له : إنها لا تعرفك ، وكان يُرضيها اليسير . قال : إن كان يُرضيها اليسير فإني لا أرضى إلّا بالكثير ، وإنْ كانت لا تعرفني فإني أعرف نفسي . قيل : إن أعرابيّا قصد مروان فقال : ما عندنا شيء ، فعليك بعبد الله ابن جعفر . فأتى الأعرابي عبدَ الله فأنشأ يقول : أبو جعفر من أهل بيت نبوَّة صَلاتهم للمسلمين طَهورُ (١) المستجاد صـ ٧٧ . (٢) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا صـ ١٠٨ - ١٠٩ . https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني ٥٤٧ وأنت على ما في يديك أميرُ أبا جعفرٍ ضنَّ الأميرُ بمالِهِ جناحان في أعلى الجنان يطيرُ أبا جعفر يا ابن الشَّهيد الذي له فلا تتركنِّي بالفلاةِ أدورُ أبا جعفرٍ ما مثلك اليومَ أرتجي فقال: يا أعرابي ، سار الثقل ، فعليك بالراحلة بما عليها ، وإياك أن تُخدع عن السيف ، فإني أخذته بألف دينار . ويروى أن شاعرًا جاء إلى عبد الله بن جعفر فأنشده : كساني من الخزِّ درّاعهْ رأيتُ أبا جعفرٍ في المنامِ فقْال ستُوتَى بها السَّاعهْ شكوتُ إلى صاحبي أمرها وَمَنْ كَقُّه الدهرَ نفّاعِهْ سَيَكْسُوكَها الماجدُ الجعفريُ فقال له السمعُ والطاعهْ ومَنْ قال للجود لا تعدُني فقال عبد الله لغلامه : أعطه جبتي الخزّ ، ثم قال له : ويحك ، كيف لم تَرَ جبتي الوَشْي ، اشتريتها بثلاثمائة دينار منسوجة بالذهب ، فقال : أنام فلعلِّي أراها ، فضحك عبد الله ، وقال : ادفعوها إليه . وعن الأصمعي : أنَّ امرأةً أتت بدجاجة مَسْموطة فقالت لابن جعفر : بأبي أنت هذه الدجاجة كانت مثل بنتي ، فآليت ألّا أدفنها إلا في أكرم موضع أقدر عليه ، ولا والله ما في الأرض أكرم من بطنك ، قال : خذها منها واحملوا إليها ، فذكر أنواعًا من العطاء حتى قالت : بأبي أنت ، إن الله لا يحب المسرفين . وذكر الزبير بن بكّار أن عبيد الله بن مليكة عن أبيه عن جده قال : دخل ابن أبي عمّار ، وهو يومئذ فقيه أهل الحجاز ، على نخَّس(١)، (١) مَنْ يَبيعُ العبيد والرقيق والجواري . تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثاني ٥٤٨ فعرض عليه جاريةً فعلق بها ، وأخذه أمر عظيم ، ولم يكن معه مقدار ثمنها ، فمشى إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذلونه ، وبلغ خبره عبد الله فاشتراها بأربعين ألفًا ، وزينها وحلّاها ، ثم طلب ابنَ أبي عمار فقال : ما فعل حبك فلانة ؟ قال : هي التي هام قلبي بذكرها ، والنفسُ مشغولة بها ، فقال: يا جارية ، أخرجيها . فأخرجتها ترفل في الحلّ والحلل ، وقال : شأنك بها ، بارك الله لك فيها ، فقال : لقد تفضلت بشيءٍ لا يتفضل به إلا اللهُ. فلما ولّى بها ، قال : يا غلام ، احمل معه مائة ألف درهمَ . فقال : لئن والله وُعدنا نعيم الآخرة ، فقد عَجّلت نعيم الدنيا (١). وفي العقد الفريد (١ / ٢٩٧): ((قال: ما فعل حب فلانة ؟ قال : في اللحم والدم والمخ والعصب . قال : أتعرفها لو رأيتها ؟ قال : لو أُدخلتُ الجنة لم أُنكرها . فأمر بها عبدُ الله أن تخرج إليه وقال له : إنما اشتريتها لك ، ووالله ما دنوتُ منها ، فشأنك بها ، مباركًا لك فيها . فلما ولَّى قال : يا غلام ، احمل معه مائة ألف درهم ينعم بها معها . قال : فبكى عبد الرحمن فرحًا ، وقال : يا أهل البيت ، لقد خصَّكم الله بشرف ما خصَّ به أحدًا قبلكم من صلب آدم ، فتهنئكم هذه النعمة وبورك لكم فيها )) . وعن العمري أن ابن جعفر أسلف الزبير ألف ألف ، فلما تُوفي الزبير قال ابن الزبير لابن جعفر : إني وجدتُ في كتبِ الزبير أنَّ له عليك ألف ألف . قال : هو صادق . ثم لقيه بعد ، فقال: يا أبا جعفر ، وهمتُ، المال لك عليه : قال : فهو له . قال : لا أريد ذلك(٢). (١) السير ٣ / ٤٦١ . (٢) السير ٣ / ٤٦٠. https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٥٤٩ جُودُ أعرابيّ : قال شيخٌ من بني عمرو بن كلاب : خرج عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما يريد الشَّام ، فألجأه المطر إلى أبياتٍ ، فإذا قّة حمراء بفنائها رجل ينادي : الذَّري الذَّري(١) ، قال عبد الله: فأنخنا فدخلنا القّة، وحُطَّ عن رواحلنا ، ثم أتى بجزور فذبحها ، فبتنا في شواء وقديد ، وتحدّث معنا من الليل هُنيهةً ثم انصرف . فلما أصبح وقف عن القّة ، وسألنا عن سَبِيتنا ، وانصرف ، فأتى بجزورٍ فعقرها ، فقلنا : رحمك الله ، ما تريد إلى هذا ؟! قال : كلوا رحمكم الله طريًّا، فإنا لا نُطعم الضيف غَاًّا(٢). قال عبد الله رحمه الله : فدعوت بثوبٍ فجعلت فيه زعفرانًا ، وصَرَرتُ في طرفٍ منه مائة دينار ، ثم بعثت به إلى أهله ، فقالوا : إنَّا لا نقدر على أخذه إلا بإذنه . فسألته أن يقبله مني فأبى ، فلما ارتحلنا وودّعْته أمرتُ فَأُلقي الثوب بين البيوت ومضينا ، فإنا لنسير إذ لحقنا على فرسٍ مشرعًا رمحه ، قد احمَّتْ عيناه ، والثوب بين يديه ، فصاح بنا: أغنوا(٣) عني هذا. ونبذه إلينا ، وولَّى وهو يقول : وإذا أخذتُ ثواب ما أعطيتُهُ فكفى بذاكَ لِنَائِلِي تَكْدِيرًا ضرار بن القعقاع رضي الله عنه : عن قتيبة بن مسلم قال : كان في مكز(٤) دماء، فاجتمعوا لها في المسجد الجامع ، فأرسلني أبي إلى ضرار بن القعقاع ، فقال لي : قل له : إن قومك قد اجتمعوا في هذه الدماء ، فاحضرهم . فانتهينا إلى المسجد الجامع (١) الذري : الكنُّ ، يعني : ما كَنَّك. (٢) الغابُّ : هو اللحم البائت. (٣). أي اصرفوه عني وكفوه . (٤) مكز : بلد بالمشرق من بلاد مكران . https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٥٥٠ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني وهم حلق . قال : فنظر إلى عين الشمس فجعلها في ظهره ، ثم جلس ، قال : فجعلوا يتحوّلون إليه رجلًا ورجلين ، حتى صاروا حوله ، ثم جعلوا يتهاترون ، وهو ينكت في الأرض ، فلما انتصف النهار ، قال له رجل : يا أبا القعقاع ، ألا تكلّم ؟! أما ترى ما فيه قومك ؟! فقال : أو قد احتجتم إلى ذلك ؟! قالوا : نعم . فقال للمطلوبين : أمّا أنتم فبراء ، وقال للطالبين : حقُّكم إلّي . قال : فكأنما كانت نارًا طُفيت ، فقاموا فتفرقوا ، وأرسل إلى آبل مأبله بالبادية ، فَوَدَى تلك الدِّيات(١). عدي بن حاتم رضي الله عنه : قال ابن عبد ربه في ((العقد الفريد)) (١ / ٣٠٩): دخل عليه ابن دارة فقال : إني مدحتك ، قال : أمسك حتى آتيك بمالي ثم امدحني على حسن ، فإني أكره ألَّ أعطيك ثمن ما تقول ؛ لي ألف شاة ، وألف درهم ، وثلاثة أعبد ، وثلاث إماء ، وفرسي هذا حَبْس في سبيل الله ، فامدحني على حسب ما أخبرتك. فقال : تلاقي الربيعَ في ديارٍ بِنِي ثُمَلْ تحنُّ قلوصي في مَعَدّ وإنما حسامًا كَنَصْلِ السيفِ سُلَّ من الحدل وأبقى الليالي من عديّ بن حاتمٍ وأنت جوادٌ ما تَعَذّرُ بالعِدْ أبوك جَوادٌ لا يُشَقّ غبارُه وإنْ تفعلوا خيرًا فمثلكمُ فعلْ فإنْ تتقوا شرًّا فمثلكمُ اتّقى قال له عدي : أَمْسِكْ ، لا يبلغ مالي أكثر من هذا . جُودُ سعيد بن العاص : عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري قال : قدم أعرابي المدينة يطلب في أربعِ دياتٍ حملها ، فقيل له : عليك بالحسن بن علي ، عليك بعبد الله (١) المستجاد صـ ٨٢، ٨٣ . تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني ٥٥١ ابن جعفر ، عليك بسعيد بن العاص ، عليك بعبد الله بن العباس ، فدخل المسجد فرأى رجلًا يخرج معه جماعة ، فقال : من هذا ؟ فقيل : سعيد ابن العاص . قال : هذا أحد أصحابي الذين ذُكِرُوا لي ، فمشى معه فأخبره بالذي قدم له ومن ذُكِر له وأنه أحدهم ، وهو ساكت عنه لا يجيبه ، فلما بلغ باب منزله قال لخازنه : قُلْ لهذا الأعرابي فليأت بمنٌّ يُحمل له . فقيل له : ايتِ بمنٌّ يُحمل لك. قال: عافى الله سعيدًا، إنما سألناه وَرِقًا ولم نسأله تمرًا. قال: ويحك، ايت بمنٌّ يُحمل لك، فأخرج إليه أربعين ألفًا ، فاحتملها الأعرابي فمضى إلى البادية ولم يلق غيره(١). ومن جوده : أنه مرض وهو بالشام ، فعاده معاوية ومعه شرحبيل ابن السِّمطِ ، ومسلم بن عقبة المّي ، ويزيد بن شجرة الَّهاوي ، فلما نظر سعيدُ معاوية وثب عن صدر مجلسه إعظامًا لمعاوية ، فقال له معاوية : أقسمت عليك أبا عثمان ألَّا تتحرك ، فقد ضعفت بالعلّة ، فسقط ، فتبادر معاوية نحوه حتى حَنَا عليه وأخذ بيده ، فأقعده على فراشه وقعد معه ، وجعل يُسَائله عن عِلَّته ومنامه وغذائه ، ويصفْ له ما ينبغي أن يتوقَّاه ، وأطال القعود معه ، فلما خرج التفت إلى شرحبيل بن السِّمط ، ويزيد بن شجرة فقال : هل رأيتما خللًا في مال أبي عثمان ؟ فقالا : ما رأينا شيئًا ننكره . فقال لمسلم بن عقبة : ما تقول ؟ قال : رأيت . قال : وما ذاك ؟ قال : رأيت على حشمه ومواليه ثيابًا وسخة ، ورأيت صحن داره غير مكنوس ، ورأيت التُّجار يخاصمون قَهْرَ مانه . قال : صدقت ، كل ذلك قد رأيته . فوجَّه إليه مع مسلم بثلاثمائة ألف . فسبق رسولٌ يُبشّره بها ويخبره بما كان ، فغضب سعيد وقال للرسول : إن صاحبك ظنَّ أنه أحسن فأساء ، وتأوَّل فأخطأ؛ فأما وسخ ثياب الحَشَم فمن كثرة حركته اتَّسخ (١) مكارم الأخلاق صـ ١١٦ - ١١٧ . https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٥٥٢ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني ثوبه ؛ وأما كَنْس الدار فليست أخلاقنا أخلاق من جَعَل داره مِرْآته ، وتزيّنه لبسه ، ومعروفه عطره ، ثم لا يبالي بمن مات هزلاً من ذي لحمة أو حُرمة . وأما منازعة التجار قهرماني ؛ فمن كثرة حوائجه وبيعه وشرائه لم يجد بُدًّا من أن يكون ظالمًا أو مظلومًا ، وأما المال الذي أمر به أمير المؤمنين فوصلتُه كل ذي رَحِم قاطعة ، وَهَنَته كرامته المُنْعَم بها عليه ، وقد قبلناه وأمرنا لصاحبك منه بمائة ألف ، ولشرحبيل بن السمط بمثلها ، وليزيد بن شجرة بمثلها . وفي سعة الله وبسط يد أمير المؤمنين ما عليه مُعَوّلنا . فركب مسلم بن عقبة إلى معاوية فأعلمه . فقال : صدق ابن عمي فيما قال ، وأخطأت فيما انتهيت إليه ، فاجعل نصيبك من المال لروح بن زنباع عقوبة لك ، فإنه من جَنَى جناية عُوقب بمثلها ، كما أنه من فعل خیرًا كُوفىءٍ عليه . وقال له معاوية يومًا : أخبرني عن مَالِكَ ، فقد نبئتُ أنك تتجر فيه ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، لنا مال يَخْرجُ لنا منه فضل ، فإذا كان ما خرج قليلًا أنفقناه على قلّته ، وإن كان كثيرًا فكذلك ، غير أنا لا ندخر منه شيئًا عن مُعْسر ولا طالب ولا مستحمل ، ولا نستأثر منه بفلذة لحم ، ولا مُزعة شحم . قال : فكم يدومُ لك هذا ؟ قال : من السَّنة نصفها . قال : فما تصنع في باقيها ؟ قال : نجد من يسلّفنا ويسارع إلى معاملتنا . قال : ما أحدٌ أحوج إلى أن يُصلح من شأنه منك . قال : إن شأننا لصالح يا أمير المؤمنين ، ولو زدت في مالي مثله ما كنت إلا بمثل هذه الحال . فأمر له معاوية بخمسين ألف درهم وقال : اشْترِ بها ضَيْعةً تُعينك على مروءتك . فقال سعيد : بل أشتري بها حمدًا وذكرًا باقيًا ، أُطعم الجائع ، وأُزوّج بها الأَيِّم ، وأفك العاني ، وأواسي بها الصديق ، وأصلح بها حال الجار . فلم تأت عليه ثلاثة أشهر وعنده منها درهم . فقال معاوية : ما فضيلة بعد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني ٥٥٣ الإِيمان بالله ، هي أرفع في الذكر ، ولا أنبه في الشرف من الجُودٍ ، وحسبك أنَّ الله تبارك وتعالى جعل الجُود أحد صفاته(١). ومن جوده أيضًا ما حكاه الأصمعي قال : كان سعيد بن العاص يَسْمر مع سمّاره إلى أن ينقضي حينٌ من الليل ، فانصرف عنه القوم ليلةً ورجل قاعد لم يقم . فأمر سعيد بإطفاء الشمعة وقال : حاجتك يا فتى ؟ فذكر أن علينا دينًا أربَعَة آلاف درهم ، فأمر له بها ، وكان إطفاؤه للشمعة أكثر من عطائه(٢). قال سعيد بن العاص : قبّح الله المعروفَ إنْ لم يكن ابتدئ من غير مسألةٍ ، فالمعروف ◌ِوضٌ عن مسألة الرجل إذا بذل وجهه ، فقلبه خائف ، وفرائصه ترتعد ، وجبينه يرْشح ، لا يدري أيرجع بنُجْحِ الطلب ، أم بسوء المُنقلب ، قد انتُقِعَ لونه ، وذهب دم وجهه ، اللهم إن كانت الدنيا لها. عندي حظًّا فلا تجعل لي حظًّا في الآخرة . ولله دَرُّ من قال : وما الجودُ مَنْ يعطي إذا ما سألتَه ولكنَّ من يُعطي بغيرِ سُؤالٍ وسأل معاويةُ صعصعة بن صوحان : ما الجود ؟ فقال : التبرع بالمال ، والعطية قبل السؤال . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأصحابه : من كانت له إلَّي منكم حاجة فليرفعها في كتاب لأصون وجوهكم عن المسألة . نعم ، فكل سؤالٍ وإِنْ قَلّ أكثر من نوالٍ وإنْ جَلَّ . (١) العقد الفريد ١ / ٢٩٩ - ٣٠٠. (٢) العقد الفريد ١ / ٣٠٠. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٥٥٤ عبد الله بن عامر بن كُريْز القرشي : عن عبد الله بن عباس رحمه الله قال : لقد رأيت من عبد الله بن عامر منظرًا لوددت أني كنت فعلته ؛ كنا في الربيع في المسجد ، فنشأت سحابة فأمطرت فتقوّضت الحِلَق ، فدعا ابن عامر بطيَالسةٍ ، فألقى على كل رجل من جُلسائه طيلسانًا مطبقًا، ثم لم تلبث أن تَجَلَّتْ، فقال: قوموا بها (١). " ولله دَرُّ ابن عامر حين أقسم : لا يُغلق له باب ، فكانت أبوابه تبيت .(٢) مفتوحة(٢). قال القاضي التنوخي : خرج رجلان من المدينة ، يريدان عبد الله بن عامر بن كُرَيز للوفادة عليه : أحدهما من ولد جابر بن عبد الله الأنصاري ، والآخر من ثقيف ، وكان عبد الله عاملًا بالعراق لعثمان بن عفان رضي الله عنه ، فأقبلا يسيران ، حتى إذا كانا بناحية البصرة قال الأنصاري للثقفي : هل لك في رأي رأيته ؟ قال : اعرضه . قال: نُنيخ برواحلنا ونتوضًا ونصلِّي ركعتين ، نحمد الله عز وجل فيهما على ما قضى من سفرنا . قال له : نعم ، هذا الرأي الذي لا يُردُّ . قال: ففعلا . ثم التفت الأنصاري إلى الثقفي فقال له : يا أَخَا ثقيف ، ما رأيك ؟ قال : وأي موضع رأي هذا ؟ قضيتُ سفري ، وأضنيت بدني ، وأتعبت راحلتي ، ولا مؤمّل دون ابن عامر ، فهل لك من رأي غير هذا ؟ قال : نعم ، إنني لما صليت فكّرت ، فاستحييتُ من ربي أن يراني طالبَ رزقٍ من عند غيره ، ثم قال : اللهم رازق ابن عامر ارزقني من فضلك ، ثم ولّى راجعًا إلى المدينة . ودخل الثقفي إلى البصرة ، فمكث على باب ابن عامر أيامًا ، فلما أذن له دخل عليه ، وكان قد كُتب إليه من (١) لباب الآداب ٩١ - ٩٢ . (٢) لباب الآداب ١١٩ - ١٢٠ . https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني ٥٥٥ المدينة بخبرهما ، فلما رآه رَحَّبَ به وقال : أَلم أُخبر أنّ ابن جابر خرج معك ؟ فأخبره ما كان منهما ، فبكى ابن عامر وقال : والله ما قالها أشرًا ولا بَطَرًا ولكن رأى مَجرى الرزق ومَخْرج النعمة ، فعلم أن الله عز وجل هو الذي فعل ذلك فسأله من فضله ، ثم أمر للثقفي بأربعة آلافٍ وكسوة ، وأضعف ذلك الأنصاري ، فخرج الثقفي وهو يقول : فتيلًا ولا عجزُ الضعيفِ بضائرٍ أمامةُ ما سَعْي الحريصِ بزائدٍ على ثقةٍ منَّا بجُودِ ابن عامرٍ خرجنا جميعًا من مساقط روسنا تأخّر عني اليثربي ابن جابرٍ فلما أنخنا الناعجاتِ ببابه على ما يشاء اليوم للخلقِ قاهرٍ وقال ستكفيني عطيةٌ قادرٍ لَرَبِّي الذي أرجو لِسَدِّ مَفَاقِري فإنَّ الذي أعطى العراقَ ابن عامر وَحَنَّ كما حَنَّت عرابُ الأباعِ فلما رآني قال أين ابن جابرٍ على حَظِّ لهْفَانٍ من الحرص فاغرِ فأضعفَ عبدُ الله إذْ غابٍ حظّه الجود خِلْقَةٌ أَثرتْ عذوبة لذة الثناء على لذة المال ، وهو مِنْ أمهات المحاسن ، ومن الكرم بسبيل خاصة ، وبمكان رفيع من القلوب . خرج عبد الله بن عامر بن كُرَيْزِ رحمه الله من المسجد يريد منزله ، وهو وحده ، فقام إليه غلام من ثقيف فمشى إلى جانبه ، فقال له عبد الله : ألك حاجة يا غلام ؟ قال : سلامتك وفلاحك ، رأيتك تمشي وحدك فقلت : أقيك بنفسي ، وأعوذ بالله إن طار بجناحك مكروه ، فأخذ عبد الله بيده ، ومشى معه إلى منزله ، ثم دعا بألف دينار فدفعها إلى الغلام ، وقال : استنفق هذه ، فَنِعْمَ ما أَدَّبك أهلُك . واشترى رحمه الله من خالد بن عقبة بن أبي معيط دَارَه التي في السوق تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني ٥٥٦ بسبعين ألف درهم ، فلما كان الليل سمع بكاء آل خالد ، فقال لأهله : ما لهؤلاء ؟ قال : يبكون من أجل دارهم . قال : يا غلام ، ائتهم فأعلمهم أن المال والدار لهم جميعًا(١). معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه : قال عبد الله بن نمر: ما رأيتُ أحدًا بعد رسول الله عَ ◌ّلم أجود من معاوية ، وهو أول من أعطى ألف ألف درهم في صدقة . ((قال مصعب الزبيري : حجَّ معاوية بن أبي سفيان ، فلما انصرف مرّ بالمدينة ، فقال الحسين بن علي لأخيه الحسن رضي الله عنهما : لا تَلْقَه ولا تُسَلِّم عليه ، فلما خرج معاوية رضي الله عنه قال الحسن : يا أخي ، إن علينا دَيْنًا ، ولا بُدّ لي أن أذهب إليه ، فلحقه بِئَنِيَّة النول ، وهو منحدر على الوادي ، فَسلِّم عليه وأخبره بديْنه ، فمُرُّوا بِيُخْتِّ عليه ثمانون ألف دينار ، وهو يضلع وهم يزجونه ، فقال معاوية : ما هذا ؟ قالوا : أعيا وعليه المال ، ونحن نزجّه ليلحق ، فقال : اصرفوه إلى أبي محمد ، فدفعه إليه وعليه ثمانون ألف دينار ))(٢). ومن الأجواد: التابعي: عبيد الله بن أبي بَكْرة مولى رسول الله عَ لّه: عن قريش بن أنس قال : وجَّه محمد بن المهلب بن أبي صفرة إلى ◌ُبيد الله بن أبي بكرة أنه أصابتني علّة ، فُوُصف لي لبنُ البقر، فابعث إلَّي ببقرة أشرب من لبنها ، فبعث إليه بسبعمائة بقرة ورُعَاتها ، وقال : القرية التي كانت ترعى فيها لك (٣). (١) لباب الآداب صـ ١٤٣ - ١٤٥. (٢) لباب الآداب صـ ٨٧ . (٣) رواه الذهبي في ((السير))، والمحاملي في ((أماليه))، وابن عساكر، والدار قطني = https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ١ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني ٥٥٧ وعن ابن سيرين قال : اشتكى رجلٌ فوصف له لبن الجواميس ، فبعث إلى عبيد الله بن أبي بكرة : ابعث إلينا بجاموسة ، قال : فبعث إلى قيِّمه: كم حلوب لنا ؟ قال : تسعمائة . قال : ابعث بها إليه ، قال : فلما أتته قال : إنما أردت واحدة . قال : فبعث إليه : اقبضها كلَّها (١). وعن محمد بن عبد الرحمن الهمداني قال : رأى عبيد الله بن أبي بكرة على أبي الأسود الدّيلي جُبَّةً رثَّةً كان يكثر لبسها ، فقال : يا أبا الأسود ، أمَا تَمَلُّ هذه الجبَّة ؟ فقال: لَرُبَّ مَمْلولٍ لا يُستطاع فراقه . قال : فبعث إليه بمائة ثوب . قال أبو الحسن المدائني : لقي ابن أبي بكرة سعيد بن عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد ولَاه معاوية خراسان ، وابن أبي بكرة يريد المدينة ، فرأى خباءً مضروبًا رثًّا ، فقال : لمن هذا ؟ قالوا : لسعيد بن عثمان بن عفان ، يريد خراسان ، فمشى إليه ، وقال : أنت ابن أمير المؤمنين عثمان والي خراسان في هذه الهيئة ، اجعل طريقك بالبصرة ، واكتب إلى وكيلي يجهّزك ، فكتب إلى وكيله سُليم الناصح أن أعطه عشرين ألفًا ، وعشرين عبدًا ، وعشرين بِرْذَونًا، وعشرين بعيرًا، وعشرين طَيْلسانًا ، فظن سعيد ابن عثمان أنه يهزأ به ، فدخل البصرة ، فنزل على مولى لعثمان بن عفان رحمه الله ، وقال : إن ابن أبي بكرة قد كتب إلى وكيله بشيءٍ ، أَفَتراه يُنْفذ ما كتب به ؟ فأرسل إلى وكيله وأعطاه الكتاب ، فقال: أجِّلْني جمعةً ، = في ((المستجاد)). (١) حسن: أخرجه الدارقطني في ((المستجاد))، وابن عساكر ، والذهبي وقال: هذا بعبيد الله أشبه من عبد الرحمن . وهو كذلك لسعة مال عبيد الله وشهرته في السخاء . أ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني ٥٥٨ فَأَجَّلَه ، فأتاه بما في الكتاب ، ثم قال له سليم : ألك حاجة ؟ فقال له سعيد : لو كانت لي حاجة كنتَ تَقْضيها ؟ قال : أمَّا في مثل ما أعطاك مولاي ما كنت لأفعل ، فقال سعيد : ما أدري أيكما أكرم(١). وَوَسَّعَ لعبيد الله بن أبي بكرة رجلٌ في مجلس ، فلما قام قال للرجل : الحقني ، فأمر له بعشرة آلاف درهم . وابتنى رحمه الله دارًا بالبصرة ، أنفق عليها عشرة آلاف دينار ، فدخل عليه فيها بعض أصحابه فاستحسنها ، فقال : هي لك بما فيها من الْفُرُش والأثاث والرقيق ، فقال الرجل : عمَّرها الله بك ومتَّعك بها . فقال : والله لتقبلنَّها ، فقبلها . ودخلت عليه امرأةً وقالت : سألت أحياءَ العرب : مَنْ المرجو نايله ؟ فَأُرسلتُ إليك ودخلت عليك ، وأنا - أصلح الله أمرك - امرأة قد هلك عنها الوالد والولد ، وذهب الطارف والتالد ، ومثلك من يسدُّ الخلة ، ويزيح العلة ، فإمَّا أنْ تُحْسن صَفَدي فتقيمَ أَوَدي ، وإِمَّا أنْ تَردَّني إلى بلدي . فقال : بل أجمعُ لك كلَّ ما ذكرتِ ، وأمر لها بعشرة آلاف درهم وزادٍ وكسوة وراحلة(٢). ومن جوده أنه أدلى إليه رجل بحرمة فأمر له بمائة ألف درهم ، فقال : أصلحك الله ، ما وَصَلَني أحدٌ بمثلها قط ، ولقد قطعت لساني عن شكرٍ غيرك ، وما رأيت الدنيا في يدِ أحدٍ أحسن منها في يدك(٣). وكان رضي الله عنه ينفق على جيرانه أربعين دارًا من كل جانب ، (١) لباب الآداب ٩٠ - ٩١ . الدّر المنضود في ذم البخل ومدح الجود صـ ٧٢ . (٢) (٣) العقد الفريد ١ / ٣٠٠. https://weblessam.blogspot.com/ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد مے صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني ٥٥٩ ويُفْطِر على الكسرة ، وكان يبعث إليهم بالأضاحي والكسوة في الأعياد ، وكان يعتق كلّ سنة في عيد الفطر مائة مملوك(١). جود ◌ُرابة الأوسي : اجتمع جماعةٌ بفناء الكعبة ، فتذاكروا الأجواد ، وتلاحقوا ثلاثة منهم ؛ فقال أحدهم : أجود الناس عبد الله بن جعفر ، وقال أحدهم : أجود الناس قيس بن سعد ، وقال الآخر : أجود الناس عرابة الأوسي . وَكَثْرَ نزاعهم ، فقال رجل : لمضِ كلّ واحدٍ لصاحبه حتى ننظر ما يعطيه ، ونحكم على العيان . فقام صاحب عبد الله ، فصادفه قد وضع رجله في الركاب يريد سفرًا، فقال له: يا ابن عم رسول الله عَ ليه ، ابن سبيل ومنقطع به . فثنى رجله وقال : خذ الناقة بما عليها ، ولا تُخْدع على السيف فإنه من سيوف ابن أبي طالب ، قُوِّم علَّي بألف دينار . فجاء بالناقة بما عليها . ومضى الآخر إلى قيس بن سعد فوجده نائمًا ، فقال غلامه : ما حاجتك ؟ قال : ابن سبيل ومنقطع به ، قال : حاجتك أيسر من أن أُوقظه ، هذا كيسٌ فيه سبعمائة دينار ، والله ما في داره اليوم غيرها ، خذه وامضٍ إلى معاطن الإِبل بغلامه كذا ، إلى من فيها ، فخذْ راحلةً وعبدًا ، وامضٍ لشأنك ، فلمّا انتبه قيس ، وأعلمه غلامه بما صنع أعتقه ، وقال : هَلَا أيقظتني فكنت أزيده . ومضى صاحب عرابة إليه ، فلقِيَه قد خرج من منزله يريد الصلاة ، وهو متوكِّئ على عبدين ، وقد كُفَّ بصره ، فقال : ابن سبيل ومنقطع به . فتخلّى عن الغلامين ، وصفَّق بيديه وقال : أواه !! ما تركت الحقوق لعرابة مالًا ، خذ العبدين ، فقال الرجل : ما كنتُ بالذي أَقُصُّ جَناحَيْك . قال : (١) تنبيه المُغترين للشعراني. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٥٦٠ إن لم تأخذهما فهما حُرّان ، فإنْ شئت خذ وإن شئت فأْتِقِ ، ورفع يديه عنهما ، وتركهما وأقبل يلتمس الحائط بيده ، فأخذ الرجل الغلامين ومضى . فأجمع الناس على أن عرابة أجود الثلاثة ، لأنه أعطى جهدًا من مقلّ وغيره أعطى من سعةٍ وفضل . وفي عرابة يقول الشّماع : إلى العَلْيَاءِ مُنْقطع القرينِ رأيتُ عرابة الأوسيَّ يسمو تلقَّاها عرابةُ باليمينِ(١) إذا ما رأته رفعت لحد قالت الحكماء : القليلُ من القليل أحمد من الكثير من الكثير . وقالوا : جهد المُقِلّ أفضلُ من غِنِى المُكثِرِ . وقيل لبعض الحكماء : من أجودُ الناس ؟ قال : مَنْ جاد عن قلّةٍ ، وصان وجه السائل عن المذلة . حتى تراه غنيًّا وهْو مجهودُ إنّ الكريم لُيُخْفي عنك عُسْرْتَه زُرقُ العيونِ عليها أوْجُهُ سُودُ وللبخيل على أموالهِ عِلَّلٌ وقال حاتم : ويُخصَبُ عندي والمحلّ جَدیبُ أُضاحِكُ ضیفي قبل إنزالِ رَحْلِه ولکنَّما وَجْہ الکریمِ خَصیبُ وَمَا الخِصْبُ للأضیافِ أن يكثر القِرى أُويس القَرَني : عن مغيرة قال : إن كان أويس القرني ليتصدّق بثيابه حتى يجلس عُرِيانًا لا يجد ما يروح فيه إلى الجمعة . (١) الدّر المنضود في ذم البخل ومدح الجود صـ ٧٠ - ٨١ . https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد