Indexed OCR Text

Pages 341-360

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٣٤١
بكلامٍ تعتذر منه ، وأجمع الإِياس مما في أيدي الناس ))(١).
وقال عَ ◌ّةٍ: ((اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت
في صلاته لحري أن يحسن صلاته ، فصل صلاة رجلٍ لا يظن أنه يصلي صلاةً
غيرها ، وإياك وكل أمر يعتذر منه))(٢).
وقال عَ له: ((أفضل الصلاة طول القنوت))(٣).
وقال عَ ◌ّم: ((إن أحدكم إذا قام يصلي إنما يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه))(٤).
وقال عَةٍ: ((صل صلاة مودعٍ كأنك تراه ، فإن كنت لا تراه
فإنه يراك ))(٥).
ومِن عُلُوّ الهمَّةِ في الصلاة مراعاةُ المعاني الباطِنة التي تتمّ بها حياةُ الصلاة :
ويجمعها ستُّ جُمَلٍ، وهي: حضور القلب، والتَّفهُّم، والتعظيم، والهيبة،
والرجاء ، والحياء .
(( أما حضور القلب : فسببه الهمة ، فإن قلبك تابع لهمتك ، فلا
يحضر إلا فيما يهمك، ومهما أهمك أمرٌ ، حضر القلب فيه شاء أم أبى ،
فهو مجبولٌ على ذلك ومسخر فيه ، فلا حيلة ولا علاج لإِحضار القلب إلا
بصرف الهمة إلى الصلاة ، والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض
المطلوب منوطٌ بها ، وذلك هو الإِيمان والتصديق بأن الآخرة خيرٌ وأبقى ،
وأن الصلاة وسيلةٌ إليها ، فإذا أُضيف إلى هذا حقيقة العلم بحقارة الدنيا
(١) صحيح : رواه أحمد وابن ماجه عن أبي أيوب، وصححه الألباني في صحيح
الجامع رقم (٧٤٢) .
(٢) حسن: رواه الديلمي في مسند الفردوس ، وحسنه ابن حجر والألباني في
صحيح الجامع رقم (٨٤٩) .
(٣) رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن جابر ، والطبراني في الكبير عن أبي موسى .
(٤) صحيح : رواه الحاكم عن أبي هريرة ، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (١٥٣٨).
(٥) حسن : رواه أبو محمد الإبراهيمي في الصلاة وابن النجار عن ابن عمر ، وحسنه
الألباني في صحيح الجامع .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣٤٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني
ومهماتها ، حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة . وبمثل هذه
العلة ، يحضر قلبك إذا حضرت بين يدي بعض الأكابر ، ممن لا يقدر
على مضرتك ومنفعتك ، فإذا كان لا يحضر عند المناجاة مع ملك الملوك ،
الذي بيده الملك والملكوت ، فلا تظنن أن له سببًا سوى ضعف الإِيمان .
وأمَّا التَّفهم : فهو اشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ ، وهذا مقام
يتفاوت الناس فيه ، إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات ،
وكم من معانٍ لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة ، ولم يكن قد خطر بقلبه
ذلك قبله ، فيقبل الإِنسان على الفكر في المعاني ، ويتشمر لدفع الخواطر .
والتعظيم : يتولد من : معرفة جلال الله عز وجل وعظمته ، ومعرفة
حقارة النفس وخستها ، وكونها عبدًا مربوبًا مسخرًا ، فيتولد من المعرفتين :
الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه .
وأما الهيبة : فخوف مصدره الإِجلال والتعظيم . وتتولد من المعرفة
بقدرة الله ونفوذ مشيئته .
وأمّا الرجاء : فسببه معرفة لطف الله عز وجل ، وكرمه وعميم
إنعامه ، ولطائف صنعه ، ومعرفة صدقه في وعده بالجنة بالصلاة .
وأمّا الحياء : فباستشعاره التقصير في العبادة ، وعلمه بالعجز عن
القيام بعظيم حق الله عز وجل ، ويقوى ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها ،
وقلة إخلاصها وخبث دخلتها ، وميلها إلى الحظ العاجل ، مع العلم بعظيم
ما يقتضيه جلال الله عز وجل ، وأنه مطلعٌ على السر وخطرات القلب .
وبقدر الإِيمان واليقين بهذه المعاني يخشع القلب))(١).
(١) ملخصًا من إحياء علوم الدين، للغزالي ١٩١/١ - ١٩٢.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد .
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٣٤٣
قال ابن القيم: ((كان بعض السلف يصلي في اليوم والليلة أربعمائة
ركعة ، ثم يقبض على لحيته ويهزها ، ويقول لنفسه : يا مأوى كل سوءٍ ؛
وهل رضيتك لله طرفة عينٍ ... وقال بعضهم : إني لأُصلي ركعتين ، فأقوم
عنهما بمنزلة السارق أو الزاني الذي يراه الناس ، حياءً من الله عز
وجل ))(١) .
وباختلاف المعاني التي ذكرناها في القلوب ، انقسم الناس إلى غافلٍ
يتمم صلاته ولم يحضر قلبه في لحظةٍ منها ، وإلى من يتمم ولم يغب قلبه
في لحظةٍ ، ولذلك لم يحس مسلم بن يسار بسقوط الأُسْطُوانَة في المسجد
واجتماع الناس عليها . وجماعة كانت تصفر وجوههم وترتعد فرائصهم .
وكل ذلك غير مستبعدٍ ، فإن أضعافه مشاهدٌ في همم أهل الدنيا وخوف
ملوك الدنيا ، مع عجزهم وضعفهم ، وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم ،
حتى يدخل الواحد على ملكٍ أو وزيرٍ ويحدثه بمهمته ثم يخرج ، ولو سئل
عمن حواليه ، أو عن ثوب الملك ، لكان لا يقدر على الإِخبار عنه ؛ لاشتغال
همه به ، عن ثوبه وعن الحاضرين إليه ، فحظ كل واحدٍ من صلاته ، بقدر
خوفه وخشوعه وتعظيمه ، فإن موقع نظر الله - سبحانه - القلوب دون
ظاهر الحركات .
صلاة عالي الهِمَّة وحضور قلبه عند كلِّ رُكنٍ وشرطٍ :
أخي : إن كنت من المريدين للآخرة ، فلا تغفل عن الدقائق
الفقهية ، ومتابعة السنة في شروط الصلاة وأركانها ، حتى تمتثل أمر
رسول الله عَ لّم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ... وتستحضر المعاني في
شروط الصلاة من الأذان ، والطهارة، وستر العورة ، واستقبال القبلة
والانتصاب قائمًا ، والنية ...
(١) مدارج السالكين ٩٤/٢ - ٩٥ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٣٤٤
أخي : إن علت همتك صوت بك حادي الخاشعين ، فسرت معهم ،
وإن رمت جوارهم حملوك إلى ديارهم .
عند سماع الأذان : إذا سمعت نداء المؤذِّن ، فأحضر في قلبك هول
النداء يوم القيامة ، وتشمر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة ، فإن
المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر ،
فاعرض قلبك على هذا النداء ، فإن وجدته مملوءًا بالفرح والاستبشار ،
مشحونًا بالرغبة إلى الابتدار ، فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم
القضاء؛ ولذلك قال عَ لّه: ((أرحنا بها يا بلال)).
قال أحد العباد : ما سمعت النداء ، إلَّا تذكرت هول النداء بالعرض
على الله يوم القيامة ... ﴿يومئذٍ تُعرضُون لا تخفى منكم خافية ﴾ [الحاقة:
١٨ ] .
وأمّا الطهارة : فإذا أتيت بها في مكانك وهو ظرفك الأبعد ، ثم
في ثيابك وهي غلافك الأقرب ، ثم في بشرتك وهي قشرك الأدنى ، فلا
تغفل عن لبك الذي هو ذاتك وهو قلبك ، فاجتهد له تطهيرًا بالتوبة والندم
على ما فرطت ، وتصميم العزم على الترك في المستقبل ، فطهر بها باطنك ،
فإنها موضع نظر معبودك .
وأمّا ستر العورة : فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار
الخلق ، فإن ظاهر بدنك موقعٌ لنظر الخلق ، فما بالك في عورات باطنك
وفضائح سرائرك ، التي لا يطلع عليها إلّا ربك عز وجل ؟! فأحضر تلك
القبائح ببالك ، وطالب نفسك بسترها ، وتحقق أنه لا يستر عن عين الله
سبحانه ساتر ، وإنما يغفرها الندم والحياء والخوف ، فتستفيد - بإحضارها
في قلبك - انبعاث جنود الخوف والحياء من مكامنهما ، فتذل بها بنفسك ،
ويستكين تحت الخجلة قلبك ، وتقوم بين يدي الله عز وجل قيام العبد المجرم
المسيء الآبق ، الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكِسًا رأسه من الحياء والخوف .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٣٤٥
وأمّا استقبال القبلة : فهو صرف ظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة
بيت الله تعالى ، أفترى أن صرف القلب عن سائر الأمور إلى الله عز وجل ،
ليس مطلوبًا منك ؟! هيهات فلا مطلوب سواه . وإنما هذه الظواهر تحريكات
للبواطن، وضبط للجوارح ، وتسكينٌ لها بالإِثبات في جهةٍ واحدة ، حتى
لا تبغي على القلب ، فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها ،
استتبعت القلب ، وانقلبت به عن وجه الله عز وجل ، فليكن وجه قلبك
مع وجه بدنك ، فاعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت ، إلّا بالانصراف
عن غيرها ، فلا ينصرف القلب إلى الله عز وجل ، إلّا بالتفرغ عما سواه .
((سئل النبي عَ ◌ّم عن التفات الرجل في صلاته؟ فقال: ((هو
اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد )) . فإذا كان هذا التفات طرفه أو
لحظه ، فكيف التفات قلبه إلى ما سوى الله ؟ هذا أعظم نصيب الشيطان
من العبودية .
وقال ابن مسعود: ((لا يجعل أحدكم للشيطان حظًّا من صلاته ، يرى
أن حقًّا عليه: أن لا ينصرف إلا عن يمينه)). فجعل هذا القدر اليسير النزر
حظًّا ونصيبًا للشيطان من صلاة العبد. فما الظن بما فوقه ؟))(١).
وأمّا الاعتدال قائمًا : فإنما هو مُثُولٌ بالشخص والقلب بين يدي الله
عز وجل ، فليكن رأسك - الذي هو أرفع أعضائك - مطرقًا مطأطئًا
متنكِّسًا ، وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه ، تنبيها على إلزام القلب التواضع
والتذلل والتبري عن الترؤس والتكبر ، وليكن على ذكرك هاهنا ، خطر القيام
بين يدي الله عز وجل في هول المطلع عند العرض للسؤال ، واعلم في الحال
أنك قائمٌ بين يدي الله عز وجل وهو مطلعٌ عليك ، فقم بين يديه قيامك
(١) مدارج السالكين ٩٤/٢ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣٤٦
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله ، بل
قدر في دوام قيامك في صلاتك ، أنك ملحوظٌ ومرقوبٌ بعينٍ كالئةٍ من
رجلٍ صالح من أهلك ، أو ممن ترغب أن يعرفك بالصلاح ، فإنه تهدأ
وتخشع أطرافك عند ذلك ، خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين إلى
قلة الخشوع ، وإذا أحسست من نفسك بالتماسك عند ملاحظة عبدٍ
مسكينٍ ، فعاتب نفسك وقل لها : إنك تدعين معرفة الله وحبه ، أفلا
تستحين من استجرائك عليه ، مع توقيرك عبدًا من عباده ؟! أو تخشين
الناس ولا تخشينه ، وهو أحق أن يخشى ؟! فلم جعلته أهون الناظرين
إليك ؟ أفكان الله عز وجل أهون عليك من بعض خلقه ؟ ! .
قال رسول الله عَ ليه للرجل الذي استوصاه: ((أُوصيك أن تستحيي
من الله كما تستحيي من الرجل الصالح من قومك ))(١).
وأمّا النية : فاعزم على إجابة الله عز وجل في امتثال أمره بالصلاة ،
وإتمامها والكف عن نواقضها ومفسداتها ، وإخلاص جميع ذلك لوجه الله
سبحانه ، رجاءً لثوابه وخوفًا من عقابه وطلبًا للقربة منه ، متقلدًا للمنة منه ؛
بإذنه إياك في المناجاة مع سوء أدبك وكثرة عصيانك ، وعظم في نفسك
قدر مناجاته ، وانظر من تناجي ، وكيف تناجي ، وبماذا تناجي ، وعند هذا
ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل ، وترتعد فرائصك من الهيبة ، ويصفر
وجهك من الخوف ، كما قال ذو النون المصري - رحمه الله - في ذكره
لأعلام الإِيمان: ((وارتعاش القلب عند الفرائض حتى يؤديها)). ((لو رأيت
أحدهم وقد قام إلى صلاته ، فلما وقف في محرابه واستفتح كلام سيده ،
(١) إسناده جيد. رواه أحمد في الزهد، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) من
حديث سعيد بن يزيد بن الأزور ، وقال الألباني : إسناده جيد ، رجاله كلهم
ثقات . انظر الصحيحة رقم (٧٤١) .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٣٤٧
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
خطر على قلبه أن ذلك المقام هو الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين ،
فانخلع قلبه وذهل عقله )).
وأما التكبير : فإذا نطق به لسانك ، فينبغي أن لا يكذبه قلبك ،
فإن كان في قلبك شيءٌ هو أكبر من الله سبحانه ، فالله يشهد إنك لكاذبُ
وإن كان الكلام صدقًا ، فإن كان هواك أغلب عليك من أمر الله عز وجل ،
فأنت أطوع له منك لله تعالى ، فقد اتخذته إلهك وكبرته ، فيوشك أن يكون
قولك: ((الله أكبر)) كلامًا باللسان المجرد، وما أعظم الخطر في ذلك ، لولا
التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرم الله تعالى وعفوه .
وأما دعاء الاستفتاح: فأول كلماته قولك: (( وجهت وجهي
للذي فطر السموات والأرض )) .
فتوجه بقلبك إلى فاطر السموات ، ولا تتوجه به إلى أمانيك وهمك
في البيت والسوق ولا تتبع الشهوات . وإياك أن تكون أول مفاتحتك للمناجاة
بالكذب والاختلاق ، فاجتهد - في الحال - في صرف القلب إلى الله ، وإن
عجزت عنه على الدوام ، فليكن قولك في الحال صادقًا .
وإذا قلت: ((محياي ومماتي لله)) فاعلم أن هذا حال عبدٍ مفقود
لنفسه ، موجود لسيده .
وإذا تعوذت بالله من الشيطان الرجيم ، فاعلم أنه عدوك ومترصدٌ
لصرف قلبك عن الله عز وجل ، حسدًا لك على مناجاتك مع الله عز وجل ،
وسجودك له ، مع أنه لعن بسبب سجدةٍ واحدةٍ تركها ، وأن استعاذتك
بالله سبحانه : بترك ما يحبه وتبديله بما يحب الله عز وجل ، لا بمجرد قولك ،
فإن من قصده سبعٌ ليفترسه ، فقال : أعوذ منك بذلك الحصن الحصين ،
وهو ثابتٌ على مكانه ، فإن ذلك لا ينفعه ، بل لا يعيذه إلَّا تبديل المكان ؛
فكذلك من يتبع الشهوات التي هي محاب الشيطان ومكاره الرحمن ، فلا
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣٤٨
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
يغنيه مجرد القول ، فليقترن قوله بالعزم على التعوذ بحصن الله عز وجل
عن شر الشيطان .
فإذا قرأ الفاتحة ، فليتدبر أنها كما قال رسول الله عَّ لهم: ((أُمّ القرآن
هي السبع المثاني والقرآن العظيم))(١) و((السبع المثاني فاتحة الكتاب))(٢)
وأن (( ﴿ الحمد لله رب العالمين) أُّ القرآن ، وأُم الكتاب ، والسبع
المثاني))(٣) وأن ((أفضل القرآن: ﴿الحمد لله رب العالمين))) (٤). وأنها
أخير سورة في القرآن الكريم ؛ قال عَبية: ((والذي نفسي بيده ، ما أُنزل
في التوراة ، ولا في الإِنجيل ، ولا في الزبور ، ولا في الفرقان مثلها - يعني
أم القرآن - وإنها لسَّبْعٌ من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته ))(٥). وقال
عَّ له: ((ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإِنجيل، مثل أُمِّ القرآن ، وهي
السبع المثاني ، قال الله تعالى : وهي مقسومة بيني وبين عبدي ، ولعبدي
ما سأل))(٦).
وأي فخر للعبد فوق هذا إذا تدبره ، وتدبر أن هذه السورة نزل بها
بفضلها ملكٌ لم ينزل إلى الأرض قبلها قطُّ، وقال لرسولنا عَّ اله: ((أبشر
بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك ، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة )) .
لو لم يكن لك من صلاتك حظّ سوى ذكر الله لك في جلاله
وعظمته ، فناهيك بذلك غنيمة ، فكيف بما ترجوه من ثوابه وفضله ؟!
(١) رواه البخاري عن أبي بكر .
(٢) صحيح : رواه أحمد وأبو داود والترمذي والطحاوي عن أبي هريرة وصححه الألباني.
(٣) صحيح : رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ، وصححه الألباني في صحيح الجامع .
صحيح : رواه الحاكم والبيهقي في الشعب عن أنس ، وصححه الألباني .
(٤)
صحيح : رواه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة ، وصححه الألباني .
(٥)
(٦) صحيح : رواه الترمذي والنسائي عن أبي ، وصححه الألباني في صحيح الجامع
رقم ( ٥٥٦٠) .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٣٤٩
وكيف بالتأمين الذي تحسدنا عليه يهود .
انظر إلى الزاهد في السراري ، التابذ للجواري ، العابد في القفار
والبراري : أبي الحسن أحمد بن أبي الحواري :
((يقول محمد بن عوف الحمصي : رأيت أحمد بن أبي الحواري عندنا
بأنطرسوس(١)، فلما صلى العتمة قام يصلي ، فاستفتح بـ ﴿ الحمد لله ﴾
إلى ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ فطفت الحائط كله ، ثم رجعت ، فإذا
هو لا يجاوزها ، ثم نمت ، ومررت في السحر ، وهو يقرأ: ﴿إياك نعبد
فلم يزل يرددها إلى الصبح))(٢) .
وينبغي أن تحرص على تدبر ما تقرؤه من السور ، فهذا زرارة بن أو فى
لما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿فإذا نُقِر في الناقور ﴾ [المدثر: ٨] خرّ ميتًا
وكان يصلي الصبح، وكان إبراهيم النخعي إذا سمع قوله تعالى: ﴿ إذا
السماء انشقّتْ﴾ [ الانشقاق: ١] اضطرب حتى تضطرب أوصاله ، وحق
له أن يحترق قلبه بوعد سيده ووعيده ، فإنه عبد ذليل بين يدي جبّارٍ قاهِر ،
وتكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم ، ويكون الفهم بحسب وفور العلم
وصفاء القلب ، ودرجات ذلك لا تنحصر ، والصلاة مفتاح القلوب ، فيها
تنكشف أسرار الكلمات ، فهذا حق القراءة ، وهو حق الأذكار والتسبيحات .
والناس في القراءة ثلاثة : رجل يتحرك لسانه وقلبه غافل ، ورجل
يتحرك لسانه وقلبه يتبع اللسان ، فيفهم ويسمع منه كأنه يسمعه من غيره ،
ورجل يسبق قلبه إلى المعاني أولًا ، ثم يخدم اللسان القلب فيترجمه ، ففرْقٌ
(١) بلدة من سواحل بحر الشام .
(٢) سير أعلام النبلاء ٨٥/١٢ - ٩٤ .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني
٣٥٠
بين أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب ، والمقربون
لسانهم ترجمان يتبع القلب ولا يتبعه القلب .
وأما دوام القيام ، فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله عز وجل على
نعتٍ واحد من الحضور ، فإن الله يقبل على المصلي ما لم يلتفت ، وكما
تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات ، فكذلك تجب
حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة ، فإذا التفت إلى غيره ، فذكِّره
باطلاع الله عليه ، وبقبح التهاون بالمناجى عند غفلة المناجي ؛ ليعود إليه ،
وخشوع القلب يثمر خشوع الجوارح فإن الرعية بحكم الراعي .
قال عكرمة في قوله عز وجل: ﴿الذي يراك حين تقوم وتقلُّبك
في الساجدين ﴾ [ الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩ ] : يرى قيامه وركوعه وسجوده ، في
الصلاة يراك وحدك ويراك في الجمع .
وأمّا الركوع والسجود : فينبغي أن تجدد عندهما ذكر كبرياء الله
سبحانه ، وترفع يديك مستجيرًا بعفو الله عز وجل من عقابه ، بتجديد نِيَّةٍ ،
متبعًا سنة نبيه عَّهِ، ثم تستأنف له ذُلًّا وتواضُعًا بركوعك، وتجتهد في
ترقيق قلبك وتجديد خشوعك ، وتستشعر ذلك ، وعزَّ مولاك واتضاعك
وعلَوَّ رَبِّك، وتستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك ، فتسبِّح ربَّك
وتشهد له بالعظمة ، وأنه أعظم من كل عظيم ، وتكرر ذلك على قلبك
لتؤكده بالتكرار ، ثم ترتفع من ركوعك راجيًا أنه راحم لك، ومؤكِّدًا
للرجاء في نفسك بقولك: ((سمع الله لمن حمده))، ثم تُردِف ذلك الشكر
المتقاضي للمزيد فتقول: ((ربنا لك الحمد))، وتكثر الحمد بقولك: ((ملء
السموات وملء الأرض)). ثم تهوي إلى السجود ، وهو أعلى درجات
الاستكانة ، فتمكن أعز أعضائك وهو الوجه ، من أذل الأشياء وهو
التراب ، وإن أمكنك ألّا تجعل بينهما حائلًا فتسجد على الأرض ، فافعل ؛
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني
٣٥١
فإنه أجلب للخشوع وأدل على الذل . وإذا وضعت نفسك موضع الذل ،
فاعلم أنك وضعتها موضعها ، ورددت الفرع إلى أصله ، فإنك من التراب
خلقت وإليه تعود ، فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله وقل: (( سبحان
ربي الأعلى))، وأكده بالتكرار ، فإن الكرّة الواحدة ضعيفة الأثر، فإذا
رق قلبك وظهر ذلك ، فلتصدق رجاءك في رحمة الله ، فإن رحمته
تتسارع إلى الضعف والذل ، فارفع رأسك مكبّرًا وسائلًا حاجتك، وقائلًا:
((ربِّ اغفر وارحم، وتجاوز عمّا تعلم)). ثم أكد التواضع بالتكرار ،
فعد إلى السجود ثانيًا .
وأمّا التَّشهُّد : فإذا جلست له ، فاجلس متأدِّبًا، وصرِّح بأن جميع
ما تدلي به من الصلوات الطيبات ، أي من الصفات الطاهرة لله ، وكذلك
الملك لله وهو معنى التحيات، وأحضر في قلبك النبي عَّه وشخصه الكريم،
وقل: (( السلام على النبي ورحمة الله وبركاته))، وليصدق أملك في أنه
يبلغه ، ثم تسلم على نفسك وعلى جميع عباد الله الصالحين ، ثم تأمل أن
يرد الله سبحانه عليك سلامًا وافيًا بعدد عباده الصالحين ، ثم تشهد له تعالى
بالوحدانية ، ولمحمد نبيه عَ لّه بالرسالة، مجدّدًا عهد الله سبحانه بإعادة
كلمتي الشهادة ، ومستأنفًا للتحصن بها ، ثم ادع في آخر صلاتك بالدعاء
المأثور ، مع التواضع والخشوع ، والضراعة والابتهال ، وصدق الرجاء
بالإِجابة ، وأشرك في دعائك أبويك وسائر المؤمنين ، واقصد - عند التسليم -
السلام على الملائكة والحاضرين ، وانو ختم الصلاة به ، ونِعِمًّا به من ختم
تحسدنا علیه یهود .
واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الطاعة ، وتوهم
أنك موّع بصلاتك هذه، وأنك ربما لا تعيش لمثلها، وقال عَ ◌ّم للذي
أوصاه: ((صلِّ صلاةَ مودِّع)).
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٣٥٢
ثم أشعر قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة ، وخف ألَّا
تقبل صلاتك ، وأن تكون ممقوتًا بذنبٍ ظاهرٍ أو باطن ، فتُردّ صلاتك في
وجهك ، وترجو مع ذلك أن يقبلها بكرمه وفضله .
((كان يحيى بن وثاب ، وهو أقرأ من بال على تراب ، إذا قضى
صلاته مكث مليًّا تعرف فيه كآبة الصلاة)). كما قال الأعمش . وقال
أيضًا: ((كنت إذا رأيته قد جثا ، قلت : هذا وقف للحساب فيقول : أي
رب ، أذنبت كذا فعفوت عني ، فلا أعود ، وأذنبت كذا فعفوت عني ،
فلا أعود ))(١) .
وكان إبراهيم يمكث بعد الصلاة ساعةً كأنه مريض .
وهذ حاتم الأصم : لما سئل عن صلاته ، قال : أقوم إلى صلاتي ،
وأجعل الكعبة بين حاجبي ، والصراط تحت قدمي ، والجنة عن يميني ، والنار
عن شمالي ، وملك الموت ورائي ، أظنها آخر صلاتي .
فهذا تفصيل عالي الهمة من الخاشعين ، الذين هم في صلاتهم خاشعون ،
والذين هم على صلواتهم يحافظون ، والذين هم على صلاتهم دائمون ،
فليعرض الإِنسان نفسه على هذه الصلاة ، فبالقدر الذي يُسّر له منه ، ينبغي
أن يفرح، وعلى ما يفوته ينبغي أن يتحسَّر ، وفي مداراة ذلك ينبغي أن
يجتهد(٢).
(١) السير ٣٧٩/٤ - ٣٨٢.
(٢) ملخصًا من إحياء علوم الدين ١٩١/١ - ٢٠٠.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٣٥٣
عُلُوَ همّة سيِّد العابِدِين عَيه
بأبي وأمي سيّد ولد آدم عَّه، من كانت الصلاة أُنسَهُ وميدانه،
وروحه وريحانه ، ونزهته وبستانه ، ونعيمه وعنوانه .
بأبي وأمي عَّةٍ ... من قال لبلال: (( يا بلال، أقم الصلاة أرحنا
(١)
بها )) (١) .
بأبي وأمي سيّد العابدين عَِّه ((كان إذا حَزَبَهُ(٢) أَمْرٌ صَلّى))(٢).
وبأبي وأمي عَ ◌ّم، من قال: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)).
فإذا سألت عن صلاة الليل وهديه فيها ، فهو سيد المتهجدين ، كما
قالت أم المؤمنين رضي الله عنها: (( وأيكم يطيق ما كان رسول الله عد اله
يطيق )) .
وكما قال ابن مسعود رضي الله عنه: ((صليت مع رسول الله عد اله
فأطال ، حتى هممت بأمر سوءٍ . قال : قيل : وما هممت به ؟ قال : هممت
أن أجلس وأَدَعَهُ)). رواه البخاري ومسلم وابن ماجة .
وعن أنس رضي الله عنه قال: وجد رسول الله عَ لّهِ ذات ليلةٍ شيئًا
فلما أصبح قيل: يا رسول الله، إن أثر الوجع عليك لبيِّنٌ. قال: ((إني
على ما ترون - بحمد الله - قد قرأت السبع الطوال )) (٤).
(١) صحيح . رواه أحمد في مسنده وأبو داود عن رجل من خزاعة ، وصححه
الألباني في صحيح الجامع رقم (٧٦٦٩) ومشكاة المصابيح رقم (١٢٥٣).
(٢) أي أصابته شدة .
(٣) حسن: رواه أحمد وأبو داود عن حذيفة، وحسنه الألباني في صحيح الجامع
رقم (٤٧٠٣) .
(٤) صحيح . أخرجه أبو يعلى والحاكم في كتاب صلاة التطوع ، وقال : صحيح
على شرط مسلم . ووافقه الذهبي .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٣٥٤
أما بكاؤه وخشوعه عَربيّةٍ :
فعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: ((أتيتُ رسول الله عَ لَّه
وهو يصلي وفي صدره أزيزٌ كأزيز المرجل من البكاء))(١).
وعن عطاء قال: دخلت أنا وعبد الله بن عمير على عائشة - رضي الله
عنها - فقال عبد الله بن عمير : حدثينا بأعجب شيءٍ رأيتيه من رسول الله
عَ ◌ّله. فبكت وقالت: قام ليلةً من الليالي فقال: (( يا عائشة، ذريني أتعبد
لربي . قالت : قلت : والله إني لأُحبُّ قربك، وأُحب ما يسرك . قالت :
فقام فتطهر ، ثم قام يصلي ، فلم يزل يبكي حتى بَّل حجره ، ثم بكى ،
فلم يزل يبكي حتى بّ الأرض ، وجاء بلال يؤذن للصلاة ، فلما رآه
بيكي ، قال : يا رسول الله ، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك
وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا. لقد نزلت علَّي الليلة آياتٌ،
ويُلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿ إن في خلق السموات والأرض .... ﴾
الآية [ آل عمران: ١٩٠ ]))(٢).
وربما قام الليل كله بآيةٍ حتى الصباح :
وعند ابن ماجة وابن خزيمة: «قام النبي عَّةٍ بآيةٍ حتى أصبح يرددها
والآية: ﴿ إن تعذّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز
الحكيم ﴾ [المائدة: ١١٨ ])) (٣).
بأبي وأمي سيد المتهجدين عديدة.
عن المغيرة بن شعبة : أن النبي عَويّةٍ صلى حتى انتفخت قدماه ، فقيل
(١) صحيح. رواه أبو داود والترمذي في الشمائل، وصححه النووي والألباني .
(٢) إسناده جيد. رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي عٍَّ))، وابن حبان في
صحيحه ، وصححه الألباني .
(٣) حديث صحيح .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٣٥٥
له : أتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر ؟ فقال :
(( أفلا أكون عبدًا شكورًا))(١).
وعند البخاري: ((إن كان النبي عَ له ليقوم - أو ليصلي - حتى ترم
قدماه - أو ساقاه - فيقول: (( أفلا أكون عبدًا شكورًا)).
وعند مسلم : حتى ورمت قدماه . وعند مسلم : حتى تفطر
رجلاه .
وعند النسائي : حتى تزلع ؛ يعني تشقق قدماه .
بأبي وأمي رسول الله عَ لّه ، من كان له القدح المعَلَّى، ومن قالت
في طول اجتهاده أم المؤمنين رضي الله عنها: (( ما لكم وصلاته عَ لّه)).
قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه في رسولنا عد له:
إذا استثقلتْ بالمشركين المضاجِعُ
يَبِيتُ يُجافي جَنْبَهُ عن فراشِهِ
وقال شوقي رحمه الله :
إلّا بِدَمْع من الإشفاق مُنْسَجِمٍ
مُحْيِي الليل صلاةً لا يُقَطّعُها
ضرّا من السُّهْد أو ضُّا من الوَرَمِ
مُسَبِّحًا لك ◌ُنْحَ الليلِ محتملًا
وما على الحُبّ إن أخلصتَ مِنْ سَأَمْ (٢)
رضيَّةً نَفْسه لا تشتكي سَأْمًا
وهديه عٍَّ في التهجد وقيام الليل ، أفردنا له بابًا كاملًا في كتابي
السابق ((رهبان الليل))، وهو إن شاء الله كافٍ في صلاة رسولنا عَ لّه ليلًا.
علوّ همّة رسولنا عَ لّه وحرصه على صلاة الجماعة :
كان صلوات ربي وسلامه عليه أشد الناس اهتمامًا بها ، حتى في أشد
الأحوال وأصعبها .
(١) رواه البخاري ومسلم - واللفظ له - والترمذي والنسائي.
(٢) الشوقيات لأمير الشعراء ٢٠٧/١ طبع المكتبة التجارية الكبرى .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٣٥٦
قيامه عَّ اله بأداء الصلاة مع الجماعة في شدّة المعركة :
روى الإمام مسلم ، عن جابر رضي الله عنه قال: ((غزونا مع
رسول الله عَ لّ قوما من جُهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلمّا صلينا الظهر
قال المشركون : لو ملنا عليهم ميلةً واحدة لاقتطعناهم . فأخبر جبريل
رسول الله عَ ◌ّه بذلك، فذكر ذلك لنا رسول الله عَ ◌ّه. قال: وقالوا:
إنهم ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد . فلما حضرت العصر ،
قال : صفّنا صفّين ، والمشركون بيننا وبين القبلة . قال : فكبر رسول الله
حَ لّه وكبرنا، وركع فركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول ، فلما
قاموا ، سجد الصف الثاني ، ثم تأخّر الصف الأول ، وتقدم الصف الثاني
فقاموا مقام الأول ، فكبّر رسول الله عَّ له وكبّرنا، وركع فركعنا، ثم سجد
وسجد معه الصف الأول ، وقام الثاني ، فلما سجد الصف الثاني ، ثم جلسوا
جميعًا سلم عليهم رسول الله عَ ليهِ)).
((ويتجلى في هذا الحديث اهتمام الرسول الكريم عَ ةٍ بصلاة الجماعة
من عدة وجوهٍ ، منها :
أولًا: أدى رسول الله عَ له صلاة الظهر مع الجماعة أثناء قتالٍ مع
قوم من جهينة ، وكانوا قد قاتلوا المسلمين قتالًا شديدًا .
ثانيًا : أن الاطلاع على قرار المشركين بالإِغارة على المسلمين دفعة
واحدة، أثناء تأديتهم صلاة العصر مع الجماعة، لم يقلل من اهتمامه عد اله
بأدائها في الجماعة .
هذا ولا يظنن أحد أن النبي الكريم عَّ صلى مع الجماعة أثناء
المعركة ، في يوم واحد فقط ، بل إنه عليه الصلاة والسلام صلّاها في أيام
مختلفة ، ومواطن عدة .
يقول الخطابي: ((صلاة الخوف أنواع، وقد صلاها رسول الله عَ ليه
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٣٥٧
في أيام مختلفة وعلى أشكال متباينة ))(١).
((كما ذكر ابن القصار المالكي أن النبي عَ ◌ّهِ صلّاها في عشرة مواطن)).
وذكر الإمام أبو بكر ابن العربي أنه ثبت عن النبي عَ ليه، أنه صلّى
صلاة الخوف مرارًا عدة بهيئاتٍ مختلفة ، فقيل في مجموعها : إنها أربع
وعشرون صفة، ثبت فيها ست عشرة صفة)) (٢)(٢).
علوّ همّته في الخروج إلى صلاة الجماعة مع شدة مرضه :
روى البخاري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة : قال : دخلت
على عائشة - رضي الله عنها - فقلت : ألا تحدثيني عن مرض رسول الله
عَّهِ؟ قالت: بلى، ثقل النبّ عَ لِ فقال: ((أصلَّى الناس؟)) قلنا: لا، هم
ينتظرونك. قال: ((ضعوا لي ماءً في المِخْضب)) (٤). قالت : ففعلنا،
فاغتسل فذهب ليّنُوءَ(٥) فأغمي عليه، ثم أفاق عَّ له فقال: ((أصلى الناس؟)).
قلنا: لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ((ضعوا لي ماء في المخضب)).
قالت : فقعد فاغتسل ، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق فقال: ((أصلّى
الناس؟)). قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال عَّ له: ((ضعوا
لي ماء في المخضب)). فقعد فاغتسل ، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق،
فقال: ((أصلّى الناس؟)) فقلنا: لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله . والناس
عكوف في المسجد، ينتظرون النبي عَ ◌ّم لصلاة العشاء الآخرة ، فأرسل
النبي عٍَّ إلى أبي بكر - رضي الله عنه - بأن يصلي بالناس . فأتاه
(١) معالم السنن ٢٦٩/١.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤٩١/١.
(٣) أهمية صلاة الجماعة ، للدكتور فضل إلهي ص٦٦ - ٦٧ .
المِخْضَب أي الإِجانة .
(٤)
ليقوم لفظا ومعنى .
(٥)
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
٣٥٨
الرسول فقال: إن رسول الله عَ ليه يأمرك أن تصلي بالناس. فقال أبو بكر
رضي الله عنه- وكان رجلًا رقيقًا -: يا عمر، صلِّ بالناس . فقال له عمر -
رضي الله عنه -: أنت أحقُ بذلك. فصلى أبو بكر تلك الأيام ...
الحديث(١).
الله أكبر ... كم كان صلوات ربي وسلامه عليه حريصًا على حضور
صلاة الجماعة ، يشتد مرضه فيغتسل ، ثم يُغمى عليه فيفيق ، فيغتسل للمرة
الثانية، ثم يُغمى عليه فيفيق، فيغتسل للمرة الثالثة، كل ذلك لعله عَ ل
يكسب نشاطًا يمكنه - بفضل الله تعالى - من حضور صلاة الجماعة في
المسجد ، ثم يُغمى عليه فيفيق ، فيجد نفسه غير قادرٍ على الذهاب إلى
المسجد ، فيرسل إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - كي يصلي
بالناس ... وليس هذا فحسب ، بل نجده عَ ◌ّم يخرج إلى صلاة الجماعة في
المسجد ، حينما وجد من نفسه خفَّةً .
فكيف كانت الخفّة ، وكيف كان خروجه عليه الصلاة والسلام ،
كي نتصور ذلك ، فلنقرأ ما رواه الإِمام البخاري ، عن عائشة رضي الله
عنها: ((فوجد النبي عَّ من نفسه خفّة، فخرج يُهادَى(٢) بين رجُلْيْن،
كأني أنظر رجليه تخطان(٣) من الوجع .... )) (٤). الحديث .
سبحان الله ... لم يكن عَ ظُلّم يتمكن من المشي إلّا اعتمادًا على
رجُلْيْن ، وحتى بعد ذلك ، لم يكن يقدر على تمكين رجليه على الأرض ؛
(١) صحيح البخاري ، كتاب الأذان ، باب : إنما جعل الإِمام ليؤتم به .
(٢) أي يعتمد على الرجلين متمايلًا في مشيه من شدة الضعف .
(٣) لم يكن يقدر على رفعهما من الأرض .
(٤) صحيح البخاري ، كتاب الأذان ، باب : حد المريض أن يشهد الجماعة .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٣٥٩
نظرًا لشدة ضعفه ، لكنه مع هذا كله خرج إلى صلاة الجماعة في المسجد (١).
(١) أهمية صلاة الجماعة ، للدكتور فضل إلهي ص٦٨ - ٦٩ .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٣٦٠
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
علوّ همَّة السلف وعنايتهم بصلاة الجماعة (١)
لسلف الأمة من الصحابة ومن بعدهم - رضي الله عنهم - مواقف
تدل على علو هممهم وعنايتهم بصلاة الجماعة ، وحرصهم على دعوة الآخرين
لأدائها ، ويتجلى ذلك في :
اختيار مكان بعيد من المسجد كي يكثر الثواب .
١-
المسارعة إلى صلاة الجماعة .
ب -
المداومة على حضور صلاة الجماعة .
جـ -
حضور صلاة الفجر ليلة الزواج .
د -
ترك العلاج حرصًا على جماعة العشاء والفجر .
هـ -
حضور المرضى صلاة الجماعة .
و -
الذهاب إلى المسجد في أصعب الظروف .
ز -
الحرص على الموت في انتظار صلاة الجماعة .
ح -
الذهاب إلى مسجد آخر عند فوات جماعة في مسجد .
ط -
حثّ الابن على ملازمة المسجد .
ی -
مساءلة الابن عن حضور صلاة الجماعة .
ك -
تأديب الابن على التأخّر عن صلاة الجماعة .
ل -
الدعوة إلى المحافظة على صلاة العشاء والفجر في جماعة في المرض الأخير .
م -
ن -
اهتمام ولي أمر المسلمين بصلاة الجماعة .
اختيار مكانٍ بعيد من المسجد كي يكثُر ثوابُه :
روى الإمام مسلم ، عن أبّ بن كعب - رضي الله عنه - قال :
(١) للدكتور فضل إلهي في كتابه ((أهمية صلاة الجماعة)) فصلٌ طيب، أتينا بالكثير
منه تحت هذا العنوان ، والله يُثيبه خيرا على جمعه .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/