Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
بأبي هو وأمي عَ ◌ِّ، ما أعلى همته في الدعوة إلى الله التي جرت
في جسده مجرى الدم .. بل قام بها وهو ينتقل من الدار الفانية إلى الدار
الباقية حيث الرفيق الأعلى. وعلى طريقه عَّ له في الدعوة وبذل الجهد
فيها ، سار صحابته الكرام وأُمته .
الصِّدِّيق رضي الله عنه أوّل خطيبٍ في الإِسلام :
عن عائشة رضي الله عنها قالت: لمَّا اجتمع أصحابُ النبي ◌َّةِ،
وكانوا ثمانية وثلاثين رجلًا، ألحّ أبو بكرٍ على رسول الله عَ ◌ّةٍ في الظهور ،
فقال: (( يا أبا بكر، إنا قليل)) . فلم يزل أبو بكر يُلحّ حتى ظهر رسول الله
◌َ ◌ّه وتفرّق المسلمون في نواحي المسجد ، كل رجلٍ في عشيرته ؛ وقام
أبو بكر في الناس خطيبًا، ورسول الله عَ ليه جالس، فكان أول خطيب
دعا إلى الله وإلى رسول الله عَ ◌ّه ، وثار المشركون على أبي بكرٍ وعلى
المسلمين ، فضربوا في نواحي المسجد ضربًا شديدًا، وَوُطِىءَ أبو بكرٍ ،
وضُرِب ضربًا شديدا ، ودنا منه الفاسق عُتبة بن ربيعة ، فجعل يضربه بنعلين
مخصوفتين ، ويُحرِّفهما لوجهه ، ونزا على بطن أبي بكر ، وحملتْ بنو تيم
أبا بكرٍ في ثوبٍ حتى أدخلوه منزله ، ولا يشكُّون في موته ، ثم رجعت بنو
تميم فدخلوا المسجد ، وقالوا : والله لئن مات أبو بكر ، لنقتُلنَّ عتبة بن
ربيعة ، فرجعوا إلى أبي بكر ، فجعل أبو قحافة وبنو تميم يكلِّمون أبا بكرٍ
حتى أجاب ، فتكلّم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله عَ ◌ّهِ ؟ فمستوا
منه بألسنتهم وعذلوه ، ثم قاموا وقالوا لأُمّه أُمّ الخير : انظري أن تُطعميه
شيئًا أو تسقيه إياه ، فلمّا خلت به ألحّتْ عليه ، وجعل يقول : ما فعل
رسول الله عَ لّه ؟ فقالت: والله ما لي عِلْمُ بصاحبك. فقال: اذهبي إلى
أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه ، فخرجت حتى جاءت أم جميل ،
فقالت : إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله ؟ فقالت : ما أعرف
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٢
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
أبا بكرٍ ولا محمد بن عبد الله ، وإن كنت تحبّين أن أذهب معك إلى
ابنك . قالت : نعم ، فمضتْ معها حتى وجدت أبا بكرٍ صريعًا دَنِفًا (١)؛
فدنت أُّ جميل وأعلنتْ بالصِياح وقالت: والله إن قومًا نالوا هذا منك لَأَهْلُ
فسقٍ وكُفر ، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم . قال : فما فعل رسول الله
عَّ الَه ؟ قالت : هذه أُمُّك تسمع. قال: فلا شيءٍ عليكِ منها . قالت: سالمٌ
صالحٌ . قال : أين هو ؟ قالت : في دار ابن الأرقم . قال : فإن الله علّ
أن لا أذوق طعامًا ولا أشرب شرابًا، أو آتي رسول الله عَ ليه. فأمهلتا حتى
إذا هدأتِ الرِّجْل وسكن الناسُ ، خرجتا به يتكىء عليهما حتى أدخلتاه على
رسول الله عَ لَّه. قال: فأكبَّ عليه رسولُ الله فقبّله، وأكبّ عليه
المسلمون، ورقٌ له رسول الله عَ لّمه رقّةً شديدة . فقال أبو بكر : بأبي وأمي
يا رسول الله ، ليس بي بأسٌ إلا ما نال الفاسق من وجهي ، وهذه أُمّي
بَرَةٌ بولدها ، وأنت مبارَكٌ فادْعها إلى الله وادْعُ الله لها ، عسى أن بستنقذها
بك من النار. قال: فدعا لها رسول الله عَّةٍ، ودعاها إلى الإِسلام
فأسلمتْ ، وأقاموا مع رسول الله عَ ليهِ في الدار شهرًا، وهم تسعة وثلاثون
رجلً(٢).
يا دعاة الإِسلام : هذا هو الصديق - رضي الله عنه - يدعو إلى الله ،
فيُضرب بالنعال ، ما يصدّه ذلك عن الدعوة .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لقد ضربوا رسول الله عَ ليه
مَرَّة حتى غُشي عليه ، فقام أبو بكرٍ رضي الله عنه فجعل يُنادي : ويلكم
أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله ﴾ فقالوا: من هذا؟ فقالوا : أبو بكر
(١) الدَّنِف: هو المريض الذي لزمه المرض .
(٢) رواه الحافظ أبو الحسن الأطرابلسي . انظر حياة الصحابة للكاندهلوي ١/
٢٥٩ - ٢٦١ .
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٤٣
المجنون(١).
وزاد البزار : فتركوه وأقبلوا على أبي بكر .
الصِّدِّيق الذي سمّاه الله في السماء صدّيقا ، يُسمّيه المشركون
المجنون ، وهو يدعو إلى الله !! ولكنّها الدعوة والصبر عليها وعلو الهمة فيها .
((قال ابن إسحاق : فلمّا أسلم أبو بكر - رضي الله عنه - وأظهر
إسلامه ، دعا إلى الله عز وجل ، وكان أبو بكر رجلًا مألفًا لقومه محبًّا
سهلًا، وكان أَنْسَبَ قريشٍ لقريش، وأَعْلَمَ قريشٍ بما كان فيها من خيرٍ
وشرّ ، وكان رجلًا تاجرًا ذا خلقٍ ومعروف ، وكان رجال قومه يأتونه
ويألفونه لغير واحدٍ من الأمر ؛ لِعِلْمه وتجارته وحُسن مُجالسته ، فجعل يدعو
إلى الإِسلام مَنْ وَثِق به من قومه، ممّن يغشاه ويجلس إليه ، فأسلم على
يديه - فيما بلغني - الزبير بن العوام ، وعثمان بن عفان ، وطلحة بن
عبيد الله ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنهم ،
فانطلقوا إلى رسول الله عَ له ومعهم أبو بكرٍ ، فعرض عليهم الإِسلام، وقرأ
عليهم القرآن ، وأنبأهم بحق الإِسلام ، فآمنوا . وكان هؤلاء النفر الذين
سبقوا في الإِسلام صدقوا رسول الله عَ ليه وآمنوا بما جاء من عند الله))(٢).
فلله درّ الصديق الداعية الذي أسلم على يديه خمسة من العشرة
المبشرين بالجنة .
روى البخاري عن عروة بن الزبير : سألتُ ابنَ العاص فقلتُ :
أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله عَ لٍ؟ قال: بينما النبي عَ له
يصلّي في حجر الكعبة إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط ، فوضع ثوبه على
(١) رواه أبو يعلى وأخرجه أيضًا البزار، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
وأخرجه الحاكم وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرّجاه .
(٢) البداية والنهاية لابن كثير ٢٩/٣.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثانيّ
٤٤
عنقه فخنقه خنقًا شديدًا ، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ،
ودفعه عن النبي عَ ◌ّةٍ وقال: ﴿أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم
بالبينات من ربكم ﴾ الآية .
وهذا بلال بن رباح رضي الله عنه : يعذّبونه في الرمضاء ، وقد
وضعوا الصخر على صدره ، وتركوه لأطفال مكة في طرقاتها ، فيجهر
بنشيده القدسي : أحد أحد .
وفاروق الإِسلام عمر بن الخطاب الذي كان أشدّ قسوة على المستضعفين ،
وأبعدهم عن الإِسلام ، حتى قال عنه عامر بن ربيعة قبل إسلامه : لا يُسلم
حتى يسلم حمار الخطاب . يُسلم ويعزّ به الإِسلام ، ويجهر بالدعوة إلى الله
عز وجل .
روى البخاري ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ما زلنا أعزّةً
منذ أسلم عمر بن الخطاب .
وقال ابن مسعود : إن إسلام عمر كان فتحًا ، وإن هجرته كانت
نصرًا ، وإن إمارته كانت رحمةً ، ولقد كنّا وما نصلّي عند الكعبة ، حتى
أسلم عمر ، فلما أسلم عمر ، قاتَلَ قريشًا، حتى صلّى عند الكعبة وصلّيْنا
معه .
عمر - رضي الله عنه - الذي اتّبع المجالس التي كان يجالس فيها
بالكفر ، فلا يبقى مجلس منها إلا أظهر فيه الإِيمان ودعا إلى الله عز وجل .
((عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر قال: أيّ قريش أنْقُلُ للحديث ؟
فقيل له : جميل بن معمر الجُمحي ، فعدا عليه ، قال عبد الله : وغدوتُ
أتبع أثره وأنظر ما يفعل - وأنا غلامٌ أعْقِل كلّ ما رأيت - حتى جاءه فقال
له : أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد عَّ له. قال: فوالله
ما راجعه حتى قام يجرّ رداءه ، واتّبعه عمر ، واتّبعتُه أنا حتى قام على باب
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٤٥
المسجد ، صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريشٍ - وهم في أنديتهم حول
الكعبة - ألا إن ابن الخطاب قد صبأ . قال : يقول عمر مِنْ خلفه :
كذب ، ولكني قد أسلمتُ ، وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا
رسول الله . وثاروا إليه ، فما برح يُقاتلهم ويقاتلونه ، حتى قامت الشمس
على رؤوسهم . قال : وطلح(١) فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول : افعلوا
ما بدا لكم ، فأحْلِف بالله أن لو قد كُنّا ثلاثمائة رجلٍ ، لقد تركناها لكم
أو تركتموها لنا . قال : فبينما هم على ذلك ، إذ أقبل شيخ من قريش ، عليه
حُلَّة حبرة وقميصٌ موشى ، حتى وقف عليهم ، فقال : ما شأنكم ؟ فقالوا :
صبأ عمر ، قال : فمه ؟! رجلٌ اختار لنفسه أمرًا ، فِماذا تريدون ؟! أترون
بني عدي يُسلمون لكم صاحبهم هكذا ؟ خَلُّوا عن الرجل . قال : فوالله
لكأنّما كانوا ثوبًا كشط عنه . قال : فقلت لأبي ، بعد أن هاجر إلى المدينة :
يا أبَهْ ، من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك ؟
قال : ذاك - أي بُنَّي - العاص بن وائل السهمي))(٢).
ابن مسعود - رضي الله عنه - أول من جهر بالقرآن بعد النبي عَبي :
عن عروة بن الزبير قال : أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله
حَ لّ عبد الله بن مسعود فللَّه درّه(٢).
علو همة علي - رضي الله عنه - في الدعوة إلى الله عز وجل :
عن البراء أن رسول الله عَ ليه بعث خالد بن الوليد - رضي الله عنه -
إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإِسلام . قال البراء : فكنت فيمن خرج مع خالد
(١) أى أعْيَا كما في النهاية .
(٢) البداية والنهاية لابن كثير ٧٩/٣. وقال ابن كثير: إسناده جيد قوي.
(٣) أخرجه ابن حجر في الإصابة ، ورجاله ثقات ، والذهبي في سير أعلام النبلاء
٤٦٦/١، وابن هشام ٣١٤/١ مطولًا .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني
٤٦
ابن الوليد ، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإِسلام ، فلم يجيبوه ، ثم إن
رسول الله عَ ليه بعث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأمره أن يُقْفِل
خالدًا ، إلَّا رجلا كان ممن مع خالدٍ ، فأحبّ أن يعقب مع علِّ ، فليعقب
معه . قال البراء : فكنت فيمن عقب مع علّ ، فلما دنونا من القوم ،
خرجوا إلينا ، ثم تقدم فصلّى بنا علّي، ثم صفّنا صفًّا واحدًا ثم تقدم بين.
أيدينا، وقرأ عليهم كتاب رسول الله عَ ليه فأسلمت همدان جميعًا، فكتب علّ
إلى رسول الله عَ ◌ّ بإسلامهم. فلمّا قرأ رسول الله عَ لّه الكتاب خرّ
ساجدًا ثم رفع رأسه فقال: (( السلام على همدان! السلام على
(١)
همدان!)).
دعوة عبد الرحمن بن عوف إلى الله عز وجل :
أخرج الدارقطني عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : دعا النبي
صَ لِّ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقال: ((تجهّزْ فإني باعثك في
سرية)) . فذكر الحديث ، وفيه : فخرج عبد الرحمن حتى لحق بأصحابه ،
فسار حتى قدم دومة الجندل ، فلمّا دخلها دعاهم إلى الإِسلام ثلاثة أيامٍ ،
فلما كان اليوم الثالث أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي - رضي الله عنه -
وكان نصرانيًّا وكان رأسهم . فكتب عبد الرحمن مع رجلٍ من جُهينة - يقال
له رافع بن مكيث - إلى النبي عَ له يخبره، فكتب إليه النبي عَ لّه، أنْ
تزوّج ابنة الأصبغ ، فتزوّجها ، وهي تماضر التي ولدت له بعد ذلك أبا سلمة
ابن عبد الرحمن(٢).
مصعب بن عمير بن هاشم ، السيد الشهيد السّابق البدري القرشي
العبدري :
قال البراء بن عازب: ((أوَّل من قدم علينا مصعب بن عمير ، وابن
(١) أخرجه البيهقي، ورواه البخاري مختصرًا. كذا في البداية ١٠٥/٥.
(٢) الإصابة في تراجم الصحابة ١٠٨/١.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٤٧
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
أُمّ مكتوم، وكانوا يُقرئون الناس)). رواه البخاري ... سبحان الله! ما منع العمى
ابن أُمَّ مكتوم عن الدعوة إلى الله والخروج من مكة إلى المدينة لتعليم الناس .
بعث رسول الله عَ لّ مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار إلى
المدينة ؛ ليعلمهم كتاب الله ، فنزل بني غنم ، على أسعد بن زرارة يحدِّثهم
ويقصّ عليهم القرآن ، فلم يزل مصعب عند سعد بن معاذ ، يدعو ويهدي
الله على يديه ، حتى قّ دارٌ من دور الأنصار إلّا أسلم فيها ناسٌ لا محالة ،
وأسلم أشرافهم ، وأسلم عمرو بن الجموح ، وكسرت أصنامُهم ، ورجع
مصعب بن عمير إلى رسول الله عَ ليه، وكان يُدعى المقرىء.
قال ابن إسحاق : وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب وعبد الله
ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب
ابن عمير يُريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر ، وكان سعدُ بن معاذ
ابن خالة أسعد بن زرارة فدخل به حائطًا من حوائط بني ظفر ، على بئرٍ
يُقال له : بئر مرق ، فجلسا في الحائط ، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم ،
وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير سيّدا قومهما من بني عبد الأشهل ،
وكلاهما مشركٌ على دين قومه ، فلمّا سمعا به قال سعدٌ لأُسيد : لا أبا
لك ، انطلق إلى هذين الرجلين ، اللذين قد أتيا دارينا ليُسفِّها ضعفاءنا
فازجرهما ، وانههما أن يأتيا دارينا ، فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث
قد علمت ، كفيتك ذلك ، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدمًا . قال :
فأخذ أسيد بن حضير حربته ، ثم أقبل إليهما ، فلمّا رآه أسعد بن زرارة
قال لمصعب : هذا سيّد قومه وقد جاءك ، فاصدق الله فيه . قال مصعب :
إنْ يجلس أُكلّمه. قال: فوقف عليهما مُتشتِّمًا (١)، فقال: ما جاء بكما
(١) أي متلفّظًا بقبيح الكلام .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٨
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
س
إلينا تُسفهان ضعفاءنا عنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة . وقال
موسى بن عقبة : فقال له : علام أتيتنا في دارنا بهذا الرعيد الغريب الطريد ؟
ليتسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه . قال ابن إسحاق : فقال له مصعب :
أو تجلس فتسمع ، فإن رضيت أمرًا قبلته ، وإن كرهته كفَّ عنك ما
تكره ؟ قال: أنصفت . قال : ثم ركّز حربته وجلس إليهما ، فكلّمه
مصعب بالإِسلام ، وقرأ عليه القرآن ، فقالا فيما يُذكر عنهما : والله لعرفنا
في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله . ثم قال : ما أحسن
هذا وأجمله ، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له :
تغتسل فتطهر ، وتطهر ثوبيك ، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي . فقام
فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق ، ثم قام فركع ركعتين ، ثم قال
لهما : إن ورائي رجلًا إن اتبعكما ، لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله
إليكما الآن : سعد بن معاذ . ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه ،
وهم جلوس في ناديهم ، فلما نظر إليه سعد مقبلًا ، قال : أحلف بالله ،
لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف على
النادي قال له سعد : ما فعلت ؟ قال : كلمت الرجلين ، فوالله ما رأيت
بهما بأسًا ، وقد نهيتهما فقالا : نفعل ما أحببت ، وقد حدثت أن بني حارثة
خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك
ليحقروك . قال : فقام سعد بن معاذ مغضبًا مبادرًا مخوفًا ؛ للذي ذكر له
من بني حارثة ، وأخذ الحربة في يده ثم قال : والله ما أراك أغنيت شيئًا .
ثم خرج إليهما سعدٌ ، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدًا إنما أراد أن
يسمع منهما ، فوقف متشتما ، ثم قال لأسعد بن زرارة : والله يا أبا أمامة ،
والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ، ما رمت(١) هذا مني ، أتغشانا في
(١) ما بلغت هذا مني .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٤٩
دارنا بما نكرهُ ؟ قال : وقد قال أسعد لمصعب : جاءك والله سيد من ورائه
قومه ، إن يتبعك لا يتخلف عنك اثنان . قال : فقال له مصعب : أو تقعد
فتسمع ، فإن رضيت أمرًا رغبت فيه ، قبلته ، وإن كرهته عزلنا عنك ما
تكره ؟ قال سعد : أنصفت . ثم ركز الحربة وجلس ، فعرض عليه
الإِسلام ، وقرأ عليه القرآن ، وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول
الزخرف . قال : فعرفنا والله في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم ؛ في إشراقه
وتسهله ، ثم قال لهما : كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا
الدين ؟ قالا : تغتسل ، فتطهر ، وتطهر ثوبيك ، ثم تشهد شهادة الحق ،
ثم تصلي ركعتين . قال : فقام فاغتسل وطهّر ثوبيه ، وشهد شهادة الحق ،
ثم ركع ركعتين ، ثم أخذ حربته ، فأقبل عائدًا إلى نادي قومه ومعه أسيد
ابن الحضير ، فلمّا رآه قومه مقبلًا قالوا : نحلف بالله ، لقد رجع إليكم
سعدٌ بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم . فلما وقف عليهم قال : يا بني
عبد الأشهل ، كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا : سيّدنا وأفضلنا رأيًا وأيمننا
نقيبة (١). قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم علّ حرامٌ حتى تؤمنوا بالله
ورسوله. قال: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجلٌ ولا امرأةٌ إلا
مسلمًا أو مسلمةً ، ورجع سعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقاما عنده
يدعوان الناس إلى الإِسلام، حتى لم تبق دور من دور الأنصار إلا وفيها رجالٌ
ونساء مسلمون ، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد ، وخطمة ، ووائل ،
وواقف ، وتلك الأوس بن حارثة ؛ وذلك أنهم كان فيهم أبو قيس بن الأسلت ،
واسمه صيفي ، وقال الزبير بن بكار : اسمه الحارث، وكان شاعرًا لهم، قائدًا
يستمعون منه ويطيعونه ، فوقف بهم عن الإِسلام حتى كان بعد الخندق ))(٢).
(١) أي قيادة .
(٢) البداية والنهاية ١٤٩/٣ - ١٥١ .
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني
فلله درّ مصعب بن عمير الداعية الذي على يديه أسلم الجبلان :
سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير ، ولله در سعد بن معاذ ، فقد كان إسلامه
فتحًا على الأوس والأنصار ، الداعية الذي أسلم بإسلامه قومه الرجال
والنساء . فليحسن الداعية خلقه مع أهله ، وليجعل بينه وبينهم وصلا ،
فوالله ما دخل بنو عبد الأشهل الإِسلام بدايةً إلَّا حبًّا لسعد ميمون النقيبة
حسن السيرة فيهم .
عروة بن مسعود سيد ثقيف ، ودعوته لقومه :
عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال : لما أنشأ الناس الحج سنة
تسعٍ ، قدم عروة بن مسعود - رضي الله عنه - على رسول الله عَ ليه
مسلمًا ، فاستأذن رسول الله عَ لهم أن يرجع إلى قومه ، فقال رسول الله
عَ لِ: ((إني أخاف أن يقتلوك)). قال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني .
فأذن له رسول الله عَ ◌ّله، فرجع إلى قومه مسلمًا، فرجع عشاءً فجاء ثقيف
يحيونه ، فدعاهم إلى الإِسلام فاتهموه وأغضبوه وأسمعوه فقتلوه . فقال
رسول الله عَّ له: ((مثل عروة مثل صاحب ياسين ، دعا قومه إلى الله تعالى
فقتلوه ))(١).
لما قدم عروة الطائف عشاءً فدخل منزله ، فأتته ثقيف تسلّم عليه بتحية
الجاهلية ، فأنكرها عليهم وقال : عليكم بتحية أهل الجنة : السلام . فآذوه
ونالوا منه ، فحلم عنهم ، وخرجوا من عنده ، فجعلوا يأتمرون به ، وطلع
الفجر فأوفى على غُرْفِةٍ له ، فأذن بالصلاة ، فخرجت إليه ثقيف من كل ناحيةٍ ،
ورماه رجلٌ من بني مالكٍ يقال له : أوس بن عوف ، فأصاب أكحله ولم
يرق دمه ، فقام غيلان بن سلمة ، وكنانة بن عبد ياليل ، والحكم بن عمرو ،
(١) رواه الطبراني، وروى عن الزهري نحوه ، وكلاهما مرسل وإسنادهما حسن ،
وأخرجه الحاكم (٣/ ص ٦٦٠) بمعناه وصححه .
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٥١
ووجوه الأحلاف فلبسوا السلاح وحشدوا ، وقالوا : نموت عن آخرنا أو
نثأر به عشرة من رؤساء بني مالك ، فلمّا رأى عروة بن مسعود ما يصنعون
قال : لا تقتلوا فَي ، قد تصدقت بدمي على صاحبه لأصلح بذلك بينكم ،
فهي كرامةٌ أكرمني الله بها ، وشهادة ساقها الله إلَّي، وأشهد أن محمدًا
رسول الله عَ ليه ، لقد أخبرني أنكم تقتلوني .
دعوة ضمام بن ثعلبة في بني سعد بن بكر :
أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال : بعث بنو سعد بن بكر ضمام
ابن ثعلبة إلى رسول الله عَ ليه ، فقدم علينا، فأناخ بعيره على باب المسجد ،
فعقله ثم دخل على رسول الله عَّةٍ وهو في المسجد جالس مع أصحابه ،
فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله عَ له: ((أنا ابن عبد المطلب)).
قال: محمد؟ قال: (( نعم)). قال: يا محمد إني سائلك ومغلظٌ عليك في
المسألة ، فلا تجدن علَّ في نفسك، فإني لا أجد في نفسي. قال: (( سل
عما بدا لك)) . قال: أنشدك الله إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن
بعدك، الله بعثك إلينا رسولا ؟ قال: (( اللهم نعم)). قال: فأنشدك الله
إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن بعدك ، الله أمرك أن نعبده ولا نشرك
به شيئًا ، وأن نخلع هذه الأوثان والأنداد التي كان آباؤنا يعبدون ؟ فقال :
((اللهم نعم)) . ثم جعل يذكر فرائض الإِسلام كلها ، ينشده عند كل فريضةٍ
كما أنشده في التي كان قبلها ، حتى إذا فرغ قال : فإني أشهد أن لا إله
إلا الله ، وأنك عبد الله ورسوله ، وسأُؤدي هذه الفرائض ، وأجتنب ما
نهيتني عنه، لا أزيد ولا أنقص . ثم انصرف راجعًا إلى بعيره ، فقال
رسول الله عَ ◌ّه حين ولى: إن يصدق ذو العقيصتين(١)، يدخل الجنة)).
(١) العقيصة: الشعر المعقوص وهو نحو من المضفور، وأصل العقص: اللَّي وإدخال
أطراف الشعر في أصوله .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web1essam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٥٢
وكان ضمام رجلًا جلد أشعر ذا غديرتين ، ثم أتى بعيره ، فأطلق عقاله
حتى قدم على قومه ، فاجتمعوا إليه ، فكان أول ما تكلم به وهو يسب
اللات والعزى ، فقالوا : مه يا ضمام ، اتق البرص والجذام والجنون .
قال : ويلكم ، إنهما والله ما يضران ولا ينفعان ، إن الله قد بعث رسولًا،
وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه ، وإني أشهد أن لا إله إلا الله
وأن محمدًا عبده ورسوله ، وإني قد جئتُكم من عنده بما أمركم به ونهاکم
عنه . فوالله ما أمسى ذلك اليوم من حاضرته رجلٌ ولا امرأةٌ إلا مسلمًا .
قال ابن عباس : فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (١).
دعوة عُمير بن وهب الجمحي ، رضي الله عنه :
كان عمير بن وهب الجمحي شيطانًا من شياطين قريش ، وممن كان
يؤذي رسول الله عَ لّم وأصحابه ، ويلقون منه عناءً.
جلس عمير بن وهب مع صفوان بن أمية في الحجر بعد مصاب أهل
بدرٍ بيسيٍ - وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر - فذكر أصحاب
القليب ومصابهم ، فقال صفوان : والله ما إن في العيش بعدهم خير . قال
له عمير : صدقت ، أما والله لولا دين علَّي ، ليس عندي قضاؤه ، وعيالٌ
أخشى عليهم الضيعة بعدي ، لركبت إلى محمدٍ حتى أقتله ، فإن لي فيهم
علة ، ابني أسير في أيديهم . قال : فاعتنمها صفوان بن أمية ، فقال : علَّ
دينك ، أنا أقضيه عنك ، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا ، لا يسعني
شيءٌ ويعجز عنهم. فقال له عمير: فاكتم علَّي شأني وشأنك . قال :
سأفعل . قال : ثم أمر عمير بسيفه ، فشُخِذ
(١) صحيح: أخرجه الحاكم في المستدرك (٥٤/٣ - ٥٥) وقال : قد اتفق الشيخان
على إخراج ورود ضمام المدينة ، ولم يسُق واحد منهما الحديث بطوله وهذا
صحيح . ووافقه الذهبي .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٥٣
وسُمّ(١)، ثم انطلق حتى قدم المدينة فبينما عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه - في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ، ويذكرون ما أكرمهم الله
به ، وما أراهم في عدوهم ، إذا نظر عمر إلى عمير بن وهب وقد أناخ على
باب المسجد متوشحًا السيف ، فقال : هذا الكلب ! عدو الله عمير بن
وهب ، ما جاء إلّا لشِّ، وهو الذي حرَّش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر ،
ثم دخل على رسول الله عَ لّم فقال: يا نبي الله، هذا عدوُّ الله عمير بن
وهب ، قد جاء متوشِّحًا سيفه . قال: فأدخله علَّي . قال : فأقبل عمر
حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلبيه بها ، وقال لمن كان معه من الأنصار :
ادخلوا على رسول الله عَ لِ فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث ،
فإنه غير مأمون. ثم دخل به على رسول الله عَ ليه ، فلما رآه رسول الله
عَ ◌ّهِ وعمر آخِذُ بحمّالة سيفه في عنقه، قال: ((أَرْسِلْه يا عمر، ادن
يا عمير)). فدنا ثم قال : أنعم صباحًا - كانت تحية أهل الجاهلية بينهم -
فقال رسول الله عَ لّه: ((قد أكرمنا الله بتحيَّةٍ خيرٍ من تحيتك يا عمير!
بالسلام تحية أهل الجنة )) . قال : أما والله يا محمد ، إن كنت بها لحديث
عهدٍ. قال: ((فما جاء بك يا عمير؟)). قال: جئت لهذا الأسير الذي
في أيديكم، فأحسنوا فيه. قال: ((فما بال السيف في عنقك؟)). قال:
قبحها الله من سيوفٍ ، وهل أغنت شيئًا؟! قال: ((اصدُقني، ما الذي
جئت له؟)) قال: ما جئت إلَّا لذلك. قال: ((بل قعدت أنت وصفوان
ابن أمية في الحجر ، فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلت : لولا
دين عَّ وعيال عندي ، لخرجت حتى أقتل محمدًا ، فتحمل لك صفوان
ابن أمية بدينك وعيالك ، على أن تقتلني له ، والله حائل بينك وبين ذلك)).
فقال عمير : أشهد أنك رسول الله ، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت
(١) أي جعل فيه سُمُّ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٥٤
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
تاتينا به من خبر السماء ، وما ينزل عليك من الوحي ، وهذا أمرٌ لم يحضره
إلا أنا وصفوان ؛ فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله ، فالحمد لله الذي
هداني للإِسلام وساقني هذا المساق . ثم شهد شهادة الحق ، فقال رسول الله
عَ ◌ّله: ((فقهوا أخاكم في دينه، وعلموه القرآن، وأطلقوا أسيره)).
ففعلوا. ثم قال: يا رسول الله عَ ليه، إني كنت جاهدًا على إطفاء
نور الله ، شديد الأذى لمن كان على دين الله ، وأنا أُحبّ أن تأذن لي ،
فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الإِسلام ، لعلّ الله يهديهم ،
وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أؤذي أصحابك في دينهم . فأذن له
رسول الله عَ ليه ، فلحق بمكة . وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب
يقول : أبشروا بوقعةٍ تأتيكم الآن في أيامٍ تنسيكم وقعة بدرٍ ، وكان
صفوان يسأل عنه الرُّكْبان ، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه فحلف
أن لا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفعٍ أبداً(١).
فلمّا قدم عمير رضي الله عنه مكة ، أقام بها يدعو إلى الإِسلام ويؤذي
من خالفه أذى شديدًا ، فأسلم على يديه أناس كثير(٢).
رضي اللَّهُ عنك يا عمير ... كم بدّل الإِسلام من الرجال .. كان شيطانًا
من شياطين قريش فأسلم ، ففرح المسلمون حين هداه الله ، وقال عمر بن
الخطاب: رضي الله عنه: ((لخنزير كان أحب إلَّي منه حين اطلع ، وهو
اليوم أحبُّ إلَّي من بعض بنيّ)) . ثم يصبح داعية يسلم على يديه أناسٌ كثير .
عدي بن حاتم الطائي ، رضي الله عنه :
(( لما ارتد بنو طيىء وانضموا إلى جيش المتنبىء طليحة بن خويلد
(١) البداية والنهاية ٣١٣/٣. وهكذا أخرجه ابن جرير عن عروة بطوله .
(٢) الزيادة من كنز العمال ٨١/٧. وهكذا أخرجه الطبراني عن محمد بن جعفر
ابن الزبير . وقال الهيثمي ٢٨٦/٨: إسناده جيد .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٥٥
الأسدي ، دعاهم عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه إلى الإِسلام بأمرٍ
من الصديق رضي الله عنه ، وذلك قبل بدء القتال معهم ، فعادوا بفضل الله
مع عدي - رضي الله عنه - إلى خالد رضي الله عنه مسلمين ، وكانوا
خمسمائة مقاتل .
كما دعا عدي بن حاتم - رضي الله عنه - بني جديلة ، الذين كانوا
قد انضمّوا أيضًا إلى المتنبىء طليحة الأسدي ، فاستجابوا لعدتِّ رضي الله
عنه ، ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب ))(١).
الله أكبر .. الله دَرُّ الصحابي الجليل عدي بن حاتم الطائي ، يهدي الله
على يديه ألفًا وخمسمائة رجل ، بارك الله في سعيهم ودعوته ؛ لصدقهم
وإخلاصهم وتنفيذهم وصية نبيهم عَ ببدء الدعوة قبل القتال ، كما قال
عَبٍّ: ((ادعهم إلى الإِسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم)).
أمين الأُمَّة أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه :
قام أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه بدعوة الرُّوميين إلى الإِسلام
قبل بدء القتال معهم ، فقد ذهب بنفسه ، ومعه یزید بن أبي سفيان وضرار
ابن الأزور والحارث بن هشام وأبو جندل بن سهيل - رضي الله عنهم -
إلى القائد الرومي أخي الملك ((تذراق)) ودعوه إلى الله عز وجل ، وكان
ذلك قبل معركة اليرموك (٢) ..
كما دعا أبو عبيدة - رضي الله عنه - الرسول الرومي الذي وفد إليه
من قِبَل ماهان - وزير ملك الروم - طالبًا منه إرسال خالد بن الوليد -
رضي الله عنه - إلى ماهان كي يتفاهم معه ، وشرح الله صدره للإِسلام ،
(١) تاريخ الطبري ٢٥٣/٣ - ٢٥٤، والكامل في التاريخ ٢٣٤/٢.
(٢) البداية والنهاية ٩/٧ - ١٠.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٥٦
فاستجاب لدعوة أبي عبيدة - رضي الله عنه - وصاح: (( اشهدوا علّ
بأجمعكم ؛ أني من المسلمين )) . ففرح المسلمون بإسلامه وصافحوه ،
ودعوا له بخيرٍ، وقالوا له: (( ما أعَّك علينا، وأرغبنا فيك ، وأكرمك
علينا ! وما أنت عند كل امرىءٍ منا إلا بمنزلة أخيه لأمه وأبيه )). قال
الرومي: ((فإنكم نعم ما رأيت ))(١). وكان هذا قبل معركة فحل .
عمرو بن العاص رضي الله عنه فاتح مصر :
قال ابن كثير في البداية والنهاية ٩٧/٧ - ٩٨ عن توجيه الدعوة
لدخول الإِسلام إلى أهل مصر : فلمّا تصافوا ( المسلمون وأهل مصر ) قال
عمرو بن العاص رضي الله عنه : لا تعجلوا حتى تُعذِر ، ليبرز إلّ أبو مريم
وأبو مريام راهبا هذه البلاد . فبرزا إليه فقال لهما عمرو بن العاص : أنتما
راهبًا هذه البلاد، فاسمعا: إن الله بعث محمدًا عَّه بالحق وأمره به، وأمرنا
به محمد عَّ وأدّى إلينا كل الذي أُمر به ، ثم مضى وتركنا على الواضحة .
وكان مما أمرنا به الإِعذار إلى الناس ، فنحن ندعوكم إلى الإِسلام ، فمن أجابنا
إليه فمثلنا ، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة .
وهذا ما بلغه عمرو بن العاص - رضي الله عنه - رسل المقوقس حاكم
الإِسكندرية أيضًا عند حصاره حصن بابليون ، وبعث به عمرو عبادة بن
الصامت مع طائفةٍ من أصحابه إلى المقوقس .
ولما انتهى القتال وقع الأسرى من المصريين في يد فاتح مصر عمرو ،
فأبدى المقوقس صاحب الإِسكندرية استعداده لأداء الجزية للمسلمين ، على
أن يُرَدّ إليه سبايا أرضه . وافق عمرو بن العاص على هذا العرض بعد استئذان
أمير المؤمنين الفاروق رضي الله عنه ، على أن يخير الأسرى الموجودون بمصر
(١) فتوح الشام للأزدي صـ١٩٨، وكتاب الفتوح لابن أعثم ٢٣٨/١.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٥٧
بين الإِسلام ودين قومهم ، فمن اختار الإِسلام فهو من المسلمين ، ومن
اختار دين قومه وضع عليه من الجزية .
يقول زياد بن جزء الزبيدي ، الذي كان في جند عمرو بن العاص -
رضي الله عنه -: (( فجعلنا نأتي بالرجل ممن في أيدينا ، ثم نخيره بين
الإِسلام والنصرانية ، فإذا اختار الإِسلام كبرنا تكبيرة هي أشد من تكبيرنا
حين تفتح القرية ، ثم نحوزه إلينا . وإذا اختار النصرانية نخرت النصارى
ثم حاذوه إليهم ، ووضعنا عليه الجزية ، وجزعنا من ذلك جزءًا شديدًا ،
حتى كأنه رجل خرج منا إليهم))(١).
الله أكبر ، ما أعلى همتهم في الدعوة إلى الله عز وجل ، وما أعظم
فرحهم بإسلام الأسرى ، وما أشد تأسفهم على إعراضهم عنه ! كان فرحهم
وتأسفهم : على دخول الناس في دين الله ، ولم يكن لحصولهم على الجزية
أو حرمانهم منها .
فها هو خالد بن الوليد رضي الله عنه يعرض على أصحاب عدي أن
يختاروا إحدى ثلاث: (( الدخول في الإِسلام أو الجزية ، أو المنابذة
والمناجزة )) فاختاروا أداء الجزية ، ولم يفرح بذلك خالد رضي الله عنه ،
رغم أن مبلغ الجزية كان كبيرًا باعتبار ذلك الوقت ، حيث كان مائة وتسعين
ألفًا ، بل ضاق صدره بذلك وبدا تأسفه على إعراضهم عن الإِسلام من قوله
لهم: ((قَبًّا لكم ، ويحكم! إن الكفر فلاة مضلة ، فأحمق العرب من
سلکھا ))(٢).
وفي عصورنا المتأخرة تحدث توماس . و. أرنولد عن حرص الأتراك
(١) تاريخ الطبري ١٠٥/٤ - ١٠٦، والكامل في التاريخ ٣٩٧/٢.
(٢) تاريخ الطبري ٣٦١/٣ - ٣٦٢، والبداية والنهاية ٣٨٦/٦.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٥٨
على إدخال الناس في الإِسلام ، وفرحهم بمن دخل فيه فقال: (( قد رأى
الأتراك أن أعظم خيرٍ يستطيعون تقديمه لأي فردٍ هو أن يهدوه إلى الإِسلام ))
ثم قال: (( ومما يدل على الحب الروحي المتوقد ، الذي جعل هؤلاء القوم
في مثل هذه المنزلة من الغيرة على نشر الدين ، تلك الأفراح الشعبية التي
كانوا يحيون فيها من دخلوا طوعًا من المسلمين الجدد في الإِسلام ، فكان
المسلم الجديد يمتطي حصانًا ويُطاف به في طرقات المدينة ، وهم في نشوة
النصر ، فإذا توسموا فيه خلوص النية في تغيير دينه ، وعرفوا أنه دخل
بمحض إرادته في حظيرة الإِسلام ، أو كان شخصًا ذا مكانةٍ طيبة ،
استقبلوه بتكريم عظيم ، وأمدوه بما يعينه ، ولا شك أن هناك دليلًا قويًّا ،
يؤيد قول من قال : إن في نفوس الأتراك غيرة لا يكاد يصدقها العقل ،
حين يبتهلون إلى الله أن يحول الناس إلى الإِسلام))(١).
علو همة المتطوعين في نشر الإِسلام :
لقد سجل التاريخ أخبارًا حقيقية لنشر العقيدة الإِسلامية ، تتضمّن
سجلًا بأسماء رجال ونساء من جميع طبقات المجتمع ؛ من الملك إلى الفلاح ،
فلقد كان بدء دخول الإِسلام في الهند وجزائر لكديف ومالديف والصين
وبلاد أرخبيل الملايو ، وفي إفريقية ، على أيدي التُّجّار المسلمين .
يقول غوستاف لوبون: (( والمسلم حيث يمُّ يترك خلفه دينه ، وقد
بلغ أشياع النبي عَ ◌ّه ملايين كثيرة في البلاد التي دخلها العرب بقصد
التجارة ، لا فاتحين ؛ كبعض أجزاء الصين وإفريقية الوسطى ، وروسية ،
وتم اعتناق هذه الملايين الإِسلام طوعًا لا كرهًا، ولم يُسمع أن الضرورة
قضت بإرسال جيوشٍ مع هؤلاء المبشرين لمساعدتهم ، ويتسع نطاق الإِسلام
(١) الدعوة إلى الإِسلام ص ١٨٤ - ١٨٥.
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني
٥٩
بعد أن يقيمه هؤلاء في أي مكان )) (١).
بل وتحمس العبيد المسلمون لإِدخال النّاس في الإِسلام .
ينقل توماس . و. أرنولد قصة عبدٍ مسلم ، في محاولته للدعوة إلى
الله فيقول: ((إن داوتي قابل رجلًا كان قد انتزع من بلده في طفولته ، وبيع
بيع الرقيق في جدة ، فسأله داوتي: (( ألا زال يضمر السخط نحو هؤلاء
الذين سرقوه ، وأسلموا حياته للعبودية في أقاصي الأرض؟ )) فأجابه الرجل
بقوله : (( إن شيئًا واحدًا قد عوضني ، وهو أني لم أعد غارقًا في الجهل بين
عبدة الأوثان . ما أعجب عناية الرحمن تلك التي جئت بفضلها إلى بلاد
الرسول عَّ هذه، وتوصلت بها معرفة الدين! آه! ما أشد حلاوة
الإِيمان ! صدقني أيها الرفيق العزيز ، إنه أمر يعجز كل قلب عن الإِفصاح
عنه . كم أتمنى أن يهديك الله إلى تلك المعرفة السماوية ، ولكني موقنٌ أن
الله سيرعاك ، حتى لا تهلك قبل أن تدخل هذا الدين . حقًّا. ما أجمل أن
أراك مسلمًا ، وأن تصير واحدًا منا ! ولكني أعرف أن الأجل بيد الله يفعل
ما يشاء)) (٢).
الله أكبر : انظر إلى محاولة داوتي إثارة الحقد في قلب هذا المسلم ضد
أهله ، وسعي المسلم إلى إدخاله في الإِسلام نفسه .
دخول التتار في الإسلام على يد الشيخ جمال الدین وابنه رشید الدين من
بخاری :
يقول الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله: ((لمّا فتح التتار العالم
الإِسلامي في القرن السابع الهجري ، وأثخنوه جراحًا وقتلًا ، ولم يتركوا فيه
إلا روحًا ضعيفةً ونفسًا خافتًا ، وقُل سيف الجهاد والمقاومة ، فأصبح لا
(١) حضارة العرب ٧٣٤ - ٧٣٥ .
(٢) الدعوة إلى الإِسلام ص ٣٨٥.
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٦٠
يؤثر ولا يعمل ، وأغمده المسلمون يأسًا وقنوطًا، وآمن الناس بأن التتار
لا يمكن إخضاعهم ، وأن العالم الإسلامي قد كتب عليه أن يعيش تحت
حكم هؤلاء الهمج ، وأن الإِسلام لا مستقبل له ، قام هؤلاء الدعاة
المخلصون ، الذين لا يزال تاريخ الدعوة والإصلاح - على إحصائه
واستقصائه - يجهل أسماء كثيرٍ منهم ، يتسربون في هؤلاء الغلاظ
الشداد ، يفتحون قلوبهم للإِسلام ، حتى تفتحت له وأحبته ، وصاروا
يدخلون في دين الله أفواجا .
وهكذا أخضعوا للإِسلام من أخضع العالم الإسلامي بالأمس من
شرقه إلى غربه ، وأدخلوا أمةً قهرت الأمم كلها - في عصرها - في دينٍ
لا يحميه سيف ، ولا يدافع عنه جيش. أسلم التتار أُمَّةً وجنسًا ، وكونوا
دولًا كثيرة ، كان لكثير منها مآثر إسلامية يتجمل بها تاريخ الإِسلام ،
وكان انتصار الإِسلام على الديانتين المنافستين حادثة غريبة ، لا تتعلَّل إلّا
بمشيئة الله تعالى وتأييده ، وتفوق دعاة الإسلام - في الإِخلاص والُروحانية -
على دعاة البُوذِيّة والنّصرانّة))(١).
يقول أرنولد: ((لقد كان منافسة هذه الديانات العظمى في إخضاع
القوة القاهرة لعقيدتها صراعًا عجيبًا ينظر إليه التاريخ ، وينظر إليه العالم
بدهشة واستغراب ، كل يحاول أن يخضع هؤلاء الوحوش القساة ، الذين
داسوا هذه الديانات وحطموها . لم يكن أحد يتوقع أن الإِسلام سينتصر
في هذه المعركة ، ويهزم البوذية والنصرانية ، ويستأثر بالتتار ، فقد كانت
عاصفة هجومهم وغاراتهم أشد على المسلمين منهم على غيرهم ، وكانت
خسارتهم في ذلك أعظم من خسارة أيّة أمةٍ ودولةٍ وديانةٍ . وقتل التتار علماء
(١) ربانية لارهبانية. لأبي الحسن الندوي ص ٣١.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/