Indexed OCR Text

Pages 561-580

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٥٦١
علو الهمة في تحمل المسؤولية
حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ ◌َ
[الأنعام: ١٤٨].
فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَقّ
ذَاقُواْ بَأْسَنَّاقُلْ هَلْ عِندَكُمْ مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَّا إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ
إِلَّا تَخْرُصُونَ
[الأنعام].
١٤٨
وهكذا شأن من قصر في أداء واجب واتهم القدر، كاذب في دعواه.
إن تقصيره أمر واقع محسوس ملموس، وتقصيره مرده إليه، فكيف
يدع الاعتراف بتقصيره الذي يدركه ويحسه ويفر إلى القدر، وهو أمر
مغیب مجهول لیس إليه تدبیره ولیس له به علم.
ولقد دفع أصحاب رسول الله وَّله القدر بالقدر، دفعوا الكفر
والفسوق بالجهاد والاستبسال والموت، وغيروا وجه الدنيا وأطفئوا عبادة
الأوثان بالإيمان الصادق.
أما في مجتمعنا الإسلامي - فمع الأسف الشديد حين يتحدث
المتحدثون عن واقع المسلمين وما يلاقونه في شتى ديارهم، ومختلف
أصقاعهم من ظلم وعسف وبغي واضطهاد، وحين يشعر فريق من
المسلمين بوخز يسير في ضمائرهم وألم طفيف في مشاعرهم، ينبري هؤلاء
أنفسهم يدفعون عنهم ما يجدون، فيسوغون لأنفسهم ما هم فيه من قعود
ونكوص بألوان من المعاذير وأصناف من الحجج الواهية: فالزمن قد
أدرك نهايته والفتن كقطع الليل.
وبمثل هذه الحجج التي يقدمها الشيطان وتسولها النفوس المريضة،
سبعمئة مليون مسلم في العالم الإسلامي يسومون سوء الخسف ويتلظون
بنار الهوان، وينطلقون جميعًا بدعوى واحدة، دعوى الضعف والموت
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٥٦٢
صلاح الأمة في علو الهمة
المعنوي، وبهذا الفهم السقيم الهزيل وبهذه الروح الضعيفة الخائرة يعطل
المسلمون معاني الإسلام القوية ويصمون آذانهم عن نداءاته التي تتصدع
لها الجبال، ويعرضون عن رفع رايته والاستظلال بعظمته.
* كثير منا اليوم - أعني: المسلمين - يتصفون بصفات بعيدة عن صفات
المؤمنين حقًا وهم يرون أنهم أحسن الناس إيمانًا. ألسنا نعتذر بمعاذير شبيهة
بالمعاذير التي كان يقدمها المنافقون حين قالوا: ﴿لَا نَفِرُواْ فِى الْخَرَّ
[التوبة:
٨١]، فقال لهم الله - تباركت أسماؤه -: ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأْ لَّوْ كَانُواْ
[التوبة].
٨٢
فَلْيَضْحَكُوْ قَلِيلًاً وَلْيَبَّكُواْكَثِيرًا جَزَآءَ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
يَفْقَهُونَ
وقال تعالى حاكيًا طريقتهم في الاعتذار فاضحًا نواياهم كاشفًا عن
نفوسهم الخاسرة وقلوبهم المريضة، قال تعالى على لسانهم: ﴿وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ
[الأحزاب].
١٣
إِن يُرِيدُ ونَ إِلَّا فِرَارًا
* ونحن اليوم نقول - وإني لفي طليعة هؤلاء القائلين -: لا نستطيع
أن نعمل في سبيل الله، ولا نستطيع أن نجاهد في سبيله، نخشى أن
نتخطف من الأرض، ونخشى أن يموت أولادنا وأهلونا جوعًا. والحق
أنا ما نريد إلَّا فرارًا. وقد نسينا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْلَئِكَ هُمُ
[الحجرات].
الصَدِقُونَ ( ١١)
* نسينا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
[الأنفال].
٢
وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَمَنًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَلُونَ
يتوكلون على ربهم فلا يخشون موتًا ولا يخشون فقرًا.
وقد حكى الله تبارك أسماؤه قولة المنافقين في غزوة أحد حين رجعوا
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٥٦٣
علو الهمة في تحمل المسؤولية
عن القتال فجرى وراءهم عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر بن
عبدالله فقال: يا قوم، أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم وبينكم. فقالوا: لو
نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، فلما
استعصوا عليه وأبو إلّا الانصراف قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني
الله عنكم نبيه.
: قال تعالى: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ أَدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ
قِتَالًا لَّأَتَّبَعْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]. لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالًا
لاتبعناكم، ولكن ما أنتم بصدده ليس بقتال، ولكنه إلقاء بالنفس إلى
التهلكة.
. وقال تعالى في شأنهم: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِ
[آل عمران: ١٦٧].
[آل عمران:
* وقال تعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم ◌َا لَيْسَ فِ قُلُوبِهِمْ
١٦٧]. وقد بينوا حالهم وهتكوا أستارهم وكشفوا عن نفاقهم.
** إن معاذير المسلمين اليوم ليست معاذير صادقة، ليست تلك
المعاذير التي يصدق عليها قوله تعالى: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا
يُفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ﴾ [التوبة: ٩١]. ولكنها يصدق عليها
وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لَأَعَدُواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اَللَّهُ
قوله تعالى:
انْبِعَاثَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ وَقِيلَ أَفْعُدُواْ مَعَ الْقَعِدِينَ ﴾
[التوبة].
* ومن المعاذير التي يقدمها المسلمون وفيها ضلال عن دين الله،
وانحراف عن كتاب الله؛ الاعتذار بالقدر، وأن ما واقع بالمسلمين أمر الله
وقضاؤه ولا راد لأمره ولا دافع لقضائه. ولست أنسى مسلمًا من المسلمين
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٥٦٤
صلاح الأمة في علو الهمة
كان خطيبًا في قرية من قرى الشام مدعيًا محبة العلم وأهل العلم، كنت
أكلمه فيما أصاب المسلمين فأراد نصحي ودعوتي إلى الخير فتلا علي قوله
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ، أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
﴾ [الأحزاب: ٣٦].
أمر
هم
ثم تلا قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
﴾ [النساء]. فهو يرى كمال الإيمان في التسليم والرضا
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
والإذعان، وإن طغى الكفر وعم الفسوق، وكدت أتميز من الغيظ للذين
يحرفون الكلم عن مواضعه، ولكني تصنعت الأناة وتكلفت الحلم،
وحاولت أن أخرجه مما هو فيه من ضلال وزيغ .. وقد اقتنع عقله بعد
جهد جهيد بخطأ قوله واعتقاده.
كثير من المسلمين يحتجون بالقدر، ويتخذون من حجتهم هذه ذريعة
للمضي في دنياهم وسعيهم من أجلها وتهالكهم عليها، وقعودهم عن
نصرة دين الله.
■ قال الإمام شمس الدين بن القيم الدمشقي منه في كتابه «طريق
الهجرتين)) بعد أن سرد أحاديث القدر: ((فالجواب أن ها هنا مقامين: مقام
إيمان وهدى ونجاة، ومقام ضلال وردى وهلاك. فأما مقام الإيمان
والهدى والنجاة فمقام إثبات القدر والإيمان به، وإسناد جميع الكائنات إلى
مشيئة ربها وبارئها وفاطرها، وأن ما شاء كان، وإن لم يشأ الناس، وما لم
يشأ لم يكن، وإن شاء الناس)).
الآثار كلها تحقق هذا المقام وتبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من
التوحيد، ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه. وهذا في كل
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في تحمل المسؤولية
٥٦٥
کتاب أنزله الله علی رسله.
وأما المقام الثاني وهو مقام الضلال والردى والهلاك، فهو الاحتجاج
به على الله، وحمل العبد ذنبه على ربه، وتنزيه نفسه الجاهلة الظالمة الأمارة
بالسوء.
■ وسمعته - يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية- يقول: ((القدرية
المذمومون في السُّنَّة، وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاثة: نفاة
القدر: وهم (القدرية المجوسية))، والمعارضون به للشريعة الذين قالوا: لو
شاء الله ما أشركنا وهم ((القدرية المشركة))، والمخاصمون به للرب سبحانه
وهم أعداء الله وخصومه وهم ((القدرية الإبليسية))، وشيخهم إبليس وهو
أول من احتج على الله بالقدر، قال: ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّلَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
[الأعراف]، ولم يترف بالذنب ويبوْ به كما اعترف به آدم، فمن أقر
بالذنب وباء به ونزه ربه، فقد أشبه أباه آدم ومن أشبه أباه، فما ظلم ومن
برأ نفسه واحتج علی ربه بالقدر فقد أشبه إبليس.
وأما ((القدرية الإبليسية والمشركية)) فكثير منهم منسلخ عن الشرع
عدو الله ورسله، لا يقر بأمر ولا نهي وتلك وراثة عن شيوخه الذين قال
الله فيهم: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُو ◌ْلَوَ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآ ؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن
شَىْءٍ .. ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
* وقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَاعَبَدْنَا مِندُونِهِ،مِن
شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ
ة [النحل].
٣٥
عَلَى الْرُّسُلِ إِلَّا الْبَغُ الْمُّبِيِنُ
* وقال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ مَّالَهُم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنَّ
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
.٥٦٦
صلاح الأمة في علو الهمة
هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
٢٠
[الزخرف].
وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِعَا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ
﴾ [يس].
٤٧
ءَمَنُوَأْ أَنْطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ: إِنْ أَنْتُمُ إِلَّا فِي ضَلَلِ مُّبِينٍ
فهذه أربعة مواضع في القرآن الكريم بيَّن سبحانه فيها أن الاحتجاج
بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل)).
تحريف معاني الأحاديث الصحيحة لتسويغ قبول الواقع:
• كذلك احتج كثير من المسلمين بالأحاديث التي جاءت في كتب
الفتن وقد أساءوا فهمها، وعكسوا الغرض منها. ولكم سمعنا من خاصة
المسلمين وعامتهم أن رسول الله وَّل قد قال: ((لا يأتي عليكم زمان إلا
الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم))(١).
■ قال الشيخ الألباني في شرح هذا الحديث: ((إنه من العام
المخصوص؛ فعندما نفهمه في ضوء الأحاديث الأخرى التي تبيِّن وجود
الخلافة الراشدة بعد الملك الغضوض وغيرها، نعرف أنه من العام
المخصوص)».
وهؤلاء المتخاذلون جميعًا يستخلصون من قول رسول الله وَاجله أن
الأمر ميئوس منه، فأي فائدة في الدعاء وأي ثمرة من النداء؟
وهكذا تنحدر النفوس الضعيفة بالمعاني السامية فتنزلها إلى مستواها
المتدني، وهكذا تفهم هذه النفوس تحذير رسول الله ﴾ من الفتن وتخويفه
منها على أنها دعوة لتيئيس الناس من العمل ومن الجهاد، وتعطيل لآيات
(١) أخرجه البخاري في كتاب الفتن - باب لا يأتي زمان إلَّا الذي بعده شرٌّ منه رقم
(٦٨٠٧).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٥٦٧
علو الهمة في تحمل المسؤولية
الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كيف يمكن مع
فَلْيُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اُللَّهِ
فهم هؤلاء أن تستجيب لقول الله تعالى:
الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ
﴾ [النساء].
٧٤
يَغْلِبٌ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًاً عَظِيمًا (
* وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُرْ لَا نُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ
وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَّنَا مِن
لَّدُنكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا !
﴾ [النساء].
٧٥ )
** وقوله تعالى: ﴿ وَلَيِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ
خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٦) وَلَيِن مُتُمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
(١٥٨)} [آل عمران].
وأن الله تباركت أسماؤه قد أخبرنا بأن الشدائد تصيب المسلمين،
ويدال عليهم ويغلبون ليتبين المؤمنون، ويتقدم المجاهدون. ولو أن
المسلمين أخذوا برأي هؤلاء اليائسين الميئسين لاستسلموا للتتار،
ولغارات الصليبيين أبد الدهر، ولما وجد من يحمل الراية في الأيام
العصيبة، ويقدم نفسه وماله في ساعات الشدة.
• أيعقل أن يكون الغرض من حديث رسول الله و له وهو يحذر
أصحابه الفتن وهو سيد المرسلين وقائد الأبطال الميامين وهو الذي قدم
أعلى مثل لحياة المجاهد الذي لا يفتر ولا يكل ولا يغفل طرفة عين. الذي
يقول: ((والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحدكم من هذه
الشمس شعلة من نار))(١).
أيعقل أن يكون كلامه دعوة لليأس واستسلامًا للقنوط؟! لا، وإيم
(١) وقد أخرج هذه القصة مختصرًا الطبراني في ((الأوسط)) و((الكبير)).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
-
٥٦٨
صلاح الأمة في علو الهمة
الحق، ولكنها وسوسة إبليس وحيلة ضعيفة من نفوس خائرة هزيلة.
ليس كلام رسول الله ومس ئله بهذه المنزلة التي وضعوه فيها، ولكنه أجل
وأرفع. وما غرض رسول الله وهمله إلّا التنبيه للفتن، حتى إذا أدرك المسلم
زمانها، أخذ حذره وأعد لها عدته، وعاش عيشة اليقظ المتحفز، يخشى
أشد الخشية أن تأخذه الفتن في مسيرتها أو أن تطويه في ثناياها.
ولقد ملكت الفتن كثيرًا من المسلمين، وطوت كثيرين، لم تدع بيتًا إلَّا
دخلته ولا مسلمًا إلَّا سخرته، وطغت في بلاد المسلمين وطمت وعمت،
والمسلمون غافلون، وكثير منهم يحسب أنه في منجاة من تلك الفتن التي
ذكرها رسول الله ﴾﴾.
** ومن عجب أن يقلب المسلمون معاني كتابهم ومعاني سنة نبيهم
لتصبح معاني رخيصة ويصبح الغرض منها الرضا بالواقع الأليم، ولقد
صدر البخاري كتاب الفتن في ((صحيحه)) بقوله تعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَا
تُصِيبَنَ الَّذِينَ ظَلَمُواْمِنْكُمْ خَاصَّةٌ :
﴾ [الأنفال: ٢٥].
والفتنة في الأصل: إدخال الذهب في النار لتظهر جودته. ومن هنا
كانت الفتنة بمعنى الاختبار، وتطلق على العذاب، قال في ((القاموس)):
(والفتنة)): الضلال والإثم والكفر والفضيحة والعذاب والإضلال
والجنون والمحنة والمال والأولاد واختلاف الناس في الآراء»، وعلى هذا
فالسكوت على المنكر وتفرق الكلمة، والقعود عن الجهاد، وتقليد اليهود
والنصارى، كل هذا من الفتن، وقوله تعالى: ﴿لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ
خَاصَةٌ﴾. أي: إن أصابتكم فلا تقتصر إصابتها على الذين ظلموا
وحدهم، بل تشملهم وغيرهم، وتعم الجميع بسبب شؤم الصحبة،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٥٦٩
علو الهمة في تحمل المسؤولية
وتعدي الرذيلة كقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِبِمَا كَسَبَتْ أَبْدِى
النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١].
فالآية الكريمة تحذير للمؤمنين من وقوع الفتنة في المجتمعات
الإسلامية، وبيان لطبيعة الفتنة ومبلغ شرها، فهي تبدأ في عدد يسير من
الأفراد، ثم لا تلبث أن يستفحل أمرها ويطغى شرها، فإذا انتهت إلى هذا
الحد خرجت من أيدي المصلحين، ولم يعد بالإمكان كف شرها أو كبح
جماحها، وهذا هو المشاهد الملموس اليوم في البلاد الإسلامية في فتنة
المدينة الغربية، وواجب المسلمين الوقوف أمام الفتنة وقطع دابرها من
يومها الأول، هذه تعاليم القرآن وهدي محمد رَّله وقد جاءت الأحاديث
محذرة أولئك الذين ينساقون في تيار الفتنة.
• فعن أسماء بنت الصديق ﴿فشها عن النبي وَ ل قال: ((أنا على حوضي
أنتظر من يرد علي، فیؤخذ بناس من دوني - أي: يؤخذون من عند رسول الله
عليه صلوات الله - فأقول: أمتي! فيقول: لا تدري مشوا القهقرى))(١).
■ قال ابن أبي مليكة أحد الرواة من التابعين: ((اللهم إنا نعوذ بك أن
نرجع على أعقابنا أو نفتن))، فهل يفهم من الحديث إلّا التحذير من
الوقوع في الفتنة، وأعظم الفتن اليوم فتنة المدنية الغربية في فلسفتها وآرائها
الزائفة وعبادتها للمادة وافتتانها بالمال والنساء، ولهوها ولغوها وغنائها
وفجورها.
• والرواية الثانية يرويها البخاري عن مغيرة عن أبي وائل، قال: قال
عبد الله، قال النبي وَّه: ((أنا فرطكم على الحرض - الفرط: المتقدم إلى
(١) رواه البخاري.
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٥٧٠
صلاح الأمة في علو الهمة
الحوض ليهيئه لأصحابه- ليرفعن إلى رجال منكم حتى إذا أهويت
لأناولهم اختلجوا دوني - أي: سلبوا من عندي - فأقول: أي رب أصحابي
يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك))(١) .
كه وجاءت الأحاديث تبين ما على المؤمن أن يفعل في أيام الفتن:
• عن ابن عباس فينشهن عن النبي وَّ قال: ((من رأى من أميره شيئًا
يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات، مات ميتة
جاهلية» (٢).
وفي الحديث الأمر بالصبر وليس المراد من الصبر السكوت على
المنكر، يعرض ذلك الأحاديث الواردة في التحذير الشديد من السكوت
على المنكر، كما يعارضه الحرص على الجماعة، فهل يستقيم أمر الجماعة إذا
عم المنكر؟ ولكن الحديث فيه هدى إلى لزوم الجماعة، والصبر على الدعوة
إلى الحق وعدم السكوت عن المنكر وعلى النصح لأئمة المسلمين
وعامتهم.
• وروى البخاري في «صحيحه)) عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن
مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج فقال: ((اصبروا؛ فإنه لا يأتي عليكم
زمان إلَّا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم)» سمعته من نبيكم وَلة.
وقد أرشدنا الحديث إلى الصبر على التزام الأوامر واجتناب النواهي
مهما اشتدت الأمور واحلولك الظلام.
• وروى الحاكم في ((مستدركه)) عن ابن عباس ﴿إنفها، والطبراني عن أم
(١) رواه البخاري.
(٢) رواه البخاري.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في تحمل المسؤوليةين
٥٧١
مالك اليهبزية: ((خير الناس في الفتن رجل آخذ بعنان فرسه خلف أعداء
الله يخيفهم ويخفونه، ورجل معتزل في بادية يؤدي حق الله الذي عليه))(١).
قال النووي: ((في الحديث بيان فضل العزلة في أيام الفتن، إلَّا أن
يكون له قوة على إزالة الفتن فيلزمه السعي في إزالتها عينًا وكفاية.
والحديث واضح بيِّن يهدي إلى العلاج الناجح، ويرشد إلى أنه ليس
هنالك إلَّا سبيلان لا ثالث لهما: إما اعتزال الفتنة اعتزالًا تامًّا بحيث لا
يمسه أثرها ولا يصل إليه رشاشها، وإما الخوض مع أعداء الله حاملي لواء
الفتنة يخيفهم ويخيفونه ويجاهدهم لإطفاء نارها، وإخفاء معالمها. أما
أنصاف الحلول بأن نعيش في رحاب الفتنة، ونفتح لها صدورنا ومنازلنا
فتصيب أبناءنا وأهلينا وتجتاح ديارنا، ثم نبكي بدموع كاذبة، فليس ذلك
مما وصفه رسول الله وص له وأرشدنا إليه، ولكنه أرشد إلى أمرين لا ثالث
لهما، إما أنك ضعيف لا تستطيع مصاولة أعداء الله دعاة الفتن فلا مقام
لك بينهم، ولا مستقر لك في أرضهم، ولكنك تجافيهم في بادية بعيدة،
وتتجنبهم وتقاطعهم. وإما الثانية: المصاولة والمقارعة. والثانية، خير
وأحب إلى الله، ولسنا اليوم في الأولى ولا الثانية، ولكنا منغمسون في الفتنة
ساكتون عليها متأولون لكلام رسول الله وَ اليت))(٢).
الاحتجاج بالأحاديث الموضوعة للتهرب من المسؤولية:
• روى الترمذي في ((جامعه)) عن أبي هريرة خلفه قال: قال رسول الله
وَلة: ((إذا كانت أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم
(١) قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
(٢) ((المسؤولية)) (ص٥٩ - ٧٤) وزيادة قول الشيخ الألباني في معنى الحديث.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٥٧٢
صلاح الأمة في علو الهمة
شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤكم
شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض
خير لكم من ظهرها».
وإني لأعلم أن مثل هذا الحديث يروق كثيرًا من المسلمين، ويصيبهم
شيء من الخشوع لدى سماعه، ذلك أن معانيه في رأي كثيرين تنطبق على
حال أكثر المسلمين في أكثر البلاد الإسلامية اليوم، والحديث يقول:
((فبطن الأرض خير لكم من ظهرها».
■ والشارح المناوي يقول: فلا حرج في تمني الموت حينئذ. ويبين
الشارح سبب ورود الحديث فيقول: قال رسول الله وَله: ((إذا مت فظهر
الأرض خير لكم أم بطنها؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم .. فذكره.
■ ولعلي أفجع كثيرين حين أقول: إن الحديث غير صحيح، وإن
المعاني التي تضمنها من تمني الموت يجب أن تنتزع من قلوب المسلمين
انتزاعًا. أما كونه غير صحيح، فالترمذي راويه يقول: ((هذا حديث غريب
لا نعرفه إلَّا من حديث صالح المري، وصالح في حديثه غرائب لا يتابع
عليها وهو رجل صالح)). يريد الترمذي أن هذا الحديث لم يروه إلَّا راوٍ
واحد وهو صالح المري، وصالح المري له غرائب لا يتابعه الرواة عليها،
أي: إنه يروي مرويات ليس في رواة الحديث من يقبلها ويؤيد صدق
روايتها، وهذا طعن فيه ويسمى من هذا حاله: ((منكر الحديث)).
■ ومن الخير ألّا نكتفي بقول الترمذي وحده بل نرجع إلى أقوال
النقاد الآخرين لنطمئن إلى حال المري هذا: أما ابن حجر فيوجز القول
بشأنه في ((تقريب التهذيب)) فيقول: ((صالح بن بشير المري: القاص
الزاهد، ضعيف)).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
*علو الهمة في تحمل المسؤولية
٥٧٣
وهكذا يتسامح ابن حجر ويكتفي بوصفه بالضعف. فإذا أردنا
زيادة تفصيل ورجعنا إلى ((ميزان الاعتدال)) للذهبي نجده يقول: ((ضعفه
ابن معين والدار قطني، وقال الفلاس: منكر الحديث جدًّا، وقال النسائي:
متروك، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أحمد: هو صاحب قصص
ولا يعرف الحدیث)».
■ وروى حاتم بن الليث عن عفان قال: «كنا نحضر مجلس صالح
المري، فإذا أخذ في قصصه كأنه رجل مذعور يصرعك أمره من حزنه
و کثرة بكائه کأنه ثكلى، کان شدید اخوف من الله)).
فالحديث بإيجاز يتفرد بروايته قاص يعرف القصص، ولا يعرف
الحديث. وشأن القصاصين أنهم يروون من الحديث ما لا سنام له
وخطام، ينسبونه إلى رسول الله وَ له.
لا يدعو الإسلام اتباعه إلى الموت، ولكنه يدعوهم إلى الحياة، وليس
في معاني الإسلام معنى تمنى الموت، وإن اشتدت الفتن، وليس في الإسلام
فقدان كل أمل، وضياع كل رجاء، ولكن روح الإسلام وروح الأمل،
وروح الجهاد، وروح القوة المستمدة من عند الله، والثقة بنصره
ولا طمئنان إلى عونه.
أين يقع تمني الموت من قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنَتُهُ
اُلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران]؟.
يخاطب بها المؤمنون في الماضي كما يخاطبون بها اليوم وإلى أبد الدهر
ولفظة ((الأعلون)) فيها تشريف وتكريم ليس بعده تكريم، وصف بها الله
(٦٨) ﴾ [طه].
جل شأنه أنبياءه، فقال لموسى ◌َلَّله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٥٧٤
صلاح الأمة في علو الهمة
وبمثل هذا الخطاب خاطب الله جل شأنه هذه الأمة الإسلامية. فهل
يتفق مع هذا تمني الموت القعود، والفرار من مقابلة العدو؟
• إن الذي يتمنى الموت على فراشه - ضعيف ذليل جبان- قد فقد
كل أمل، وأضاع كل رجاء، ويئس من كل خير، وكل هذا يتنافى وصفات
المؤمن ويتنافى وتعاليم الإسلام، فلقد قال ◌َ: (لن يبرح هذا الدين قائمًا
يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة)) (١).
• وقال ◌َّة: ((لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من
خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)) (٢).
• وقال ◌َله: ((من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين، ولا تزال عصابة من
المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة)) (٣).
• وقال ◌َّلة: ((لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين
لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك)) (٤).
وكل هذه الروايات في ((صحيح مسلم)).
· نعم صحَّ عن رسول الله وَّر أنه دعا فقال: ((اللهم بعلمك الغيب،
وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت
الوفاة خيرًا لي))(٥). وأين هذا من تمني الموت، ولكنه دعاء يوحي بعدم
(١) رواه مسلم.
(٢) رواه مسلم.
(٣) رواه مسلم.
(٤) رواه مسلم.
(٥) رواه النسائي والحاكم وأحمد عن عمار بن ياسر ﴿إفشتها.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٥٧٥
علو الهمة في تحمل المسؤولية
الحرص على الحياة، ولا يعطي الروح السلبية التي يعطيها تمني الموت،
والمرء مستضعف مستذل. وتمني أصحاب رسول الله وقال الموت فعاتبهم
جل شأنه لا على تمني الموت؛ ولكن على جبن أصاب بعضهم حين رأوا
الموت، قال تعالى: ﴿ وَلَقَذْكُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ
تَنْظُرُونَ ◌ّ
[آل عمران].
١٤٣)
فالذي تمناه أصحاب رسول الله الموت والشهادة في سبيل الله، وهذا
هو المعنى الذي يجب أن يشيع بين المسلمين ويملأ قلوبهم وتلهج به
ألسنتهم.
وكيف يتمنى المؤمنون الموت بعد رسول الله وَّله؟! وقد أمروا أن
يحملوا رسالته، ويبلغوا دعوته، ويقتفوا أثره، ويثبتوا على طريقه، وقد
أخبرهم عليه صلوات الله بأن الأمر سيتم، وبأن قصور كسرى وقيصر
ستفتح عليهم، وبأنهم يستخلفون في الأرض كما استخلف الذين من
قبلهم.
أيتناسب هذا الدافع وهذا الانطلاق في حمل أعباء الدعوة والموت في
سبيلها، مع تمني الموت؟ !. إن حمل الرسالة، وتبليغ الدعوة واجب
المسلمین في کل زمان وفي کل حین.
يجب أن تُنتزع هذه المعاني من قلوب المسلمين، معاني الضعف واليأس
والخور لتحل محلها معاني الإيمان، معاني الشهادة، والموت في سبيل الدعوة.
لقد كان حزن أصحاب رسول الله تظهر على رسول الله وَية عظيمًا
حين وفاته، فلقد انقطع لموته ما لم ينقطع لموت نبي من قبله. ولكن أمرًا
عظيمًا هو أكبر من الحزن، حمل رسالته، والمضي في دعوته، ولا يتم هذان
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٥٧٦
صلاح الأمة في علو الهمة
الأمران إلَّا على ظهر الأرض لا في بطنها، ولا يتمان إلّا على جثث الشهداء
وأرواح المقاتلين في سبيله.
إن كلمة أنس بن النضر ه هي النبراس الذي يجب أن يملأ قلوب
المؤمنين حين قيل له: إن محمدًا قد مات فقال: ((لئن مات محمد، فإن رب
محمد حي لا يموت، قوموا فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات
عليه)). وقاتل حتى استشهد، وعلى جثته وجثة أصحابه السابقين بني
صرح الإسلام))(١).
كم هام:
• روي أن رسول الله ﴾﴾﴾ قال: «قدمتم خیر مقدم، قدمتم من الجهاد
الأصغر إلى الجهاد الأكبر، مجاهدة العبد هواه)).
هذا الحديث مشتهر بين المسلمين. أثير لدى كثير منهم ذلك أنه في
هذه الشدائد والمحن يعطي هذا الحديث، وأمثاله كثيرًا من المسلمين شيئًا
غير يسير من الطمأنينة في أن ما هم فيه هو الجهاد الأكبر، وأي طمأنينة
أعظم من أن يكون المرء في الجهاد الأكبر؟ ولكن الحديث يرويه الخطيب
البغدادي في ترجمة واصل الصوفي، ويرويه الديلمي عن جابر فيه،
ويقول البيهقي بشأنه: إسناده ضعيف، ويتبعه العراقي فيحكم بضعفه
أيضًا، وكذا السيوطي في ((جامعه الصغير)) يحكم على الحديث
بالضعف(٢).
(١) ((المسؤولية)) (ص ٧٠ - ٧٨).
(٢) وننقل هنا بالتفصيل تخريج الشيخ الألباني لهذا الحديث الذي ينحرف كثيرًا عن معاني
الإسلام الصحيحة، وتصغيره للجهاد والقتال في سبيل الله الذي جعله رسول الله وَل
=
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في تحمل المسؤولية
٥٧٧
ذروة سنام الإسلام.
قال الألباني: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)).
منكر: قال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٦/٢): ((رواه البيهقي في ((الزهد)
من حديث جابر، وقال: هذا إسناد فيه ضعف)). وقال الحافظ ابن حجر في ((تخريج
الكَشَّاف» (١١٤/٤ - رقم ٣٣) بعد أن حكى كلام البيهقي فيه: ((وهو من رواية
عيسى بن إبراهيم عن يحيى بن يعلى عن ليث بن أبي سليم، والثلاثة ضعفاء، وأورده
النسائي في ((الكنى)) من قول إبراهيم بن أبي عبلة أحد التابعين من أهل الشام)).
قلت: عيسى بن إبراهيم هو البركي، وقد قال فيه الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق
ربما وهم))، فإطلاق الضعف عليه - كما سبق - ليس يحيِّد. وهذا هو الذي اعتمده
الحافظ؛ أنه من قول إبراهيم هذا، فقد قال السيوطي في ((الدرر)) (ص ١٧٠): ((قال
الحافظ ابن حجر في ((تسديد القوس)): هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام
إبراهيم بن أبي عبلة في ((الكنى)) للنسائي)). ثم تعقّبه السيوطي بحديث جابر الآتي من
رواية الخطيب، ولو تعقّبه برواية البيهقي السابقة لكان أولى لخُلُوِّها من مُتَّهَم؛
بخلاف رواية الخطيب ففيها كذَّاب كما يأتي قريبًا بلفظ: ((قدمتم خير مقدم .. ))، ونقل
الشيخ زكريا الأنصاري في ((تعليقه)) على ((تفسير البيضاوي)» (ق١/١١٠) عن شيخ
الإسلام ابن تيمية أنه قال: ((لا أصل له)). وأقرَّه. وقال في مكان آخر (١/ ٢٠٢):
«رواه البيهقي وضعّف إسناده، وقال غيره: لا أصل له)).
وأما قول الخفاجي في ((حاشية على البيضاوي)) (٣١٦/٦): ((وفي سنده ضعف
مغتفر في مثله)).
فغير مستقيم؛ لأن ظاهره أنه حسن، وكيف ذلك وفي سنده ثلاثة ضعفاء، وقد اتفق
من تكلّم فيه على ضعفه؟!
ثُمَّ بعد سنين، وقفت على الحديث في ((الزهد)» للبيهقي (٤٢/١)، فإذا هو بلفظ:
((قدمتم خير مقدم، قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ومجاهدة العبد هواه))،
وكذلك رواه أبو بكر الشافعي في ((الفوائد المنتقاة» (١/٨٣/١٣) من طريق عيسى
بن إبراهيم البركي قال: نا يحيى بن يعلى قال: نا ليث عن عطاء عن جابر قال: قدم
على النبي ◌َّه قومٌ عراةٌ، فقال النبي ◌َّهِ .. فذكره.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٥٧٨
صلاح الأمة في علو الهمة
أين أنت يا يوسف الأحلام، ويا حامل المسؤوليات العظام:
قال معاويةُ لعمرو بن العاص: ((من طلب عظيمًا خاطر بعَظِيمتِه)).
■ وكان عمرٌو يقول: ((عليكم بكُلُّ أَمْرِ مَزْلَقَةٍ مَهْلَكَةٍ))(١).
■ وقال الشاعر:
لا يُدْرِكُ المَجْدَ مَنْ لا يَرْكَبُ الخَطَرَا ولا ينالُ العُلَامَن قَدَّم الحذَرَا
قَضَى ولم يَفْضِ من إدراكه وَطَرًا
ومَنْ أَراد العُلَا صَفْوَا بِلا كَدَرٍ
قلت: وهذا سند ضعيف، ليث بن أبي سُليم، وهو ضعيف لاختلاطه، ويحيى بن
يعلى؛ الظاهر أنه الأسلمي، وهو ضعيف أيضًا، وبقية رجاله ثقات.
والحديث رواه الخطيب أيضًا في ((تاريخه)) (٥٢٣/١٣ - ٥٢٤) من طريق الحسن بن
هاشم عن يحيى بن أبي العلاء، قال: ثناليتٌ به. والحسن بن هاشم؛ لم أجد له ترجمة.
ويحيى بن أبي العلاء لعلّه يحيى الكذاب، ولكن يغلب على الظن أنه يحيى بن يعلى
المذكور في سند أبي بكر الشافعي والبيهقي، تحرّف اسم أبيه على ناسخ ((التاريخ))،
فإنه المذكور في الرواة عن ليث، ويؤيده أن السيوطي أورد الحديث في ((الدرر))
(ص١٧٠) من رواية الخطيب مُتَعَقِّبًا به على الحافظ ابن حجر جزمه بأن الحديث من
قول إبراهيم بن أبي عبلة، فلو كان في سند الخطيب الوضَّاع المذكور، لما تعقَّب به
السيوطي إن شاء الله تعالى ثم رأيته على الصواب في ((ذم الهوى)) لابن الجوزي
(ص٣٩) من طريق الخطيب، بدلالة أحد الإخوان جزاه الله خيرًا.
والحديث قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (١٩٧/١١): ((لا
أصل له، ولم يروه أحدٌ من أهل المعرفة بأقوال النبي ◌َّللر وأفعاله، وجهاد الكفار من
أعظم الأعمال، بل هو أفضل ما تطوّع به الإنسان .. )).
ثُم ذكر بعض الآيات والأحاديث الدَّالَّة على أنه من أفضل الأعمال، فكأنه منُ
يشير بذلك إلى استنكار تسميته بالجهاد الأصغر)) انتهى من ((السلسلة الضعيفة))
(٤٧٨/٥ - ٤٨١) حديث رقم (٢٤٦٠).
(١) ((عيون الأخبار)) لابن قتيبة (٣٣٥/١)، أيْ: عليكم بجسام الأمور.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٥٧٩
علو الهمة في تحمل المسؤولية
وأحْزَمُ الناس مَنْ لوْماتَ مِن ظَمَأٍ لا يَقْرَبُ الوِرْدَ حتى يَعْرِفِ الصَّدَرا (١)(٢)
إن الأعداء في الخارج يرقبون حركات المسلمين ويتربصون بهم
الدوائر ويكيدون لهم كيدًا ويمكرون بهم مكر الليل والنهار، ومرجع هذا
الصراع إلى عصور مترامية تمتد إلى الحين الذي دكت فيه عروش القياصرة
والأكاسرة وامتد حكم الإسلام إلى أطراف العالم: فهنالك الحركة
الصليبية، وهنالك الصهيونية والاستعمار الغربي والشرقي وهؤلاء جميعًا
يختلفون فيما بينهم، ولكنهم يصطلحون على حرب المسلمين، ويجمعون
أمرهم كيلا تقوم للمسلمين قائمة ولا تجتمع لهم كلمة.
ويعتبر هذا الجانب خارجيًّا، وهو - وإن بلغ ذروة الکید- ليس أکبر
الجانبين أهمية بل هو -كما سنرى- نتيجة تابعة للعامل الثاني الذي هو
الجانب الداخلي وهو المجتمع الذي يعيش فيه المسلمون، وهنا نجد
عقبات في الأفراد أنفسهم وفي تنشئتهم وتربيتهم.
وليس من شك في أن أكبر الأخطار التي تواجه المسلمين اليوم كامنة
في النقص في تربية أفراد المسلمين أنفسهم، والضعف الذي أصيب به
شبانهم.
وأكبر المصائب أن يصاب الفرد بنفسه؛ ذلك لأن معالجة أي خطر
ممكنة ميسرة حينما تكون تربية الأفراد تربية قوية تستطيع أن تجابه
المصاعب وتصمد للحوادث.
* ومن عادة الضعيف أن يلقي بأسباب ضعفه على عوامل خارجية
(١) الصَّدَرُ: الانصراف عن الماء.
(٢) ((الفلاكة والمفلكون)) للإمام الدلجى (ص ١٤٠).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٥٨٠
صلاح الأمة في علو الهمة
يدَّعي أنه لا يملك التصرف فيها ليسوغ لنفسه ما هو فيه، ولقد اعتدنا أن
نفعل ذلك وأن نلقي تبعات ما نحن فيه من ضعف وتقصير على
الاستعمار أولًا، وعلى الماضي ثانيًا، وعلى مجتمعنا ثالثًا، ولا يخطر ببال
أحدنا أن يجعل نفسه مركز الاتهام بينما يجعل القرآن العامل الأساسي فيما
يصيب الإنسان من مصيبة هو نفسه، قال تعالى: ﴿﴿أَوَلَمَآ أَصَبَتْكُمْ مُصِيبَةٌ
قَدّأَصَبْتُم مِثْلَّهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَاقُلْ هُوَ مِنْ عِندٍ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
* يبين الله تعالى بشأن بني النضير حين غلبهم المسلمون أنهم أتوا من
حيث لم يحتسبوا، وكان ذلك من قِبَل أنفسهم، قال تعالى: ﴿ هُوَالَّذِىّ أَخْرَجَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن ◌ِيَِهِمْلِأَوَّلِ الْخَشْرِّ مَا ظَنَنتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَظَنُواْ أَنَّهُم
مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَنَّهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ
يُخْرِبُونَ بُوتَّهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُواْ يَتَأُوْلِ الْأَنْصَرِ
ة [الحشر].
• لم يؤت هؤلاء من نقص في ذخيرتهم أو عددهم أو حصونهم،
ولكنهم أتوا من قِبَل أنفسهم أيضًا. قال رسول الله وَّه: ((ولينزعن الله من
صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ في قلوبكم الوهن))، قالوا: وما
الوهن يا رسول الله؟ قال: ((حب الدنيا وكراهية الموت))(١).
الحديث الكريم يخبر عن سنة عميقة من سنن الاجتماع تبين ما تنتهي
إليه الجماعة حين تفسد فطرتها وتملأ الدنيا قلوب أفرادها، ولقد كشف
هذه الحقيقة الباحثون المحدثون لدراسة الجماعات وعوامل انحطاطها.
قال أحد هؤلاء: إن الأسباب الحقيقية لكل انحطاط داخلية لا
خارجية. وليس علينا أن نلوم العواصف حين تحطم شجرة نخرة في
(١) جزء من حديث صحيح سبق تخريجه رواه أبو داود (٤١٢٩).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com