Indexed OCR Text

Pages 541-560

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
٥٤١
((عن أبي قتادة فارس رسول الله عَ لّه قال: بعث رسول الله عَ له جيش
الأمراء وقال: ((عليكم زيد بن حارثة ، فإن أُصيب فجعفر ، فإن أُصيب جعفر
فعبد الله بن رواحة الأنصاري )) . فوثب جعفر فقال : بأبي أنت يا نبي الله
وأمي، ما كنت أرهب أن تستعمل علَّ زيدًا! قال: ((امضوا، فإنك
لا تدري أيّ ذلك خير)) . قال : فانطلق الجيش ، فلبثوا ما شاء الله ، ثم
إن رسول الله عَّ ◌َلِ صَعِدَ المنبر وأمر أن يُنادى: الصلاة جامعة ، فقال
رسول الله عَّ له: ((تاب خبر - أو ثاب خبر. شكَّ عبد الرحمن -
ألا أُخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا حتى لَقَوا العدوَّ ،
فَأُصيب زيدٌ شهيدًا، فاستغْفِرُوا له )) فاستغفر له الناسُ ((ثم أخذ اللواءَ جعفرُ
ابن أبي طالب ، فشدَّ على القوم حتى قُتل شهيدًا أشهدُ له بالشهادة ،
فاستغفِرُوا له . ثم أخذ اللِّواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميْه حتى أُصيب
شهيدًا، فاستغفروا له . ثم أخذ اللِّواء خالد بن الوليد ، ولم يكُن من
الأمراء، وهو أمَّر نفسه)) فرفع رسول الله عَ لّم أصبعيه وقال: ((اللهم هو
سيف من سيوفك فانصُرْهُ)). وقال عبد الرحمن - مرةً -: ((فانتصر
به )). فيومئذٍ سُمِّ خالد سيف الله ، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله
وسلم: (( انفروا فأمِّدُّوا إخوانكم، ولا يتخلفنّ أحد )). فنفر الناس في
حر شديد مشاةً وركبانًا ))(١).
لمَّا أتى خالدٌ مسلمًا هو وعمرو بن العاص قال عَ له: ((ألقت إليكم
مكةُ أفلاذ أكبادها)). وقال النبي عَّه: ((اللهمَّ اغفر لخالد بن الوليد كلّ
ما أوضع فيه من صَدٍّ عن سبيلك)).
قال خالد: فوالله ما كان رسول الله عَ لٍّ يوم أسلمتُ يعدِلُ بي
(١) إسناده صحيح . أخرجه أحمد، والنسائي في فضائل الصحابة .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
٥٤٢
أحدًا من أصحابه فيما يُجزئه .
وفي رواية : فيما كان حَزَبَه . وفي رواية عمرو: في أمرٍ حَرْبِهِ(١).
في مؤتة :
كانت هذه أول معركة يشترك فيها خالد بعد إسلامه ، وبعد قتل قادة
الجيش الثلاثة ، وانكشاف صفِّ المسلمين ، دَفَعَ ثابتُ بن أقرم اللِّواء إلى
أبي سليمان خالدٍ قائلًا: (( خذ اللواء يا أبا سليمان، فأنت أدْرَى بالقتال
مني ، والله ما أخذتُه إلا لك)).
تلقَّى خالد اللواء ، وأصبح قائدًا عامًّا لقوات المسلمين في أصعب
ظروف .. جيش أنهكه القتال الشديد الضَّاري طيلة الأيام الستة .. ثلاثة
آلاف مسلم يواجهون جيشًا قوامه مائتا ألف مقاتل ، جيش قد انفرط عقده
وفقد تنظيمه ، موقف جعل هذا الجيش مُهَيَّأَ لأن يُدمَّر تدميرًا كاملًا ، أو
يقع بكامله أسيرًا في قبضة الرومان وأحلافهم من العرب .
(( واعتلى العبقري جواده ، ودفع الراية بيمينه إلى الأمام ، كأنما يقرع
بها أبوابًا مغلقة آن لها أن تُفتح ، على طريق طويل لَاحِب سيقطعه البطل
وثْبًا وثبًا في حياة الرسول عَ ليه وبعد مماته ؛ حتى تبلُغ المقادير بعبقريته أمرًا
كان مقدورًا))(٢).
وقد كانت خطة انسحاب خالد بالجيش رائعة ... فقد قام بتبديل
كلِّي في الميمنة والميسرة والقلب من جيشه ، فجعل رجال ميمنة الجيش مكان
رجال الميسرة ، كما جعل رجال الميسرة مكان رجال الميمنة ، كما استبدل
(١) طبقات ابن سعد ٤ / ٢٥٢، ٣٩٤/٧.
(٢) رجال حول الرسول صـ ٣٠٩ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٥٤٣
رجال القلب برجال آخرين ، كل هذا في ظلام الليل ، وجعل مقدمة الجيش
ساقةً ، وساقته مقدمةً ، أي أنه سحب جيشه من ساحة المعركة ، وأبقى
ساقةً تحمي الانسحاب ، نَشَر هذه الساقة ليحتلّ فرسانها مساحةً شاسعة
من الأرض ، وأمرهم أن يُحدثوا أصواتًا مرتفعة بما لديهم من أبواق وطبول
حربية ، وإثارة الغُبار بالخيل تدور بسرعة في دوائر ضيقة . كل هذا ليدخل
في نفوس قادة الروم ويوهمهم أن جيشًا جديدًا ومددًا كبيرًا ، قد جاء
لجيش المسلمين . هذه هي الخطة التي وضع القائد المحنَّك الفذّ ، فأنقذ
بها جيش الإِسلام من فناء محقق . فقد وجد الرومان أنفسهم - أثناء تقابُل
الصفوف في اليوم السابع - أمام قادة وجنود وهيئات وراياتٍ غير التي كانوا
يواجهونها في الصفوف الأولى أثناء القتال في الأيام الستة الماضية . ووجد
الرومان غبارًا يسدُّ الأفق من بعيد ، ناحية الجزيرة خلف ظهر الجيش
الإِسلامي ، ودَوَّتْ أصوات التهليل والتكبير ، منبعثةً من بين ثنايا ذلك الغبار
الذي حجب الأفق ، ثم انشقَّ هذا الغُبار عن كتائب من الفرسان ، تتبع
إحداهما الأُخرى في تنسيقٍ وإحكامٍ راكضةً نحو المسلمين في مؤتة ،
قد رجفتِ الأرضُ رجفًا لوقْع حوافر خيلها المنطلقة ، وأصوات فرسانها
تصمّ آذان الرومان بالتهليل والتكبير ، واهتزّ معسكر المسلمين المواجه
للرومان بالتهليل والتكبير . ودبّ الفزع في نفوس الروم وسادهم الهرج
والمرج ، ولسان حالهم يقول : إذا كان ثلاثة آلاف قد فعلوا بالرومان هذه
الأفاعيل طيلة الأيام الستة ، فما عساهم فاعلين بعد مجيء هذا المدد ؟!
نعم ، إن ثبات المسلمين في وجه الرومان طيلة الأيام الستة ، هو
أرقى مراتب النصر والغَلَبة .
وأدرك خالد بحسّ القائد المحنّك ما أصاب الرومان وحلفاءهم من
خوفٍ ورعبٍ ، نتيجة خدعته الحربية البارعة المحكمة ، فاغتنمها فرصةً ،
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٤٤
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث
فأمر في الحال بالهجوم على خطوط الرومان ، وبأسلوب عامّ صاعِق كاسِح
فتمَّ له ما أراد .
((وتضعضعتْ خطوط الروم الأمامية ، وركبهم المسلمون وأحدثوا
فيهم مقتلة عظيمة ، كانت بكل معاني الكلمة ((مذبحة )) وَصَفَهَا الواقدي
في كتابه ((المغازي)) بقوله: ((فُرُعِبوا فانكشفوا منهزَمين ، فقتلوا مقتلةً
لم يُقتلها قوم قطُ ))(١).
وقال ابن سعد في طبقاته: ((ثم أخذ خالد اللواء ، ثم حمل على
القوم ، فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتُها(٢) قطُّ، حتى وضع المسلمون أسيافهم
حيث شاءوا)) (٣).
كان القتال ضاريًا ، خاضه المسلمون بحنقٍ وغيظ ، وكان الرومان
في تراجعهم أمام هجوم خالد يقاتلون بشراسةٍ ، وليس أدلّ على عنف
المعركة من قول خالدٍ نفسه: (( لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة
أسيافٍ ، فما بقي في يدي إلّا صفيحة يمانية)) (٤).
الله دَرُّك يا خالد، تسعة أسيافٍ تتكسَّر في يدك !! ومن أوْلى منك
بهذا .
أناضل عن دينٍ عظيم وهبتُهُ
عطاء مُقِلُّ مهجتي وحياتيا
(١) مغازي الواقدي ٢ / ٧٦٤ تحقيق الدكتور مارسدن جونس - طبع جامعة
أكسفورد .
(٢) الرواي هنا أحد الصحابة وهو أبو عامر.
(٣)
الطبقات الكبرى ٢ / ١٣٠، مؤتة محمد أحمد بشاميل صـ ٢٠٧ .
(٤) رواه البخاري ، وأحمد في فضائل الصحابة ، وابن سعد ، والطبراني في الكبير ،
والحاكم في المستدرك .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /ps://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
٥٤٥
يقول أنا وحدي سأحمي دينيا
ومُمْتَثِل الله أسْلَمَ وجهَهُ
يقول أنا وحدي سأحمي دينيا
وخالدُ سيفُ الله أسلم وجهَهُ
بجنبي بعظمِ الصدرِ حتى التّراقِيا
بظهري بطني بالذراع بمقلتي
ولم أرَ عيشًا كالتقدم هانيا
فلم أرَ يومًا كالتقدُّم لذَّةً
وتحت روابيها تصبّ دمائيا
على ذروة التوحيد تخفق رايتي
وانسحب الجيش الإِسلامي بكل هدوء وضبط وانتظام ، فقد انسحبت
قوات القسم الأكبر (١) من المسلمين ، ومع ذلك لم يكن سَحْبُ الساقة
سهلًا ، وذهل الروم أمام هذه المفاجأة والخدعة الحربية البارعة ، وما
استطاعوا أن يتعقّبوا المسلمين أثناء انسحابهم مسافة ستمائة ميل ، حتى
وصل الجيش. سالمًا إلى المدينة ، فلمّا وصل الجيش إلى ضواحي المدينة
(الجرف )، جعل أهل المدينة يصيحون بالجيش (( يا فّار .. فررتم)) ...
ويحثون في وجوه الجند والقادة التراب . وأتت كلمة الوحي ناصعة تردّ
الأمر إلى موضعه، فقد قال رسول الله عَ ليه: ((ليسوا بفرَّار، ولكنهم
الكرّار في سبيل الله)). وتكفي شهادة الرسول عَو ◌ٍّ شهادة .
ثم علم المسلمون بعدُ قدْر تضحية خالد وبذْله ، وأن انسحابًا كهذا
كان من الاستحالة بمكان .. ولكن لا مستحيل على القلب الشجاع ، ومن
أشجع من خالدٍ قلبًا ، وأروع عبقريةً وأنْفَذ بصيرةً ؟!
في فتح مكة :
قال النبى عَويةٍ للزبير وخالد: ((لا تقاتلا إلَّا من قاتلكما)). وكان
خالد على ميمنة قوات المسلمين ، وكان عليه أن يدخل مكة من أسفلها
(١) القلب والميمنة والميسرة والمقدمة كما يقول اللواء الركن محمود شيت خطاب.
انا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٤٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
من ((اللِّيط)) ، إلّا أن بعض رجالات قريش جمعوا ناسًا بالخندمة أسفل
مكة ؛ ليقاتلوا المسلمين ويصدّوهم عن فتح مكة ، وكما قال خالد :
((بدءونا بالقتال ، ورمونا بالنَّبل ووضعوا فينا السلاح ، وقد كففتُ ما
استطعتُ ، ودعوتُهم إلى الإِسلام فأبوا ، حتى إذا لم أجد بُدًّا من أن أقاتلهم ،
فظفَّرَنا الله بهم ، فهربوا من كل وجه)) (١). وقتل من المشركين ثمانية
وعشرون رجلًا ثم انهزموا .
٠
يقول ابن حماس الدّيلي فارسُ مكة ، لما عاتبتْه زوجُه على فراره
في الخَنْدَمة :
إذ فَرَّ صفوانٌ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ
وأنتِ لو شهدتِنَا بِالْخَنْدَمَهْ
إذ يلحقونا بالسُُّوفِ المُسْلِمَهْ
وأبو يزيدَ كالعجُوزِ المُؤْتِمَةُ(٢)
ضَرْبًا فلا يُسْمَعُ إلَّا غَمْغَمَةْ
يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ
لم تَنْطِي في اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَةُ(٣)
لهمْ زئيرٌ خَلْفَنَا وَهَمْهَمَهْ
وعاد المسلمون إلى مكة على صهوات جيادهم الصّاهلة ، وتحت
رايات الإِسلام الخافقة ، وتكبيراتهم الصّادِعة الرائعة ، ترجّ مكة رجًّا ،
وتهليلاتهم الباهرة الظافرة ، يبدو الكون معها ، وكأنه كلّه في عيد .
خالد يقتل العُزَّى ويهدمها :
وهذا البطل مرة أخرى يستبدّ به تَوْقٌ عارٍم إلى هدم عالمه القديم كله ،
ومظاهر الشرك ، فعن أبي الطَّفيل قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه
(١) السيرة الحلبية ٢ / ٢٠٩.
(٢) هي المرأة التي قُتل زوجها فبقي لها أيتام .
(٣) سيرة ابن هشام ٤ / ٥٠، ومغازي الواقدي ٢ / ٨٢٧، والبداية والنهاية ٤ /
٢٩٧ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /tps://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث
٥٤٧
وآله وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة ، وكانت بها العُزَّى ، فأتاها
خالد بن الوليد، وكانت على تلال السَّمُرات ، فقطع السمرات ، وهدم البيت
الذي كان عليها ، ثم أتى النبي عَّ له فأخبره، فقال: ((ارجع فإنك لم تصنع
شيئًا)) . فرجع خالد، فلمّا نظرتْ إليه السَّدَنةُ - وهُمْ حُجَّبُها - أمعنوا
في الجبل وهم يقولون : يا عُزَّى خَبِّليه، يا عزى عَوِّرِيه ، وإلّا فموتي
برغم . قال : فأتاها خالد ، فإذا هي امرأة عريانة ناشرةٌ شعرها تحثو التراب
على رأسها ، فعمَّمها بالسيف حتى قتلها ، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه
وآله وسلم فأخبره قال: (( تلك العزى))(١).
وفي رواية : فلما سمع سادِئُها بمسير خالدٍ إليها ، علّق عليها سيفه ،
والتجأ إلى الجبل الذي هي فيه وهو يقول :
أيا ◌ُّ شدّي شدّةً لا شوَّى لها(٢) على خالدٍ ألقي القناعَ وشمِّري
فُبُوئي بإثمِ عاجلٍ أو تنصَّرِي
ويا عُّ إن لم تقتلي اليوم خالدًا
فلما انتهى إليها خالد هدمها وهو يقول :
يا عُزّ كُفرانك لا سبحانكْ إني رأيتُ الله قد أهانكْ
وعند الطبري ( ٣ / ٦٥ ) :
على خالدٍ أُلِقِي الخمارَ وشَمِّرِي
يا عُزّ شُدِّي شدَّةً لا سِواكِها
تبوئي بذنبٍ عاجلٍ وتُقَصِّرِي
فإنَّك إن لا تَقْتُلي المرءَ خالدًا
فشد خالد عليها ، فقتلها ، وقال : ذهبت العزى ، فلا عزى بعد
اليوم .
(١) حسن. رواه أبو يعلى في مسنده (٢ / ١٩٦). وهو حسن .
(٢) أي لا تُبقي على شيء.
ـوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٤٨
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
هَدم خالدٍ لِۇُدّ :
ويعود البطل راسخ العقيدة ثانيةً إلى الأصنام، فقد ((بعث النبي عُرِيّة.
خالدًا لهدم ((ود)) (١) في دومة الجندل ، وقد بعثه من غزوة تبوك ، فحالتْ
بنو عبد ودّ وغيرهم بينه وبين هدمه ، فقاتلهم خالد ، وبعد دحرهم هدمه
وكسّره جذاذًّا))(٢).
أسْرُه لأَكَيْدِر صاحب دومة الجندل :
وفي أثناء مقام النبي عَ لّم في تبوك، أرسل خالدًا في أربعمائة وعشرين فارسًا
إلى أُكيدر بن عبد الملك الكِنْدي ثم السكوني صاحب ((دومة الجندل))،
وكان أُكيدر قد خرج من حصنه في ليلةٍ مقمرةٍ إلى بقر الوحش يطارده هو
وأخوه حسان ، فهاجمته خيل خالد ، فاستأسر أكيدر ، وامتنع أخوه وقاتل
حتى قُتل ، ثم هرب من كان معهما ، وأجار خالد أكيدر من القتل حتى
يأتي به رسول الله عَ ليم ، على أن يفتحوا له دومة الجندل ، فدخلها
المسلمون ، وصالحه خالد على ألفيْ بعيرٍ وثمانمائة رأس وأربعمائة درع ،
وأربعمائة رمح، ثم خرج خالد بأكيدر وأخيه ((مصاد)) قافلًا إلى المدينة ،
وهناك صالحه النبي عَّةٍ على الجزية وحقن دمه ، ودم أخيه ، وخلَّى
سبيلهما ، وكتب له كتابًا فيه أمانهم وما صالحهم عليه .
الله دَرُّ خالدٍ .. إن فترة إسلامه التي قضاها إلى جانب الرسول عَ ليه
لا تتجاوز أربع سنوات ، بينما قاتل شمالًا على حدود أرض الشام ، وجنوبًا
في اليمن ، وشهد أحد عشر مشهدًا ، قاتل في ثلاثة مشاهد منها تحت لواء
(١) تمثال رجل كبير الجسم ، عَبَدَهُ بنو كلب بن وبرة من قضاعة بدومة الجندل .
(٢) قادة فتح العراق والجزيرة ص ٩٠، نقلًا عن ((خالد بن الوليد)) لأبي زيد شلبي
صـ ٨٦ - ٨٨ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٤٩
صلاح الأمة في عُلَوَ الهمة - المجلد الثالث
الرسول القائد عَوي ، وقاتل في ثلاثة مشاهد منها قائدًا مستقلًا ، ولم يُقاتل
في خمسة مشاهد منها ، بل أنجز واجبه سلمًا ، فمن أين له الوقت الكافي
لتحقيق كل هذه الأعمال !!
لقد كان خالد موضع ثقة الرسول عَ ظيم ، وكانت له قابليّات نادرة
في القيادة العسكرية خاصَّة لا يجود بها الزمان إلا نادرًا، فلا عجب أن
يقول الرسول عَ لمه عنه: ((نعم عبد الله وأخو العشرة، وسيف من سيوف الله
سلَّه الله على الكفار والمنافقين)) (١).
خالد وحروب الرِّدَّة :
لقد كانت حروب الردة - التي استمرت ملتهبةً حوالي سنةً كاملة -
أعنف ما شهد العرب المسلمون في تاريخهم العسكري ، وأبرزتْ هذه الحروب
وكشفتْ معادن الرجال ، وخالد بن الوليد لم يقم أي محاربٍ مقامه في منازلة
أهل الردة والقضاء على فتنتهم ، وكانت مسرح أعماله الرئيسية منطقة
((بزاخة)) ببلاد بني أسد ، ومنطقة البطاح في ديار بني تميم ، ومنطقة اليمامة
موطن بني حنيفة وكانوا أكثر وأشرس قوةٍ قارعها خالد في حياته .
مع طليحة في بزاخة :
التقى خالد مع طليحة الأسدي في بزاخة ، فتقاتل الطرفان قتالًا
شديدًا ، ولما رأى طليحة أن كفَّة المسلمين رجحت على كفّة أتباعه ، ركب
فرسه وحمل امرأته ثم نجا بها ، وقال: (( يا معشر فزارة ، من استطاع أن
يفعل هكذا وينجو بامرأته ، فليفعل )) . وبذلك قضى خالد على فتنة طليحة
وأعاد الإِسلام إلى بزاخة . ولقد حطّم انتصار خالد معنويات أسد وغطفان
والقبائل الأخرى كبني عامر وسُليم وهوازن ، فبايعوه وعادوا إلى الإِسلام ،
(١) الاستيعاب ٢ / ٤٢٩، وقادة فتح العراق والجزيرة صـ ٩٤ ، ٩٥ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٥٠
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث
ولم يقبل منهم إلّا أن يأتوه أوّلًا بالذين حرّقوا ومثّلوا وَعَدَوْا على الإِسلام ،
فأتوا بهم ، فمثّل بهم وحرّقهم ، ورضخهم بالحجارة ، ورمى بهم من
الجبال ، ونكّسهم في الآبار(١).
في اليمامة مع مسيلمة الكذّاب :
بعد أن فشل عكرمة بن أبي جهل وشرحبيل بن حسنة في القضاء
على المرتدين في اليمامة ، سار إليها خالد ، فلمّا كان على بُعْد ليلةٍ من معسكر
مسيلمة ، هجم على مفرزة من بني حنيفة بإمرة ((مجاعة بن مرارة الحنفي))
قوّتُها ما بين ثلاثين أو أربعين فارسًا، فأسرهم وقتل أصحاب ((مجاعة))،
واستحياه رهينةً لشرفه في بني حنيفة . والتقى الجمعان في عقرباء ، واشتدّ
القتال ، وتكسّرت في يد خالد تسعة سيوف ، واشتدّ القتال بشكلٍ لم يسبق
له مثيل ، وانهزم المسلمون حتى دخل بنو حنيفة فسطاط خالد ، ولكنّ
المسلمين عادوا فاستقتلوا، فقال خالد: (( يَأْيُّهَا الناس ، امتازوا ؛ لنعلم
بلاء كلِّ حِي ولنعلم من أين نُؤتى )) . وكان النصر بعد جهدٍ جهيدٍ لأنصار
دين الله ، وانتصر ثلاثة عشر ألف مسلم على رجال مسيلمة وعددهم حوالي
أربعين ألف مقاتل أو أكثر ، وقُتل من بني حنيفة في معركة اليمامة أربعة عشر
ألفًا، وقُتل منهم في الطلب سبعة آلاف (٢) ، وقُتل عدو الله مسيلمة، وقُتل
من المسلمين ثلاثمائة وستون من المهاجرين والأنصار ، وثلاثمائة من المهاجرين
من غير أهل المدينة ، وثلاثمائة من التابعين ، وقتل من القُرّاء خمسمائة ، فكان
جملة من قتل من المسلمين ألفًا ومائتي شهيد ، أي أن نسبة شهداء المسلمين
إلى قتلى المشركين تُعادل ستة بالمائة فقط ، وهذا يعدُّ من أروع الانتصارات .
(١) الكامل لابن الأثير ٢ / ١٣٣.
(٢) الطبري (٢/ ٥١٦)، وابن الأثير (٢ / ١٤٠).
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٥٥١
فللَّه درُّك يا خالد وأنت تريد قتل مسيلمة ، وما تطلب من الفرسان
حين تشدُّ عليه إلّا حماية ظهرك فقط، وتقول: ((لا أوتينّ من خلفي)).
فلا يثبت لك الكافر .
لقد أبلى خالد في قتال أهل الردة بلاء عظيمًا .. ولله درّ أبي بكر
حين قال فيك: (( ما كنتُ لأَشِيمَ سيفًا سلَّه الله على الكافرين)) (١).
هازم الفرس في أرض العراق :
((عجزت النساء أن يلدن مثل خالد)). [الصديق أبو بكر ].
٠
لقد كان خالد قائدًا لا يُجارَى ولا يُبارى في خططه وأسلوب قتاله
وشجاعته ، وأُقسِمُ بالله أن معاركه كانت أغرب من الخيال ، وله في كل
معركة ذكْر ونبأ تطير بذكره الرّكبان .
كاظمة ميدان المعركة الأولى مع الفرس :
وفيها كان قائد قوات الفرس ((هرمز))، أرسل إليه خالد رسالةً مع
رجل اسمه ((ازاذبة)) وكان نص رسالة خالد الخالدة: ((أمّا بعد، فأسْلِمْ
تَسْلَمْ ، أو اعتقد لنفسك ولقومك الذِّمَّة وأقرر بالجزية ، وإلّا فلا تلومنّ
إلَّا نَفْسَكَ، فقد جئتُك بقومٍ يحبّون الموتَ كما تحبون الحياة )). وفي رواية :
((جئتكم بقومٍ يحبون الموتَ كما تحبون شُرب الخمر)). قد كان ابن الوليد
قمة في سياسته العسكرية ، وقدرته على المناورة وخداع العدو ، لإنزال الهزيمة
به بأقّ خسارة ممكنة في جيش الإِسلام ، فتوقّع هرمز أن خالدًا سيتجه بجيشه
إلى كاظمة في أول الأمر ، فوجّه كافة قواته إلى كاظمة ، واستعدّ جندُه
وحفروا الخنادق ، ولكن خالد الذي قسم جيشه وفّقه إلى ثلاث فرق ،
(١) الطبري (٢ / ٥٠٣)، وابن الأثير (٢ / ١٣٧).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٥٢
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
لم يحملهم على طريق ليُعمِّي وجهته عن عدوه ، فيظل في حيرةٍ من أمره
حتى آخر لحظة ، وأربك خالد القائد الفارسي وفّت أعصابه ، فتخطّ
كاظمة ، واتجه نحو الحفير الواقعة شمال كاظمة وغربي الأبلَّة . وعندما
لم يجد هرمز أي أثرٍ لخالد في كاظمة ، وأنه تخطّاها نحو الحفير ، اغتاظ
وأصدر أمره إلى الكتائب في جيشه بأن يعودوا جميعًا إلى الحفير لمصادمة
جيش خالد ، وأمر هرمز قواته بأن تُجهد نفسها في التّحرّك ؛ ليسبق خالدًا
إلى الحفير ، وهذا هو الذي هَدَفَ إليه القائد الفذُّ خالدٌ ؛ أن يُرهق عدوه
نفسيًّ وجسديًّا قبل نشوب المعركة ، وعن عمدٍ تباطأ خالد بجيشه في
السير نحو الحفير ليسبق إليها القائد هرمز ، وفعلًا وصل هرمز الحفير على
عجلٍ ليسبق إليها خالدًا ، ثم أمر جنده بحفر الخنادق في الحفير استعدادًا
لمواجهة خالد ، ولما تلقّى خالد من استخباراته أن هرمز قد أرهق جنده
بحفر الخنادق والتعبئة للقتال ، عطف بجيشه راجعًا إلى كاظمة ، وكان
المغاوير من مقاتلي الفرس - بعد حفر الخنادق في الحفير - قد ربطوا
بعضهم ببعض بالسلاسل ؛ توطينًا لأنفسهم على الموت ، أو إحراز النصر ،
ولما أبلغتْ هرمز استخباراتُه أن خالدًا وجيشه قد عطف نحو الكاظمة
راجعًا ، استشاط غضبًا وتوتّرتْ أعصابه للغاية ، فأصدر أمره إلى جيشه
بالعودة نحو كاظمة ، وهناك وجد خالدًا في انتظاره ، قد عبًّا جيشه
للقتال ، وكانت قوات الفرس أضعاف أضعاف المسلمين ، وحال هرمز
وقواته بين المسلمين وبين نهر الفرات ، ومنعوهم الماء ، فقال خالد كلمته
الخالدة: ((ألا انزلوا وحطّوا رحالكم ، فلعمري ليصيرنّ الماء لأصْبر
الفريقين وأكرم الجُنْدَيْن))(١). ودعا هرمز خالدًا لليراز، وسرعان ما أجابه
خالد ، ولكن هرمز الخبيث - الذي ضُرب به المثل فيه فقيل : أحْبَثُ من
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٤٩.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
٥٥٣
هرمز ، وأكفر من هرمز - قد عهد إلى فرسانه عهدًا للغدر بخالد ، فلما
نزل خالد نزل هرمز ، ومشى إليه خالد ، فالتقيا ، فاختلفا ضربتين ، واحتضنه
خالد، وحملت حاميةُ هرمز وغدرتْ، فاسْتَلْحموا(١) خالدًا، فما شغله
ذلك عن الهرمزان ، وحمل القعقاع بن عمرو على حامية هرمز ، فأبادها
جميعًا ، أمَّا خالد فقد تمكّن في الحال من ذبح هرمز ذبح النِّعاج ، وركن
الفرس إلى الفرار بعد قتل قائدهم ، فركب المسلمون أكتافهم يقتلون
ويأسرون إلى الليل ، ولم ينجُ من الفرس إلّا من استطاع ركوب السُّفْن ،
وجمع خالد الرثاث(٢) وفيها السلاسل ، فكانت وقر بعير ؛ ألف رطل ،
فسُمِّيَتْ ((ذات السلاسل)) ونقّل أبو بكر خالدًا قلنسوةَ هرمز ، وكانت
قيمتها مائة ألف . وقدم زر بن كليب بالفيل مع الأخماس إلى المدينة ،
فطيف به في المدينة ليراه الناس ، فجعل ضعيفات النساء يقلن : أُمِنْ
خلْق الله ما نرى ؟! وردّه أبو بكر مع زر .
وإنه لَذِكْرٌ لك ولقومك :
نعم ، الإِسلام رفع من شأن العرب ، وقد كانوا قبله حُفاةً عُراةً
رُعاةً ، لا شأن لهم في الأرض ، ولا ذِكْر لهم في السماء ، أذَلَّهم الفرس ،
حتى إنَّ سابور الثاني والملقّب بذي الأكتاف كان يقوم بتعذيب الأسرى من
العرب ، فيقتلهم عن طريق نزع أكتافهم، فنزع أكتاف خمسين ألف عربي
من تميم وبكر بن وائل، حتى قالت له عجوز عربية: (( إن لهذا قصاصًا
ولو بعد حين )) . الفرس الذين كانوا أشجع وأشدّ بأسًا من العرب ، بجيشهم
الكبير الذي يقوده ألمعُ وأمهُرُ قادة الفرس ، يُذِلّهم خالد ويقتلهم ويأسرهم ...
(١) تبعوه .
(٢) المتاع .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥
٥٤
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
حتى صار ذِكْرِه يُقضُّ مضاجع الفرس .. ويبدو هذا في معركة الأُبُلّة .
معركة الأُبُلَّة ، وفرار الفرس من اسم خالد :
سار خالد بجيشه إلى الأُبُلَّة ، وفيها جيوش كثيفة للفرس ، وسبق
سويد بن قطبة الذهلي - وكان من جيش خالد - في جماعةٍ من قومه خالدًا
في اتجاه الأبلة ، وعسكر حولها ، ولما وصل خالد بقواته مكان البصرة اليوم ،
وجد سويدًا يتعقّب أهل الأبلة في انتظار أن يُهاجموه ، فيُقاتلهم خارج
مدينتهم ، ولكن سويدًا أخبر خالدًا بأن أهل الأبلة يهابون مقامه ، وأنهم
سيظلّون معتصمين بقلاعهم ما دام خالد موجودًا في المعسكر ، فقال سويد
لخالد : إن أهل الأبلة قد جمعوا لي ولا أحسبهم امتنعوا مني إلا لمكانك ؛
أي خوفًا منك . وهناك رسم خالد بالاتفاق مع سويد خُطّة يخدعون بها
الفرس ، حتى يأمنوا فيخرجوا لمُقاتلة سويد ، وذلك بحيث يعتقدون أن
خالدًا الذي بثّ في قلوبهم الرعب بعد قتله هرمز ، قد ترك معسكر سويد ،
وأنه لم يبق قائد للمسلمين في المعسكر سوى سويد فقط ؛ فقال خالد السويد :
فالرأي أخْرُجُ من المعسكر نهارًا ، ثم أعود إليه ليلًا ، فأدخل بأصحابي ،
فإن صبّحوك حاربناهم ، ونفّذ خالد خطّته لتضليل حامية الأُبُلَّة الفارسية
واستدراجهم لمهاجمة سويد ، فتوجّه خالد بمعظم قوّاته في وضح النهار في
اتّجاه الحيرة ، فاطمأنَّ الفرس إلى ترك خالد للمكان ، وعاد - رضي الله
عنه - بقواته إلى المعسكر ليلًا ، فلمّا خرجت جيوش الفرس من الأُبُلَّة
قاصدين مهاجمة سويد ، وما كادوا يصلون مدخل معسكر سويد ، حتى
رأوا كثرة العساكر وهم على أهبة الاستعداد ، فأسقط في أيديهم لمَّا علموا
بوجود خالدٍ في المعسكر ، ولم يشرع الفرس سيفًا ولا رمحًا في وجه خالد ،
وما كان همّهم إلّا الفرار للعودة إلى الأُبَلَّة المحصَّنة، فولوا الأدبار مسرعين
نحو أبواب المدينة ، ولكنّ خالدًا حال بينهم وبين ذلك ، وانفرط عقد جيش
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٥٥
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
الأُبُلَّة ، وتمزّق شملهم ، وكثُر القتل فيهم ، وقذف كثيرٌ منهم نفسه في
نهر دجلة والفرات فغرقوا وبعث خالدٌ معقل بن مقرن المزني إلى الأُبُلَّة التي
كانت خاليةً من المحاربين ، فسيطر عليها بدون قتال ، وجمع ما فيها من غنائم
وأسلحة .
الخريبة :
وبعد ذلك سيطر خالد على نقطة حربية مهمة يُقال لها : الخريبة ، وكانت
من مسالح العجم ، وقال خالد لجنوده قبل المعركة ، لمّا رأى وجوه قادة الفرس
وجنودهم، وأدرك الرعب المسيطر عليهم: ((احملوا عليهم ، فإني أرى هيئة
قومٍ ألقى الله في قلوبهم الرعب)) . فحملوا عليهم ، فهزموهم ، وكثر القتل
فيهم ، وغرقٍ طائفة منهم في دجلة .
الجولة الثالثة : معركة المذار وقتل قُوَّاد الفرس الثلاثة :
جهّز شيرويه ملك الفرس جيشًا جرّارًا، وأعطى قيادة الجيش لأكبر
قائد من قوّاده وهو (( قارن بن قرباس)) يسانده قائدان كبيران وهما :
((الأنوشجان)) و((قباذ))، وكان هذا الجيش يضم أيضًا فلول الأُبُلَّة والكاظمة
وأهل الأهواز وفارس والسواد والجبل ، وتعاهدوا بعدم الفرار .
وبلغت قوات فارس ما يقارب الثمانين ألفًا ، بينما خالد في جيشٍ
لا يزيد على ثمانية عشر ألفًا . وبدأت المعركة اللاهبة بدعوة قارن إلى البزار ،
فاستبق إليه اثنان من المسلمين : خالد بن الوليد ، وأبيض الركبان معقل بن
الأعشى النباشي ، فسبق معقل على فرسه خالدًا ، وبارز قارنًا فقتله في الحال .
وهجم عاصم بن عمرو على الأنوشجان فقتله في الحال ، وبادر البطل الميمون
عدي بن حاتم إلى القائد قباذ فقتله ، وقاتل الفرس على حنقٍ وحفيظةٍ ،
واضطرب شمل الفرس بعد مقتل قارن ، وكان شرف قارن قد انتهى ؛ أي
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
٥٥٦
أنه وصل إلى أعلى رتبة عسكرية في فارس . وقُتل من الفرس في الميدان ثلاثون
ألفًا، سوى من غرق في دجلة بحديده. (( ولولا المياه لأتى المسلمون
على آخرهم، ولم يفلت منهم إلا عراة أو شبه عراة))(١).
الولجة أو ( واترلو الفرس ) :
أقام خالد - رضي الله عنه - بمنطقة المذار يجمع المعلومات ويرقب
اتجاه مسارات العدو ، وعلم أن القيادة العامة في المدائن أعدت جيشين يقودهما
أعظم قائدين مجرّبَيْن وهما: ((الأندرزغِر)) و((بهمن جاذويه)). وأراد بهمن
جاذويه أن يوقع خالدًا بين فكّي كاشةٍ ، إن هو اتّجه من الشرق إلى الغرب
رأسًا : بين جيش الأندرزغر الذي يعسكر غربًا في الولجة ، وبين جيش بهمن
الذي يتحرك في السواد شرقًا ، ثم إنه مع وقوعه في الكماشة ، سيقع بين
حاجزين مائيين كبيرين . وفكر خالد - وهو الألمعي - في اتّباع أسلوبٍ
يجعله يتصل بالأندرزغر في الولجة ، دون أن يوقع بجيشه في كمّاشة ، فانحدر
جنوبًا في طريق طويل بمحاذاة نهر دجلة ، حتى إذا ما وصل الأُبَلَّة عَبَرَ نحو
الغرب ، ثم أخذ يتجه شمالًا نحو الولجة غربي الفرات حيث يعسكر الأندرزغر .
لقد كان خالد من أبرز قادة الجيوش في العالم ، وأقدرهم على استخراج
النتائج من حساب المعارك قبل وقوعها ، ورغم أنه محارب جريء ممتاز ،
فإنه كان أبعد القادة عن الغرور ، وكان شديد التَّقُّظ والحذر ، وأوقع جيش
الفرس في كماشته بدلًا من أن يوقعوه هم . ولكي يختصر خالد المعركة ،
ويكسب النصر بأقل خسارةٍ ممكنةٍ من رجاله ، أقام قبل أن يصل إلى مكان
المعركة خلفه كمينيْن من خيرة رجاله ، كمين في مواجهة الفرس من اليمين
على رأسه بسر بن أبي رهم الجهني ، وكمين من يسار الفرس وجعل على
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٥٢.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٥٥٧
قيادته سعيد بن مرة العجلي ، وأخفى الكمينيْن ، وطلب من قائديهما أن
لا يسرعا في الهجوم على الفرس ، وهذه الخطة التي رسمها خالد بالكمينيْن
تجعل جيش فارس بين فكّيْ كمَّاشة ، مع انشغاله بالرمح المُشْرَع في صدره
وهو جيش خالد ، وأُعْطِيت الأوامر بألا يهجم الكمينان على الفرس إلا عندما
الفرس
٧
تميم
ربيعة
طيئ
بسر بن أبي رهم
سعيد بن مرة
يحتدم القتال ، وتظهر بوادر الوهن على الفرس . واشتبكت قوات خالدٍ
مع قوات ((أندرزغر)) في قتالٍ ضارٍ عنيفٍ ؛ ذلك أن الفريقين صبروا صبرًا
عظيمًا على أن يتلقّى أحدهما مدده قبل الآخر ، واشتدّ القتال في الولجة ،
وثبت الفرس ثباتًا أزعج خالدًا حتى بات يخشى الهزيمة ، وظنَّ الفريقان
أن الصبر قد فرغ ، ولكن النصر في اللحظة الحاسمة كان من نصيبه ،
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٥٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
فقد أطبق الكمينان على جيشٍ الفرس من الشرق ومن الغرب ، ثم شكَّلا
رأس حربتين إذا انقضّا على جيش الفرس من وراء ظهره ، في الوقت الذي
كان يرقب الأفق بقلق ، ينتظر أن يظهر عليه بهمن جاذويه فينقذه . وأُسقط
في يد الفرس ، وانتابهم الذعر ، وشرع العرب في إبادة جيش الفرس ،
ولم يَرَ رجلٌ من الأعاجم مقتل صاحبه ، ومضى الأندرزغر في هزيمته إلى
مجاهل الصحراء فمات عطشًا .
وتعلّم الغرب من خالد .. فهذه معركة ((واتر لو)) التي دارت في بلجيكا
بين نابليون بونابرت ، وبين قائد جيوش الحلفاء ((ولنجتون)» الإنكليزي
عام ١٨١٥، وفيها انهزم نابليون بوقوعه في كمين القائد ((بلوخر))
وجيشه ، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من النصر ، واستقال من منصبه ،
ودخل الحلفاء باريس ، ولجأ نابليون إلى انجلترا ، فلم تقبله لاجئًا سياسيًّا ،
بل عدّْه أسيرًا وَنَفَتْهُ إلى جزيرة القديسة هيلانة .
وخطب خالد بن الوليد بعد انتهاء المعركة ، وحثّ جنده على تحقيق
المزيد من الانتصارات، فقال: ((ألا ترون إلى طعام كرفغ التراب(١)،
وبالله لو لم يُلزمنا الجهادَ في الله والدعوة إلى الله عزّ وجلّ إلَّ المعاشُ،
لكان الرأي أن نُقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به ، ونُولّي الجوع
والإِقلال مَنْ تولاه ممَّن اثَّاقل عمّا أنتم عليه))(٢).
معركة أَّيْس أو ((نهر الدم))؛ الجولة الرابعة بين خالد والفرس:
حَقَدَ نصارى العرب وهم من تغلب وبكر بن وائل على المسلمين
بعدما أصابهم في الولجة ، فاستغاثوا بكسرى ( شيرويه ) يمدّهم بجيش فارسي ؛
(١) أي كثير التراب .
(٢) تاريخ الطبري (٢ / ٥٥٩)، وابن الأثير ٢ / ١٤٨.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
٥٥٩
ليشتركوا سويًّا في القضاء على خالد وجيشه ، وكان على العرب في ألَيْس
عبد الأسود العجلي ، ووصل ((جابان )) على رأس جيش كثيفٍ من الفرس ،
وتولّى جابان القيادة العامة ، وكان عبد الأسود قائد خليط نصارى العرب ،
وهم من بكر بن وائل وبني عجل ، وتيم الّات وضبيعة وعرب الضاحية من
أهل الحيرة ، وانضمَّ إليهم زهيرٌ ومالكٌ ابنا قيس من قبيلة جذرة العربية
النصرانية . وصل خالد بجيشه ، والمجوس قد مدُّوا البُسُط يستعدُّون
للغداء ، وقد وُضع الطعام الفاخر على البُسُط ، وأصابهم الغرور وهم فيما
يقارب المائة والخمسين ألف محارب ، وخالد في جيشٍ لا يزيد على
ثمانية عشر ألفًا ، فلم يحفلوا بخالدٍ وأقبلوا على طعامهم ، فقال لهم قائدهم
جابان: ((اتركوا الطعام، واستعِدُّوا للصدام)). فلمّا عصوْه قال: ((إن
القوم سيعجلونكم قبل أن تَطْعَمُوا الطعام ، وإنكم إنما هيأتموه لهم ليأكلوه
بدلًا منكم )). فعصوه، وبسطوا البُسُط ، ووضعوا الأطعمة ، ودعا بعضهم
إلى بعضٍ ، وتوافوا إلى البُسُط ، وزحف خالد والمسلمون ، فأجبروا
الفرس على القيام عنه ، وأجهضوهم عنه قبل أن يطعموه . ودعا خالد للبراز
ونادى (( أين أبجر بن عبد الأسود ، أين مالك بن قيس؟ )). فجبنوا جميعًا
عن مبارزته إلَّا مالك بن قيس ، فإنه خرج إلى خالد ، فقال له خالد مُوبِّخًا
ومُحتَقِرًا: (( يا ابن الخبيثة، ما جرَّأك ؟! لستَ لي علّ من بينهم ، وليس
فيك وقاء )). أي أنك لست لي بكُفْءٍ . ثم ضربه ضربةً قتلته في الحال .
ومع ذلك فقد اقتتلوا اقتتالًا شديدًا كان أشدَّ من أي قتالٍ سبق ؛ لأن نصارى
العرب كانوا شديدي الغيظ لخالدٍ ؛ لقتله ابْنَيْ زعيميْهم في الولجة ، وصبر
الفرس صبرًا شديدًا، ولقي المسلمون مقاومةً عنيفةً ، حتى شقَّ عليهم
الأمر، قال خالد: (( ما لقيتُ قومًا كقومٍ لقيتُهم من أهل فارس ، وما
لقيتُ من أهل فارس قومًا كأهل أَلَيْس)). ونذر خالد الله أن يُجري نهرًا
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٦٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
من دمائهم إنْ مَنَحَهُ الله النصر عليهم، فقال: ((اللهم إنّ لك علّ إن منحتَنَا
أكتافهم ، ألَّا أستبقي منهم أحدًا قدرْنا عليهم حتى أُجرِيَ نهرهم بدمائهم)).
وانتاب الفرس والنصارى الذعرُ والخوفُ عندما رأوْا ثبات المسلمين وشدَّة
ضرباتهم ، وركنوا إلى الفرار ، وركب المسلمون أكتافهم يقتلون ويأسرون ،
ونادى منادي خالد حتى يفي بنذره: الأسر ، الأسر ، لا تقتلوا إلَّا مَنْ امتنع .
فأقبلت خيولُ المسلمين بهم أفواجًا مستأسرين يُساقون سوق الأنعام ،
فجمعهم خالدٌ وقد حَبَسَ الماء عن النهر ، فوكَّل بهم رجالًا يضربون
أعناقهم في النهر يومًا وليلةً ، على رجاء أن يسيل النهر بدمائهم ، وهنا قال
القعقاع وغيره لخالدٍ : لو أنك قتلتَ أهل الأرض ، لم تُجْرِ دماءهم ، ولكنْ
أرسِلْ على الدماء الماءَ ، فيجري النهر دمًّا لتبّ بيمينك . فعمل خالد بمشورة
القعقاع ، وأُعيد الماء إلى النهر ، فجرى أحمر قائيًا ، فسُمِّي لذلك : نهر
الدم ، وعُرف بذلك إلى قرونٍ طويلة . قالوا : وكانت على النهر طواحين
تُدار بالماء ، فطحنت بالماء وهو أحمر اللون قوت العسكر ثمانية عشر
ألفًا - أو يزيدون - ثلاثة أيامٍ ، وأكل المسلمون طعامَ الفرس الذي وضعوه
على البُسُط ، بعد أن قتلوا من الفرس ونصارى العرب سبعين ألفًا ، أكثرهم
من أهل (( أمغيشيا ))، وَزُفَّ خبر النصر إلى الصِّدِّيق، فتَوَّج خالدًا بشهادةٍ
من أرقى الشهادات ، وحَسْبُكَ بها من شهادةٍ ، فهو لا يرى لخالدٍ نظيرًا
في عبقريته وشجاعته ، ولا نظير له في عسكريته .
أَعَجَزَتِ النِّساءُ أن يُنشِّئْنِ مِثْلَ خالدٍ :
قال الصِّدِّيق في خالد - وهو يخطب في الناس بعد نصر ألْيْس -: (( یا
معشر قريش ، عدا أسَدُكم على الأسدِ، فَغَلَبَهُ على خراذيله(١)، أعجزتِ النساءِ
(١) أطايب اللحم المقطّع الوافر ، وخردل وخرذل بمعنى واحد .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com