Indexed OCR Text
Pages 441-460
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٤٤١ في القادسية : أعاد عمر رضي الله عنه إلى العراق كلّ الرجال الذين جاءوا مددًا إلى الشام ، وهم ستة آلاف ، وأمَّر على هذا الجيش هاشم بن عتبة ، وجعل على مُقدِّمته القعقاع بن عمرو التميمي ، وعجّله أمامه كي يدرك سعدًا قبل فوات الأوان . وفي اليوم الثالث من أيام القادسية، وهو يوم ((عماس))، أدرك هاشم وجنودُه رجالَ القعقاع ، فجعل رجاله فِرَقًا، وأمرهم أن يتلاحقوا دِراكًا ، فلا تسير فرقة حتى تغيب الأخرى عن نظرها . وسار هاشم على رأس الفرقة الأولى ، حتى إذا خالط القلب ، كَّر وكَبَّر المسلمون وهم في مصافّهم . قال هاشم : أولُ القتال المطاردة ثم المراماة . وأخذ قوسَه فوضع سهمًا على كبدها ، ثم نزع فيها ، فرفعت فرسُه رأسها فجأة - وكان لا يقاتل إلا على فرسٍ أنثى ، لا يقاتل على ذَكَرٍ - فقطع أُذنها ، فضحك وقال : ((واسوأتاه من رمية رجل كلٌّ من رأى ينتظره ، أين تروْن سهمي كان بالغًا لو لم يُصب أذنَ الفرس؟ )) قالوا: كان يبلغ كذا وكذا . [وفي رواية: أنه قيل : كان يبلغ العتيق ] فأجال فرسه ثم نزَّقها ، وقد نزع السَّهم ثم ضربها حتى بلغت حيث قالوا ، ثم ضربها ، فأقبلت به تخرقهم حتى عاد إلى موقفه . وفي رواية أخرى : أنه أجال فرسه ثم نزل وتركه وخرج إليهم يضربهم ، حتى بلغ حيث قالوا . وما زالت قواته تصل تباعًا))(١). لقد كان لقدوم قوات هاشم في الوقت المناسب أثرٌ حاسم في انتصار المسلمين على الفرس ، وكان هاشم ((أبلى فيها بلاءً حسنًا ، وقام منه في ذلك ما لم يقم من أحد ، وكان سببَ الفتح على (١) الطبري ٣ / ٥٥١، و((القادسية)) لأحمد عادل كمال صـ ١٦٧ - ١٦٩ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٤٤٢ المسلمين ))(١). تُرَىُ : لو لم تَصِل قواتُ هاشم إلى ساحة معركة القادسية في الوقت المناسب ، فماذا كان يحدث للمسلمين في تلك المعركة ؟! ولقد وصل أمّر من عمر بعد انتصار المسلمين في القادسية بالتوجّه لفتحِ المدائن ، فعبَّأ سعد جيشه بقدمات : قَدَّم زهرة بن الحويّة ، ثم أتبعه بعبد الله بن المعتم ، ثم بشرحبيل بن السِّمط ، ثم بهاشم الذي جعله نائبًا عنه بدلًا من خالد بن عُرْفُطة ، الذي جعله على السَّاقة ، فسارت قواتُ المسلمين من نصرٍ إلى نصر ؛ انتصروا في بُرس ، وفي بابل ، وفي ساباط . وهنا لنا وقفة مع الأسد . قتل أسد كسرى في مظلم ساباط : تقدَّم الجيشُ إلى ساباط على ثلاثين كيلو مترًا من المدائن ، بطريق بهرسير ، وفي مكانٍ اسمه مظلم بضواحي ساباط ، التقى المسلمون بقوةٍ مجوسية ، ذكرتها الأنباء على أنها ((كتيبة كسرى)) أو كتائب كسرى ، وحملت اسم : بوران [ بنت كسرى أبرويز، وهي عمَّة يزدجرد الثالث ] ، وهي تمثل قوات الحرس الملكي . (( وبلغ هاشم إلى مظلم ساباط ، فوقف المسلمون حتى لحق بهم سعد ، وفي مظلم ساباط كانت بعضُ الحدائق الملكيَّة ، وكان كسرى قد اقتنى فيها بعضَ الأسود ، منها أسد اسمه المقرط ، كان كسرى قد اختاره من أسود المظلم واستأنسه ، واجتمعت كتائب كسرى بوران في المظلم ، وكانوا يحلفون بالله كلّ يوم: (( لا يزول ملك فارس ما عشنا)) ودارت المعركة ، (١) الاستيعاب (٤ / ١٥٤٦) لابن عبد البر . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في غُلْوَ الهمة - المجلد الثالث ٤٤٣ وبلغهم سعد وهي دائرة ، فأطلق المجوس أَسَدَهم المقرط على صفوف المسلمين . ونزل هاشم عن فرسه ، وتقدَّم إلى الأسد بقلبٍ لا يعرف الخوف ، كما تقدّم إخوانٌ له من قَبْل إلى الأفيال بالقادسية . وضرب هاشم الأسد بسيفه حتى قتله ، وسمَّى سيفه ((المنن)) ، وقَبَّل سعدٌ رأس هاشم؛ تقديرا له ولما فعل ، وانحنى هاشم حُبًّا واحترامًا لعمه وقائده حتىَ قبَّل قدم سعد ))(١). جلولاء : لم يكد المسلمون يستقُّون في المدائن ، حتى علموا بأن قوات فارس قد عسكرت بجلولاء ، وهي مدينة على طريق خراسان شمال المدائن ، فكتب عمر إلى سعد: سَرِّح هاشم بن عتبة إلى ((جلولاء)) في اثني عشر ألفًا ، واجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو ، وعلى ميمنته مسعر بن مالك ، وعلى ميسرته عمرو بن مالك بن عتبة ، واجعل على ساقته عمرو بن مرة (٢) الجهني(٢). وسار هاشم من المدائن أربعة أيامٍ ، حتى بلغوا جلولاء ، فأحاط بها وحاصر المجوس فيها وطاولوه ، فكانوا لا يخرجون من استحكاماتهم إلا إذا أرادوا . وكان المجوس يزاحفون المسلمين بأعدادٍ كبيرة وبجلَّةٍ وأهاويل ، وقد وقع أثناء هذا الحصار ثمانون زحفًا ، كان الظَّفر فيها جميعًا للمسلمين ، ويعود العَجَمُ إلى ما وراء خنادقهم ، واستمر الحصار على هذه الحال سبعة أشهر أو يزيد . وكان يزد جرد يحشد من أهل الجبال من حول حلوان ، ويمدُّ قواته في جلولاء بأمدادٍ جديدة في كل يوم ، وكانت استحكامات الفرس عبارة (١) ((سقوط المدائن)) لأحمد عادل كمال صـ ٢٠ - ٢١ ، دار النفائس. (٢) الطبري ٣ / ١٢٢. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٤٤ صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث عن خندق كبير متسع وعميق ، حَفَره المجوس حول مواقعهم ، يحوطه حزام من حَسَك الخشب . وهي خوازيق من الخشب ، قد نصبوها كموانع لاندفاع الخيل ، وبين الخندق ونطاق الحسك مجال خالٍ ، ثم جعلوا بعد ذلك حسك الحديد . وخرج المجوس في زحفٍ كبير من العَدد والعُدة ، وكان هو الأخير، فقام هاشم في جنده وخطبهم فقال: (( إن هذا المنزل منزل له ما بعده ، أبلوا الله بلاءً حسنًا يتمّ لكم عليه الأجر والمَغْنم ، واعملوا الله )). وكان الالتحام شديدًا، لم يَقْتتلوا مثله ؛ رميًّا بالنَّبْل ، وطعنًا بالرماح ، حتى تقصَّفت ، فاستلُّوا السُّيوف وتجالدوا بها حتى انثنت ، وانهزم المجوس ، وتراجعوا ، فتبعهم المسلمون يشدِّدون من ضغطهم عليهم ، حتى غلبوهم على خوازيق الخشب ، وهم يقتلونهم قتلًا ذريعًا ، حتى حجزهم الليل ، والتحم مرة ثانية مع المجوس ، بعد أن ألقوا أمام خندقهم حسك الحديد ليغرز في أقدام خيل المسلمين ، والتحم الفريقان واقتتلوا اقتتالًا شديدًا ، والظلام يسحب رداءه على الميدان ، قتالًا لم يقتتلوا مثله إلّا ما كان ليلةَ الهرير ، وبلغ القعقائُ وجنده مدخل الخندق فأخذ به ، وقد انعزلوا عن سائر المسلمين ، فأمر مُنادِيَه فنادى: (( يا معشر المسلمين ، هذا أميركم قد دخل خندق القوم وأخذ به ، فأقبلوا إليه لا يمنعكم مَنْ بينكم وبينه من دخوله )) ولم يَعُد المسلمون يشكُّون في أن هاشمًا في الخندق ، فكيف يتركونه بين المجوس ، وحمل المسلمون حملةً صادقة عنيفة ، لم يصمد لها العجم ، حتى أدركوا القعقاع، وهو آخذٌ بمدخل الخندق ، يمنع المجوس من الانسحاب إليه . وبدأت هزيمة المجوس ، وأصاب حَسَكُ الحديد خيولهم ، فنزلوا عنها وقاتلوا مشاةً ، ولكن أتّ مشاة ؟! مشاة مشتتة ، وتعقّبهم المسلمون ، تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٤٥ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث فلم يفلت منهم إلّ من لا يُعَدُّ . يقول الرواة : إن قتلى المجوس بلغوا مائة ألفٍ ، فجلَّلت المجال وما أمامه وما خلفه ؛ ولذلك سمّيت جلولاء ؛ بما جلَّلها من قتلاهم . وكان مِهِرانُ قائد قوات الفرس من بين القتلى ، وفَّ فيرزان إلى المرتفعات الوعرة . وقد قُوِّمت غنائم جلولاء بثلاثين مليون درهم ، وبلغ سهم الفارس بجلولاء مثل سهمه بالمدائن . وفي رواية أخرى : في جلولاء اقتسم على كل فارس تسعة آلاف درهم ، وتسعة من الدواب . وكتب سعد إلى عمر بفتح جلولاء ، وبنزول القعقاع حلوان ، فلما قدموا على عمر كلَّمه زياد بن أبي سفيان ، ووصف له ، وأفاض في طلاقٍ أعجبت عمر، فقال له: (( هل تستطيع أن تقومَ في الناس بمثل الذي كلّمتني به ؟ )) قال: والله ما على الأرض شخصٌ أهيب في صدري منك ، فكيف لا أقوى على هذا من غيرك . وقام زياد في الناس ، فحكى لهم عما أصابوا، فقال عمر: ((هذا الخطيب المصقع)) فقال زياد قولته الندية: ((إِن جُنْدَنَا أُطلقُوا بالفَعَال لِسَانَنَا)). رضي الله عن المِرْقال هاشم ، فاتح محور ديالي ، من المدائن إلى جلولاء ، الذي شَِّبَته المعارك فقال : ويوم زحفِ الكوفة المُقَدَّمْ يَومَ جلولاءَ ويوم رستمْ من بين أيامٍ خَلون صُرَّمْ ويوم عرض النهر المحرَّم مثل ثَغَام البلد المَحرَّمْ(١) شيَّيْن أصداغي فهنَّ هُرَّمْ (١) سقوط المدائن لأحمد عادل كمال، وقادة فتح العراق والجزيرة . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٤٤٦ أبو مِحْجَن بن حَبيب الثَّقَفي : فارسٌ من فرسان القادسية ، وبطلٌ من مَغَاويرها ، حَبَسه سعد فيمن حبس لاعتراضهم على خالد بن عُرفُطة . ولما علا صليلُ السيوف وأصواتُ المعركة، بلغتْ مسامعَ الذين حبسهم سعد في القصر مقيَّدين ، فصعد أبو محجن الثقفي بعد أن دخل الليل إلى سعد ، وهو مشرف من فوق القصر ، يستعفيه ويسترضيه ، ويَسْتميحه أن يفكَّ قَيْدَه ويسمح له بالقتال ، فزجره سعد وردَّه إلى مَخْبسه ، فنزل إليه ، ثم جاء إلى امرأة سعد فقال : يا سلمى ، يا بنت آل خصفة ، هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: (( تُخَلِّين عني وتُعيريني البَلْقاء، فللَّهِ علَّ إن سلّمني الله أن أرجع إليك، حتى أضع رجلَّي في قيدي)) . فقالت: وما أنا وذاك . فرجع إلى مكانه يَرْسُف في قيوده ويقول : كفى حزنًا أن ترتدي الخيلُ بالقَنَا وأُتركُ مشدودًا علَي وثاقيا إذا قمتُ عنّاني الحديدُ وغُلِّقَتْ مصارعُ دوني قد تُصُمُّ المُناديا وقد كنتُ ذا مالٍ كثيرٍ وإخوةٍ وقد تركوني واحدًا لا أخَا لِيَا أعالجُ كَبْلًا مُصْمتًا قد بَرَانيَا وقد شفَّ جسمي أنني كلّ شارقٍ ويذهل عني أثْرتي ورجاليَا فللَّهِ دَرِّي يوم أُترك مُوثقًا وأعمالُ غيري يوم ذاك العواليًا حُبِسْنَا عن الحرب العَوانِ وقد بدتْ لئن فُرّجتْ أن لا أزور الحَوَانِيَا فللَّه عهدٌ لا أخيسُ بعهده فراجعتْ سلمى نفسها : إني استخرت الله ، ورضيت بعهدك . فأطلقته وقالت : أمَّا الفرس فلا أعيرها ، ورجعت إلى بيتها ، فاقتاد أبو محجن الفرس ، فأخرجها من الباب الخلفي للقصر المواجه للخندق - وكان يُقال لها : البلقاء - فركبها ثم دبَّ عليها ، واتجه إلى الميمنة حيث قومه من بني ۔۔ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٤٤٧ ثقيف ، فكبّر ، وحمل على ميسرة الفرس ، يلعب برمحه وسيفه بين الصَّفين [ قال بعضهم : إن البلقاء كانت بسَرْجها، وقال آخرون: بل كانت عُرِيًا ] ، ثم رجع من خلف المسلمين ، واتجه إلى الميسرة ، فكَبَّر وحمل على مَيْمنة المجوس ، يلعب بين الصَّفين برمحه وسلاحه ، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب ، فبرز أمام الناس ، فحمل على العجم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه ، فكان يقصف المجوس لَيْلَئِذٍ قصفًا منكرًا ، ولا يحمل على رجل إلّا قتله ، ودقّ صلبه ، والناس منه في أشد العجب ، وهم لا يعرفونه ، ويغلب على ظننا أنه كان مُلَّمًا، إذْ لو كان حَاسَرَ الوجه لعرفوه ، ولم يكن أحدٌ قد رآه بالنهار ، فقال بعضُهم : لعله أوائل أصحاب هاشم بن عتبة ، أو لعلّه هاشم نفسه . وظّ أبو محجن يحمل على العجم ، فلا يقف بين يديه أحدٌ ، لقد كان فارسًا شديدًا مغوارًا، ولعلَّ حَبْسه يوم أرماث ويوم أغواث قد حال دون إجهاده ، فكان جَمَّ النشاط ، موفورَ القوة ، والناس متعبون . وكان سعدٌ من أحدِّ الناس بصرًا ، فجعل ينظر إليه في ظلام الليل وهو مشرفٌ مكبُّ من فوق القصر ويقول: (( من ذلك الفارس ؟ الضَّبْرِ (١) ضَبْرُ البلقاء ، والطَعْنُ طعن أبي محجن ، وأبو محجن في القيد ، والله لولا محبس أبي محجن لقلت: هذا أبو محجن ، وهذه البلقاء)) وقال بعضهم : لولا أن الملائكة لا تباشر القتال لقلنا : ملك يُثْبِّتنا، ولا يذكر الناس أبا محجن ، ولا يأبهون له ، لعلمهم أنه بات في محبسه . وانتصف الليل ، فتحاجز العجم وتراجع المسلمون ، وأسرع أبو محجن فأقبل حتى دخل من حيث خرج ، ووضع عن نفسه وعن دابته ، وأعاد رجلَيْه في قيده ، وأنشد وهو مغتبطٌ سعيد : (١) إذا جَمَعَ الفرسُ يداه ، فوثب فوق، مجموعةً يداه ، فذلك الضَّبْر . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٤٨ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث بأنَّا نحن أكْرَمُهم سُيوفَا لقد علمتْ ثقيفٌ غير فخر وأَصْبرهم إذا كرهوا الوقوفَا وأكثرهم دُروعًا سابغاتٍ فإنْ عَمِيوا فَسْل بهمُ عَرِيفًا وأنّا وَفْدهم في كلٍّ يومٍ ولم أُشعِرْ بمخرجي الُّحوفَا وليلة قادسٍ لم يشعروا بي وإِنْ أُتركْ أَذيقهمُ الحُتُوفَا فإنْ أُحبس فذلكمُ بلائي وفي الثاني : أتت سلمى سعدًا وأخبرته خبرها ، وخبر أبي محجن ، فسامحه سعد ، ودعا به فأطلقه(١). يرحم الله الفارسَ الملَثم والبطل أبا محجن القائل : اليوم أعلمُ أني من سَراتهمُ إذا تطيشُ يدُ الرِّعْديدةِ الفَرِقِ(٢) وأكتم السّ فيه ضربة العُنقِ(٤) قد أُركبُ الهَولَ مَسْدولًا عَسَاكره(٣) وعامل الرمح أَرْويه من العَلَقِ(٥) أُعطي السّنان غداة الروع حصَّته ضِرَار بن الخطّاب القرشي ، فاتح ماسبذان بإيران : كان رضي الله عنه من فرسان قريش وشجعانهم .. وقاتل المسلمين أشدَّ القتال يوم أُحُد ؛ فقد اختلف الأوس والخزرج فيمن كان أشجع يوم (١) القادسية لأحمد عادل كمال صـ ١٥٩ - ١٦٥. وفي رواية الطبري ٤ / ١٣٩ أن قصة أبي محجن كانت مع الزّبراء ، وتذهب إلى أن سعدًا نزل من رأس الحصن ، فرأى فرسه تعرق ، فعرف أنها قد رُكبت ، فسأل زبراءٍ أم ولده عن ذلك ، فأخبرته خبرَ أبي محجن ، فخلّى سبيله . (٢) الخائف . (٣) كثيرة لا تخترق. (٤) أكتم سَرَّ من أمامي بضربي عنقه، فلا ينطق بسره . (٥٠) عامل الرمح : نَصْل سِنِّه . العلق: الدَّم . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلَوَ الهمة - المجلد الثالث ٤٤٩ أحد ، فمَّ بهم ضرار فقالوا : هذا شَهِدَها ، وهو عالم بها ، فسألوه عن ذلك فقال: ((لا أدري ما أُوْسكُم مِنْ خزرجكم ، ولكنّي زَوَّجتُ منكم يوم أُحُدٍ أَحَدَ عشر رجلًا من الحُور العين))(١). وفي يوم الخندق كان أَحَدَ الأربعة الذين وَثَبوا الخندق ... وكان أَحَدَ قادة قريش يوم الخندق .. قال ضرار يومًا لأبي بكر الصديق: (( نحن خيرٌ لقريش منكم ؛ أدخلناهم الجنة ، وأنتم أدخلتموهم النار))(٢) يريد أنه قَتَلَ المسلمين فدخلوا الجنة ، وقتل المسلمون الكفار من قريش فأدخلوهم النار . وأسلم يوم فتح مكة وحَسُنَ إسلامه . وشهد ضرار يومَ اليمامة تحت راية خالد بن الوليد ، وشهد كلَّ معارك العراق التي خاضها خالد هناك، وكان هو الذي حاصر قصر ((الغَرِيِّين)) في فتح الحيرة (٣)، ولمَّا تحرك خالد إلى أرض الشَّام كان معه، وشهد تحتَ لواء خالد كافة معارِ كِه في طريقه من العراق إلى أرض الشام ، وشهد معه معركة اليرموك ، وشهد مع أبي عبيدة فتح الشام . وعاد ضرار إلى العراق مع هاشم بن عتبة الزهري فشهد القادسية ، وفي هذه المعركة غنم ضرار عَلَم الفُرْس الأكبر ، فَعُوِّض منه ثلاثين ألفًا ، وكانت قيمته ألف ألف ومائتي ألف(٤). (١) أسد الغابة ٣ / ٤٠، والاستيعاب ٢ / ٧٤٩. الإصابة ٣ / ٢٧٠، والاستيعاب ٤ / ٧٤٩ . (٣) الكامل لابن الأثير ٢ / ١٤٩. (٤) ابن الأثير ٢ / ١٨٦. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٥٠ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث وشهد ضرار فتح المدائن القديمة على الضفة الغربية من النهر ، فلما رأى ضرار من المدائن القديمة إيوان كسرى في الضفة المقابلة من النهر ، نادى بأعلى صوته: ((الله أكبر! هذا أبيض كسرى .. هذا ما وعد اللهُ ورسولُهُ )) وكَبَّر ضرار، وكبّر الناس معه(١). وشهد ضرار معركة ((جلولاء)) فلما رجع هاشم منتصرًا من جلولاء إلى المدائن ، بلغ سعد بن أبي وقاص أن الهُرْمزان قد جمع جمعًا من قواته في سهل ((ماسبذان)) فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب ، فكتب عمر : (( ابعث إليه ضرار بن الخطاب في جندٍ ، واجعل على مقدمته الهُذيل الأسدي ، وعلى مَجْنَبتيه عبد الله بن وهب الراسبي والمضارب بن فلان العجلي))(٢) فخرج ضرار بمن معه حتى انتهى إلى سهل ((ماسبذان)) والتقى بالفُرْس ، وأسرع المسلمون في الهجوم على الفرس ، وأخذ ضرارُ قائدَهُم آذين سَلَمًا ، فأسره فانهزم عنه جيشه ، فقدَّمه فضرب عنقه ، ثم خرج في الطَّلب ، حتى انتهى إلى السيروان ، فأخذ ماسبذان عَنْوة ، وتطاير أهلها في الجبال ، فدعاهم فاستجابوا له . وفي معركة ماسبذان قال ضرار يَذْكُر أَسْر آذين : وقطراته عند اختلاف العواملِ ويوم حَبَسْنَا قومَ آذين جنده غداةَ الوَغى بالمرهفاتِ الصَّواقِلِ وزردَ وآذِينًا وفهدًا وجَمْعَهم بماسبذانَ بعد تلك الزَّلازِلِ(٣) فجاءوا إلينا بعد غبِّ لقائنا (١) ابن الأثير ٢ / ١٩٧. (٢) تاريخ الطبري ٣ / ١٤٣. (٣) قادة فتح بلاد فارس ( ٩٣) عن معجم البلدان ٧ / ٣٦٤ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٤٥١ نُعيم بن مُقرِّن المزني ، فاتح همذان والرَّيّ : قَدَمَ نعيم بن مُقرِّن مع أخوته ، ومنهم النّعمان بن مُقرِّن ، على رأس أربعمائة فارس من مُزَيْنة على النبي عَّةِ، وشهد مع الرسول عَظ ◌ُلم غزوة الخندق وغزواته الأخرى . وقاتل تحت لواء أبي بكر الصديق مانعي الزكاة من الأعراب ، عندما هاجموا المدينة ، وقاتل تحت لواء خالد بن الوليد في العراق ، وتحت لواء سعد بن أبي وقّاص في القادسية ، وأبلَى في ذلك أعظم البلاء . وكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص: ((استنفر من أهل الكوفة مع النُّعمان كذا وكذا، فإني قد كتبت إليه بالتوجّه من الأهواز إلى ((ماه )) فليوافوه بها، وليَسِرْ إلى ((نهاوند)) وقد أمَّرْت عليهم حذيفة بن اليَمَان ، فإن حدث بحذيفة حدثٌ فعلى الناس نُعيم بن مقرّن ، وفي معركة نهاوند كان نعيم في المقدمة ، ولما نشب القتال في نهاوند قاتل نعيم تحت لواء أخيه قتالَ الأبطال ، فلما استشهد النعمان تناول نعيم الَّايةَ من يد أخيه قبل أن تقع ، وسجَّى النعمانَ بثوبٍ ، وأتى حذيفة بن اليمان بالراية فدفعها إليه ، ولما انتصر المسلمون طارد نعيمُ والقعقاع بن عمرو فُلولَ المنهزمين من الفرس ، حتى وصلوا إلى همذان ، فلما رأى قائدها ألَّا فائدة تُرجى من المقاومة استأمنهم على الجزية ، فراسلوا حذيفة ، فأجابهم إلى ما طلبوا . في همذان : أعاد الفُرْس تحشيد قواتهم في منطقة الرَّيِّ، فشجَّع ذلك أهل ((همذان))، ونقضوا الصلح الذي عقدوه مع المسلمين . وبلغت عمر بن الخطاب أنباء انتقاض الفرس في ((همذان)) فأمر نُعيم بن مقرن أن يسير إليها ، وأن يدخلها عَنْوة ؛ عقابًا لأهلها ، حتى لا يعودوا لمثلها أبدًا . قال عمر في كتابه لنعيم : تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٥٢ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث (( فإن فتح الله على يديك همذان فإلى ما وراء ذلك في وجهك ذلك ، إلى خراسان ))(١). وسمع أهلُ ((همذان)) اسمَ نعيم، وعرفوا سَيْرَه إليهم، فَسُقِطَ في أيديهم، وتولَّاهم الُّعب، وزاد جَزَعُهم حين علموا باستيلاء نعيم على ما حول ((همذان )) من البلاد ، فلما انتهى إليهم نعيم وحاصر مدينتهم ، بعثوا إليه يطلبون الصلح ، فصالحهم وقبل منهم الجزية على المنعة(٢). في واج رود : وبينما كان نعيم في ((همذان)) على رأس اثني عشر ألف جندي ، سمع بمكاتبة الديلم وأهل ((الَّي)) وأهل ((أذربيجان))، وحركة قواتهم إلى ((واج روذ))(٣)، تحرّك الدَّيلم، وعلى رأسهم أميرهم ((موتا))، وتحَّك أهل الري وعلى رأسهم ((الزينبى))(٤) أبو الفرخان، وتحرَّك أهل أذربيجان بقيادة ((اسفنديار)) أخو رستم ؛ فاستخلف نعيم على همذان ، وخرج بجيشه لمواجهة تحشُّد قوات فارس في ((واج روذ))، فلما وصلها نزل بقواته قبالة قوّات الفُرس وحلفائهم ، التي لم تمهل المسلمين أول ما نزلوا الميدان أن هاجمتهم هجومًا شديدًا ، واشتد القتال بين الطرفين ، وكانت وقعة عظيمة تعدل ((نهاوند)) ولم تكن دونها(٥)، وصمد المسلمون صمودًا عنيدًا، وقُتل من (١) تاريخ الطبري ٣ / ٢٢٢. (٢) الطبري ٣ / ٢٢٩ . (٣) موضع بين همذان وقزوين . (٤) الاسم الفارسي (الزنبدى ) أو ( الزبندى ) ومؤرخو العرب يطلقون عليه اسم ((الزينبى)). (٥) الطبري ٣ / ٢٣٠ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٤٥٣ المجوس عددٌ كثير لا يُحصى ، واستطاع اسفنديار أن يفَّ ببعض قواته مع حلول الظلام . وكان نعيم قد أخبر عمر باجتماع هذا العدد الضخم من قوات فارس وحلفائهم لقتاله ، فاهتمَّ عمر بذلك اهتمامًا بالغًا ؛ ولكن لم يفجأ إلا البريد بالبشارة مع عروة بن زيد الخيل ؛ فقد كان عمر متلهفًا لسماع أخبار المسلمين ، وهو أشدُّ ما يكون إشفاقًا عليهم ، وإنه لكذلك إذ قدم عروة، وكان قدم عليه من قبل بنبأ كارثة موقعة (( الجسر)) وانهزام المسلمين، فلما رآه عمر قال: ((بشيرٌ؟)) وأجاب الرجل: ((بل عروة))، فقال عمر : إنا لله وإنا إليه راجعون ! عند ذلك فطن عروة فقال : بل احمد الله ، فقد نَصَرَنَا وأظهرنا(١). قال عروة في فتح (( واج روذ )): بني باسلٍ جرّوا جنودَ الأعاجِمِ فلما أتاني أنّ ( مُوتا ) ورهطَهُ نهضْتُ إليهمْ بالجنودِ مُساميًا فجعْنَا إليهمْ بالحديدِ كأنَّنَا فلمَّا لقيناهمْ بها مُستفيضةً صدمناهم في واجَ روذ بجمعنا فما صبروا في حوْمةِ الموتِ ساعةً كأنّهم عندَ انبثاثِ جُموعِهِمْ أصبنا بها ( مُوتا ) ومَن لفّ جمعهُ تبعناهم حتى أوَوْا في شعابِهِمْ لأمنعَ منهمْ ذمَّتي بالقَوَاصِمِ (٢) جبالٌ تراءى من فروعِ القلاسم وقدْ جعلوا يسمونَ فعْلَ المساهمِ غَداةَ رميْناهم بإحدى العظائِمِ لحدّ الرماح والسيوفِ الصَّوَارِمِ جدارٌ تشظّى لبنُهُ للهوادِمِ وفيها نهابٌ قسْمُه غیرُ غانمِ نقتّلهم قتْلَ الكلابِ الجَواجِمِ(٢) (١) الطبري ٣ / ٢٣٠. (٢) القلاسم : الجبال . الجواجم : السائبة . (٣) تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٥٤ صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث كأنَّهم في واجَ روذَ وُجوهُهُمْ ضِئِينَ(١) أصابَتْهَا فروجُ المخارمِ (٢) وقدم وفدٌّ من الجيش بالأخماس إلى عمر ، فيهم سِماك بن مَخْرمة ، وسماك بن عبيد ، وسِماك بن خَرَشَةَ ، فذكروا أسْماءهم سماك وسماك وسِماك ، فقال عمرو : بارك الله فيكم ، اللهم اسمكْ بهم الإِسلام ( أُيِّدْ بهم الإِسلام ) وأيّد الإِسلام بهم . فتح الري : ((كتب عمر بن الخطاب إلى نُعيم: سرْ حتى تقدم الري وتلقَى جمعهم ، ثم أقمْ بها فإنها أوسط تلك البلاد وأجمعها لما تريد . فأخرب نعيمُ بن مقرن ((واج روذ))، ثم خرج منها في جيشه إلى ((دستبي)) ومنها اتجه نحو الري ، حتى إذا كان في (( قها)) لقيه جيشٌ فارسي بعث به (( سياوخش)) بن مهران بقيادة زنبدى (( الزينبى ))، وقد كُلّف بالتصدي لنُعيم ، فاستسلم زنبدى النعيم دون قتالٍ وسالمه ، وسار معه إلى الري .. وقد كان الزينبى رأى حُسْنَ وفاءِ المسلمين معه وسوءَ معاملةِ سياوخش له . واستمد ((سياوخش)) الأقاليم المجاورة مثل ((دنباوند)) و((طبرستان)) و((قومس)) و((جرجان))، وقال لهم: قد علمتمْ إنْ هؤلاء حلّوا بالري أنه لا مُقامَ لكم فأمدّوه واحتشدوا له ، وقاد ((سياوخش )) هذه القوات ، فالتقوا بنعيمٍ على سَفْحِ جبل (( الري)) بجانبِ مدينة الري ذاتِهَا ، ودارتْ بينهما المعركة . فقال زنبدى لنعيم : إن القوم كثيرٌ وأنت في قِلّةٍ ، فابعثْ معي خيلا أدخل بهم مدينتهم في مدخل لا يشعرون به وناهِدْهم أنت ؛ فإنهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتوا لك . وفي الليل بعث نعيم خيلاً من جيْشِهِ عليها (١) ضئين : جمع ضأن . (٢) ومخارم : جمع مخرم ، وهو الأبرق . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٤٥٥ ابنُ أخيه المنذر بن عمرو بن مقرن ، فساروا مع زنبدى متسلّلًا خلال ما يعرف من المسالك، حتى دخل بهم مدينة الري، و((سياوخش )) وجيشه لا يشعرون، في حين شنّ نعيم بجيشه هجومًا ليلًّا عنيفًا ، فصمدوا له وصبروا في القتال حتى سمعوا تكبير المنذر في جنده مِن خلفهم ، فانهزموا وكثر القتْل فيهم. يقول الرواة: فَقُتِلوا مقتلةً عُدُّوا بالقَصَبِ فيها . وكانت غنائم المسلمين بالري قريبًا من غنائمهم بالمدائن ، وأخرب نُعيم مدينة ((الري)) العتيقة، وأمر زنبدى فبنى مدينة ((الري)) الحديثة، وجعل زنبدى مرزبانًا عليهم . وقد كان («الري )) عاصمة فارس الشمالية ، فما إنّ سقطتْ ، حتى فتح سويد بن مقرن ((قومس)) سِلْمًا، وصالح نعيمٌ أهلَ دبناوند ، وبفتْح الري وتسليم هاتين المدينتيْن الكبيرتين لم يبقَ بين المسلمين وبين شواطئ بحر قزوين من أرض فارسٍ غير ((جرجان)) و((طبرستان)) و((أذربيجان))، وقد سُلّمتْ ((جرجان)) و((طبرستان)) لسويد بن مقرن صلحًا، كما فتح المسلمون ((أذربيجان)) بعدَ مناوشاتٍ لا ترقى إلى درجة الحرب))(١). البراءُ بن عازب الأُوْسي الأنصاري ، فاتحُ قزوين : قال رضي الله عنه: استصغره رسول الله عَّه هو وابن عمر فردّهما يوم بدرٍ، ولم يشهد أُحدًا لصِغِرٍ سِنّه .. وأجازه النبي عَ ◌ّم يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنةً، وقاتل مع رسول الله عَ لِ خمس عشرة غزوةً . وكان للبراء نصيب في مقاتلة المرتدين، وشهد فتح ((تُسْتَر)) مع أبي موسى الأشعري . (١) قادة فتح بلاد فارس صـ ١٢٧، وسقوط المدائن - لأحمد عادل كمال صـ ٢٣٥ - ٢٣٧ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٥٦ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث وسار البراء إلى قزوين ... فأتى (( أبهر )) وكانت محصنةً ، فحاصرها وقاتله أهلها ، ولكنّهم طلبوا الأمان بعد ذلك فصالحهم البراء(١) ودخلها المسلمون . ثم غزا البراء أهل حصن ((قزوين))، فلما بلغهم قصْدُ المسلمين لهم طلبوا من حلفائهم الدَّيْلم معاونتهم فوعدوهم خيرًا، ولكنهم لم يبُوا بوعدهم، فلما رأى أهل ((قزوين )) ذلك طلبوا الصُّلح فصالحهم البراء ، ودخلها المسلمون أيضًا(٢). وفي ذلك يقول أحد رجال البراء : حینَ أتی في جیشهِ ابنُ عازب قَدْ عَلِمَ الدَّيْلِمُ إِذْ تُحاربْ فكمْ قطعنا في دُجَى الغياهبْ بأنّ ظنّ المشر کین کاذب مِنْ جبلٍ وغْرٍ ومنْ سَیَاسِبْ إِذْ كانت المنطقة جبليةً وعرة لم يألفِ العربُ مثلها من قبلُ ؛ لأنهم من سكّان السهول والصحاري ، ومع ذلك استولوا عليها . وغزا البراءُ ((الدّيلَمَ)) حتى أدّوْا له الإتاوة، وغزوا منطقة ((جيلان))، وفتح ((زنجان)) عُنْوةً(٣). رضي الله عن البراء فقد كانتْ مهمته صعبةً للغاية ، ومَن لها سواه مِن شجاعٍ ومقدامٍ ، صاحب إرادة لا تزعزعها المخاطر والأهوال ، لقد كان البراء أمةً في رجلٍ . (١) فتوح البلدان - للبلاذري صـ ٣١٧ . (٢) البلاذري صـ ٣١٧ . قادة فتح بلاد فارس صـ ١٣٠ - ١٣٤ . (٣) تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ; تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٤٥٧ ذو النُّورِ عبد الرحمن بنُ ربيعة غازي التُّرك ، الذي تمنعه الملائكةُ مِنَ الموت : أدرك النبَّ عَ له ولم يسمع منه ولا روى عنه. كان من أبطال المسلمين بالقادسية . وبعد انهيار جيش رستم حاولت بضعٌ وثلاثون كتيبةً منهم أن تصمُدَ فتصدّی لهم بضعٌ وثلاثون كتيبةً من المسلمين ، فكان ابن هربذ أمام عبد الرحمن ابن ربيعة ، فأباد عبد الرحمن جندَه بخيلِهِ وقتل ابن هربذ . وأمره عمر بن الخطاب بغزْوٍ الترك فسار عبد الرحمن بجيشه حتى اجتاز الباب ، فقال له ملك الباب شهربراز : ماذا تريد أن تصنع ؟ قال : أريد ((بلنجر))(١). قال : إنا لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب . قال : لكنا لا نرضى منهم بذلك حتى نأتيهم في ديارهم . وتالله إن معنا لأقوامًا لو يأذن لنا أميرنا في الإِمعان ، لبلغتُ بهم الروم . قال شهربراز: وما هم ؟ قال عبد الرحمن: أقوام صحبوا رسول الله عَ ليه ودخلوا في هذا الأمر بنيّةٍ، كانوا أصحاب حياءٍ وتكُّم في الجاهلية ، فازداد حياؤهم وتكرّمُهم ، فلا يزال هذا الأمر دائمًا لهم ، ولا يزال النصر معهم حتى يغيّرهم مَنْ يغلبهم ، وحتى يلفتوا عن حالهم بمن غيّرهم . فغزا عبد الرحمن ((بلنجر)) في عهد عمر دون أن تُصاب قُوَّاته بأية خسائر ، حتى قال عنها الرواة: إنها غزاةٌ لم تتم فيها امرأة ولم يُيَتّمْ فيها صبّ. وأوغل عبد الرحمن في أرض التُّرك، حتى بلغتْ خيلُه ((البيضاء)) على مسافة مائتي فرسخ من (( بلنجر)) - أي أكثر من ألف ومائة كيلو (١) من مُدن بحر ((قزوين)). تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٤٥٨ متر - وكانت العوامل النفسية من أسباب نجاح المسلمين في ذلك الغزو ، وكانت نفسيَّات الترك على النقيض . قال سلمان بن ربيعة - أسد القادسية - عن غزو الترك : لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة حال الله بين الترك والخروج عليه ، وقالوا : ما اجترأ علينا هذا الرجل إلّا ومعه الملائكة تمنعه من الموت . فتحصّنوا منه وهربوا ، فرجع بالغُنْم والظفر ، وذلك في إمارة عمر ، ثم إنه غزاهم غزوات من زمن عثمان ، فظفر كما كان يظفر ... وتذامرت الترك وقال بعضهم لبعض : إنهم - المسلمون - لا يموتون . قال : انظروا . وفعلوا ، فاختفوا لهم في الغياض ، فرمى رجل منهم رجلًا من المسلمين على غرّةٍ ، فقتله وهرب عنه أصحابه ، فخرجوا عليه عند ذلك .. فاقتتلوا فاشتد قتالُهم ، وقاتل عبد الرحمن حتى قُتل ، وانكشف الناس ، وأخذ الراية سلمان بن ربيعة ، وخرج بالناس ومعه أبو هريرة على ((جيلان))، فقطعوها إلى (( جرجان))(١). وقد أثبتت هذه الحادثة للترك أن وهمهم الأول كان خاطئًا ، وأن المسلمين بشرٌ يموتون كما يموت البشر . وإن دلّت هذه فإنما تدل على بطولةٍ فارسنا ذي النور عبد الرحمن الذي يغزو الغزوَة تلو الغزوة ، فلا يموت أحدٌ من جنده حتى يتوهّم الترك أن المسلمين لا يموتون . سلمان بن ربيعة الباهلي ، سلمان الخيل : ذكره البخاري في الصحابة ، وكان يلي أمر الخيول - الفرسان - أيامَ عمر . (١) الطبري ٤ / ١٥٨، وسقوط المدائن صـ ٢٦٦، ٢٦٧ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٤٥٩ وقد شهد فتوح الشام مع أبي أمامة الباهلي . وفي القادسية حاول بضعٌ وثلاثون كتيبة من المجوس أن تصمد للمسلمين ، فتصدى لهم أمثالُهم، وكان ((كناري)) قائد فرسان ((رستم)) أمام سلمان فقتله سلمان ، وأبصرهم تحت رايةٍ لهم قد حفروا لهم وجلسوا تحتها ، وقالوا : لا نبرح حتى نموت . فحمل عليهم فقتل مَن كان تحتها (١) وسلبهم(١). وكان سلمان حقًّا فارس الناس بالقادسية ، فكان يُقال لسلمان : لَسلمانُ أبصرُ بالمفاصل من الجازر بمفاصلٍ الجزور (٢). وفي ٢٤ هـ جاشت الروم ، فأمدّ عثمان أهل الشام بثمانية آلافٍ من العراق عليهم سلمان بن ربيعة ، فدخلوا أرض الروم ، وشنّوا الغارات وسَبَوْا ، وافتتحوا الحصون . لله دَرُّكَ يا سلمان حين تقول : قتلت بسيفي هذا مائة مستلئم ، كلهم يعبد غير الله ، ما قتلت رجلًا منهم صبرًا . وولي غزو ((أرمينيا)) في زمن عثمان فاستُشهد حوالي عام ٣٠ هـ بـ((بلنجر)) من بلاد أرمينيا . الحارث بن قموم البهزي ، بطل بني سُليم في القادسية : كان سعد يعدّد على عمر فرسان القادسية ((فكان مما ذكر سعد لعمر أن وصف الحارث بن قموم بالشجاعة وقال : لم أرَ راكبًا مثل الحارث ابن قموم ؛ إنه جلّل بعيرَه وبرقعه ، ثم ركب الفراديس ففرّق بينها ، فإذا (١) تاريخ الطبري ٣ / ٥٦٩، وفتوح البلدان ٦٤٤ . (٢) الطبري ٣ / ٥٦٩ وهذا القول للشعبي. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٦٠ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث بصُر بفارسٍ انحطّ عليه فعانقه ثم قتله ، ثم وثب على بعيره من قيام ))(١). يعفور بن حسّان الذهلي ، مِن أبطال القادسية : وكذا وصف سعدٌ لعمرَ يعفور بن حسّان الذهلي فقال: ((لم أرَ رجلًا مثل يعفور ؛ إنه قد جاء في يوم بخمسة فوارس ، يختل الرجل منهم حتى يرميه ، ثم يغلبه على عنايته حتى يأتي به مسلمًا))(٢). غالب بن عبد الله الأسدي : (( خرج رحمه الله أمام صفوف بني أسد وهو يُنشد يوم القادسية : قد عَلِمتْ واردةُ المسالحْ ذاتُ اللّبان والبنان الواضِحْ وفارجُ الأمرِ المهمِّ الفادِعْ(٢) أني سَمامُ البطل المشايخْ فخرج إليه هرمز وكان من ملوك الباب على رأسه تاج ، فأسره غالب أُسرًا فجاء به سعدًا فأدخله عليه ، وانصرف إلى مبارزة جديدةٍ )) (٤). علباء بن جحش العجليّ ، يقاتل بعد خروج أمعائه : وهذه قصةٌ في البذْل لا تُنسى : في معركة القادسية (( برز رجلٌ من المجوس أمام صفوف بكر بن وائل فنادَى : مَنْ يبارز ؟ فخرج له علباء بن جحش العجلي ، فنفحه(٥) علباءُ (١) الإِصابة ١٩٢٥ . (٢) الإِصابة ٩٤٢٧ . (٣) المسالح: مواقع السلاح. اللّبان : الصَّدر. البنان: استعارة لقوائم الخيل . سمام : الذي أتى بالسموم . (٤) فتوح البلدان ٦٤٦ . (٥) النفح: الضرب إلى خارج اليمين. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com