Indexed OCR Text

Pages 401-420

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في غلوَ الهمة - المجلد الثالث
٤٠١
وقد خرج من أطمٍ مِن حصن (( الصعب )) من البّ عشرون عكمًا
مخرومةً من غليظ متاع اليمن ، وألف وخمسمائة قطيفة .. يقال: قدم كلُّ
رجل بقطيفةٍ على أهله ... وجعل المسلمون يأكلون مقامهم شهرًا وأكثر
من ذلك الحصن ، ويعلفون دوأبَّهم .
وفي حصون الشّقّ .. وأمام ((قلعة أُبّ)) أمنعِ حصونهم، قتَل الحبابُ
ابن المنذر قائدَ اليهود عزول .. فقد قاتل أهل الحصن قتالًا شديدًا ، وخرج
رجلٌ من اليهود يُقال له : غزّال ، فدعا إلى البِراز ، فبرز له الحباب بن
المنذر ، فاختلفا ضرباتٍ ، ثم حمل عليه الحباب فقطع يده اليمنى من
نصف الذراع ، فوقع السيف من يد غزّال ، فكان أعزل ، ورجع منهزمًا
فوقع ، فذَفّف عليه )) .
الله دَرُّ الحباب بن المنذر من صحابِّ عاشقٍ لمبارزة اليهود وقتالهم !!
محمد بن مَسْلمة بن سلَمة الأنصاريّ ، قاتلُ طاغيةِ اليهود كعب بن الأشرف :
كعب بن الأشرف طاغية اليهود الذي اغتلم الحقد والغدر في نفسه ،
وخانَ عهده مع المسلمين ، وجعل يؤلِّب قريشًا ويحرضها على العرب ، ويرثي
أبا جهل ويقول :
نبِئْتُ أَنَّ بني المغيرةِ كُلّهِمْ
خشعُوا لقتْل أبي الحكيمِ وجدّعُوا
ويقول عن قتلَى بدرٍ من المشركين : هؤلاء أشرافُ العرب وملوك
الناس ، والله لئن كان محمدٌ أصاب هؤلاء القوم ، لبطْنُ الأرض خيرٌ من
ظهرها .
((عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((مَنْ لكعب
ابن الأشرف ؟ فإنه قد آذى الله ورسوله )). فقام محمد بن مسلمة فقال :
يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: ((نعم)). قال: فأذنْ لي أن أقول
شيئًا. قال: ((قُلْ)). فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٠٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث
صدقةً ، وإنه قد عنّانا ، وإني قد أتيتُك أستسلفك . قال : وأيضًا واللهِ لتمِنَّه .
قال : إنا قد اتبعناه ، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيءٍ يصير
شأنه ، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أُوْ وسقيْن . فقال : نعم ، ازهنوني .
قالوا : أيّ شيءٍ تريد ؟ قال : ارهنوني نساءًكم . قالوا : كيف نرهنك نساءنا
وأنت أجمل العرب ؟! قال : فارهنوني أبناءَكم . قالوا : كيف نرهنك أبناءنا
فُيُسبّ أحدهم ، فيقال : رُهن بِوسقٍ أَوْ وسقيْن ؟! هذا عارّ علينا ، ولكنا
نرهنك اللّامة (١). فواعده أن يأتيه ، فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة - وهو أخو
كعب من الرضاعةِ - فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم ، فقالت له امرأته : أين
تخرج هذه الساعة ؟ فقال : إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة .
قالت : أسمع صوتًا كأنه يقطُر منه الدم . قال : إنما هو أخي محمد بن
مسلمة ورضيعي أبو نائلة ؛ إن الكريم لو دُعي إلى طعنةٍ بليلٍ لأجاب .
ويدخل محمد بن مسلمة معه رجالٌ : أبو عَبْس بن جبر والحارث بن أوس
وعباد بن بشر ، فقال : إذا ما جاء فإني قائلٌ بشَعْرٍ فأشمّه ، فإذا رأيتموني
استمكنتُ من رأسه فدونكم فاضربوه . وقال مرةً : ثم أشمُّكم . فنزل إليهم
متوشّحًا وهو ينفح منه ريح الطيب ، فقال : ما رأيت كاليوم ريحًا - أي
أَطْيَبَ. وقال غير عمرو(٢): قال : عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب .
قال عمرو : فقال : أتأذن لي أن أشمَّ رأسك ؟ قال : نعم . فشمّه ، ثم
أشمّ أصحابَه ، ثم قال : أتأذن لي ؟ قال : نعم . فلما استمكن منه قال :
دونكم فاقتلوه . ثم أتُوْا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأخبروه))(٣).
(١) قال سفيان أحد رواة الحديث: يعني السلاح.
(٢) أحد رواة البخاري ، راوي الحديث عن جابر بن عبد الله
(٣) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ، وعزاه المزي للنسائي .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث
٤٠٣
وعند محمد بن إسحاق: ((فأخذ - أبو نائلة - بفوْدَي رأسه ، ثم
قال : اضربوا عدو الله . فاختلفتْ عليه أسيافهُم فلم تُغن شيئًا . قال محمد
ابن مسلمة : فذكرت مِغْوَلًا - نَصْلًا - في سيفي فأخذتُه ، وقد صاح عدُّ
الله صيْحَةً ، فلم يبقَ حولنا حصنٌ إلّا أُوقدتْ عليه نارٌ . قال : فوضعتُه في
ثُنَّتَه ثم تَحاملتُ عليه حتى بلغت عانته ، فوقع عدو" الله ... وقد خافت يهود
بوقعتنا بعدو الله، فليس بها يهوديّ إلا وهو خائفٌ على نفسه))(١).
قال كعب بن مالك :
فذلّتْ بعد مَصرِهِ النَّضيرُ
فغُودِرَ منھمُ کعبٌ صریعًا
بأيدينا مُشَهَّرةٌ ذُكورُ
عَلَى الكَفَّيْن ثمّ وَقَدْ علْهُ
إلى كعبٍ أخا كعبٍ يسيرُ
بأمْرٍ محمدٍ إذْ دسَّ ليلًا
فماكره فأنزلهُ بمَكْرٍ ومحمودٌ أخو ثقةٍ جَسُورُ
يقول عباد بن بشر - وكان أحد الذين اشتركوا في قتل كعب بن
الأشرف - :
وأوفى طالعًا مِن فوْقٍ خدرٍ
صرختُ لهُ فلمْ يعرضْ لصوتي
فقلتُ أَخوكَ عبّادُ بنُ بِشٍ
فَعُدتُ لهُ فقال مَنِ المُنادِي
لشهرٍ إنْ وفَتْ أوْ نصفٍ شھرِ
وهذي درْعُنا رهنًا فخُذْها
وقالَ لنَا لقدْ جئتُمْ لأَمر
فأقبلَ نحونا يسعَى سريعًا
فَقَنْطَرَهُ أَبو عبسٍ بِنُ جَبْرٍ
فشَدَّ بسيفهِ صلتًا عليهِ
بأنعم نعمةٍ وأعزّ نصْرٍ
وكان اللهُ سادسنَا فَأُبْنا
. هُمُ ناهيكَ مِنْ صدقٍ وبرّ
وجاءَ برأسِهِ نفرٌ كرامٌ
(١) الإِصابة لابن حجر ٤ / ١٩٥.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٠٤
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
قَتْلُ عبدِ الله بن عتيك بن قيس الأنصاري لملِك خيْبر أبي رافعٍ سَلّام
ابن أبي الحُقَيْقِ النضري :
كان سلّام من كبار مجرمي الحرب التي شنّها على المسلمين في المدينة -
وبتدبيرٍ من يهودٍ خيْبر - عشرةُ آلافٍ مقاتلٍ مِن الأحزاب الوثنية المتحالفة :
قريش ، وغطفان ، وأشجع ، وفزارة ، وأسلم .
فقد كان سلَّام في مقدمة وَفْدِ التحريض اليهودي الذي طاف بمضارب
البدو ، وفي نجدٍ ، ومواطن القبائل في الحجاز لتحريضهم على غَزْوِ المسلمين ،
وكان سلّام هذا مع حُبِّ بن أخطب على رأس القوة الضاربة .
وقبلها كان سلّام أحد أركان تلك المؤامرة الدنيئة التي كانت تستهدف
حياة النبي الأعظم عَ ليه ، والتي شرَع يهودُ بني النضير في تنفيذها عندما
كان النبي عَ ◌ِّ موجودًا في ديارهم. وانتدب النبي عَّلِ خمسةً من الفدائيين
الأنصار - وكلهم من الخزرج - لقتل أبي رافع ، وهم : ١ - عبد الله بن
عتيك ٢ - مسعود بن سنان ٣ - عبد الله بن أنيس ٤ - الحارث بن رِبعّ
أبو قتادة ٥ - خُزاعي بن أسود .
((أخرج البخاري عن البراء بن عازب، قال: بعث رسول الله عَ ليه
إلى أبي رافعٍ اليهودي رجالًا من الأنصار فأمّر عليهم عبد الله بن عتيك ،
وكان أبو رافع اليهودي يُؤذي رسول الله عَ لّه ويُعينُ عليه ، وكان في حصنٍ
له بأرض الحجاز ، فلما دنوا منه وقد غربتِ الشمس وراح الناس بسْحهم ،
فقال عبد الله لأصحابه : اجلسوا مكانكم ؛ فإني مُنطلقٌ ومتلطفٌ للبواب
لعلّي أن أدخل . فأقبل حتى دنا من الباب ، ثم تقنّع بثوبه كأنه يقضي
حاجةً ، وقد دخل الناس ، فهتف به البواب : يا عبد الله ، إن كنتَ تريد
أن تدخل فادخل ؛ فإني أريد أن أغلق الباب . فدخلتُ فكمنتُ ، فلما دخل
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
٤٠٥
الناس أغلق الباب ، وكان أبو رافعٍ يُسمَر عنده ، وكان في علالي له ،
فلما ذهب عنه أهل سَمَره صَعدتُ إليه ، فجعلتُ كلما فتحت بابًا أغلقت
علّ مِن داخل ، قلت : إن القوم إن نذِرُوا بي لم يخلُصوا إلّ حتى أقتله ،
فانتهيتُ إليه ، فإذا هو في بيتٍ مظلمٍ وسط عيالِه ، لا أدري أين هو من.
البيت ، فقلت : يا أبا رافع . قال : من هذا ؟ فأهويتُ نحو الصوت فأضربه
ضربةً بالسيف وأنا دَهِشٌ فما أغنيت شيئًا ، وصاح ، فخرجت من البيت
فأَمكث غيرَ بعيدٍ ، ثم دخلتُ إليه فقلت (١) : ما هذا الصوت يا أبا رافع ؟
فقال : لأُمِّك الويلُ ، إن رجلًا في البيت ضربني قبلُ بالسيف . قال :
فأضربه ضربةً أثخنْتُه ولم أقتلْهُ ، ثم وضعتُ ضبيبَ السيف في بطنِهِ حتى
أخذ في ظهره ، فعرفتُ أني قتلتُه ، فجعلتُ أَفتح الأبواب بابًا بابًا حتى
انتهيت إلى درجةٍ له ، فوضعتُ رجلي وأنا أرى أني قد انتهيتُ إلى الأرض ،
فوقعتُ في ليلة مُقْمرةٍ فانكسرتْ ساقي فعصبْتُها بعمامةٍ ، ثم انطلقتُ حتى
جلستُ على الباب ، فقلت : لا أخرج الليلة حتى أعلمَ أقتلتُه ، فلما صاح
الديكُ قام الناعي على السُّور فقال : أنعى أبا رافعٍ تاجرَ أهل الحجاز ،
فانطلقت إلى أصحابي فقلت : النجاءَ ؛ فقد قتل الله أبا رافع . فانتهيت إلى
النبي ◌ٍَّ فحدثتُه، فقال لي: ((ابسُطْ رجلَك)). فبسطتُ رجلي فمسحَها
فكأني لم أشتَكِهَا قطُّ)).
وعند ابن إسحاق: ((فأوْقدوا النيران واشتدوا في كلّ وجهٍ يطلبوننا ،
حتى إذا يئسُوا رجعوا إليه ، فاكتنفُوه وهو يقضي . قال : فقلنا : كيف
لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات ؟ قال : فقال رجلٌ منا : أنا أذهب فأنظر
لكم . فانطلق حتى دخل في الناس ، قال : فوجدتها - يعني امرأته -
(١) في رواية: وغيّرتُ صوتي.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث
٤٠٦
ورجال يهود حوله ، وفي يدها المصباح ، تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول :
أما والله قد سمعتُ صوتَ ابن عتيكٍ، ثم أكذبتُ نفسي وقلت : أَنَّى
ابنُ عتيكٍ بهذه البلاد ! ثم أقبلتْ عليه تنظر في وجهه فقالت : فاظ(١)
وإلهِ يهود. فما سمعت كلمةً كانت ألذّ على نفسي منها)).
وفي رواية ابن سعد في ((الطبقات)): أن النبي عَ لّم لما رأى الفدائيين
عائدين إلى المدينة قال: ((أفلحتِ الوجوه )). فقالوا : أفلح وجهُك يا
رسول الله (٢).
ورجّح ابنُ إسحاق وأصحابُ الكتب الستة أنّ قاتل أبي رافع هو
عبد الله بن أنيس ، ورجّح البخاري أنه هو عبد الله بن عتيك .
قال حسان بن ثابت :
يا ابنَ الحُقَيْق وأنتَ يا ابنَ الأَشْرِفِ
للهِ دَرُّ عصابةٍ لاقيتَهُم
مَرَحًا كأُسْدٍ فِي عَرِينٍ مُغرِفٍ
يَسْرُون بالبِيضِ الخِفافِ إليكُمُ
فَسَقوكُمُ حَتْفًا ببيضٍ ذُفَّفٍ
حتَّى أَتْكُمْ فِي مَحلِّ بِلادِكُمْ
مُستصغرينَ لكلِّ أمرٍ مُجْحِفِ(٣)
مُستَنْصِرِينَ لنَصْرِ دِينِ نِبِّهم
معاذ بن جبل مقدامُ العلماءِ ، الفارس البطل ، رضي الله عنه :
لله دَرُّه مِن شخصيةٍ متكاملةٍ !!
في الليل رهبانٌ وعند قتالِهِمْ لعدُوِّهم منْ أشجعِ الفرْسانِ
كان رضي الله عنه قائد الميمنة في أجنادين، ((قام في أصحابه فقال :
(١) أي : مات .
(٢) سلسلة معارك الإِسلام الفاصلة - صُلْح الحديبية صـ ٩٠.
(٣) البداية والنهاية ٤ / ١٤٠ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٤٠٧
يا معشرَ المسلمين ، اشروا أنفسكم اليوم لله .. فإنكم إنّ هزمتموهم
اليوم ، كانت لم هذه البلاد دار الإِسلام أبدًا مع رضوانِ الله والثواب العظيمِ
مِنَ الله)).
وإنْ شئتَ فسَلْ ((فحل بيْسان)»: مَن كان على ميمنة المسلمين ؟
يجبْك : معاذ بن جبل .
(( قال ثابت بن سهل بن سعد : كان معاذ بن جبل يومئذٍ من أشدِّ
الناس علينا حرصًا ، وأمضاهم في رقاب الروم سيفًا ، فبينما هو يحارب
في ميمنة المسلمين إذْ أقبلتْ جنودُ الروم تحُوط عَسْكر المسلمين ، فبرز
إليهم معاذ بن جبل في رجاله ونادى فقال : أيُّها الناس اعلموا - رحمكم الله -
أن الله قد وعدكم بالنصر وأيّدكم بالإِيمان ، فانصروا الله ينصرْكم ويثّبِّتْ
أقدامكم، واعلموا أن الله معكم وناصر كم على عَبَدَةِ الأوثان))(١).
الله دَرُّ البطل .. يقول لوجهاء الروم قبل معركة ((فحل)) - لما فاوضهم
ورفض الجلوسَ معهم على البسط - : قمتُ إعظامًا للمشي على هذه البُسُط ،
والجلوس على هذه النّمارق التي استأثرتُم بها على ضعفائكم وأهل ملّتكم ،
وإنما هي من زينة الدنيا وغُرورها ، وقد زهّد الله في الدنيا وذمَّها ، ونهى
عن البغي والسَّرف فيها ، فأَنا جالسٌ هاهنا على الأرض وكلّموني .
ولما قالوا له : «اذهب إلى أصحابك، فوالله إنا لنرجو أن نفّكم
في الجبال غدًا . قال معاذ : أمَّا الجبال فلا ، ولكن والله لتقتلنا عن آخرنا
أوْ لنخرجنّكم من أرضكم أذلةً وأنتم صاغرون ))(٢).
ولله دَرُّ فارسنا ابن جبل قائد الميمنة يوم اليرموك ، حين يخطب
(١) الأزدي صـ ١٣٧.
(٢) الطريق إلى دمشق أحمد عادل كمال صـ ٣١١ - ٣٢٣ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في غلوَ الهمة - المجلد الثالث
٤٠٨
صباح المعركة يقول للناس : (( يا قراء القرآن ومستحفظي الكتاب وأنصار
الهدى وأولياء الحق ، إن رحمة الله - والله - لا تُنال وجنته لا تُدخل بالأماني ،
ولا يُؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادقين المصدقين بما وعدهم الله
عز وجل ، ألم تسمعوا قول الله عز وجل: ﴿وعدَ اللهُالذينَ آمنُوا منكُمْ وعملُوا
الصالحاتِ لَيَستخلفتَّهم في الأرض كما استخلفَ الذينَ مِنْ قبلهم ...
الآية ، أنتم إن شاء الله منصورون ، فأطيعوا الله ورسوله ، ولا تنازعوا
فتفشلوا وتذهب ريحُكم ، واصبروا إن الله مع الصابرين ، واستحيوا من
ربكم أن يراكم فرارًا من عدوّكم وأنتم في قبضته ورحمته ، وليس لأحدٍ منكم
ملجأ من دونه ، لا متعززٌ بغير الله))(١).
ولما انقضّ الروم على الميمنة صاح معاذ بن جبل : يا عباد الله المسلمين ،
إن هؤلاء قد تيسروا للشدة عليكم ، ولا والله لا يردّهم إلا صدق اللقاء
والصبر في البأساء . ثم نزل عن فرسه وقال : مَن أراد أن يأخذ فرسي ويقاتل
عليه فليأخذْه . وآثر بذلك أن يقاتل راجلًا مع المُشاة ، فوثب إليه ابنه
عبد الرحمن بن معاذ بن جبل وهو غلام قد احتلم ، فقال : يا أبتِ ، إني
لأرجو أن أكون أنا فارسًا أعظم غناء عن المسلمين مني راجلًا ، وأنت -
يا أبتِ - راجلٌ أعظم منك فارسًا ، وأعظم المسلمين رجّالة ، وإذا رأوك
صابرًا محافظًا صبروا - إن شاء الله - وحافظوا . فقال معاذ : وفقني الله
وإيّاك يا بُنّي))(٢).
الأَزْدُ وما أدراكَ ما الأَزْدُ .. ودَوْس وما أدراك ما دَوْس :
لله دَرُّهم مِن أبطالٍ ، حفروا بالنور أسماءهم في سجلّ التاريخ ...
(١) الطريق إلى دمشق صـ ٤٧٢ .
(٢) الطريق إلى دمشق صـ ٤٧٦ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
٤٠٩
وما يزال التاريخ يُنشد مع سيّدهم الطفيل بن عمرو الدّوْسي - وهو
يُضرم النار في ((ذي الكَفَيْن)) صنمهم - :
يا ذا الكَفَيْنِ لستُ من عُبَّادِكَا
ميلادُنَا أَقدَم من ميلادِكًا
إني حشوْتُ النارَ فِي فُؤَادِكَا
وفي طريقه إلى اليمامة لحربِ مُسيْلمة يرى البطل رؤيا يُؤوّلها : إني
لأرجو أن أُقتل شهيدًا ، ويطلب ابني الشهادة ، لكنها يدركها فيما بعد .
وفي اليمامة أبلى الطفيل أعظم البلاء حتى خَّ صريعًا على أرض
المعركة . وأما ابنه عمرو فما زال يقاتل حتى أثخنتْه الجراح ، وقطعت
كفّه اليمنى وسبقتْه - إن شاء الله - إلى الجنة .. وكان له ما أراد وتمنّ
في يوم اليرموك .
وفي اليرموك .. اشتد القتال في الأزْد ، فأُصيب منهم ما لم يُقتل مِن
غيرهم مِنَ القبائل .. واستشهد عمرو يوم اليرموك وهو ثابت ، وهو يقول :
يا معشرَ الأزْد ، لا يُؤْتينَّ المسلمون من قِبَلكم . وأخذ يضرب بسيفه قُدُمًا
وهو يقول(١) :
أني أخو البيضِ ليومٍ مُظْلِمْ
قد علمتْ دَوْس ويشكرُ تعلمْ
كنتُ عزيزًا في الوغَى وضيْغَمْ
وأعزلُ الشّكيم شدّ الأَيْهَمْ
وقد قَتل من أشدَّائِهِم تسعةً قبل أنْ يُقتل .
(١) أوردها الأزدي صـ ٢٢٤ :
قد علمتْ أَوْسُ ويشكرُ تعلمْ
أني إذا الأبيضُ يومًا مُظْلِمْ
أني ◌ُقْرٌ فِي الوقاعِ ضَيْغَمْ
وعرَّد النكْسُ وَفَرَ الأَيْهَمْ
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤١٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
وثبت جندب بن عمرو بن حُمُمَة ورفع رايته وهو يقول : يا معشر
الأَزْد ، إنه لا يبقى منكم ولا ينجو من القتل والعدوّ والإِثم والعار إلّا مَن
قاتل . ألا وإن المقتول شهيدٌ، والخائب مَنْ تولّى. يا معشر الأزد ، إنه
لا يمنع الراية إلّ الأبطال .
هيهات هيهاتَ ووقوفٌ للحالْ
يا معشرَ الأزدِ احتذاذُ الأَفيالْ
لا يمنعُ الرايةَ إلّ الأبطال
وقاتل قتالًا شديدًا حتى قُتل ، يرحمه الله .
وكان أبو هريرة رضي الله عنه مِن رؤوس الأزْد فصاح يقول : يا
مبرور ، يا مبرور . فأطافت به الأزد .
يقول عبد الأعلى بن سراقة : انتهيتُ إلى أبي هريرة يومئذٍ وهو يقول :
تزينوا للحُورِ العِين ، وارغبوا في جِوار ربِّكم عز وجلّ في جنات النعيم ،
فما أنتم إلى ربكم في موطنٍ مِنْ مَواطِن الخير أحبّ إليه منكم في هذا الموطن ،
ألا وإنّ للصابرين فضلَهم. ثم اضطربوا - الأزْد والروم - فوالذي لا إله
إلا هو لرأَيْنا الروم وإنها لتدور بهم الأرضُ وهم في مجالٍ واحدٍ كما تدور
الَّحا ، يعني يدورون حول أنفسهم ، فما برحوا ولا زالوا - يعني الأزد -
وركْبهم من الروم أمثال الجبال ، فما رأيتُ موطنًا قطُّ أكثَر قُحْفًا (١) ساقطًا
أَوْ معصمًا نادرًا(٢) أو كفّا طائحة مِن ذلك الموْطن ، والناس يضطربون
تحت القسْطل ( التراب) وقد - والله - أوْحَلناهم شرّا وأوحلونا ، فنحن
في ذلك، وكان جلّ القتال في الميمنة ، وإنّ القلْبَ ليلقُون مثلَ ما نلقى ،
ولكنَّ حمَّة القوم وحدهم
(١) القحفة : العظم الذي فوقَ الدّماغ . وما انفصل من الجمجمة من عظم.
(٢) زائلا عن موضعه .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤١١
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
وحَرْدَهم(١) وَحَنَقَهم علينا، وكنا في آخر الميمنة ، فقد لقينا مِن قتالهم
ما لمْ يلقَ مثلَه أحدٌ ، فواللهِ إنا لكذلك نقاتلهم وقد دخل عسكرنا منهم
نحوٌ مِن عشرين ألفًا مِن ورائنا فعصمَنَا الله من أن نزول ))(٢).
جبالٌ تقارع جبالاً ...
كنَّا جبالًا في الجبالِ وربَّما سِرْنَا عَلَى مَوْجِ البحارِ بحارَا
نعم ...
وكنّا عظامًا فَصِرْنَا عظامًا وكنَّا نقوتُ فهَا نحنُ قوتْ
قَبّاث بن أُشيم قائد الميْسَرةِ في اليرموك :
أشار خالد بن الوليد على أبي عبيدة بن الجراح بتوليته قائدًا للميسرة
في اليرموك، وقاتلَ قبّاتُ يومئذٍ قتالًا شديدًا، وأخذ يقول :
لدَىُ الغَمَرَاتِ والرئيسَ المُحامِيَا
إن تفقدوني تفقدُوا خیر فارسٍ
ضَروبًا بنصْلِ السيفِ أروعَ ماضِيَا
وذَا فَخْرٍ لا يَمْلأ الهولُ قلبَهُ
وكسر في الروم ثلاثةَ رماحٍ وقطع سيفين ، وكان كُلّما كسر رمحًا
أو سَيْفًا يقول: من يُعير سيفًا أوْ رمحًا - في سبيل الله - رجلًا قد حبس
نفسه مع أولياء الله وقد عاهد الله لا يفرّ ولا يبرح ، يقاتل المشركين حتى
يظهر المسلمون أو يموت . فكان مِن أحسنِ الناس بلاءً في ذلك اليوم(٣).
الأَشْتر مالك بن الحارث النخعي ، ملك العرب :
قال عنه علي بن أبي طالب: ((مالكٌ، وما مالك ؟! وهل موجودٌ
(١) غضبهم .
(٢) الأزدي ٢٢٥، وابن عساكر ١ / ٥٤٠ .
(٣) الطريق إلى دمشق صـ ٤٤٣، ٤٨٤ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤١٢
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
مثلُ ذلك ؟! لو كان حديدًا لكان قيدًا، ولو كان حجرًا لكان صَلْدًا ، على
مثله فلتبْكِ البواكي)) (١).
((فُقِئَتْ عينه يوم اليرموك ، وقاتل قتالَ الأبطال .. وتعقب مع خالدٍ
فلول الروم بعد موقعة اليرموك فأدركهم في غوطة دمشق ، وتقدم إليهم
الأشتر في رجالٍ من المسلمين فإذا أمامهم رجلٌ من الروم عظيمٌ جسيم ،
واتجه إليه الأشتر فوثب عليه ، واستوى هو والرومي على صخرةٍ مستوية
فتبادلا الضرب بالسيف ، فقَطعِ الأشترُ كفّ الرومي ، وضرب الرومُّ الأشترَ
بسيفه فلم يضرّه . واعتنق كلّ واحدٍ منهما صاحبه فوقعا على الصخرة ،
ثم انحدرا والأشتر یردّدُ ﴿ قُلْ إِنَّ صلاتي ونسكي ومحياتي ومماتي لله ربّ
العالمين لا شريك له وبذلك أمرتُ وأنا أول المسلمين﴾ ولم يزلْ يردّدها
حتى انتهى إلى مستوى في الجبل ، فلما استقرّ وثب على الرومي فقتله ،
وصاح في المسلمين أن يجتازوا . فلما رأت الروم أن صاحبَهم قد قتل انسحبوا
من الثّنية وانهزموا ، وكان الأشتر ذا بلاءٍ حسنٍ في اليرموك ، قتَلَ ثلاثةً
عشر . وصعد خالد والمسلمون الثنية راكبين حتى هبطوا نحوَ الشرق ،
وأشاعوا النكاية في الروم الفارّين في سائر البلاد ، فعاد يقتلهم في القرى
والأودية والجبال والشِّعَاب والسهول، حتى انتهى إلى حمص))(٢).
عمرُو بن سعيد بنِ العاص شهيدُ ((فحلٍ )) وبطلُها :
استشهد البطل في معركةٍ فحل ، (( رُئي وهو مضروبٌ على حاجبه
بالسيف ، وقد ملأ الدُ عينيْه ، وهو لا يستطيع أن يطرف ولا أن يفتح
جفنَه من الدم ، وكان الروم قد حنقوا عليه لِمَا رأوْا مِن شدةِ قتاله ، فجَّدوا
(١) سير أعلام النبلاء ٤ / ٣٤، وتاريخ دمشق لابن عساكر ١٦ / ١٩١ أ.
(٢) الطريق إلى دمشق صـ ٤٩٥.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
٤١٣
له فريقًا ، فمشى إليهم بسيفه فضاربهم ساعة ، وثارَ بينهم الغبارُ ؛ فشدّ
عليهم المسلمون ، وإذا الروم قد قطّعوه بسيوفهم ، ووجِد به أكثُرُ من
ثلاثین ضربة )»(١).
وما يضيره وقد مضى البطل إلى ربه ، ومنح الله إخوانه من المسلمين
أكتاف الروم ، وقتلوا قائدهم سقلار (سكلاريوس ) ، وقتلوا منهم زهاءَ
عشرة آلافٍ .
قيس بن هبيرة قائد ميْمنةِ الفرسان في ((فحل )) وبطل من اليرموك :
كان هذا البطل مِن سلاح الفرسان ، وقائد ميمنة الفرسان في قوات
خالد في معركة (( فحل)).
حمل على ميسرة الروم ، فقصف بعضهم على بعضٍ ، وقد تكسّرتْ في
يدِ قَيْسٍ يومئذٍ ثلاثةُ أسيافٍ وبضعة عشر رمحًا ، وكان يقاتل وهو يقول :
ماضي الجَنَانِ خشنٍ صبّارٍ
لا يَبْعُدَنَّ كل فتى كَرَّارِ
يَقْدُمُ إِقْدَامَ الشجاعِ الضَّاري (٢)
حبوتُهُم بالخيْل والإِدبار
أين تدعون الجنة ..... وتأتون قرحًا والحِجْر ؟!
قبْل اليرموك أشار رجلٌ على أبي عبيدة بالرجوع ، وقال : أما إنك
لو خرجت حتى تنزل قرحًا والحِجْر ، وانتظرنا مَدَدَنا هناك لكانَ منزلًا .
وقد كانت قرحٌ وحِجْر ثمود إلى الوراءِ كثيرًا قريبًا مِن المدينة . فقال قيْس
ابن هُبيرة : لا ردّنا اللهُ إِذنْ إليها إن خرجنا هم عن الشام أكثر مما خرجنا
لهم عنه .. أتدعون هذه العيون المتفجرة والأنهار المطَّردة والزروع والأعناب
الطريق إلى دمشق صـ ٣٤٤ .
(١)
الطريق إلى دمشق صـ ٣٣٥ .
(٢)
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤١٤
صلاح الأمة في غلو الهمة - المجلد الثالث
والخُمُر والذهب والفضة والحرير وترجعون إلى أكل الضِّباب، ولُبْس العناء،
والبؤس والشقاء، وتزعمون أن قتيلنا يدخل الجنة ويصيب نعيمًا لا يشاكله
نعيم ! فأين تدعون الجنة وتهربون منها وتزهدون فيها ، وتأتون قرحًا
والحِجْر ؟! لا صحب اللهُ مَن سار إليها ولا حفظه . قال أبو عبيدة : الحقُّ
ما قُلت يا قيْس ، أتريدون أن ترجعوا إلى بلادكم وتدَعُوا لهؤلاء القوم
حصونًا وديارًا وأموالًا قد فتحها الله عليكم ونزعها من أيديهم ، ثم تدعونها
وتخرجون منها ، وترجعون إليها ثانية تقاتلونهم عليها ، وقد كفاكم الله
مُؤنة نْعها من أيديهم . هذا والله رأي مضلل .
قال خالد : جزاك الله خيرا يا قيْس ؛ فإن رأيك موافق لرأيي ،
ولسنا - والله - بمرتحِلين ولا زائلين من هذه البلاد حتى يحكم الله بيننا ،
وهو خير الحاكمين . وقال ميسرة بن مسروق : فقال لأبي عبيدة :
أصلحك الله ، لا تبرح مكانك الذي أنت فيه وتوكل على الله ، وقاتل
عدوَّك ؛ فوالله إني لأرجو أن ينصرك الله عليهم . عَلامَ تدُ لهم البلاد وقد
قاتلناهم عليها حتى نفيْناهم عنها ، وقتلنا بطارقتهم وفرسانهم فيها يوم
أجنادين ويوم فحل ؟! قال أبو عبيدة : لستُ بارحًا وقد ولّيْتُ خالد بن
الوليد ما خلْف بابي ، وأنا معكم لا أبرح الأرض حتى يحكم الله بيننا ،
وهو خير الحاكمين .
لله دَرُّكَ قيْسُ مِن مشمِّر للجنة مُرَغِّب فيها !
وقبل معركة اليرموك ، لما أراد الرومُ منع التموين عن المسلمين
الذي يأتي إليهم من الأردن نازلهم خالدٌ في ألفي فارس ، وكان على خيْلِهِ
قيس بن هبيرة ، فحمل قيسٌ على خيولِ الروم واقتتلوا اقتالًا شديدًا، وحمَل
(١) الأزدي ١٧١ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوُّ الهمة - المجلد الثالث
٤١٥
قيسٌ في خَيْل المسلمين على خيلهم فهزمها ، حتى اضطرها إلى الرّجَّالة
الذين مع خالد .. وقال قيْس لرجلٍ من بني نُمير مّ به البطريق - قائد
قوات الروم - يركض منهزمًا : يا أخا بني نُمير ، لا يفوتنَّك البطريق ؛ فإني
والله قد كددتُ فرسي على هذا العدو من هذا اليوم ، حتى ما عند فرسي
مِن جري . فحمل عليه النميري فركضَ في أثره ساعةً ، ثم إنه أدركه .
فلما رأى البطريق أنه قد غشيه وأحرجه عطف عليه البطريق ، فاضطربا
بسيْفيْهما ، فلم يصنع السيفانِ شيئًا، واعتنق كلُّ واحدٍ منهما صاحبه ،
ووقعا على الأرض فاعتركا ساعةً ، ثم صرعه الميريّ ، ووقع التميرتُ على
صدْر البطريق فضمَّه البطريق إليه ، وكان مثل الأسد ، فجعل النميري
لا يستطيع أن يتحرك ، وبصُر بهما قَيْسٌ فجاء حتى وقف عليهما ، فقال :
يا أخا بني نُميرٍ ، قتلتَ الرجلَ إن شاء الله ؟ قال : لا ، واللهِ ما أستطيع
أن أتحرك ولا أضربه بشيءٍ ، ولقد ضمّني بفخذِهِ وأمسك يدَّ بيديْه .
فنزل إليه قيسٌ فضربه فقطع إحدى يديه ثم تركه وانطلق ، وقال للنميريّ :
شأنك به . وقام النميري فضربه بسيفه حتى قتله ، ومّ به خالد بن الوليد
فقال له : ما هذا يا قيس ، ومَن قتله ؟ فقال له قيس : قتله هذا النميري .
ولم يخبره بما صنع هو (١).
في اليرموك :
((وفي اليرموك كان لبطلنا الدورُ الرائع الذي زلزل قلوبَ الروم .. فقد
خرج الروم وصفّوا صفوفهم ، ورفعوا راياتهم ، وخرجوا بالصُّلبان ومعهم
القسِّيسون والرهبان والبطارقة ، وأخرجوا إلى المسلمين خيلاً أضعافَ خيل
المسلمين ، فلما تدانتْ خيلُهم من خيل خالد خرج بطريق من بطارقتهم
(١) الطريق إلى دمشق صـ ٤٤٠ - ٤٤١ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤١٦
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
وشُجعانهم يتعرض لخيل المسلمين ويطلب المبارزة ، فقال خالد : أما لهذا
رجل يخرج إليه ؟ فأراد ميسرة بن مسروق أن يخرج إليه ، فقال له خالد :
أنت شيخ كبيرٌ وهذا الرومي شابٌّ، ولا أحب أن تخرج إليه . وأراد عمرو
ابن الطفيل أن يخرج إليه ، فقال له خالدٌ : يا ابن أخي ، أنت غلامٌ حديثُ
السِّنِّ ؛ وأخاف ألا تقوى عليه . وأراد الحارث الأزدي أن يخرج إليه ،
ولم يكن بارَزَ رجلًا قطُّ قبلَه ، فقال له خالد : فلا تخرج إليه . قال ڤيْسُ
ابن هبيرة : يا خالد ، كأنك علّ تحوّط ؟ قال له : أجَل ، فإني أرجو
إنْ أنت خرجتَ إليه أنْ تقتله ؛ فإنْ أنت لم تخرج إليه لأخرجنَّ أنا إليه .
وخرج قيسٌ وهو يقول :
سائِلْ نساءَ الحِّ في حِجَالِهَا ألستُ يومَ الحربِ مِن أبطالِهَا
ومُقَعِّص (١) الأَقْرَانِ مِن رجالها
فلمّا دنا منه ضرب الروميّ فرسه وحمل عليه ، فما لبث أن ضربه
بالسيف على هامته فقطع ما عليه من السلاح ( المغفر ) ، وفلق هامته
وسقط الرومّ أمامَ فرسه قتيلًا ، وكبّر المسلمون . صاح خالد : ما بعد
ما ترون إلّا الفتح، احمل عليهم يا قيس)) (٢).
الله دَرُّكَ يا قيس ، تفلق هامة البطريق العملاق الجسيم - ذي المنظر
والمهابة - ومغفرَه بضربةٍ واحدةٍ أمام مائتي ألفٍ من الروم .. وقيسٌ نفسُه
هو الذي يأمره خالد بالحمل على الروم ؛ لأنه الآن صاحب الرهبة في
نفوس الروم ، بعد أن جنْدَلَ بطَلَهم بضربةٍ واحدةٍ .
(١) مُقَتِّل .
(٢) الطريق إلى دمشق صـ ٤٥١ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٤١٧
مَيْسرة بن مسروق العَبْسيُّ ، الشيخُ البطلُ :
كان مِن سلاح الفرسان ، وقائد قلبهم في معركة فحل بيسان .
ومع كِبَرِ سنّه كان أسدًا ضرغامًا .. ويكفيه شهادةُ سيف الله خالدٍ :
إنك ما علمتُ حسنُ البلاءِ عظيمُ الغناءِ .
وعن ((فحل)) يقول سالم بن ربيعة العبسي : حمل ميسرة بن مسروق
العبسي يومئذٍ ونحن معه في الخيل ، فحملنا على القلب ، وقد أخذ صفُّ
الروم ينتقض من قِبَلٍ ميْسرتهم وميْمنتهم ، ولم ينته إلى الانتقاض إلى القلبِ
بعدُ ، فثبتوا لنا ، وقاتلونا قتالًا شديدًا، فَصُرع(١) ميسرةً عن فرسه وصُرعتُ
معه ، ويعتنق ميسرةُ رجلًا مِنْ الروم ، فاعتر كا ساعةً فصرعه ميسرة فقتله ،
ثم شدّ آخرُ على ميسرة فعانقه ، واعتر كا ساعةً فَصرع ميسرة وجلس على
صدره ، وأُشدُّ عليه فضربتُ وجهَ الرومي بالسيف فأطرتُ قحْفَ رأسِهِ
ووقع ميتًا ، ووثب ميسرةُ ، وأقبل رجلٌ منهم فضربني ضربةً أدارني منها ،
وبصُر به ميسرةُ فضربه فقتله(٢).
أبو سفيانَ بنُ حَرْبٍ وابنُه يزيد :
أبو سفيان شيخ قريش وسيدها ، وصاحب المكيدة والرأي ، صاحب :
((يا نصر الله اقتربْ)).
قبل معركة اليرموك .. (( وكان أمراء الجيش مجتمعين في خباءٍ يزيد
بالجابية ، يسمعون الخبر من عَيْنٍ لهم مِن قُضاعةَ يخبرهم بكثرة الروم ونزولهم
على نَهْر
(١) سقط .
(٢) الطريق إلى دمشق صـ ٣٣٩ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
٤١٨
الرقاد (١) ومرج الجولان . وطاف بهم أبو سفيان فقال : ما كنت أظنُّ أني
أبقى حتى أرى غِلْمةً مِن قريشٍ يذكرون أمْر حربهم ويكيدون عدوّهم
بحضرتي لا يحضرونيه . فقالوا : هل لكم إلى رأي شيخكم ؟ قالوا : ادخل
أبا سفيان . فدخل ، فقال : إن معسكر كم هذا - بالجابية - ليس بمعكسر ؛
إني أخاف أن يأتيكم أهل فلسطين والأردن فيحُولوا بينكم وبين مَدَدِكم من
المدينة فتكونوا بين عسكرهم ، فارتحلوا حتى تجعلوا أُذْرُ عَات خلف ظهور كم
يأتكم المددُ والخيرُ . فحدد لهم أبو سفيان مكان معركة اليرموك .. وقد
كان هذا من براعة الفِكر الحربي عند المسلمين أنهم كانوا يختارون أرض
المعركة حين يُتاح لهم ذلك ، خاصة إذا كانت المعركة هامّة وحاسمة .
قال أبو سفيان : إذا قبلتم هذا من رأيي فأمِّروا خالد بن الوليد على
الخيول ، ومروه بالوقوف بها مما يلي الرقاد ، وأمّروا رجلًا على المرامية -
الرُّماة - وأخرجوا إليهم كلّ نابضٍ بوترٍ ، ومُرُوه بالوقوف فيما بين العسكريْن
وبين الخيول ، فإنه ستكون لرحيل العسكر من السَّحر أصواتٌ عاليةٌ تُحدثٍ
لعدوّ كم فيكم طمعًا ، فإنْ أقبلوا يريدون ذلك لقيتْهم الخيول فكفّتْها))(٢).
وقبلوا ذلك منه وكان الأمر كما قدّر أبو سفيان .
وفي اليرموك كان بيتُ أبي سفيان في المعركة ، هو وولداه يزيد ومعاوية
وزوجه هند بنت عتبة . فخرج أبو سفيان يومئذ يسير في المسلمين ، ويقف
على أهل كلِّ رايةٍ وعلى كلّ جماعةٍ يحضُّهم ويعظهم ويقول: (( إنكم
يا معشر المسلمين أصبحتم في دارِ العجم منقطعين عن الإِبل ، نائين عن
أمير المؤمنين وأمدادِ المسلمين ، وقد - والله - أصبحتم بإزاء عدوٍّ كثيرٍ
(١) من روافد نهر اليرموك.
(٢) تاريخ ابن عساكر ١ / ٥٣٢ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث
٤١٩
عددُهم شديدٍ عليكم حَنَقُهم ، وقد وترتموهم في أنفسهم ونسائهم وأولادهم
وأموالهم وبلادهم ، فلا والله لا يُنجّيكم منهم اليوم وتبلغون رضوانَ الله
إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة ، ألا إنها سُنةٌ لازمةٌ ، وإن
الأرض وراءكم ، بينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحارٍ
وبرارٍ ، ليس لأحد فيها معقل ولا معقول إلا الصبر ورجاءُ ما وعد الله ؛
فهو خير معول ، فامتنعوا بسيوفكم ، وتقرّبوا بها إلى خالقكم ، ولتكنْ هي
الحصون التي تلجأون إليها وبها تمتنعون )» (١).
(( وكان رضي الله عنه يسير فيقف على الكراديس فيقول : اللهَ اللهَ؛
إنكم ذادة العرب وأنصار الإِسلام ، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك . اللهم
إن هذا يومٌّ من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك))(٢).
((وجاءتْ نساءُ المسلمين فوقفن على مرتفعٍ خلْف الصفوف ينظرنَ
ما يكون من أمْر المعركة المرتقبة ، فرجع إليهن أبو سفيان ، وأمر بالحجارة
فأُلقيتْ بين أيديهن ، ثم قال لهن : لا يرجع إليكنَّ أحدٌ من المسلمين
إلا رميتموه بهذه الحجارة وقلتنّ : مَنْ يرجوكم بعد الفرار عن الإِسلام
وأهله ، وعن النساء بأرض العدو ؟ فالله الله . ثم رجع إلى موقفه مِن صفوف
المسلمين ونادَى : يا معشر أهل الإِسلام ، حضر ما تَرَون ، فهذا رسول الله
عَ ◌ّه والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم. ثم وقف موقفه))(٣).
ما أجمل الإِسلام .. يغيّر صناديد الشرك وقادته .. فيجعلهم قِمَمًا
في سماءِ التوحيد !
(١) فتوح البلدان للبلاذُري صـ ١٦٠.
(٢)
تاريخ الطبري ٣ / ٣٩٧ .
(٣) تاريخ دمشق ١ / ٥٣٧، والأزدي ٢٢٠.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٢٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
(( قال حبيب بن مسلمة : كان يزيد بن أبي سفيان من أعظم الناس
غناءً ، وأحسنهم بلاءً هو وأبوه جميعًا ، وقد كان أبوه مّ به وهو يحرّض
الناس وبعظهم ، فقال : يا بنّ ، إنك تلي مِن أمر المسلمين طرفًا - ويزيد
حينئذٍ على ربْع الناس - وإنه ليس بهذا الوادي رجلٌ من المسلمين إلا وهو
محقوقٌ بالقتال ، فكيف بأشباهك الذين وُلُّوا أمورَ المسلمين ؟! أولئك
أحقُ الناس بالجهاد والنصيحة والصبر والتضحية ، فاتَّقِ الله يا بُنّي وأكرمْه
في أمرك ، ولا يكوننَّ أحدٌ من أصحابك أرغب في الآخرة ، ولا أضبر
في الحرب ، ولا أشد نكايةً في المشركين ، ولا أجهدَ على عدوّ الإِسلام ،
ولا أحسنَ بلاءً عندهم منك . فقال : أفعُلُ واللهِ يا أبت . فقاتل يزيدُ في
الجانب الذي كان فيه قتالًا شديدًا، وكان في الميسرة ممّا يلي القلب)) ..
والله دَرُّ هندٍ حين تقول: (( قاتلوا فلستم ببعولتِنَا إن لم تمنعونا ...
عَضَّدوا الغلفان بسيوفكم )) (١) ...
رضي الله عنكم أهل بيتٍ من بيوتٍ قريشٍ .. بيتٍ سمًا وعلا بمصاهرة
رسول الله عَّةِ . ولا يزال بسمْع التاريخ صوتُ أبي سفيان اليرموك يجلجلُ
حتى يُسمعَ الجيش: (( يا نصر الله اقترب)).
القادسيَّة ... وما أدراك ما القادسية !
عِبْرٌ تضيءُ بأطيبِ الألوانِ
فالقادسيةُ ما يزالُ حديثُها
فتجيبها حِطّينُ بالمنوالِ
تحكي مفاخرَنَا وتذكرُ مجدَنَا
دانَ الرجال لها بغير جدالٍ
صفحاتُ مجدٍ في الخلودِ سطورُها
وبكلِّ كفّ لامعِ الأنصالِ
وكأنني بابن الوليد وجنده
فغدًا يظلّلُ أَطْهرَ الأطلالِ
نشرُوا على أرضِ الخليلِ لواءَهْمْ
(١) الأزدي صـ ٢٢٨، والبلاذري ١٦٠.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com