Indexed OCR Text
Pages 221-240
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٢٢١ المنكر ، لا يهاب أحدًا إلا الله ، ولا يخشى مِن دونه شيئًا. رُوي عن الملك الظاهر بيبرس أنه لما توفي الإِمام العز ، ومَّت جنازته تحت القلعة ، وشاهد الملك كثرة الخلق الذين معها ، قال لبعض خواصّه: (( اليوم استقر أمري في الملك ؛ لأن هذا الشيخ لو كان يقول للناس : اخرجوا عليه . لا نتزع الملك مِنِي)) (١). وبرغم هذا ، فقد كان الملك الظاهر بيبرس يجلّ سلطان العلماء ، ((ولم يبايع بيبرس واحدًا من الخليفة المستنصر والحاكم إلا بعد أن تقدمه الشيخ عزّ الدين للمبايعة ، ثم بعده السلطان ، ثم القضاة . ولما مات حزن عليه كثيرًا حتى قال : لا إله إلا الله ، ما اتفقت وفاة الشيخ إلا في دولتي ، وشيّع أمراءه وخاصته وأجناده لتشييع جنازته ، وحَملَ نعشَه ، وحضر (٢) دفنه )). فاتفق أن جهّز السلطان الملك الصالح رسولًا من عنده إلى الخليفة المستعصم ببغداد ، فلما وصل الرسول إلى الديوان ووقف بين يدي الخليفة ، وأدَّى الرسالة خرج إليه وسأله : هل سمعتَ هذه الرسالة من السلطان ؟ فقال : لا ، ولكن حمّلنيها عن السلطان فخر الدين ابن شيخ الشيوخ أستاذ داره . فقال الخليفة : إن المذكور أسقطه ابن عبد السلام ، فنحن لا نقبل روايته ، فرجع الرسول إلى السلطان حتى شافهه بالرسالة ، ثم عاد إلى بغداد وأدّاها(٣). بأبي وأمي من يحكمون ، ويخضع لحكمهم الخلفاء والسلاطين . (١) طبقات الشافعية لابن قاضي شبة ٢ / ١٣٩، وطبقات الشافعية للسبكي ٨ / ٢١٥، وطبقات المفسرين للداودي ١ / ٣١٦ . (٢) طبقات الشافعية ٨ / ٢٤٥ . (٣) طبقات الشافعية بتصرف ٨ / ٢١٠ - ٢١١. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٢٢ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث أمره بالمعروف أيام قطز : (( لما دَهَم التتار البلاد عُقَيْبَ واقعة بغداد، جَبُنَ أهل مصر عنهم ، وضاقت بالسلطان وعساكره الأرض ، استشاروا الشيخ عزّ الدين رحمه الله ، فقال : اخرجوا ، وأنا أضمن لكم على الله النصر . فقال السلطان له : إن المال في خزانتي قليل ، وأنا أريد أن أقترض من أموال التجار . فقال له الشيخ عز الدين : إذا أحضرتَ ما عندك وعند حريمك ، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلّ الحرام ، وضربتَه سكّة ونقدًا ، وفّقته في الجيش ولم يقمْ بكفايتهم ذلك الوقت ، اطلبِ القُرْض ، وأمّا قبل ذلك فلا . فأحضر السلطان والعسكر - كلهم - ما عندهم من ذلك بين يدي الشيخ ، وكان الشيخ له عظمة عندهم وهيبة ؛ بحيث لا يستطيعون مخالفته، فامتثلوا أمره ، وانتصروا)) (١). ابن دقيق العيد : قال السبكي في ((طبقات الشافعية)) (٢١٢/٩) عن شيخ الإسلام ابن دقيق العيد: ((كان يخاطب عامّة الناس ، السلطان فمَن دونه ، بقوله : يا إنسانُ . وإن كان المُخاطَب فقيهًا كبيرًا قال : يا فقيه . وتلك كلمة لا يسمحُ بها إلا لابن الرفعة ، ونحوه . وكان يقول للشيخ علاء الدين الباجي : يا إمام . ويخصُّه بها))(٢). هذا الإِمام العظيم الأمّار بالمعروف الذي كانت تَهابه الملوك ، وكان سلطانُ مصر إذا رآه من على البعد قام له ، فإذا وصل عنده قبّل السلطان يده ، فيقول له شيخ الإسلام : هذا خير لك ، هذا ينفعك . هذا هو العالم الرباني .. أما علماء السوء ، فأصدق وصفٍ للفرد منهم (١) طبقات الشافعية ٨ / ٢١٥. (٢) طبقات الشافعية ٩ / تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٢٢٣ قول الشاعر : يرمزِمُ مِنْ فُتَات الكُفرِ قُوتًا ويشربُ مِنْ كُؤُوسِهِمُ الثّمالهْ وَيَلْثَمُ دُونما خجلٍ نِعَالَهْ يُقَبِّلُ راحَةَ الطاغوتِ حِينًا الإِمام النَّووي : كان مواجهًا للملوك والجبابرة بالإِنكار ، ولا تأخذه في الله لومة لائم ، وكان إذا عجز عن المواجهة ، كتب الَّسائل ، وتوصل إلى إبلاغها ، فممَّا كتبه وأرسلني في السعي فيه وهو يتضمَّن العدل في الرعيَّة. وإزالة المكوس عنهم ، وكَتَبَ معه في ذلك شيخُنا شيخ الإسلام أبو محمد عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر شيخ الحنابلة ، وشيخنا العلامة قدوة الوقت أبو محمد عبد السلام بن علّ بن عمر الزواوي شيخ المالكية ، وشيخنا العلامة ذو العلوم أبو بكر محمد بن أحمد الشريشي المالكي ، وشيخنا العارف القدوة أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ العارف ولي الله عبد الله ، ◌ُرِفَ بابن الأرمني ، وشيخنا المفتي أبو حامد محمد بن العلامة أبي الفضائل عبد الكريم بن الحرستاني خطيب دمشق وابن خطيبها ، وجماعة آخرون ، ووضعها في ورقة كتبها إلى الأمير بَدْر الدِّين بيْلبك الخَزنْدَار بإيصال ورقة العلماء إلى السلطان الظاهر التُّركي ، وهذه صورتها : بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله يحبِى النَّواوي . سلام الله ورحمته وبر كاته على المولى المُحْسِن ملكِ الأمراء بدر الدين ، أدام الله الكريم له الخيرات ، وتولَّاه بالحسنات ، وبلَّغه من خيرات الآخرة والأولى كلَّ آماله ، وبَارَكَ له في جميع أحواله ، آمين . وَيُنْهَى إلى العلوم تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٢٢٤ الشريفة(١) أَنَّ أهل الشام في هذه السنة في ضِيقِ عيشٍ ، وَضَعْف حالٍ ، بسبب قَلَّة الأمطار ، وغلاء الأسعار ، وقلَّة الغَلَّات والنبات ، وهلاك المواشي ، وغير ذلك . وأنتم تعلمون أنَّه تجب الشفقةُ على الرعيّةِ والسُّلطان ، ونصيحته في مصلحته ومصلحتهم ؛ فإنَّ الدِّين النَّصيحة . وقد كتبَ خدَمَةُ الشَّرعِ ، الناصحون للسلطان ، المحبُّون له ، كتابًا بتذكيره النَّظَر في أحوال رعِيَّتِهِ ، والرفق بهم ، وليس فيه ضررٌ ، بل هو نصيحةٌ مَحْضَةٌ ، وشفقةٌ تامةٌ ، وذكرى لأولي الألباب . والمسئول من الأمير - أيَّده الله تعالى - تقديمه إلى السلطان ، أدام الله له الخيرات، ويتكلّم عليه من الإِشارة بالرِّفق بالرعيَّة بما يجدُهُ مُدَّخَرًا له عند الله ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ الآية [ آل عمران : ٣٠] . وهذا الكتاب الذي أرسله العلماء إلى الأمير أمانةٌ ونصيحةٌ للسلطان - أعزّ الله أنصاره - والمسلمين كلّهم في الدُّنيا والآخرة، فيجب عليكم إيصالُهُ للسُّلطانِ - أعزَّ الله أنصاره - وأنْتُم مسئولون عن هذه الأمانة ، ولا عُذْرَ لكم في التأخّرِ عنها ، ولا حُجَّةَ لكم في التَّقصِيرِ فيها عند الله تعالى ، وتُسألون عنها ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾، ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِهِ لِكُلِّ امرئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيِهِ﴾ [ عبس : ٢٤ - ٢٧ ] . أنتم بحمد الله تحبُّون الخير ، وتحرصون عليه ، وتسارعون إليه ، وهذا (١) أي نرفع إلى علْمِكم الشريف. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في غلوّ الهمة - المجلد الثالث ٢٢٥ من أهم الخيرات ، وأفضل الطَّاعات ، وقد أُهِّلْتُم له ، وساقه الله إليكم ، وهو مِنْ فضلِ الله، ونحن خائِفون أن يزداد الأمر شدَّةً إن لم يَحْصُلِ النَّظَرُ في الرِّفْقِ بهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. وقال تعالى: ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [ البقرة: ١١٥]. والجماعة الكاتِبون منتظرون ثمرةَ هذا، مما إذا فَعَلْتُمُوهُ ، وَجَدتُّموه عند اللهِ؛ ﴿ إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ [ النحل: ١٢٨]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . فلما وصلتِ الورقتان إليه ؛ أوقفَ عليهما السُّلطان ، فلما وقف عليها ؛ ردَّ جوابَها جوابًا عنيفًا مؤلمًا ، فتنكَّدَت خواطر الجماعة الكاتبون ، وغيرهم ، فكتب - رحمه الله - جوابًا لذلك الجواب : بسم الله الرحمن الرحيم . الحمدُ لله رب العالمين . اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد وسلِّم . من عبد الله يحيى النواوي: يُنْهَى أَنَّ خَدَمَةَ الشَّرْعِ كانوا كتبوا ما بلغ السلطان - أعَّ الله أنصاره - فجاء الجوابُ بالإِنكارِ والتَّوبيخ والتَّهديد ، وَفَهِمْنَا منه أنَّ الجهادَ ذُكِرَ في الجواب على خِلاف حكْم الشَّرع، وقد أَوْ جَبَ الله إيضاحَ الأحكامِ عند الحاجة إليها، فقال تعالى: ﴿ وَإِذْ أُخْذَ اللهُ مِيْنَاقَ الَّذِينَ أُوتوا الكِتَابَ لَتُبيِّنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ الآية [ آل عمران : ١٨٧ ] فوجب علينا حينئذ بيانُهُ، وحَرُمَ علينا السكوتُ ؛ قال الله تعالى : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى المَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٢٦ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث يُتْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَّى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ التوبة: ٩١ ] . وَذُكِرَ في الجوابِ أنَّ الجهادَ ليسَ مختصًّا بالأجنادِ ، وهُذَا أَمْرٌ لم نَّدَّعِهِ ، ولكنَّ الجهادَ فرضُ كفايةٍ ، فإذا قَرَّرَ السُّلطانُ له أجنادًا مَخْصوصينَ ، ولهم أخباز(١) معلومةٌ مِن بيت المال ، كما هو الواقع - تفرّغَ باقي الرعية لمصالحهم ومصالح السلطان والأجناد وغيرهم ، من الزِّراعة ، والصَّنَائِع، وغيرهم، الذي يحتاجُ الناسُ كلُّهم إليها ، فجهادُ الأجنادِ مُقابِل الأخبارِ المقرَّرَةِ لهم ، ولا يَحِلُّ أنْ يُؤْخَذَ مِنَ الرَّعِيَّةِ شيءٌ مَا دَامَ في بيتِ المالِ شيءٌ مِن نَقْدٍ ، أو متاعٍ ، أو أرضٍ ، أو ضِياعٍ تباع ، أو غير ذلك . وهؤلاء علماءُ المسلمينَ في بلاد السلطان - أعَّ الله أنصاره - مُتَّفِقونَ على هذا ، وبيتُ المال - بِحَمْدِ الله - معمورٌ ، زَادَهُ الله عمارةً وَسَعَةً، وخيرًا وبركةً في حياة السلطانِ المقرونةِ بكمالِ السعادةِ له ، والتَّوفيقِ والتَّسديد والظُّهورِ على أعداء الدين، ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، وإنما يُسْتَعَانُ في الجهادِ وغيرِهِ بالافتقارِ إلى الله تعالى، واتّباع آثار النبي عَ ◌ّ ، ومُلازمةِ أحكام الشرع . وجميعُ ما كتَبْناهُ أوَّلًا وثانيًا هو النصيحةُ التي نعتَقِدُهَا، ونَدِينُ اللهَ بها ، ونسألهُ الدَّوام عليها حتى نَلْقَاه. والسُّلطانُ يعلمُ أنَّها نصيحةٌ له وللرّعيَّة ، وليس فيها ما نُلامُ عليه، ولم نكتُب هذا للسلطان ؛ إلا لِعِلْمِنَا أنَّه يُحِبُّ الشَّرْعَ، ومتابعَتَهُ أخلاقَ النّبِّ عَ ◌ّهِ، فِي الرِّفْقِ برِعِيَّتِهِ ، والشفقةِ عليهِم، وإكرامِهِ لَآثَارِ النّبِّ عَِّ، وكلَّ ناصحٍ للسلطانِ موافِقٌ على هذا الذي (١) الأخباز واحدها : الخبزة أي النصيب ، وهي الرواتب والجرايات التي تعطى شهريًّا، أو تبعًا للمواسم الزراعية ، أو عند الحملات الحربية . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٢٢٧ = كَتَبْنَاهُ . وأما ما ذُكِرَ في الجواب مِن كَوْنِنَا لم نُنْكِرِ على الكفّارِ حين كانوا في البلاد ، فكيف يُقَاسُ ملوكُ الإِسلامِ ، وأهلُ الإِيمان والقرآنِ بِطُغَاةِ الكفّارِ ؟! وبأيّ شيءٍ كُنَّا نُذَكِّرُ طُغَاةَ الكَفَّارِ وَهُم لا يَعْتَقِدُونَ شيئًا مِن دينِنَا ؟! وأما تهديدُ الرعيةِ بسبب نصيحَتِنَا ، وتهديدُ طائفةٍ ، فليس هو المَرْجُوّ مِن عَدْلِ السلطانِ ، وَحِلْمِهِ ؛ وأُ حِيلٍ لضعفاءِ المسلمين المفرَّقين في أقطار ولايةِ السلطان في كتابٍ كَتَبَّهُ بعضُ المسلمين النَّاصحينَ نصيحةً للسلطان ولُهُم ، ولا عِلْمَ لَهُمْ بِه ؟! وكيفَ يؤاخذونَ بِهِ لو كانَ فيهِ ما يُلامُ عليه ؟! وأمَّا أنا في نفسي ، فلا يضُرُّني التهديدُ ، ولا أكبرُ منه، ولا يمنَعُني ذلك من نصيحة السُّلطان ، فإنِّي أعتَقِدُ أنَّ هذا واجبٌ علَّ وعلى غيري ، وما ترثَّبَ على الواجبِ ، فهو خيرٌ وزيادةٌ عند الله تعالى، ﴿ إِنَّمَا هُذِهِ الحَياةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرارِ﴾ [غافر: ٣٩]، ﴿ وَأَفَوِّضُ أَمْرِي إلى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ ﴾ [ غافر : ٤٤]، وقد أمرنا رسول الله ◌َ ◌ِّ أن نقول بالحق حيثما كنا، وأن لا نخافَ في اللهِ لومَةَ لائِمٍ. ونحنُ نُحِبُّ للسلطانِ معالي الأمورِ ، وأكمَلَ الأحوالِ ، وما ينفعُهُ في آخرتِهِ ودُنْياه ، ويكونُ سببًا لدوامِ الخيراتِ له ، ويَبْقَى ذِكْرُهُ له على مِّ الأيام ، ويخلُدُ في سننه الحسنة ، ويجد نفعَهُ ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلَّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [ آل عمران: ٣٠]. وأما ما ذُكِرَ من تمهيد السلطانِ البلادَ ، وإدامته الجهاد ، وفتْح الحصون ، قَهْر الأعداء ، فهذا بحمد الله من الأمور الشائعة التي اشترك في العلم بها لخاصَّةُ والعامَّة ، وسارَتْ في أقطارِ الأرض ، ولله الحمد، وثواب ذلك مُدَّخَرٌ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٢٨ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث للسلطان إلى ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرِ مُحْضَرًا﴾ [ آل عمران : ٣٠ ] . ولا حُجَّةَ لنا عند اللهِ تعالى إذا تَرَكْنا هذه النَّصيحَةَ الواجبةَ علينا . والسلام عليكم ، ورحمة الله وبركاته . الحمدُ لله رب العالمين(١). ومما كتبه لمَّا احتيطَ على أملاكِ دمشق - حرسها الله تعالى - بعد إنكاره مواجهةَ السلطان الظاهر ، وعدم إفادته وقبوله : بسم الله الرحمن الرحيم . الحمدُ لله ربِّ العالمين. قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ الذاريات : ٥٥ ] . وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخِذَ اللهُ مِيْنَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنَنَّهُ للنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. وقال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلى الْبِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلى الإِثْمِ والعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: ٢] وقد أوجبَ الله على المكلَّفين نصيحةً السلطانِ - أعزّ الله أنصارَه - ونصيحَةَ عامَّةِ المسلمين ؛ ففي الحديث الصحيح عن رسول الله عَ ◌ّله أنه قال: ((الدِّينُ النَّصيحةُ؛ للهِ، ولكتابِهِ ، ورسولِهِ ، وأَئِمَّةِ المسلمين، وعامَّتِهِم ))(٢). وَمِن نصيحة السلطان - وفَّقه الله لطاعته ، (١) تحفة الطالبين في ترجمة الإِمام محيي الدين لابن العطار صـ ١٠١ - ١٠٨. (٢) أخرجه مسلم في ((الصحيح)) (١ / ٧٥)، والنسائي في ((المجتبى)) (٢ / ١٧٨)، وأبو داود في ((السنن)) (٥ / ٢٢٣)، والحميدي في ((المسند))= تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث ٢٢٩ وتولَّاه بكرامته - أن تُنْهى (١) إليهِ الأحكام إذا جرتْ على خِلافٍ قواعدٍ الإِسلام . وأوجبَ الله تعالى الشَّفَقَةَ على الرعيَّةِ، والاهتمامَ بالضَّعَفَةِ، وإِزَالَةَ الضَّررِ عنهم. قال الله تعالى: ﴿ وَآَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلمُؤْمِنِينَ ﴾ [ الحِجْر: ٨٨ ] ٠ وفي الحديث الصحيح: قال رسول الله عَ لّم: ((إِنَّمَا تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ بِضعفائِكم )»(٢). وقال عَّ له: ((مَنْ كَشَفَ عن مسلم كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيا، كَشَفَ الله عنهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، واللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنٍ (٢/ ٣٦٩)، وأحمد في ((المسند)) (٤/ ١٠٢)، والبخاري في ((التاريخ = الصغير)) (٢ / ٣٥)، وابن نصر في ((تعظيم قدر الصلاة)) (رقم ٧٤٧ و٧٤٩ و٧٥٠ و٧٥١ )، وبيَّن أن محمد بن عجلان أدخل إسنادًا في إسناد ، فجعل الحديث من مسند أبي هريرة . والصحيح أنه من حديث تميمِ الدَّاري . وانظر حول هذا الأمر: ((فوائد الليث بن سعد)) ( ص ٥١ - ٥٥ )، وكلام محققه عليه . (١) أي : تُرفع إليه وتبلُغ مسامعَه . (٢) أخرجه البخاري في ((الصحيح)) (٦ / ٨٨)، والنسائي في ((المجتبى)) (٦ / ٤٥)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣ / ٣٤٥)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٤ / ٢٦٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥ / ١٠، ٢٦ و٨ / ٢٩٠)، والدَّوْرَقي في ((مسند سعد بن أبي وقاص)) (رقم ٥١ )، والهيثم الشاشي في ((مسنده)) (ورقة ١٠ / أ). وأبو طاهر المخلِّص، وأبو القاسم التّيْمي في ((الترغيب))، كما في ((النكت الظراف)) (٣١٩/٣). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٣٠ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث أخيه )»(١). وقال عَّهِ: ((اللَّهُمَّ مَنْ وَلِي مِنْ أَمْرِ المسلمينَ شيئًا، فَرَفَقَ بِهِمْ : فارْفُقْ بِهِ ، وَمَنْ شَقَّ عليهِم ، فاشْقُْ عليهِ))(٢). وقال مَّهِ: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ))(٣). وقال عَّله: ((إِنَّ المُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يمينِ الرحمْنِ ، الذينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِم ، وأهليهِم، وما وُلُّوا)) (٤). وقد أنعم الله تعالى علينا ، وعلى سائر المسلمين بالسلطان - أعزّ الله أنصارهُ - فقد أقامَه لنُصْرَةِ الدِّين والذَّبِّ عن المسلمين ، وأذَّ بِهِ الأعداءَ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ ، وفتحَ عليهِ الفتوحاتِ المشهورةَ في المدةِ اليسيرةِ ، وأَوْقَعَ الرُّعْبَ منه في قلوب أعداءِ الدين وسائر الماردين، ومَهَّدَ له البلادَ والعبادَ ، وقَمَعَ بسببهِ أهَلَ الزَّيْغِ والفساد، وأمدَّهُ بالإِعانةِ واللُّطْفِ والسَّعَادَةِ . (١) أخرجه مسلم في ((الصحيح)) (٤ / ٢٠٧٤، رقم ٢٦٩٩)، وأبو داود في ((السنن)) رقم ٤٩٤٦)، والترمذي في ((الجامع)) رقم ١٤١٥، ١٩٣٠)، وابن ماجه في ((السنن)) (رقم ٢٢٥)، وأحمد في ((المسند)) (٢ / ٢٥٢، ٢٩٦، ٥٠٠ ، ٥١٤ )، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (٢) أخرجه مسلم في ((الصحيح)) (رقم ١٨٢٨)، وأحمد في ((المسند)) (٦ / ٦٢، ٩٣، ٢٥٧، ٢٥٨، ٢٦٠)، وغيرهما . (٣) أخرجه البخاري في الصحيح والأدب المفرد ، ومسلم ، والنسائي ، والترمذي ، وعبد الرزاق ، وأبو داود وأبو عوانة وابن الجارود في المنتقى ، وأحمد ، والطبراني في الكبير . (٤) أخرجه مسلم ، وأحمد ، والبخاري في التاريخ ، والنسائي ، والحميدي في المسند ، والبغوي في شرح السنة، وعبد الرزاق في المصنف، والبيهقي في ((السنن الكبرى)). تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٢٣١ فللهِ الحمدُ على هذه النعمِ المتظاهرةِ ، والخيراتِ المتكاثرةِ ، ونسألُ الله الكريمَ دوامَهَا له وللمسلمين ، وزيادَتَها في خير وعافية ، آمين . وقد أوجبَ الله شكْرَ نِعَمِهِ ، وَوَعَدَ الزيادةَ للشَّاكرينَ ، فقال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُم﴾ [إبراهيم: ٧ ] . ولقد لَحِقَ المسلمين بسبب هذه الحَوْطَةِ على أملاكِهم أنواعٌ مِن الضَّرَرِ ، لا يمكنُ التعبيرُ عنها ، وطُلِبَ منهُم إثباتٌ لا يلزَمُهُم ، فُهدَه الحَوْطَةُ لا تَحِلُّ عندَ أحدٍ مِنْ عُلَمَاءِ المسلمين ، بل مَن في يدهِ شيءٌ ، فهو مُلْكُه ، لا يَحِلُّ الاعتراضُ عليه، ولا يُكُلِّفُ بإثباتِهِ . وقد اشْتُهِرَ من سيرةِ السلطان أنَّه يُحِبُّ العمَلَ بالشرع ، ويُوصي نُوَّابَهُ به ، فهو أَوْلى مَنْ عَمِلَ به ، والمسئول إطلاق النَّاس من هذه الحَوْطَةِ ، والإفراج عن جميعِهم ، فَأَطْلِقْهُم، أَطْلَقَكَ الله مِن كُلِّ مَكروهٍ ، فَهُم ضَعَفَةٌ ، وفيهم الأيتامُ ، والأرامُلُ ، والمساكينُ، والضَّعَفَةُ ، والصَّالحونَ، وبِهِم نُنْصُرُ ، ونُغَاثُ، وتّرْزَق، وهم سُكَّان الشام المبارك، جيرانُ الأنبياءِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم ، وسكَّانُ ديارِهم ، فلهُم حُرماتٌ مِن جهاتٍ . ولو رأى السُّلطانُ ما يلحَقُ الناسَ مِنِ الشَّدَائِد، لاشتَدَّ حُزْنُه عليهِم، وأطلقَهُم في الحالِ ولم يُؤَّرْهُم، ولكن لا تُنْهَى الأمورُ إليهِ على وجْهِهَا . فباللهِ ، أغِثِ المسلمين ، يُعِثْكَ الله ، وارْفْ بِهِمْ ؛ يَرْفِقِ الله بك ، وعَجِّلْ لَهُم الإِفراجَ قبلَ وقوعِ الأمطارِ ، وتَلَفِ غَلَّاتِهِم ؛ فَإِنَّ أكثرَهُمْ وَرِثُوا هُذه الأملاكَ مِن أسلافِهِم ، وَلَا يمكِنُهُم تحصيلُ كتبِ شراءٍ ، وقد نُهَبَتْ كُتُبُهم . وإذا رفقَ السلطانُ بِهِم ؛ حَصَلَ له دعاءُ رسولِ اللهِ عَ ◌ِّ لمن رفق تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٣٢ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث بأمَّتِهِ ، ونصره على أعدائِهِ ؛ فقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ [ محمد: ٧]، وَتَتَوَفِّرْ له من رعيَّتِهِ الدَّعوات، وتظْهَرُ في مملكَتِهِ البركاتُ ، ويُبَارَكُ له في جميعِ ما يقصدُه من الخيرات . وفي الحديثِ عن رسولِ اللهِ عَّ له قال: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً؛ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلى يومِ القيامَةِ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةُ ؛ فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلى يَوْمِ القِيَامَةِ )) (١). فنسألُ الله الكريم أن يوفّق السلطانَ للسُّننِ الحسنةِ التي يُذكَّرُ بها إلى يوم القيامة ، ويحميه مِن السُّنن السيِّئَةِ . فهذه نصيحَتْنَا الواجبةُ علينا للسُّلطانِ ، ونرجو مِن فضلِ اللهِ تعالى أن يُلْهِمَهُ الله فيها القَبولَ . والسلامُ عليكم ورحمة الله . الحمدُ لله رب العالمين ، وصلواتُه وسلامُه على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه(٢). قال السخاوي : (( و کان السبب في هذه الحوطة - کما صرّح به صاحب البدر السَّافر - : أن السلطان الظاهر بيبرس لما ورد دمشق بعد قتال التتار ، ونزوحهم عن البلاد ولّى وكالة بيت المال شخصًا من الحنفية ، فقال : إن هذه الأملاك التي بدمشق كان التتار قد استولوا عليها ، فتملُّكوها ، على مقتضى مذهب الإمام أبي حنيفة(٣) رحمه الله . فوضع السلطان يده عليها ، فقام جماعة من أهل العلم في ذلك ، وكان الشيخ فيهم .. ( قلت ) - أي (١) أخرجه مسلم والنسائي وغيرهما . (٢) تحفة الطالبين صـ ١٠٨ - ١١٤. (٣) والجمهور على خلافه . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٢٣٣ السخاوي -: بل هو أعظمهم . قال : فكلّم السلطان في ذلك كلامًا فيه غِلْظَة ، فظنَّ السلطان أنّ له مناصبَ يعزله عنها . فقيل له : ما له . انتهى كلام البدر . وقال الخطيب النونيني : إنه وَاقَفَ الظَّاهَرَ غير مرة ، بدار العدل بسبب الحوْطة على بساتين دمشق وغير ذلك . وحُكي عن الظاهر أنه قال : أنا أفزع منه . أو ما هذا معناه . ولقد شاهدتُّه مرةً طلع إلى زاوية الشيخ خضر - بالجبل المشرِف على المزة - وحدَّثه في أمرٍ ، وبالغ معه وأغلظ له ، فسمع الشيخ خضر كلامًا مؤلِمًا، فأمر بعض مَنْ عنده بإخراجه ودفْعه ، فما تأثر لذلك في ذات الله - عز وجل - ولا رجع عن قَصْده ؛ لنفْع يجلِبُه لبعض المسلمين . وقال العماد ابن كثير : إنه قام على الظاهر في دار العدل في قضية الغوطة ، لمّا أرادوا وضْع الأمْلاك على بساتينها ، فردّ عليهم ذلك ، ووقى اللهُ شَرّها ، بعد أن غضب السلطان وأراد البطش به ، ثم بعد ذلك أحبّه وعظّمه ، حتى كان يقول: أنا أفزع منه. انتهى كلام ابن كثير)) (١). ومما كتبه بسبب الفقهاء ، لما رُسِمَ(٢) بأن الفقيه لا يكون منزلًا في أكثر من مدرسة واحدة ، وهذه صورته : (( بسم الله الرحمنِ الرحيم : حَدَمَةُ الشَّرّعِ يُنْهونَ أَنَّ الله تعالى أمَرَنا بالتَّعاوُنِ على البِرِّ والتَّقوى، (١) ترجمة شيخ الإسلام النووي، للحافظ السخاوي صـ ٤٥ طبع جمعية النشر والتأليف بالأزهر . (٢) أي: كُتب، و((المرسوم)) ما يُصدره رئيس الدولة كتابة في شأنٍ من الشئون، فتكون له قوة القانون . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com : تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٣٤ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ونصيحَةٍ وُلاةِ الأمورِ ، وعامَّةِ المسلمين ، وأخَذَ على العُلماءِ العهدَ بَتَبْلِيغِ أحكامِ الدينِ ، ومناصحةِ المسلمين ، وحثّ على تعظيمِ حُرُماتِهِ ، وإعظامٍ شعائر الدينِ ، وإكرامِ العلماء وتُبَّاعِهم . وقد بلغَ الفقهاءَ بِأَنَّهُ رُسِمَ في حَقِّهِم بِأَنْ يُغَيّروا عن وظائِفِهم ، ويُقْطَعوا عن بعضٍ مدارِسِهم ، فتنكَّدَتْ بذلك أحوالُهُمْ ، وتضرّروا بهذا التضييقِ عليهم ، وهُم محتاجونَ ، ولهُم عِيالٌ، وفيهِم الصَّالِحونَ ، والمشتغِلونَ بالعلومِ ، وإنْ كَانَ فيهِم أفرادٌ لا يَلْتَحِقُونَ بمراتِبِ غيرِهم ، فهم منتَسِبونَ إلى العلمِ ، ومشارِكُونَ فيهِ . ولا تَخْفَى مراتِبُ أهلِ العلمِ ، وفضلُهم ، وثناءُ الله تعالى عليهم ، وبيانُه مزيَّتَهم على غيرِهم ، وأَنَّهم وَرَثَةُ الأنبياءِ - صلواتُ الله وسلامُه عليهِم - وأَنَّ الملائِكَة - عليهم السلام - تضعُ أجْنِحَتَهَا لَهُم، ويستَغْفِرُ لَهُم كُلُّ شيءٍ ، حتى الحيتانُ . واللائِقُ بالجَنابِ العالي إِكرامُ هُذه الطَّائِفَةِ، والإِحسانُ إليهِم ، ومُعاضَدَتُهُم ، ودفعُ المكروهاتِ عنهُم ، والنَّظَرُ في أحوالِهم ؛ بما فيهِ الرِّفُ بهم؛ فقد ثبت في ((صحيح مسلم )) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ وَلِي مِنْ أَمْرٍ أُمَِّي شَيْئًا، فَرَفَقَ بِهِم ؛ فَارْفُقْ بِهِ )) . وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه كان يقول لطلبةِ العلم: مرحبًا بوصية رسول الله عَ له، إن رسول الله عَ لّم قال: ((إِنَّ رجالًا يأتونَكُم يَتَفَقَّهونَ في الدِّين، فإذا أَتَوْكُمْ؛ فاسْتَوْصوا بِهِمْ خَيْرًا))(١). (١) أخرجه الترمذي، وابن ماجه ، وعبد الرزاق في المصنف ، والرامهرمزي في المحدث الفاصل صـ ١٧٦ ، كلهم من طريق أبي هارون العبدي عمارة بن جُوَين كذبه بعضهم. انظر الميزان ( ٣ / ١٧٣ ) . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٢٣٥ والمسئول أن لا يُغَّر على هذه الطائفةِ شيءٌ، وتُسْتَجْلَب دعوتُهم لهذه الدولة القاهرة، وقد ثبت في ((صحيح البخاري)) أن رسول الله عَ ليه قال: ((هل تُنْصَرُونَ وتْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ)). وقد أحاطتِ العلومُ بما أجاب بِهِ الوزيرُ نظامُ المُلْك، حينَ أَنْكَرَ عليهِ السلطانُ صْفَ الأموالِ الكثيرةِ في جهةِ طلبةِ العلم ، فقال: ((أَقَمْتُ لَكَ بِهَا جُنْدًا لَا تُرَدُّ سِهَامُهُم بالأسْحارِ)). فاسْتَصْوِبَ فِعْلَهُ، وساعَدَهُ علیهِ . والله الكريمُ يَوَفِّقُ الجنابَ دائمًا لمرضاتِهِ ، والمسارعة إلى طاعاتِهِ . والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم . وله - رَحِمَهُ الله تعالى - رسائِلُ كثيرةٌ في كُلِّياتٍ تتعلَّقُ بالمسلمين وجزئيات ، وفي إحياء سننٍ نّيِّرات ، وفي إماتة بدع مظلماتٍ ، وله كلامٌ طويل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مواجهًا به أهل المراتب العاليات ))(١). قال السخاوي مُعَقِّبًا: (( قلت : منها رسالة إلى نائب السَّلطنة بدمشق يطلب جمْع الناس للاستسقاء ، كتبها في يوم الأحد ، حادي عشر جمادى الأولى ، سنة ثمانٍ وستين وستمائة)) . وقد ردّ فيها على من خذَّل في صلاة الاستسقاء ، وجاء فيها : ((فهذا المخذِّل مخطئ جاهل ، بل إن اعتقد هذا، كان كافرًا؛ لأنّ ما فعله رسول الله عَ ◌ّةٍ هو الحق والصواب الذي يجب على كلّ مكلَّف (١) تحفة الطالبين ١١٥ - ١١٨، وترجمة النووي للسخاوي صـ ٤٦ - ٤٧ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٣٦ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث الانقياد له ، والمسارعة إلى قبوله ، وانشراح الصدر له . قال الله تعالى : فلا وربِّك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شَجَرَ بَيْتَهُمْ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قَضَيْتَ وَيسلِّموا تسليما)، وقال تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنينَ إذا دُعوا إلى الله ورسوله لِيحكُم بَيْنهم أن يقولُوا سمِعْنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ﴾ . وكلُّ ما خالف سنة رسول الله عَ ◌ّم فهو البدعة والضلالة والغباوة والجهالة والسَّفاهة والرذالة ، بل هذه طريقة الكفّار في مُدافعة دين الإِسلام ، ويأبى الله إلا أن يُتمّ نورَه ، ولو كره الكافرون ، ويجب على ولّ الأمر - وفقه الله لطاعته - إذا سمع كلام هذا الزاعم الجاهل الضّالّ الغاشم المتجاهل ، وغيره ممّن يقول نحوَ هذا القول في مدافعة الحق والاعتراض على سنن رسول الله عَ لّه - أن يؤدّب تأديبًا بليغًا ينزجر به هو وأمثالُه، ويُشهرَ أمْره ، لَيَنْكِفَ أهلُ الجهالة والضلالة عن مثل فعله ، ولِيعلم أن المراد بالاستسقاء امتثال أمر الله تعالى والاقتداء برسول الله عَّ له وهو مصلحة فاخرة ، وسعادة معجّلة ، ومِنة مِنَ الله تعالى ، يُشكر على التوفيق لها . وأمّا نزول المطر فهو إلى الله تعالى ، وليس المراد بالاستسقاء تيقّن نزول المطر)). وحثّ النّووي في رسالتهِ نائب السلطنة أن يأمر الناس قبل الخروج للاستسقاء ، بالتوبة من المعاصي ومصالحة الأعداء ، والصدقة وصيام ثلاثة أيام ، والخروج في اليوم الرابع صيامًا . ولمّا وصلتِ الرسالة لولّ الأمرِ ، أَمَرَ مُحتَسِب البلد ، فنادى - ساعته - في الناس بصيام ثلاثة أيام ، أوَّلُها يوم الإثنين الثاني عشر من جمادى الأولى ، ثمّ خرج ولّ الأمر والناس يوْم الخميس ، الخامس عشر من الشهر المذكور واستسقَوْا ، ثم سُقوا بعد ذلك بسبعة أيام سقيا عامة وترادفتْ أمطار كثيرة بعد أن حصل لكثير من الناس قنوطٌ ، فللَّه الحمد على نِعَمِهِ ، والتوفيق لإظهار شعائر دينه ، ومتابعة تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٢٣٧ رسوله عَ لَه، والاعتناء بسنتهِ. وكتب ولي الأمر إلى نوابه في البلدان يأمرهم بالاستسقاء في اليوم الذي يستسقي فيه أهل دمشق ، فامتثلوا لأَمْره في ذلك ، فسُقوا كلَّهم في بلدانهم في الوقت المذكور ، ثم وقعتْ في البلدان ثلوج كثيرة لم يُرَ في تلك السنين مثلُها ، وأبطل تضمين الخانات والخمور ، وأُريقتْ على كلّ مَنْ وُجدتْ عنده في دمشق وسائر بلاد الشام ، ورفعتِ المنكرات - ولله الحمد - رَفْعًا تامًّا بعد أن كانت شائعةً أفحش الشَّياع ، وذلك في ربيع الآخر من السنة . ثم جعل اللهُ الكريم في الغلات أنواعَ البركات ، وأخصبتِ الغلات في جميع بلاد الشام إلى حدٍّ لم يُعهد مثلُه ، من نحو ثلاثين سنة ، ثم أعقب ذلك رُخْصًا لكثرة الغلات ، لم يُعهد مثلُه من نحو خمسَ عشْرة سنةً(١). بَيْنَ الإِمامِ الَّووي وابنِ النّجار : كان في دمشق شخصٌ - يُقال له: ابن النجار - (( سَعَى في إحداث أمورٍ على المسلمين باطلةٍ ، فقام الشيخ - قدّس الله رُوحه - مع جماعة من علماء المسلمين فأزالوها بإذن الله تعالى ، ونصر الله الحقّ وأهله ، فغضب لذلك ؛ لكراهيته مصلحة المسلمين ونصيحة الدين ، وبعث إلى الشيخ يهدِّده ، ويقول: ((أنت الذي تحزِّبُ العلماء على هذا)). فكتب إليه الشيخ - قدَّس الله روحه - كتابًا هذا صورته : بسم الله الرحمن الرحيم . الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. (١) ترجمة النووي للسّخاوي ص ٤٧ - ٤٩ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٣٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث من يحيى النووي . اعلم أيُّها المقصِّر في التأهُّب لمعادِهِ ، التاركُ مصلحَةَ نفسه في تهيئةٍ جهازِهِ له وزادِهِ ، أَنِّي كنتُ لا أعلمُ كراهَتَكَ لنُصْرَةِ الدين ، ونصيحةٍ السلطان والمسلمين ؛ حملًا منِّي لك على ما هو شأنُ المؤمنين ، من إحسان الظنِّ بجميع الموحِّدين ، وربما كنتُ أسمعُ في بعض الأحيانِ مَنْ يُذْكُرُكَ بِغِشِّ المسلمين، فَأَنْكِرُ عليه بلساني وبقلبي ، لأنها غيبةٌ لا أعلم صحَّتها ، ولم أَزَلْ على هذا الحال إلى هذه الأيام . فجرى ما جرى من قول قائل للسُّلطان - وقَّقه الله لكريمِ الخيرات -: إنَّ هُذه البساتينَ يَحِلُّ انتزاعُها من أهلِها عندَ بعضِ العلماء . وهذا مِنَ الافتراء الصريح ، والكذب القبيح ، فوجب علَّ وعلى جميعِ مَن عَلِمَ هُذا من العلماءِ أَن يُبَيِّنَ بُطلانَ هذه المقالة ، وَدَحْضَ هُذه الشناعة ، وأنَّها خلافُ إجماع المسلمين ، وأنَّه لا يقولُ بها أحدٌ من أئمَّةِ الدين ، وأن يُنْهوا (١) ذلك إلى سلطان المسلمين؛ فإنَّه يجبُ على الناس نصيحته ؛ لقول النبّ عَّم في الحديث الصحيح : (( الدِّينُ النصيحة، للهِ، ولكتابه ، ولرسوله ، وأئمّة المسلمين ، وعامَّتهم)) . وإمام المسلمين في هذا العصر هو السلطان - وفَّقه الله تعالى لطاعته ، وتولَّاه بكرامته - ، وقد شاع بين الخواصِّ والعوامّ، أنَّ السلطانَ كثيرُ الاعتناء بالشَّرَّعِ، ومحافظٌ على العملِ به ، وأَنَّه بَنَى المدرسة لطوائف العلماء ، ورتَّب القُضاة من المذاهب الأربعة ، وأمر بالجلوس في دار العدل ؛ لإِقامة الشرع ، وغير ذلك ، مما هو معروف من اعتناء السُّلطان - أعزَّ الله أنصارَهُ - بالشرع ، وأَنَّه إذا طلبَ طالبٌ منهُ العملَ بالشرعِ ؛ (١) أي : يرفعوا. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٣٩ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث أمر بذلك ، ولم يخالفه . فلما افترى هذا القائلُ في أمرٍ البساتين ما افتراه ، ودلِّس على السلطان ، وأظهر أن انتزاعها جاثّز عند بعض العلماء ، وغشَّ السلطان في ذلك ، وبلغ ذلك علماءَ البلد ؛ وجب عليهم نصيحةُ السلطان ، وتبيينُ الأمرِ له على وجهه ، وأنَّ هْذَا خلافُ إجماع المسلمين ، فإنَّه يجب عليهم نصيحةُ الدين ، والسلطانِ ، وعامَّةِ المسلمينَ . فوقَّقهم الله تعالى للاتفاقِ على كَتْبِ كتاب يتضمَّن ما ذكرتُه ؛ على جهةِ النَّصيحة ؛ للدين ، والسلطان ، والمسلمين ، ولم يذكروا فيه أحدًا بعينه ، بل قالوا : مَن زعم جوازَ انتزاعِهَا ، فقد كذب ، وكتب علماءُ المذاهب الأربعة خطوطَهم بذلك ؛ لِمَا يجب عليهم من النَّصيحةِ المذكورة ، واتَّفقوا على تبليغها ولَّ الأمرِ - أدامَ الله نِعَمَهُ عليه - لِيَنْصحوه ، ويُبَيِّنوا حكمَ الشرع . ثم بلَّغني جماعاتٌ متكاثِراتٌ في أوقاتٍ مختلفاتٍ - حصل لي العلم بقوْلهم - أنك كرهت سعيَهم في ذلك ، وسارَعَتْ في ذمِّ فاعِل ذلك ، وأسندت معظم ذلك كله إلَّي. ويا حبذا ذلك من صنيع . وبلَّغني عنك هُؤلاءِ الجماعات أَنَّك قلت : قولوا ليحبى : هو الذي سعى في هذا، فينكفَ عنه ، وإلا أخذتُ منهُ دارَ الحديث . وبلَّغني عنك هؤلاء الجماعاتُ أنَّك حلَفتَ مراتٍ بالطلاق الثلاث أَنَّك ما تكلَّمتَ في انتزاع هذه البساتين ، وأَنَّك تشتهي إطلاقَها . فيا ظالم نفسه ، أمَا تستحي من هذا الكلام المتناقض ، وكيف يصحُّ الجمع بين شهوتك إطلاقها وأنَّك لم تتكلم فيها ، وبين كراهتك السَّعَي في إطلاقها ونصيحة السلطان والمسلمين ؟! ويا ظالمَ نفسهِ ، هل تعرَّض لك أحدٌ بمكروه ، أو تكلّم فيك بعينك ؟ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٤٠ صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث وإنما قال العلماءُ : مَن قَالَ هُذَا للسلطان فقد كذب ودَّس عليه ، وغشَّه ، ولم ينصحْه ؛ فإنَّ السلطانَ ما يفعلُ هذا إلَّا لاعتقادِهِ أَنَّه حلالٌ عند بعضٍ العلماء ، فبَّنوا أنَّه حرامٌ عند جميعهم . وأنت قد قُلْتَ أنَّك لم تتكلم فيها . وحلفتَ على هذا بالطَّلَاقِ الثلاث ، فأتّ ضررٍ عليك في إبطال قولٍ كاذبٍ على الشرع ، غاشِّ مدلس على السلطان ، وقد قلتَ أَنَّه غيرُك ؟! وكيف تكره السَّعْيَ على شيءٍ قد أجمعَ الناسُ على استحسانِهِ ، بل هو واجب على مَن قدر عليه ؟! وأنا - بحمد الله - من القادرين عليه بالطريق الذي سلكت ، وأمّا نجاحُه ، فهو إلى الله تعالى ، مقلِّب القلوب والأبصار . ثم إني أتعجّب غايةَ العجب من انِّخاذكَ إِيَّاي خَصمًا، ويا حَبَّذا ذلك من انِّخَاذ؛ فإِنِّي - بحمد الله تعالى - أُحِبُّ في الله تعالى، وأُبْغِضُ فيه ، فأُحِبُّ مَنْ أطاعَهُ ، وأُبْغِضُ مَن خالفه ، وإذا أخبرتَ عن نفسكَ بكراهتِك السَّعْي في مصلحة المسلمين ، ونصيحة السلطان ؛ فقد دخلتَ في جملة المخالفين ، وصرتَ ممَّن نُبْغِضُهُ في الله ربِّ العالمين ؛ فإنَّ ذلك من الإِيمان ؛ كما جاءت به الآثار الصحيحة ، المنقولة بأسانيد الأئمة الأخيار(١). ارْضَ لِمَنْ غَابَ عَنْكَ غَيْبَتَهُ فَذَاكَ ذَنْبٌ عِقَابُهُ فِيهِ ويا ظالمَ نفسه ، أنا خاصمتُك ، أو كالَمْتُكَ، أو ذكرتُك ، أو بيني وبينك مخاصمة ، أو مُنازَعَة ، أو معاملةٌ في شيءٍ ؛ فما بالك تكره فعْل (١) يشير الإِمام النووي إلى حديث: ((مَنْ أَحَبَّ الله، وأبغض لله، وأعطى الله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان)) أخرجه أبو داود في ((السنن)) (رقم ٤٦٨١)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (رقم ٧٦١٣ و٧٧٣٧ و٧٧٣٨ ). والبغوي في ((شرح السنة)) (١٣ / ٥٤)، والبيهقي في ((الاعتقاد)) (ص ١٧٨، ١٧٩ ) بإسنادٍ حسنٍ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com