Indexed OCR Text
Pages 121-140
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ١٢١ وإني لأرى الشيء يجب علي أن آمر فيه وأنهى، فأبول دمًا (١). رحمك الله يا سفيان ، أين من غبار نعلك علماء السوء وقُرّاء السوء ، الذين قال فيهم نبينا عَّه: ((أكثر منافقي أُمّتي قُراؤها)) (٢). وفيهم يقول القائل : وهو للأطفالِ مِثْل السُّخْرِ شَيَّخَ الشيخَ بياضُ الشَّعْر وَجْهِه للحانِ وَلَّى شيخُنا يا رفاقي بعدُ ما تدبيرُنا أو كما يقول القائل : وَيَلْعَق من كؤوسهم الثُّمالَةْ يُرِمِرِمُ مِن قُتَات الكُفرِ قُونًا ويَلْثِم دونما خَجَلٍ نِعَالَهْ يُقبِلُ راحة الطّاغُوتِ حِينًا قال عبد الرزاق : قدمنا مكة ، وقدمها الذي يُقال له : المهدي ، فحضرتُ الثوريَّ وقد خرج من عنده وهو مغضب ، فقال : أُدخلت آنفًا على ابن أبي جعفر فقال لي : يا أبا عبد الله ، طلبناك فأعجزتنا ، فأمكننا الله منك في أحبّ المواضع إليه ، فارفع إلينا حوائجك . قال : فقلت : وأي حاجةٍ تكون لي إليك ؟! وأولاد المهاجرين وأولاد الأنصار يموتون خلف بابك جوعًا . فقال لي أبو عبيد الله : يا أبا عبد الله . لا تُكثر الفضول واطلب حوائجك من أمير المؤمنين . فقلت : ما لي إليه من حاجة ، لقد أخبرني إسماعيل بن أبي خالد أن عمر بن الخطاب حجَّ فقال لصاحب نفقته : كم أنفقنا في حجّنا هذا ؟ قال : اثنا عشر دينارًا. قال: أكْثَرْنا أكثرنا . أو قال : (١) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١٢٤/١. (٢) صحيح : رواه أحمد والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب عن ابن عمرو ، وأحمد والطبراني في الكبير ، عن عقبة بن عامر ، والطبراني وابن عدي ، عن عصمة بن مالك ، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (١٢٠٣) . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ١٢٢ أسرفْنا أسرفنا . وعلى أبوابكم أمور لا تقوم لها الجبال الراسيات . قال : فقال لي ابن أبي جعفر : يا أبا عبد الله، أفرأيت إن لم أقدر أن أُوصل إلى كل ذي حقٍّ حقه ، فما أصنع؟ قال : تفرّ بدينك وتَلْزَم بيتك، وتترك الأمر إلى من يقدر أن يُوصل إلى كل ذي حق حقه . قال : فسكت ، وقال لي أبو عبيد الله : أراك تكثر الفضول ، إن كانت لك حاجة فاطلبها ، وإلّا فانصرف . قال : فانصرفت(١). وعن سفيان أنه أُخذ في المسجد الحرام ، فأُدخل على أبي هارون وهو في إزار ورداء والنعلان في يده . قال : فلمّا دخلتُ سلَّمت وقعدت ، فقال أبو عبيد الله : إني أظن أن له رأي سوء - يعني رأي الخوارج -. فقلت لأبي هارون : من هذا ؟ قال : هذا معاوية بن عُبيد الله . فقلت له : احذر هذا وأصحابه . قال إبراهيم بن أعين البجلي : كنت مع سفيان الثوري والأوزاعي وإسحاق بن القاسم الأشعثي بمكة ، فدخل علينا عبد الصمد بن علي - وهو أمير مكة - عند المغرب وسفيان يتوضّا وأنا أصبّ عليه ، وهو يتوضأ كأنه بطة وهو يقول : لا تنظروا إلّ فإني مُبتَلى . فيدخل البيت الذي فيه الأوزاعي فسلّم ، ثم أتى عبد الصمد بن علي فسمعت الأوزاعي يقول : مرحبًا مرحبًا . ثم جاء فسلّم على سفيان ، فقال له سفيان : من أنت ؟ فقال : أنا عبد الصمد . فقال له : كيف أنت ، اتق الله ، اتق الله ، إذا كَبَّرت فأسمعْ(٢). (١) الجرح والتعديل ١١٠/١ - ١١١. (٢) الجرح والتعديل ١١١/١ - ١١٢ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ١٢٣ وقال أبو رجاء : طُلِب سفيان حتى أُدخل على أبي جعفر ، والمهدي قائم على رأسه ، فدخل سفيان وسلّم ، ثم دنا من البساط فنحّاه برِجله وجلس . قال: فقال المهدي : يا أبا عبد الله، حدِّث أمير المؤمنين بشيءٍ ينفعه الله عز وجلّ به . قال : إن سألتمونا عن شيءٍ عِلْمُ ذلك عندنا ، أخبرناكم . فأعاد عليه ، فقال: إني لست بقاصِّ . ثم قال: حدّثنا أيمن ابن نابل ، عن قدامة بن عبد الله قال: رأيت رسول الله عَّله يرمي الجمار على ناقٍ صَهْباءٍ من بطن الوادي ، بلا ضُرْبٍ ولا طرد ، ولا إليك إليك . ثم قال المهدي : حدِّث أمير المؤمنين بشيء ينفعه الله عز وجلّ به . فقال : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ ألم تَرَ كيف فعل رُبُّك بعاد إرَمَ ذات العماد﴾ قرأ إلى قوله: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ [ الفجر: ٦ - ١٤]، ثم قال بيده على خصره : بي بول بي بول. ثم قطعَ . وقال عبد الصمد بن حسان : قال سفيان الثوري : إني أُدخلت على المهدي ، فقلتُ له : انظر إلى عمر بن الخطاب . فقال : عمر كان له أصحاب . فقلت : فعمر بن عبد العزيز ، فقد كان في فتنة وفي ما كان فيه ، فما تكلّم بشيءٍ إلا صار سُنَّة . فقال: إن لم أُطِق ؟ فقلت : اجلس في بيتك . وقال عبد الرزاق : كان رجل صَحِب الثوري - يقال له : يوسف - إلى صنعاء ، فلم يشعر إذ جاءته الولاية من أبي جعفر ، فقال له الثوري : ويحك يا يوسف ، شحطوك بغير سكينٍ ، كيف إذا قيل يوم القيامة : أين أبو جعفر وأتباعه ؟ قُمتَ فيهم (١) . وعن يحيى بن أبي غُنَيّة قال: ما رأيت رجلًا قطُّ أَصْفَق وجهًا في الله (١) الجرح والتعديل ١١٢/١ - ١١٤. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ١٢٤ عز وجلّ من سفيان الثوري(١). قال الذهبي في السير (٢٥٩/٧): ((قال شجاع بن الوليد : كنت أحجّ مع سفيان ، فما يكاد لسانه يفتُر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ذاهبًا وراجعًا )). عن مفضل بن مهلهل قال : حججت مع سفيان ، فوافَيْنا بمكة الأوزاعي ، فاجتمعنا في دارٍ ، وكان على الموسم عبد الصمد بن علي ، فدقّ داقٌّ الباب ، قلنا : من ذا ؟ قال : الأمير . فقام الثوري ، فدخل المخرج ، وقام الأوزاعي فتلقّاه ، فقال له : من أنت أيها الشيخ ؟ قال : أنا الأوزاعي . قال : حيّاك الله بالسلام ، أما إن كتبك كانت تأتينا فنقضي حوائجك ، ما فعل سفيان ؟ قال : فقلت: دخل المخرج . قال : فدخل الأوزاعي في إثره ، فقال : إن هذا الرجل ما قصد إلا قصْدك . فخرج سفيان مقطّبًا ، فقال : سلام عليكم ، كيف أنتم ؟ فقال له عبد الصمد : أتيتُ أكتب عنك هذه المناسك . قال : أَوَلا أدلّك على ما هو أنفع لك منها ؟ قال : وما هو ؟ قال : تدع ما أنت فيه . قال : وكيف أصنع بأمير المؤمنين ؟ قال : إنْ أردتَ كفاك الله أبا جعفر . فقال له الأوزاعي : يا أبا عبد الله ، إن هؤلاء ليس يرضون منك إلا الإِعظام لهم . فقال : يا أبا عمرو ، إنا لسنا نقدر أن نضربهم وإنما نؤدِّبهم بمثل هذا الذي ترى . قال مفضل : فالتفت إلّي الأوزاعي فقال لي : قم بنا من هاهنا ، فإني لا آمن أن يبعث هذا من يضعُ في رقابنا حبالًا، وإن هذا لا يبالي(٢). وعن عطاء بن مسلم قال : لما استُخلف المهدي بعث إلى سفيان ، فلمّا دخل عليه ، خلعَ خاتمه ، فرمى به إليه ، وقال : يا أبا عبد الله ، هذا (١) الجرح والتعديل ١٠٨/١ . (٢) الحلية ٣٩/٧ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ١٢٥ خاتمي ، فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة . فأخذ الخاتم بيده ، وقال : تأذن في الكلام يا أمير المؤمنين ؟ قلت لعطاء : قال له : يا أمير المؤمنين ؟! قال : نعم . قال : أتكلّم على أني آمن ؟ قال: نعم . قال : لا تبعث إلّ حتى آتيك، ولا تُعطني حتى أسألك . قال : فغضب ، وهمّ به ، فقال له كاتبه : أليس قد أمَّنْتَه ؟ قال: بلى . فلما خرج ، حفّ به أصحابه ، فقالوا : ما منعك ؟ وقد أمرك أن تعمل في الأمة بالكتاب والسنة ؟! فاستصغر عقولهم ، وخرج هاربًا إلى البصرة(١) . ويوضح هذا الموقف ما يأتي : قال الثوري : قال لي المهدي : أبا عبد الله ، اصحبني حتى أسير فيكم سيرة العُمَرَيْن . قال: قلت : أمّا وهؤلاء جلساؤك ، فلا . قال : فإنك تكتب إلينا في حوائجك فنقضيها . قال سفيان : والله ما كتبت إليك كتابًا قطُّ . قال يحيى بن يمان : وقال لي سفيان : إن اقتصرتَ على خبزك وبقلك ، لم يستعِدْك هؤلاء(٢). قال وزير المهدي أبو عبيد الله : ما أعلَقْنا مخالِيَنا هذه في عنق أحدٍ ، إلا قضم منها ، إلا الثوري . وقال محمد بن عصام بن يزيد : سمعت أبي يقول : أرسلني سفيان إلى المهدي بكتابه ، بأن نأخذ له الأمان منه ، فدخلت على المهدي ، فقال لي فيما يقول: لو جاءنا أبو عبد الله، لكنّا نَِّر بإزارٍ ، ونرتدي بآخر ، ونضع أيدينا في يده ونخرج إلى السوق ، فنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر . فلما رجعتُ قلتُ : لأي شيءٍ تهرب منه ، وهو يقول : لو جاء ، لخرجت (١) سير أعلام النبلاء ٢٦٢/٧. (٢) الحلية ٣٧٨/٦. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٢٦ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث معه إلى السوق فأمرنا ونهينا ؟! فقال : يا ناعس ! حتى يعمل بما يعلم ، فإذا فَعَل ، لم يسعنا إلا أن نذهب ، فنعلِّمه ما لا يعلم . قال عصام : فكتب معي سفيان إلى المهدي ، وإلى وزيره أبي عبيد الله . قال : وأدخلت عليه ، فجرى كلامي ، فقال : لو جاءنا أبو عبد الله ، لوضعْنا أيدينا في يده ، وارتدينا بُردًا، واتّزرنا بآخر ، وخرجْنا إلى السوق ، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر ، فإذا توارى عنا مثل أبي عبد الله، لقد جاءني قُراؤكم الذين هم قراؤكم ، فأمروني ونهوني ووعظوني ، وبكوا - والله - لي،، وتباكيتُ لهم، ثم لم يفجأني من أحدهم إلا أن أخرج من كُمِّه رُقعةً : أن افعل بي كذا ، وافعل بي كذا . ففعلتُ ، ومقتُّهم . قال : وإنما كتب إليه ؛ لأنه طال مهربُه ، أن يعطيه الأمان ، فأتيتُه فقدمتُ عليه البصرة بالأمان ، ثم مرض ومات(١) . فانظر - رحمك الله - إلى علوّ فهم الثوري للأمر بالمعروف ، وهربه بعيدًا عن مجالس السلاطين والخلفاء ، حتى يعملوا بما عندهم من علمٍ ، وإلّا فلا . أخَذَه عبد الصمد فذهب به إلى المهدي وهو بمنى ، فلما رآه ، صاح بأعلى صوته : ما هذه الفساطيط ؟ ما هذه السُّرادِقات؟!(٢). وعن سفيان قال : أُدخلت على المهدي بمنى ، فسلّمت عليه بالإِمرة ، فقال : أيها الرجل ، طلبناك فأعجزْتَنا ، فالحمد لله الذي جاء بك ، فارفع إلينا حاجتك . فقلت : قد ملأتَ الأرض ظلمًا وجورًا ، فاتّقِ الله ، وليكن منك في ذلك عبرة . فطأطأ رأسه ، ثم قال : أرأيت إن لم أستطع دفعه ؟ قال: ثُخلِّيه وغيرك . فطأطأ رأسه ، ثم قال : ارفع إلينا حاجتك . قلت : (١) سير أعلام النبلاء ٢٦٣/٧ - ٢٦٤، والحلية ٤٣/٧، ٤٤، والجرح والتعديل. (٢) السير ٢٦٥/٧. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ١٢٧ أبناء المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسانٍ بالباب ، فاتق الله ، وأوْصِل إليهم حقوقهم . فطأطأ رأسه ، فقال أبو عبيد الله : أيها الرجل ، ارفع إلينا حاجتك . قلت : وما أرفع ؟! حدثني إسماعيل بن أبي خالد قال : حجّ عمر ، فقال لخازنه : كم أنفقت؟ قال : بضعة عشر درهمًا . وإني أرى هاهنا أمورًا لا تُطيقها الجبال(١). رحم الله أمير المؤمنين وشيخ الإِسلام وزين العُبّاد سفيان الثوري ... إن كان الرّبّانيُّون يهابونه ، فكيف بملوك الدنيا . قال ابن مهدي : (( ما كنت أقدر أن أنظر إلى سفيان استحياءً وهيبةً (٢) منه ))(٢). ((قال عبد الله بن المبارك: إن سفيان دخل على أبي جعفر ، فقال : حاجتك ؟ فقال: حاجتي أن لا تدعوني حتى آتيك)) (٣) .... وأبو جعفر أبو جعفر في بطشه !! . لله درُّك يا سفيان من إمام . قال يحيى بن سعيد: أملى علّ سفيان إلى المهدي : من سفيان بن سعيد إلى المهدي . فقلت له : لو بدأتَ به . قال : فأبى وقال : اكتب كما أقول . قال أبو الوليد(٤): فاحتججتُ عليه بكتابه إلى عثمان بن زائدة ، وأنه بدأ بعثمان ، فقال: كان عثمان رجلًا صالحًا(٥). قال يوسف بن أسباط : قال رجلٌ لسفيان الثوري : إني جعلتُ في (١) ٢٦٤/٧ - ٢٦٥ . (٢) السير ٢٦٧/٧ . (٣) الجرح والتعديل ١١٢/١. (٤) الراوي عن يحيى بن سعيد . (٥) الجرح والتعديل ١١٠/١ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ١٢٨ جدة في بناء يبنونه - يعني للسلطان -. قال : ألستَ تَمَنَّى بقاءهم إلى أن يُعطوك أجرك ؟ قال أبو محمد : يعني كم ظلمًا يُجري الله على أيديهم إلى أن تقبض أجرك . والله لكأن الأمر بالمعروف في زماننا يبكي على سفيان ... لكثرة علماء السوء الذين فرطحوا نعالهم أمام أبواب الحُكّام ، ودَبَّجوا لهم فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان . على كلِّ قارٍ هجََّتْهُ المطامعُ لقد مات سفيانٌ حميدًا مبرّزًا مُبَهْرِجَةٍ والزُِّ فيه التَّواضُعُ يُلُوذُ بأبواب الملوكِ بِيَّةٍ مُبَرّكَةٌ(١) فيها اللَّصِيصُ المُخادِعُ يُشمِّرُ عن ساقيْهِ والرأسُ فوقَهُ وقَرَّبَهُ حتى حوتُهُ المضاجعُ جُعِلتمْ فداءً للذي صان دِينَهُ عن النَّاس حتى أدركتْهُ المَصارِعُ على غير ذنبٍ كان إلَّا تَنَزُّهَا وإن طلُبُوه لم تَنَلْهُ الأصابعُ بعيدٌ عن ابواب الملوك مُجانِبًا قال سفيان : إذا أثنى على الرجل جيرانُه أجمعون ، فهو رجل سوءٍ ؛ لأنه ربما رآهم يعصون ، فلا يُنكر ، ويلقاهم بِشْر(٢). جاء في كتاب ((الذهب المسبوك في وعظ الملوك)): قال القعقاع بن حكيم : كنت عند المهدي وأُتي بسفيان الثوري كبير علماء المسلمين في عصره ، فلما دخل عليه سلّم ، ولم يسلِّم بالخلافة ، والربيع قائمٌ على رأسه ، متَّكئًا على سيفه يرقب أمره ، فأقبل عليه المهدي بوجه طلْقٍ وقال له : يا سفيان تَفِرُّ هنا وهاهنا، تظنّ أن لو أردناك بسوءٍ لم نقدر عليك ، فقد قدرنا عليك الآن ، أفما تخشى أن نحكُم فيك بهوانا ؟ قال سفيان : إن تحكم فَّي يحكم فيك مَلِكٌ قادِر ، يفرق بين الحقّ والباطل . فقال الربيع له : يا أمير (١) قلنسوة . (٢) السير ٢٧٨/٧ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ١٢٩ المؤمنين ، ألِهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا ؟ أتأذن لي أن أضرب عنقه . فقال له المهدي : اسكت ، ويلك ، وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى لسعادتهم ، اكتبوا عهده على قضاء الكوفة ، على أن لا يُعترض عليه في حُكم . فكتب عهده ودفعه إليه ، فأخذه وخرج ، ورمى به في دجلة وغاب عن أنظار الناس ، فطُلب في كل بلدٍ فلم يُوجَد ، فعُيِّن مكانه شريك النَّخَعِي . وجاء في كتاب ((الإِمامة والسياسة)): دخل سفيان الثوري على أبي جعفر المنصور فأمره ونهاه ، فقال له أبو جعفر : ها هنا يا أبا عبد الله ، إِلَّي إِلَّي، ادنُ مني . فقال: إني لا أطأُ ما لا أملك ولا تملك . فقال أبو جعفر: يا غلام، ادْرُج البساطَ ، وارفع الوطاءَ . فتقدَّم سفيان فصار بين يديه وقعد ، ليس بينه وبين الأرض شيء وهو يقول: ﴿ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ﴾ [ طه: ٥٥]. فدمعت عينا أبي جعفر . ثم تكلّم سفيان دون أن يستأذن ، فوعظَ وأمَرَ وَنهَى وذكَّر ، وأغلظ في قوله ، فقال له الحاجب : أيها الرجل أنت مقتول . فقال سفيان : وإن كنت مقتولًا فالساعة . فسأله أبو جعفر عن مسألةٍ فأجابه ، ثم قال سفيان : فما تقول أنت يا أمير المؤمنين فيما أنفقتَ من مال الله ومال أمة محمدٍ عَّ ◌ُله بغير إذنهم، قد قال عمر في حجّة حجها ، وقد أنفق ستة عشر دينارًا هو ومن معه : ما أرانا إلا وقد أجحفْنا ببيت المال . وعن ابن مسعود ، أن رسول الله عَ لّم قال: ((ربَّ متخوضٍ في مال الله ومال رسول الله فيما شاءت نفسه ، له النار غدًا)). فقال أبو عبيدة الكاتبُ: أمير المؤمنين يُستقبل بمثل هذا ؟! فقال له سفيان : اسكت ، فإنما أهلكَ فرعونَ هامانُ وهامانَ فرعونُ . ثم خرج سفيان ، فقال أبو عبيدة الكاتب : ألا تأمر بقتْل هذا الرجل ، فوالله ما أعلم أحدًا أحقّ بالقتل منه ؟ فقال أبو جعفر : اسكت ، فوالله ما بقي على الأرض أحدٌ - اليومَ - يُستحيا منه غير هذا ومالك بن أنس . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٣٠ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث وذكر الإِمام ابن بلبان والغزالي وغيرهما ، أن الرشيد لما ولي الخلافة زاره العلماء بأسرهم إلا سفيان الثوري ، فإنه لم يأتِه ، وكان بينه وبينه صُحبة ، فشقّ عليه ذلك، فكتب إليه الرشيد كتابًا يقول فيه: (( بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله هارون أمير المؤمنين ، إلى أخيه في الله سفيان ابن سعيد الثوري : أما بعد يا أخي ، فقد علمت أن الله آخى بين المؤمنين ، وقد آخيتُك في الله مؤاخاةً لم أصْرِم فيها حَبْلَك ، ولم أقطع منها ودَّك ، وإني مُنْطوٍ لك على أفضل المحبة وأتمّ الإِرادة ، ولولا هذه القلادة التي قلَّدنيها الله تعالى ، لأتيتُك ولو حبْوًا؛ لما أجد لك في قلبي من المحبة ، وإنه لم يبق أحدٌ من إخواني وإخوانك إلا زارني وهنأني بما صرتُ إليه ، وقد فتحتُ بيوت الأموال ، وأعطيتهم المواهب السَّنَّة ، ما فرحتْ به نفسي ، وقّبْ به عيني ، وقد استبطأتُك، وقد كتبت كتابًا مني إليك أَعْلِمك بالشوق الشديد إليك ، وقد علمت يا أبا عبد الله ما جاء في فضل زيارة المؤمن ومُواصلته ، فإذا ورد عليك كتابي هذا فالعَجَلَ العَجَلَ)). ثم أعطى الكتاب لعباد الطالقاني ، وأمره بإيصاله إليه ، وأن يُحصي عليه بسمْعه وقلبه دقيق أمره وجليله ليُخبره . قال عباد : فانطلقتُ إلى الكوفة ، فوجدت سفيان في مسجده ، فلمَّا رآني على بُعدٍ قام ، وقال : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، وأعوذ بك اللهم من طارقٍ يطرق إلَّا بخيرٍ . قال : فنزلت عن فرسي بباب المسجد ، فقام يصلي ولم يكن وقت صلاة ، فدخلت وسلّمت ، فما رفع أحدٌ من جلسائه رأسه . إلى أن قال : فبقيتُ واقفًا ، وما منهم أحد يعرض علّ الجلوس ، وقد علْني من هيبتهم الرِّعْدَة ، فرميتُ بالكتاب إليه ، فلمّا رأى الكتاب ، ارتعدَ وتباعدَ منه كأنه حيَّة عرضتْ له في محرابه ، فركع وسجد ، وسلّم ، وأدخل يده في كُمِّه وأخذه ، وقلّبه بيده ، ورماه إلى من كان خلفه ، وقال : ليقرأه بعضكم ، فإني أستغفر الله أن أمس شيئًا مسّه ظالم بيده ، قال عباد : فمد بعضهم تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ١٣١ يده إليه ، وهو يرتعد كأنه حيَّة تنهشه ، ثم قرأه ، فجعل سفيان يتبسَّم تبسم المتعجِّب ، فلمّا فرغ من قراءته ، قال : اقلبوه ، واكتبوا للظالم على ظهره . فقيل له : يا أبا عبد الله ، إنه خليفة ، فلو كتبت إليه في بياضٍ نقيّ لكان أحسن . قال : اكتبوا للظالم في ظهر كتابه ، فإن اكتسبه من حلالٍ ، فسوف يُجزى به ، وإن كان اكتسبه من حرامٍ ، فسوف يَصْلَى به ، ولا يبقى شيء مسّه ظالم بيده عندنا فيُفسد علينا ديننا . فقيل له : ما نكتب إليه؟ قال: اكتبوا له: (( بسم الله الرحمن الرحيم . من العبد الميت سفيان ، إلى العبد المغرور بالآمال هارون ، الذي سُلب حلاوة الإِيمان ولذّة قراءة القرآن . أما بعد : فإني كتبت إليك أُعلِمك أني قد صَرَمْتُ حبلَك ، وقطعت ودّك ، وإنك قد جعلتني شاهدًا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك بما هجمتَ على بيت مال المسلمين ، فَأَنْفَقْتَه في غير حقه ، وأنفذته بغير حُكمه ، ولم ترضَ بما فعلته وأنت ناءٍ عني ، حتى كتبت إلّ تُشهدني على نفسك ، فأمّا أنا فإني قد شهدت عليك أنا وإخواني الذين حضروا قراءة كتابك ، وستؤدَّى الشهادة غدًا بَيْن يدي الله الحكم العدل . يا هارون ، هجمتَ على بيت مال المسلمين بغير رضاهم ، هل رضي يفعلك المؤلّفةُ قلوبهم ، والعاملون عليها في أرض الله ، والمجاهدون في سبيل الله ، وابن السبيل ؟! أم رضي بذلك حملة القرآن وأهل العلم ؛ يعني العاملين ؟ أم رضي بفعلك الأيتام والأرامل ؟ أم رضي بذلك خلْق من رعيّتك ؟! فشدّ يا هارون مِئزرك ، وأعدّ للمسألة جوابًا ، وللبلاء جلبابًا ، واعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل ، فاتّق الله في نفسك ، إذا سُلبت حلاوة العلم والزهد ولذّة قراءة القرآن ومُجالسة الأخيار ، ورضيت لنفسك أن تكون ظالمًا وللظالمين إمامًا . يا هارون ، قعدت على السرير ، ولبست الحرير ، وأسْبَلْت ستورًا دون بابك ، وتشبَّهتَ بالحَجَبَة برب العالمين ، ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك ، تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٣٢ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث وتركتهم يظلمون الناس ولا يُنصفون ، ويشربون الخمر ويحدّون الشارب ، ويزنون ويحدّون الزاني ، ويسرقون ويقطعون السارق ، ويقتلون ويقتلون القاتِلَ ، أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم قبل أن يحكموا بها على الناس ؟! فكيف بك يا هارون غدًا ، إذا نادى المنادي من قِبَل الله : احشروا الظَّلَمَة وأعوانهم . فتقدَّمت بين يدي الله ويداك مغلولتان إلى عنقك ، لا يفكّهما إلا عدلك وإنصافك ، والظالمون حولك وأنت لهم إمام أو سائق إلى النار ؟! وكأني بك - يا هارون - وقد أُخذتَ بِضيق الخِناق ، ووردت المساق ، وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك ، وسيئات غيرك في ميزانك على سيئاتك بلاء على بلاء ، وظُلْمة فوق ظلمة ، فاتّق الله يا هارون في رعيَّتَك، واحفظ محمدًا عَ لّ في أُمته، واعلم أن هذا الأمر لم يَصِرِ إليك إلّا وهو صائّر إلى غيرك ، وكذلك الدنيا تفعل بأهلها واحدًا بعد واحد ، فمنهم من تزوّد زادًا نَفَعَه ، ومنهم من خسر دنياه وآخرته ، وإياك إياك أن تكتب إلّ بعد هذا، فإني لا أُجيبك، والسلام)). وألقى الكتاب منشورًا من غير طِّ ولا ختْم ، فأخذتهُ وأقبلت به إلى سوق الكوفة ، وقد وقعت الموعظة بقلبي ، فناديت : يا أهل الكوفة ، من يشتري رجلًا هرب إلى الله ؟ فأقبلوا إلّ بالدراهم والدنانير ، فقلت : لا حاجة لي بالمال ، ولكنْ جُبَّة صوف وعَباءَة قَطَوانِيّة ، فأُتيت بذلك ، فنزعت ما كان علّ من الثياب التي كنت أُجالس بها أمير المؤمنين ، وأقبلت أقود الفرس الذي كان معي ، إلى أن أتيت باب الرشيد حافيًّا راجلًا ، فهزأ بي من كان على الباب ثم استُؤذن لي ، فلما رآني على تلك الحالة ، قام وقعد ، وجَعَل يلطِم رأسه ووجهه ، ويدعو بالويل والحَرَب ، ويقول : انتفع الرسول وخاب المُرسِل ، ما لي وللدنيا ، والمُلك يزول عني سريعًا . فألقيت الكتاب إليه مثل ما دُفع إلّ ، فأقبل يقرؤه ، ودموعه تنحدر على وجهه ، وهو يشهق ، فقال بعض جلسائه : يا أمير المؤمنين ، قد اجترأ عليك سفيان ، فلو وجّهتَ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ١٣٣ إليه فأثقلتَهُ بالحديد ، وضيَّقتَ عليه السجن ، فجعلته عبرةً لغيره . فقال هارون : اتركوا سفيان وشأنه يا عبيد الدنيا ، المغرور من غررتموه ، والشقي والله - حقًّا - من جالستموه ، إن سفيان أُمَّةٌ وَحْدَه . ولم يزل كتاب سفيان عند الرشيد يقرؤه ويبكي ، حتى توفّي رحمه الله تعالى . مالك بن أنس وصَدْعه عند السلطان بالحق : قال مالك ((قال لي أبو جعفر : قد أردت أن أجعل هذا العِلْم علمًا واحدًا ، فأكتب به إلى أمراء الأجناد وإلى القضاة ، فيعملون به ، فمن خالف ضربتُ عنقه . فقلت له : يا أمير المؤمنين ، أو غير ذلك . قلت : إن النبي عَ له كان في هذه الأمة ، وكان يبعث السرايا، وكان يخرج ، فلم يفتح من البلاد كثيرًا حتى قبضه الله عز وجل ، ثم قام أبو بكر رضي الله عنه بعده ، فلم يفتح من البلاد كثيرًا ، ثم قام عمر رضي الله عنه بعدهما ، ففتحت البلاد على يديه، فلم يجد بدًّا من أن يبعث أصحاب محمدٍ عَّ اله معلِّمِين ، فلم يزل يُؤخذ عنهم كابرًا عن كابرٍ إلى يومهم هذا ، فإن ذهبت تحوِّلهم إلى ما لا يعرفون ، رأوا ذلك كفرًا، ولكن أقِّ أهل كل بلدةٍ على ما فيها من العلم ، وخُذ هذا العلم لنفسك . فقال لي : ما أبعدتَ القول ، اكتب هذا العلم لمحمد))(١) - يعني ابنه المهدي -. وكان أبو جعفر يريد حمّل الناس على الموطأ وقال لمالك : لعمري ، لو طاوعتني لأمرتُ بذلك . وعن عبد المتعال بن صالح - من أصحاب مالكٍ - قال : قيل لمالك ابن أنس : إنك تدخل على السلطان وهم يظلمون ويجورون ؟ قال : يرحمك الله ، فأين التَّكلُّم بالحق . (( قال مالك بن أنس : وجَّه إلّ هارون الرشيد ، فسألني أن أحدِّثه فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن العلم يُؤْتَى ولا يأتي . فصار إلى منزلي ، (١) الجرح والتعديل ٢٩/١ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٣٤ صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث فاستند معي في الجدار ، فقلت له : يا أمير المؤمنين ، إن من إجلال الله إجلال ذي الشّيْبة المسلم . قال : فقام فجلس بين يديّ . فقال لي بعد مدّةٍ : يا أبا عبد الله ، تواضعْنا لعلمك فانتفعْنا به ، وتواضع لنا علمُ سفيان ابن عيينة فلم ننتفع به . وكان سفيان يأتيهم إلى بيوتهم فيأخذ دراهم)) (١). ((عن مروان الطّاطَرِيّ، أن أبا جعفر نهى مالكًا عن الحديث: ((ليس على مُسْتَكْرَه طلاق))(٢)، ثم دسّ إليه من يسأله ، فحدّثه به على رؤوس الناس ، فضربه بالسياط . قال الواقدي : لما دُعي مالك، وشُوور ، وسُمع منه ، وقُبل قوله حُسد، وبغَوْه بكل شيءٍ ، فلمّا ولي جعفر بن سليمان المدينة ، سَعَوْا به إليه ، وكثروا عليه عنده ، وقالوا : لا يرى أَيْمان بَيْعتكم هذه بشيء ، وهو يأخذ بحديثٍ رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره : أنه لا يجوز عنده . قال: فغضب جعفر ، فدعا بمالك ، فاحتجّ عليه بما رُفِع إليه عنه ، فأمر بتجريده ، وضربه بالسياط ، وجُبذت يده حتى انخلعت من كتفه ، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو))(٣). مالك والرشيد : ((احذر بطانة السوء وأهل الرَّدَى)): (١) المصباح المضيء لابن الجوزي . (٢) لم يرد في المرفوع، وإنما هو موقوف على ابن عباس ، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤٨/٥: ((ليس لمكْرَه ولا لمضطَهَد طلاق)). ورجاله ثقات، وعلّقه البخاري ٣٤٣/٩ ولفظه: قال ابن عباس : طلاق السكران والمستكره ليس بجائز . وقال الحافظ : وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور . (٣) سير أعلام النبلاء ٨٠/٨ - ٨١. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ١٣٥ كتب الإِمام مالك بن أنس - رحمه الله تعالى - رسالته الشهيرة إلى هارون الرشيد يعظه فيها وينصحه . وقد جاء في مقدمتها : أما بعد ، فإني كتبت إليك بكتاب لم الك فيه رُشدًا، ولم أدّخِر فيه نُصحًا ، تحميدًا لله ، وأدبًا عن رسول الله عَ لَّه، فتدبّره بعقلك، وردِّد فيه بصرك، وأَرْعِهِ سُمْعك ، ثم اعقِله بقلبك ، وأحضر فهمك ولا تغيين عنه ذِهْنك ، فإن فيه الفضل في الدنيا وحسن ثواب الله في الآخرة . اذكر نفسَك في غَمَرات الموت وكُربة ما هو نازل بك منه ، وما أنت موقوف عليه بعد الموت من العرض على الله سبحانه ثم الحساب ، ثم الخلود بعد الحساب . وأعدّ لله عز وجل ما يسهِّل عليك أهوال تلك المشاهد وكربها ، فإنك لو رأيتَ سخط الله تعالى ، وما صار إليه الناس من ألوان العذاب ، وشدّة نقمته عليهم ، وسمعتَ زفيرهم في النار وشهيقهم ، مع كُلُوح وجوههم ، وطول غمّهم ، وتقلّبهم في دَرَكاتها على وجوههم ، ولا يسمعون ولا يبصرون ، ويدعون بالويل والثُّبُور . وأعْظِم بحسرة إعراض الله عنهم وانقطاع رجائهم ، وإجابته إياهم بعد طول الغمّ بقوله: ﴿اخسئوا فيها ولا تُكلّمون ﴾ [ المؤمنون: ١٠٨]. ثم قال له : لا تأمن على شيءٍ من أمرك مَنْ لا يخاف الله، فإنه بلغني عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: (( شاور في أمرك الذين يخافون الله)). احذر بطانة السوء وأهل الرَّدَى على نفسك ، فإنه بلغني عن النبي عَ لِّ أنه قال: ((ما من نبِّ ولا خليفة إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر ، وبطانة لا تَأْلُوه خَبَالًا)). ثم قال: لا تَجُرّ ثيابك ، فإن الله لا يحب ذلك، فقد بلغني عن النبي عَ ◌ّم أنه قال: ((من جرّ ثيابه ◌ُيَلاء، لم ينظُر الله إليه يوم القيامة)) . أطع الله في معصية الناس ، ولا تُطع الناس في معصية الله ، فقد بلغني عن النبي عٍَّ أنه قال: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) (١). (١) الإسلام بين العلماء والحكام . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ١٣٦ الإِمام ابن أبي ذئب ، محمد بن عبد الرحمن : شيخ الإسلام أبو الحارث القرشي . قال الذهبي: ((كان من أوعية العلم، ثقة، فاضلا ، قوّالًا بالحق ، مهيبًا . قال أحمد بن حنبل : كان يُشبَّه بسعيد بن المسيّب . فقيل لأحمد : خلّف مثله ؟ قال : لا . ثم قال: كان أفضل من مالك ، إلا أن مالكًا أشد تَنْقِيةً للرجال منه. وقال أحمد: هو أوْرَع وأقْوَل بالحق من مالك))(١). قال الذهبي في ترجمته في السير (١٣٩/٧ - ١٤٨): (( دخل ابن أبي ذئب مرّة على والي المدينة ، فكلمه - وهو عبد الصمد بن علي عَمّ المنصور - فكلّمه في شيء ، فقال عبد الصمد بن علي : إني لأراك مرائيا . فأخذ ◌ُودًا، وقال: مَنْ أُرائي ؟! فوالله لَلنَّاسُ عندي أهْوَن من هذا. وقال أبو العيناء: لمّا حج المهدي، دخل مسجد رسول الله عَ ليه، فلم يبقَ أحدٌ إلَّا قام ، إلّا ابن أبي ذئب ، فقال له المسيّب بن زهير : قم ، هذا أمير المؤمنين . فقال : إنما يقوم الناس لرب العالمين . فقال المهدي : دَعْهُ، فلقد قامت كُلُّ شعرةٍ في رأسي . قال أبو العيناء : وقال ابن أبي ذئب للمنصور : قد هلك الناس ، فلو أَعَنْتَهُم من الفّْءٍ . فقال : ويلك ، لولا ما سددتُ من الُّغور ، لكنتَ تؤتى في منزلك فتُذبح . فقال ابن أبي ذئب : قد سدّ الثغور ، وأعطى الناس ، من هو خيرٌ منك : عمر رضي الله عنه . فنكس المنصورُ رأسه - والسيف بيد المسيب - ثم قال : هذا خير أهل الحجاز . قال أحمد بن حنبل : ابن أبي ذئب ثقة . قد دخل على أبي جعفر (١) السير ١٤٠/٧، ١٤٢. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٣٧ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث المنصور ، فلم يَهُلْه أن قال له الحق ، وقال : الظُّلم ببابك فاشٍ . وأبو جعفر أبو جعفر . قال أبو نُعيم : حججتُ عامَ حجَّ أبو جعفر ومعه ابن أبي ذئب ومالك ابن أنس ، فدعا ابنَ أبي ذئب ، فأقعده معه على دار النَّدوة ، فقال له : ما تقول في الحسن بن زيد بن حسن ؟ - يعني أمير المدينة - فقال : إنه ليتحرى العدل . فقال له : ما تقول فَّ ؟ مرتين فقال: وَرَبّ هذه البَنِيَّة إنك لجائر . قال : فأخذ الربيع الحاجِب بلحيته ، فقال له أبو جعفر: كُفّ يا ابن اللَّخْناءُ(١)، ثم أمر لابن أبي ذئب بثلاثمائة دينار . وقال أحمد بن حنبل : كان ابن أبي ذئب رجلًا صالحًا قوّالًا بالحق ، يُشَبَّهُ بسعيد بن المسيب)). وقال حماد بن خالد : كان يُشَّه بابن المسيب ، وما كان هو ومالك في موضعٍ عند سلطانٍ ، إلّا تكلّم ابن أبي ذئب بالحق والأمر والنهي ، ومالك ساكت . ((إنك لا تعدل في الرعية)): قال أبو جعفر المنصور لابن أبي ذئب : ما تقول في بني فلان ؟ قال : أشرار من أهل بيت أشرار ، قالوا : سَلْه يا أمير المؤمنين عن الحسن بن يزيد . وكان عامله على المدينة . قال : ما تقول في الحسن ؟ قال : يأخذ بالإِحْنَةِ ويقضي بالهوى . فقال الحسن : والله يا أمير المؤمنين ، لو سألتَهُ عن نفسِك لرماك بداهيةٍ ونَعَتَك بشرٍّ . قال : ما تقول فِي ؟ قال : أعفني يا أمير المؤمنين . قال: لا بدَّ أن تقول . قال: إنك لا تعدل في الرّعِيَّة ولا تَقْسِمُ بالسَّوِيَّة . فتغيَّر وجه المنصور ، فقام إبراهيم بن محمد بن علي صاحب الموصل وقال : طهّرني بدمه يا أمير المؤمنين . قال له ابن أبي ذئب : اقعد (١) اللخن : نتن الريح عامة، وقبح ريح الفرج. ويقال : اللخناء : التي لم تختن . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ١٣٨ يا بُنَّ، فليس في دم رجلٍ يشهد أن لا إله إلا الله طهورٌ(١). محمد بن أوس والرشيد : كان هارون الرشيد يطوف بالبيت وهو متَّكىء على الفضل بن الربيع ورجل آخر ، فقام إليه محمد بن أوس الهلالي ، واعْتَرَضَهُ عند الحجر وقال : يا أمير المؤمنين ، استمعْ كلامي ، فإنك إن سمعتَهُ حقًّا قَبِلْتُه ، وإن سمعتَهُ باطلًا فلا تَعْبأ به ، فوقف فقال: يا من غُذِّي في نعيم ، وتردَّد في مُلك سليم ، إن خفتَ العذاب الأليم ، وأحببت البقاء في سرور مقيم ، فلا تسمعنّ ممن أنت بينهما ، ولا تغترنّ بشيءٍ من قولهما ، فإن الله عز وجل يخلو بك دونهما ، فالموت يصل إليك على الطَّوع والكُره منهما ، فلا تقتصدنّ بالذليل ، ولا تتكثّرنّ بالقليل ، ولا تعتصم بغير دافع ، ولا تطمئنّ إلى غير مانعٍ ، لا يمنع ولا يدفع عنك ، فإنك بعين الله ، وبحضرة بيته الذي جعلَهُ مَثابةً للزائر ، ومنحجرًا للفاجر . فانتفض الرشيد وجلس وخلا يديه عنهما ، وأومأ أن خُذوا الرجل ، فأُخِذِ ، حتى قضى طوافَهُ وصلى ، ورجع إلى المنزل الذي به نزل ، ودعا بالرجل فأدخل عليه شيخ جليل ، فقال : من أين أنت ؟ قال : من مكة . قال : ما اسمك؟ قال : محمد . قال : ابن من ؟ قال : ابن أوس . قال : من قبيلتك ؟ قال : بنو هلال . قال : قبيلة مشهورة ، فما حملك أن كلَّمتني بالذي كلّمتني ؟ قال : إشفاقًا عليك ، إذا أنضيت الّكاب ، وأتعبت الرجال ، وأنفقت الأموال في أمورٍ الله عز وجل أعْلَمُ بها ، حتى صرتَ إلى غاية الطالب ، وموضعٍ ترجو فيه الرحمة ، اعتمدت على ظالمْن طاغيْيْن ، قد جُبلا على الغَشْم، ونُشِّئًا على الظّلم ، وقد قال الله تعالى: ﴿وما كنتُ مُتَّخِذ المُضِلِّين عَضُدًا﴾ [ الكهف : ٥١]. فنكس الرشيد رأسَهُ ، وأقبل ينكُت في الأرض وعيناه تذرِفان ، ثم رفع رأسه فقال : (١) سراج الملوك للطرطوشي. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ١٣٩ من أين مطعمُك ومشربك ؟ قال : مِن عند مَن يرزقك . قال : مَنْ ذاك ؟ قال : من عند مَنْ فَلَقَ الحَبَّ والنَّوَى ، وأخرجَ الحبّ من الثَّرَى ، من طعامٍ سهرتْ فيه العيون ، وتعبت في حصاده الأجساد ، وحرستْه الملائكة ، حتى أتاني به القَدَرُ بلا رنق ولا كدرٍ . قال : ألك عيال ؟ قال : نعم . قال . ومن هن ؟ قال : زوجة . قال أفلا أُجري عليك رزقًّا تستعين به على بعض أمورك ، وتستغني به عن الطَّلَب من غيرك ؟ قال : إني بالله عز وجل أغْنَى مني بما بذلتَ لي من ذلك . قال : ألك حاجة ؟ قال : نعم ، أطِعِ الله عز وجل فيما تعلم من سِرِّك ، فإنك تصل إلى كل محبوبٍ ، وتنال به كل مطلوب . قال : ألك حاجة غيرها ؟ قال : أَتُؤْمنني من الموت ؟ قال : لا أقدر على ذلك . قال : فُجيرني من النار ؟ قال : ليست في يدي . قال : فتدخلني الجنة ؟ قال: لست أملك . قال : أفْتُحيي لي ميتًا ، حتى أسأله عما عاين ورأى ؟ قال : ذاك في قدرة غيري . قال : ما أنت إلا كسائر مَنْ ترى من رَعِيَّتَك ، غير أن الله عز وجل فضَّلك عليهم بما أعطاك من هذا الحطام الزائل ، واسْتَخْلَفَك في الأرض لينظر كيف تعمل . وذكر كلامًا ثم خرج . فقال الرشيد : الحمد لله الذي جَعَل في رعيَّةٍ أنا عليها مِثْلَه ، ولا تزال هذه الأمة بخير ما لم يعدموا هذا ونظراءه وأشباهه . الليث بن سعد وهارون الرشيد : ((ومن رأس العين يأتي الكدر)): يقول عبد الله بن صالح : سمعت الليث بن سعد يقول : لما قدمت على هارون الرشيد قال لي : يا ليث، ما صلاح بلدِكم ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، صلاح بلدنا بإجراء النيل ، وإصلاح أميرها ، ومن رأس العين يأتي الكدر ، فإذا صفا رأس العين صفت السواقي فقال : صدقت يا أبا الحارث(١). (١) حلية الأولياء ، سير أعلام النبلاء. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١٤٠ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث العُمَرِيّ .. وما العمري !! : الإِمام القدوة الزاهد ، العابد ، أبو عبد الرحمن ، عبد الله بن عبد العزيز ابن عبد الله بن صاحب رسول الله عَ ◌ّلم عبد الله بن عمر بن الخطاب. قال الذهبي : أمّار بالعُرْف ، لا تأخذه في الله لومة لائم . كان ينكر على مالك الإِمام الاجتماع بالدولة . قال الذهبي : كتب مالك إلى العُمريّ : إنك بَدَوت ، فلو كنتَ عند مسجد رسول الله عَ ليه . فكتب: إني أكره مجاورة مثلك، إن الله لم يَرَك متغير الوجه فيه ساعةً قَطُّ . قال الذهبي: (( هذا على سبيل المبالغة في الوعظ ، وإلا فمالك من أقْوَل العلماء بالحق، ومن أشدهم تغيُّرًا في رؤية المنكر)) (١) . وعن علي بن حرب ، عن أبيه قال : مضى الرشيد على حمار ، ومعه غلام إلى العُمريّ ، فوعظه ، فبكى وغُشي عليه . وقيل : إن العمري وعظ الرشيد مرة ، فكان يتلقى قوله بـ : نعمْ يا عمّ ، فلما ذهب ، أتْبَعَهُ الأمين والمأمون بكيسين فيهما ألفا دينار ، فردّها وقال : هو أعلم بمن يفرقها عليه . وأخذ دينارًا واحدًا ، وشخص عليه بغداد ، فكره مجيئه ، وجمع العُمَريين ، وقال : ما لي ولابن عمكم !! احتملتُه بالحجاز ، فأتى إلى دار ملكي ، يريد أن يُفسد علَّ أوليائي ، ردُّوه عني . قالوا : لا يقبل منا . فكتب إلى الأمير موسى بن عيسى : أنْ ترفق به حتى تردّه . قال مصعب الزُّبيري : ما أدركت بالمدينة رجلًا أَهْيَب منه ، وقدم الكوفة ليُخَوِّف الرشيد بالله ، فرجف لمجيئه الدولة ، حتى لو كان نزل بهم من العدو مائة ألف ، ما زاد من هيبته ، فُرُدّ من الكوفة ، ولم يصل إليه . (١) سير أعلام النبلاء ٣٧٧/٨ - ٣٧٨. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com