Indexed OCR Text
Pages 141-160
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٤١ علو الهمة في استكمال الإيمان فوقها بکثیر. ومَا ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين، فسد قلبك وصار كالحوت إذا فارق المَاء، ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل کهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلَّا قلب حي، ومَا لجرح بميت إيلام. وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي ◌َّ فيجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه مَا يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل، ومستكثر، ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم))(١). ولهذا فإن من درس السيرة وتأمل في نعوت وصفات النبي ◌َ ل التي جاء ذكرها في الكتاب والسُّنَّة وكتب السِّيَر، فقد استكثر لنفسه من الخير، وازداد حبه للنبي وَليله، وأورثته هذه المحبة المتابعة له في القول والعمل، ((وأصل الأصول العلم، وأنفع العلوم النظر في سيرة الرسول وأصحابه))(٢). وقد ذكر ابن القيم عمله، أن للهداية أسبابًا متعددة، وطرقًا متنوعة، وهذا من لطف الله بعباده، لتفاوت عقولهم وأذهانهم وبصائرهم، وذكر من هذه الأسباب تأمل حال وأوصاف النبي وَليلةٍ، وأن هذا سبب لهداية بعض الناس. (١) ((زاد المعاد)) (٦٩/١، ٧٠). (٢) ((صيد الخاطر)) لابن الجوزي (ص٦٦). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٤٢ صلاح الأمة في علو الهمة ■ قال مجلّهُ: (( .. ومنهم من يهتدي بمعرفته بحاله وَله ومَا فطر عليه من كمَال الأخلاق والأوصاف والأفعال، وأن عادة الله أن لا يخزي من قامت به تلك الأوصاف والأفعال، لعلمه بالله ومعرفته به، وأنه لا يخزي من كان بهذه المثابة، كما قالت أم المؤمنين خديجة الشها له وَلاله: ((أبشر فوالله لن يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق))(١)، (٢). ■ وقال ابن سعدي له: ((ومن طرق موجبات الإيمان وأسبابه معرفة النبي وَلّ، ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية، والأوصاف الکاملة فإن من عرفه حق المعرفة لم يَرْتَبْ في صدقه و صدق ما جاء به من الكتاب والسنة، والدين الحق، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ, [المؤمنون]. أي: فمعرفته قليل توجب للعبد المبادرة مُنْكِرُونَ ٦٩ للإِيمَان ممن لم يؤمن، وزيادة الإيمان ممن آمن به. * وقال تعالى حاثًا لهم على تدبر أحوال الرسول الداعية للإيمان: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ نَفَكَّرُواْمَا بِصَاحِبِكُ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيْرٌلَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ [سبأ]. * وأقسم تعالى بكمَال هذا الرسول وعظمة أخلاقه، وأنه أكمل مخلوق بقوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ( ١) مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿ وَ إِنَّ لَكَ [القلم]. ٤ لَأَجْرًّا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( ** فهو ◌َلله أكبر داع للإيمان في أوصافه الحميدة وشمائله الجميلة، (١) رواه البخاري (١/ ٢٣) ((فتح))، ومسلم (١/ ١٤١) وهو جزء من حديث طويل. (٢) ((مفتاح دار السعادة)) (ص٣٢٣، ٣٤٠). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٤٣ علو الهمة في استكمال الإيمان وأقواله الصادقة، وأفعاله الرشيدة، فهو الإمام الأعظم والقدوة الأكمل لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةُ حَسَنَةٌ ﴾[الأحزب: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَمَآءَ انَنْكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ [الحشر: ٧]. * وقد ذكر الله عن أولي الألباب الذين هم خواص الخلق أنهم قالوا: رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران]، وهو هذا الرسول الكريم ﴿يُنَادِى لِلْإِيمَنِ﴾ بقوله وخُلُقه، وعمله ودينه، وجميع أحواله ﴿فَامَنًا﴾ أي: ج إِيمَانًا لا يدخلە ریب .. )). إلى أن قال: ((ولهذا كان الرجل المنصف الذي ليس له إرادة إلّا اتباع الحق، مجرد مَا يراه ويسمع كلامه يبادر إلى الإيمان به وَّله، ولا يرتاب في رسالته، بل كثير منهم مجرد مَا يرى وجهه الكريم يعرف أنه ليس بوجه كذَّاب .. ))(١). كما حدث مع عبد الله بن سلام لله حين رأى وجه النبي الكريم ساعة دخوله المدينة مهاجرًا. (٤) تأمّل محاسن الدين الإسلامي: ■ رحم الله إبراهيم بن أدهم إذ يقول: ((يا له من دين لو أنَّ له رجالًا». ■ قال ابن القيم همَّهُ: ((وإذا تأملت الحكمة الباهرة في هذا الدين القويم والملة الحنيفية والشريعة المحمدية التي لا تنال العبارة كمَالها ولا يدرك الوصف حسنها ولا تقترح عقول العقلاء - ولو اجتمعت وكانت على أكمل عقل رجل منهم - فوقها، وحسب العقول الكاملة (١) ((التوضيح والبيان لشجرة الإيمان)) لابن سعدي (ص٣٢، ٣٣). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٤٤ صلاح الأمة في علو الهمة الفاضلة أن أدركت حسنها وشهدت بفضلها، وأنه مَا طرق العالَمَ شريعةٌ أكمل ولا أجل ولا أعظم منها، فهي نفسها الشاهد والمشهود له، والحجة والمحتج له، والدعوى والبرهان ولو لم يأت الرسول ببرهان عليها لكفى بها برهانًا وآية وشاهدًا على أنها من عند الله))(١). ■ ولهذا فإن تأمل محاسن هذا الدين، والنظر فيمَا جاء فيه من أوامرَ ونواهِيَ، وشرائع وأحكام، وأخلاق وآداب، لمن أعظم الدواعي والدوافع للدخول فيه لمن لم يؤمن، وللازدياد منه لمن آمن، بل إن من قوي تأمله لمحاسن هذا الدين، ورسخت قدمه في معرفته ومعرفة حسنه وكمَاله، وقبح مَا خالفه، كان من أقوى الناس إيمَانًا، وأحسنهم ثباتًا علیه، وتمسكًا به. ■ ولهذا يقول ابن القيم منه: ((والمقصود أن خواص الأمة، ولبابها، لما شهدت عقولهم حسن هذا الدين وجلالته وکمَاله، وشهدت قبح مَا خالفه ونقصه ورداءته خالط الإيمان به ومحبته بشاشة القلوب، فلو خير بين أن يلقى في النار وبين أن يختار دينًا غيره، لاختار أن يقذف في النار وتقطع أعضاؤه ولا يختار دينًا غيره، وهذا الضرب من الناس هم الذين استقرت أقدامهم في الإيمان، وهم أبعد الناس عن الارتداد عنه وأحقهم بالثبات عليه إلى يوم لقاء الله))(٢). ■ قلت: ويشهد لما قاله ابن القيم هنا، حديث أنس بن مالك خلتعنه قال: قال رسول الله وَله: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن (١) ((مفتاح دار السعادة)) (ص٣٢٤، ص٣٢٨) وما بعدها. (٢) المصدر السابق (ص ٣٤٠، ٣٤١). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٤٥ علو الهمة في استكمال الإيمان يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلَّا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار))(١). فهذا الذي ذاق حلاوة الإيمان وخالطت بشاشته سويداء قلبه، وأضاء قلبه نورًا به، واطمَان بذلك أشد الاطمئنان، لا يكاد بعد ذلك أن يرجع إلى الكفر والضلال، واتباع الأهواء والظنون الكاذبة، بل إنه يكون من أرسخ الناس إيمَانًا، وأشدهم تمسكًا وثباتًا، وأقواهم تعلقًا بربه وخالقه؛ لأنه دخل الإسلام عن علم وقناعة ومعرفة، فعرف حسن الإسلام وبهاءه، وجودته ونقاءه، وتميزه عن غيره من الأديان، فرضيه دينًا لنفسه، وأنس به أشد الأنس، فكيف يبغي بعد ذلك غيره بدلًا، أو يطلب عنه مصرفًا، أو يروم عنه انتقالًا أو تحويلًا. ولهذا فإن من الفوائد الجليلة المستنبطة من هذا الحديث أنه يعد دليلًا من أدلة أهل السنة والجماعة الكثيرة على زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل أهله فيه. كما قال الوالد حفظه الله: ((ومن فقه الحديث وما يستنبط منه .. فذكر أمورًا منها: أن في الحديث دليلاً على تفاضل الناس في الإيمان، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وذلك أن من وجدت فيه الخصال الثلاث وجد حلاوة الإيمان بخلاف غيره)» (٢). (٥) قراءة سيرة سلف هذه الأمة: فإن سلف هذه الأمة أصحاب النبي وَ له وتابعيهم بإحسان، أهل (١) رواه البخاري (٦٠/١) ((فتح))، ومسلم (٦٦/١). (٢) عشرون حديثًا من ((صحيح البخاري)) دراسة أسانيدها وشرح متونها للشيخ عبد المحسن العباد (ص١٦٨)، وانظر: ((أسباب زيادة الإيمان ونقصانه)) (ص٣٥- ٣٧). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٤٦ صلاح الأمة في علو الهمة الصدر الأول من الإسلام، هم خير القرون، وحَمَاة الإسلام، وهداة الأنام، وليوث الصدام، وأهل المشاهد والمواقف العظام، وهم حملة هذا الدين ونقلته لمن جاء بعدهم من العالمين، أقوى الناس إيمَانًا وأرسخهم علمًا، وأبرهم قلوبًا وأزكاهم نفوسًا، وخص منهم أصحاب النبي وَ الذين خصّهم الله برؤية نبيه وّله ومتعهم بالنظر إلى طلعته، وأكرمهم بسماع صوته والأنس بحديثه، فأخذوا الدين منه غضًّا طريًّا، فاستحكمت به قلوبهم، واطمانت به نفوسهم، وثبتوا عليه ثبوت الجبال. * ويكفي في بيان فضلهم أن الله خاطبهم بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٣٧]، والمعنى: أنهم خير الأمم، وأنفع الناس للناس .. فحديثُهم يُجلي الفؤاد الصادي كرِّرْ عَليّ حديثهم يا حادي ■ قال ابن تيمية: ((ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل»(١). (٦) التأمل في آيات الله الكونيّة، والتفكر في مخلوقاته: اُلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ * قال تعالى: وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَالنَّارِ ١٩١ ﴾ [آل عمران]. : وقال تعالى: ﴿وَفِ اْأَرْضِ ءَيَتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٥) وَفِيَّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُصِرُونَ [الذاريات]. ٢١ ■ عن عبد الله بن سلام مرفوعًا: ((لا تفكروا في الله وتفكروا في خلق الله، فإن ربنا خلق مَلَكًا قدمَاه في الأرض السابعة السفلى ورأسه قد جاوز (١) ((العبودية)) (ص٩٤)، ((أسباب زيادة الإيمَان)) (ص ٣٧، ٣٨). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٤٧ علو الهمة في استكمال الإيمان السماء العليا، مَا بين قدميه إلى ركبتيه مسيرة ستمئة عام، ومَا بين كعبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ستمئة عام، والخالق أعظم من المخلوق)) (١). ■ قال عثمان بن مرزوق القرشي: ((فجميع المخلوقات من الذرة إلى العرش سبل متصلة إلى معرفته -تعالى - وحجج بالغة على أزليته، والكون جميعه ألسنٌ ناطقةٌ بوحدانيته، والعالم كله كتاب يقرأ حروفَ أشخاصِهِ المتبصرون على قدر بصائرهم»(٢). فتأملُ هذه الآيات وغيرها مما خلق الله في السموات والأرض وتدبرُها وإمعان النظر وإجالة الفكر فيها من أعظم مَا يعود على الإنسان بالنفع في تقوية إيمانه وتثبيته؛ لأنه يعرف من خلالها وحدانية خالقه ومليكه، وكماله سبحانه وتعالى، فيزداد حبه وتعظيمه وإجلاله له، وتزداد طاعته وانقياده وخضوعه له، وهذه من أعظم ثمرات هذا النظر. ■ قال ابن القيم هملَّهُ: ((وإذا تأملت مَا دعا الله سبحانه في كتابه عباده إلى الفكر فيه أوقعك على العلم به سبحانه وتعالى، وبوحدانيته، وصفات كماله، ونعوت جلاله، من عموم قدرته وعلمه، وکمال حكمته ورحمته، وإحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاه وغضبه وثوابه وعقابه فبهذا تَعَرَّفَ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٦/ ٦٦ - ٦٧) من طريق عبد الجليل بن عطية عن شهر قال الألباني: وهذا إسناد حسن في الشواهد عبد الجليل وشهر وهو ابن حوشب صدوقان سيّئا الحفظ، وبقية الرجال ثقات- انظر ((الصحيحة)) رقم (١٧٨٨). (٢) ((ذيل طبقات الحنابلة)) لابن رجب (٣٠٧/١). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٤٨ صلاح الأمة في علو الهمة إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته))(١). ■ وقال ابن سعدي اله: ((ومن أسباب الإيمان ودواعيه، التفكر في الكون في خلق السموات والأرض وما فيهن من المخلوقات المتنوعة، والنظر في نفس الإنسان ومَا هو عليه من الصفات فإن ذلك داع قوي للإِيمَان، لمَا في هذه الموجودات من عظمة الخلق الدالة على قدرة خالقها وعظمته، وما فيها من الحسن والانتظام والإحكام الذي يحير الألباب، الدالة على سعة علم الله وشمول حكمته وما فيها من أصناف المنافع والنعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، الدالة على سعة رحمة الله وجوده وبره، وذلك كله يدعو إلى تعظيم مبدعها وبارئها وشكره واللهج بذكره وإخلاص الدين له وهذا هو روح الإيمان وسره)»(٢). (٧، ٨) الاجتهاد في الطاعات والعبادات وذكر الله والقربات والنوافل تقرّبًا إلى الله وَأَذً وإرادة لوجهه الكريم: • كما جاء في الحديث القدسي: (( .. ومَا تقرّبَ إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه))(٣). * وكثرة النوافل هي استجابة لله وللرسول وَله وقد قال الله وَّ: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فمهما استجاب العبد لله وَلَّ ولرسوله وَّة، وتقرّب إلى الله وَلَّ بمَا (١) ((مفتاح دار السعادة)) (ص٢٠٤). (٢) ((التوضيح والبيان)) (ص٣١). (٣) رواه البخاري (٣٤٨/١١، ٣٤٩) الرقاق، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤/١). , تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٤٩ علو الهمة في استكمال الإيمان يقرّبه إليه أحيا الله وَجَّ شجرة الإيمان في قلبه))(١). عبودية اللسان وأعماله والذكر وأعمال الجوارح والإكثار منها تزيد من إيمان العبد (٢) : أما أعمال اللسان: كذكر الله وَّ وحمده والثناء عليه وقراءة كتابه والصلاة والسلام على رسول الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتسبيح والاستغفار والدعاء وغير ذلك من الأعمال التي تكون باللسان، فلا شك أن القيام بها والمداومة عليها والإكثار منها من أعظم أسباب زيادة الإيمان. ■ قال الشيخ ابن سعدي وله: ((ومن أسباب دواعي الإيمان الإكثار من ذكر الله كل وقت، ومن الدعاء الذي هو مخ العبادة. فإن الذكر لله يغرس شجرة الإيمان في القلب، ويغذيها وينميها، وكلما ازداد العبد ذكرًا لله قوي إيمَانه، كما أن الإيمان يدعو إلى كثرة الذكر، فمن أحب الله أكثر من ذكره، ومحبة الله هي الإيمان بل هي روحه))(٣). ■ وقد ذكر ابن القيم في كتابه («الوابل الصيب»: «أن للذكر مئة فائدة، عدد منها ثلاثًا وسبعين فائدة (٤): منها أنه يطرد الشيطان، ويرضي الرحمن، ويزيل الهم والغم، ويجلب الفرح والسرور، ويقوي القلب والبدن، وينور الوجه والقلب، ويجلب الرزق، وغير ذلك مما ذكره الثّهُ (١) ((شجرة الإيمان)) للشيخ أحمد فريد (ص٤٩، ٥٠). (٢) انظر: ((أسباب زيادة الإيمَان)) (ص٥١ - ٥٦). (٣) ((التوضيح والبيان)) (ص٣٢). (٤) انظر: ((الوابل الصيب)) (ص٨٤) وما بعدها. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٥٠ صلاح الأمة في علو الهمة من الفوائد العظيمة التي تنال بذكر الله وَجَّ ولا شك أن أعظم فوائد ذكر الله وأنفعها أنه يزيد في الإيمان ويقويه ويثبته؛ ولهذا فقد ورد في الكتاب والسنة نصوص كثيرة في الأمر به والحث على الإكثار منه، وبيان فضله وأهميته، قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الجمعة]. * وقال تعالى: ﴿وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم [الأحزاب]. ٣٥ مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا * وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢]. * وقال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد]. ٢٨ • وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة للعنه قال: كان رسول الله يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له: جُمدان، فقال: ((سيروا، هذا جمدان، سبق المُفَرِّدون))، قيل: ومَا المفردون يا رسول الله؟ قال: ((الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات))(١). • وعن أبي الدرداء ◌ُؤْعنه أن النبي وَّلو قال: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأرضاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والوَرِق، ومن أن تَلْقَوْا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟)). قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ((ذكر الله))(٢). (١) مسلم (٤/ ٢٠٦٢). (٢) رواه أحمد (١٩٥/٥)، وابن ماجه (١٢٤٥/٢)، والترمذي (٤٥٩/٥)، والطبراني في ((الدعاء)) (١٦٣٦/٣)، والحاكم (٤٩٦)، وأبو نعيم في (الحلية)) (١٢/٢)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٥/٥)، وذكره المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٣٩٥/٢) من طرق عن زياد بن أبي زياد عن أبي بحرية عن أبي تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٥١ علو الهمة في استكمال الإيمان ● وذكر عبد الله بن بُسر أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن شرائع الإيمان قد كثرت علي، فأخبرني بشيءٍ أتشبث به، قال: ((لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله تعالى))(١). فإن أعرض الإنسان عن هذا كله ولم يشغل لسانه بذكر الله وَجَز اشتغل لسانه بغير ذلك من الغيبة والنميمة والسخرية والكذب والفحش؛ لأن العبد لا بد له أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى وذكر أوامره تكلم بهذه الأمور. ■ قال ابن القيم: «فإن اللسان لا يسكت البتة، فإما لسان ذاكر، وإما لسان لاغ، ولا بد من أحدهما، فهي النفس إن لم تشغلها بالحق، شغلتك بالباطل، وهو القلب، إن لم تسكنه محبة الله وَّ، سكنته محبة المخلوقين ولا بد، وهو اللسان، إن لم تشغله بالذكر، شغلك باللغو، وهو عليك ولا بد، فاختر لنفسك إحدى الخطتين، وأنزلها في إحدى المنزلتين))(٢). وأما أعمال الجوارح: من صلاة وصيام وحج وصدقة وجهاد وغیر ذلك من الطاعات، فهي كذلك من أسباب زيادة الإيمان، فالاجتهاد في الدرداء مرفوعًا وقال الحاكم: ((وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي، وقال ابن عبد البر: ((وهذا يروى مسندًا من طرق جيدة)) ((التمهيد» (٦/ ٥٧) وحسن إسناده البغوي والمنذري. (١) رواه ابن أبي شيبة (٣٠١/١٠)، و(٤٥٧/١٣)، والترمذي (٤٥٨/٥)، وابن ماجه (١٢٤٦/٢)، والحاكم (٤٩٥/١)، وقال الترمذي: ((حديث حسن غريب))، وقال الحاكم: ((وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي، وقال الألباني في ((تخريج الكلم الطيب)) (ص٢٥): ((صحيح الإسناد)). (٢) ((الوابل الصيِّب)) (ص١٦٦، ١٦٧). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٥٢ صلاح الأمة في علو الهمة القيام بالطاعات التي افترضها الله على عباده، وبالقربات التي ندب عباده إليها، والإتيان بها على أحسن الوجوه وأكملها من أعظم أسباب قوة الإیمان وزيادته. * قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ ٢ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ) وَالَّذِينَ هُمْ لِلِزَّكَوَةِ فَاعِلُونَ ) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيّرُ وَالَّذِينَ هُوْ لِأَمَذَكِتِهِمْ ٧ مَلُومِينَ ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ تُحَافِظُونَ ٩ أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ ٨ [المؤمنون]. ١١ اُلَّذِينَ يَرِقُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَلِّدُونَ ((فهذه الصفات الثمان، كل واحدة منها تثمر الإيمان وتنميه، كما أنها من صفات الإيمان وداخلة في تفسيره)). فحضور القلب في الصلاة، وكون المصلي يجاهد نفسه على استحضار ما يقوله وما يفعله من القراءة والذكر والدعاء فيها، ومن القيام والقعود، والركوع والسجود من أسباب زيادة الإيمان ونموه. * وقد سمى الله الصلاة إيمَانًا بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمَّ [البقرة: ١٤٣]. وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ ** وقوله: وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. فهي أكبر ناهٍ عن كل فحشاء ومنكر ينافي الإيمان، كما أنها تحتوي على ذكر الله الذي يغذي الإيمان وينميه؛ لقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَغْبرُ والزكاة كذلك تنمي الإيمان وتزيده، وهي فرضها ونفلها، كما قال تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٥٣ علو الهمة في استكمال الإيمان النبي وَله: ((والصدقة برهان)) (١) أي: على إيمَان صاحبها، فهي دليل الإیمان، وتغذیه وتنمیه. والإعراض عن اللغو الذي هو كل كلام لا خير فيه، وكل فعل لا خير فيه، بل يقولون الخير ويفعلونه، ويتركون الشر قولاً وفعلاً، لا شك أنه من الإيمان ويزداد به الإيمان، ويثمر الإيمان. ولهذا كان الصحابة الظهر ومن بعدهم إذا وجدوا غفلة أو تشعث إيمَانهم، يقول بعضهم لبعض: ((اجلس بنا نؤمن ساعة))، فيذكرون الله، ويذكرون نعمه الدينية والدنيوية، فيتجدد بذلك إيمانهم. وكذلك العفة عن الفواحش خصوصًا فاحشة الزنا، لا ريب أن هذا من أكبر علامات الإيمان ومنمیاته، فالمؤمن لخوفه مقامه بين يدي ربه نهى النفس عن الهوى إجابة لداعي الإيمان وتغذية لما معه من الإيمان. ورعاية الأمانات والعهود وحفظها من علائم الإيمان، وفي الحديث: ((ولا إيمان لمن لا أمانة له))(٢)، وإذا أردت أن تعرف إيمَان العبد ودينه، فانظر حاله هل يرعى الأمَانات كلها مَالية أو قولية، أو أمَانات الحقوق؟ وهل يرعى الحقوق والعهود والعقود التي بينه وبين الله والتي بينه وبين العباد؟ فإن كان كذلك فهو صاحب دين وإيمَان، وإن لم يكن كذلك نقص من دينه وإيمانه بمقدار ما انتقص من ذلك. (١) جزء من حديث أخرجه مسلم (١/ ٢٠٣) من حديث أبي مالك الأشعري عنه (٢) أخرجه أحمد (١٣٥/٣)، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١١/١١)، وفي ((الإيمان)) (ص٥)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٢٠٨/١) ((الإحسان))، والبغوي في ((شرح السنة)) (٧٥/١)، وقال البغوي: ((هذا حديث حسن)) وصححه الألباني في تحقيقه للإيمان لابن أبي شيبة. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٥٤ صلاح الأمة في علو الهمة وختمها بالمحافظة على الصلوات على حدودها وحقوقها، وأوقاتها؛ لأن المحافظة على ذلك بمنزلة المَاء الذي يجري على بستان الإيمان، فیسقيه وینمیه، ويؤتي أکله کل حین. وشجرة الإيمان محتاجة إلى تعاهدها كل وقت بالسقي وهو المحافظة على أعمال اليوم والليلة من الطاعات والعبادات، وإلى إزالة مَا يضرها من الصخور والنوابت الغريبة الضارة، وهو العفة عن المحرمات قولًا وفعلًا فمتى تمت هذه الأمور حَيِيَ هذا البستان وزها، وأخرج الثمار المتنوعة))(١). وبهذا البيان يتضح لنا شدة أثر الأعمال الصالحة في زيادة الإيمان، وأن القيام بها والإكثار منها سبب عظيم من أسباب زيادته. ■ قال شيخ الإسلام: «وكمَال الإيمان هو فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك مَا نهى الله عنه ورسوله، فإذا ترك بعض المَامور وعوض عنه ببعض المحظور كان في ذلك من نقص الإيمان بقدر ذلك)»(٢). فالصلاة إيمَان، والحج إيمَان، والصدقة إيمَان، والجهاد إيمَان وجميع الطاعات التي أمر الله بها عباده إيمَان، فإذا فعلها العبد ازداد عنده الإيمان، وكان فعله لها سببًا في زيادة إيمَانه، بشرط الإخلاص والمتابعة. ■ قال الشيخ محمد العثيمين همئه: ((ولزيادة الإيمان أسباب منها: فعل الطاعة، فإن الإيمان يزداد به بحسب حسن العمل، وجنسه، وكثرته، فكلما كان العمل أحسن كانت زيادة الإيمان به أعظم، وحسن العمل (١) ((التوضيح والبيان)) لابن سعدي (٣٤ - ٣٦) بتصرف يسير. (٢) ((الفتاوى)) لابن تيمية (١٧٢/٢٧). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٥٥ علو الهمة في استكمال الإيمان يكون بحسب الإخلاص والمتابعة، وأمَا جنس العمل فإن الواجب أفضل من المسنون وبعض الطاعات أوكد وأفضل من البعض الآخر، وكلما كانت الطاعة أفضل كانت زيادة الإيمان بها أعظم، وأمَا كثرة العمل فإن الإيمان يزداد بها؛ لأن العمل من الإيمان فلا جرم أن يزيد بزیادته))(١). عبودية القلب (٢) أولى وأعظم من عبودية الجوارح، وصلاح القلب ورعاية أعماله يزيدان في إيمان العبد: أعمال القلب هي في الحقيقة أصل الدين ورأس الأمر وأهم المطالب، بل إن الأعمال الظاهرة لا تقبل إن خلت من الأعمال القلبية؛ لأن الأعمال كلها يشترط في قبولها الإخلاص لله وَّ، والإخلاص عمل قلبي؛ ولهذا كانت الأعمال القلبية واجبة على كل أحد ولا يكون تركها محمودًا في حال من الأحوال والناس في القيام بها على ثلاث درجات كما هم في أعمَال البدن على ثلاث درجات: منهم الظالم لنفسه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق بالخيرات (٣). ولذا لزم كل مسلم أن يبدأ بتطهير قلبه وإصلاحه والعناية به، قبل أن يعتني بإصلاح ظاهره، إذ لا عبرة بصلاح الظاهر مع فساد الباطن ومتى مَا أصلح المسلم قلبه بالأعمَال الزاكية والإخلاص والصدق والمحبة الله تعالى ولرسوله ول8* استقامت جوارحه وصلح ظاهره، كما في (١) ((فتح رب البريّة)) (ص٦٥). (٢) انظر: ((أسباب زيادة الإيمَان)) (ص٤٦ - ٥٠). (٣) ((مجموع الفتاوى)) (٦/١٠). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٥٦ - صلاح الأمة في علو الهمة ((الصحيحين)) من حديث النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله وَل- يقول: (( .. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب))(١). فهذا الحديث فيه أعظم إشارة إلى أن صلاح حركات العبد الظاهرة بحسب صلاح حركة قلبه وباطنه، فإن كان قلبه سليمًا ليس فيه إلَّا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فیما یکرهه صلحت حركات جوارحه كلها، بخلاف ما إذا كان قلبه فاسدًا قد استولى عليه حب الهوى واتباع الشهوات وتقدیم حظوظ النفس، فإن من كان كذلك فسدت حرکات جوارحه کلها. ولهذا يقال: القلب مَلك الأعضاء وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره لا يخالفونه في شيء من ذلك، فإن كان الملك صالحًا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا كانت جنوده بهذه المشابهة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلَّا القلب السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٥) إِلََّ مَنْ أَتَى اللَّه ◌ِقَلْبٍ سَلِيمٍ ج [الشعراء]. (٨٩ والقلب السليم هو: السالم من الآفات والمكروهات كلها وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وخشيته وخشية ما يباعد منه(٢) . ■ قال شيخ الإسلام: «ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عمًا (١) البخاري (١٢٦/١) ((فتح))، ومسلم (٢٢٠/٣). (٢) انظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (ص٧١). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٥٧ علو الهمة في استكمال الإيمان يريده القلب .. فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملًا قلبيًّا، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق)) (١). ولهذا فإن من أعظم ما يزيد في إيمَان الشخص الظاهر والباطن أن يجاهد نفسه مجاهدة تامة على إصلاح قلبه وعمَارته بمحبة الله وَّ ومحبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال. ■ قال ابن رجب: (( .. فلا صلاح للقلوب حتى تستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه ويمتلئ من ذلك، وهذا هو حقيقة التوحيد وهو معنى لا إله إلّا الله، فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو إله واحد لا شريك له، ولو كان في السموات والأرض إله يؤله سوى الله لفسدت بذلك السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿ لَوْكَانَ فِيهِمَآءَ الِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فعلم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معًا حتى تكون حركات أهلها كلها لله، وحركات الجسد تابعة لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده فقد صلح وصلحت حركات الجسد كله، وإن كانت حركة القلب وإرادته لغير الله فسد، وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب))(٢). • وقد ثبت عن النبي وَال أنه قال: ((من أحب الله وأبغض لله وأعطى (١) ((الفتاوى)) (٧ /١٨٧). (٢) ((جامع العلوم والحكم) (ص٧١)، وانظر ((الوابل الصيب)) لابن القيم (ص١٢). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٥٨ صلاح الأمة في علو الهمة الله ومنع الله فقد استكمل الإيمان))(١). ((ومعنى هذا أن كل حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله فقد كمل إيمَان العبد بذلك باطنًا وظاهرًا، ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلَّا إرادة الله وإرادة مَا يريده لم تنبعث الجوارح إلّا فيما يريده، فسارعت إلى مَا فيه رضاه، وكفت عمَا يكرهه وعما يخشى أن يكون مما يكره وإن لم يتيقن ذلك))(٢). فمتى مَا صلحت القلوب بالإيمان والصدق والإخلاص والمحبة ولم يبق فيها إرادة لغير الله، صلحت جميع الجوارح فلم تتحرك إلَّا لله وَة وبما فيه مرضاته. والقلب لا يخلو بحال من الفكر إمَا في واجب آخرته ومصالحها، وإمَا في مصالح دنياه ومعاشه، وإمّا في الوساوس والأمَاني الباطلة والمقدرات المفروضة، وجماع إصلاح القلب أن تشغله بالفكر بما فيه صلاحه وفلاحه المحقق، ففي باب العلوم والتصورات تشغله بمعرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوقه. وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار، وفي آفات الأعمال وطرق التحرز منها، وفي باب الإرادات والعزوم تشغله بإرادة مَا ينفعك إرادته، وطرح إرادة مَا يضرك إرادته (٣). (١) رواه أبو داود (٢٢٠/٤)، والطبراني في ((الكبير)) برقم (٧٧٣٧) وابن بطة في (الإبانة)) (٦٥٨/٢)، وغيرهم وصححه الألباني، انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٦٥٧/١). (٢) ((جامع العلوم والحكم)) (ص٧٢). (٣) ((الفوائد)) لابن القيم (ص٣١٠، ٣١١). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٥٩ علو الهمة في استكمال الإيمان تكثير الشواهد النافعة في القلب لزيادة الإيمَان: وإن أعظم عون للعبد على ذلك هو تكثير الشواهد النافعة في القلب؛ لتقوى صلته بالله؛ ولأن الأعمال الصالحة إنما تكون بحسب قيام هذه الشواهد في القلب و کثرتها. ■ قال ابن القيم عمله: ((ونحن نشير بعون الله وتوفيقه إلى الشواهد إشارة يعلم بها حقيقة الأمر: ((فأول شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة، أن يقوم به شاهد من الدنيا وحقارتها، وقلة وفائها، وكثرة جفائها، وخسة شركائها، وسرعة انقضائها .. فإذا قام بالعبد هذا الشاهد منها، ترحل قلبه عنها، وسافر في طلب الدار الآخرة، وحينئذٍ يقوم بقلبه شاهد من الآخرة ودوامها، وأنها هي الحيوان حقّا، فأهلها لا يرتحلون منها، ولا يظعنون عنها بل هي دار القرار، ومحط الرحال ومنتهى السير .. ثم يقوم بقلبه شاهد من النار، وتوقدها واضطرامها، وبعد قعرها، وشدة حرها وعظيم عذاب أهلها، فيشاهدهم وقد سِيقوا إليها سُود الوجوه، زرق العيون، والسلاسل والأغلال في أعناقهم، فلما انتهوا إليها فتحت في وجوههم أبوابها فشاهدوا ذلك المنظر الفظيع، وقد تقطعت قلوبهم حسرة وأسفًا .. فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد انخلع من الذنوب والمعاصي واتباع الشهوات، ولَبِسَ ثياب الخوف والحذر .. وعلى حسب قوة هذا الشاهد يكون بعده من المعاصي والمخالفات، فيذيب هذا الشاهد من قلبه الفضلات والمواد المهلكة، وينضجها ثم يخرجها، فيجد القلب لذة العافية وسرورها. ١ فيقوم به بعد ذلك شاهد الجنة، ومَا أعد الله لأهلها فيها، مما لا عين تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٦٠ صلاح الأمة في علو الهمة رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فضلاً عما وصفه الله لعباده على لسان رسوله من النعيم المفصل، الكفيل بأعلى أنواع اللذة، من المطاعم والمشارب والملابس والصور، والبهجة والسرور. فيقوم بقلبه شاهد دار قد جعل الله النعيم المقيم بحذافيره فيها، تربتها المسك، وحصباؤها الدر، وبناؤها لبن الذهب الفضة، وقصب کاللؤلؤ، وشرابها أحلى من العسل وأطيب رائحة من المسك، وأبرد من الكافور وألذ من الزنجبيل، ونساؤها لو برز وجه إحداهن في هذه الدنيا لغلب على ضوء الشمس، ولباسهم الحرير من السندس والاستبرق، وخدمهم ولدان كاللؤلؤ المنثور، وفاكهتهم دائمة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة، وغذاؤهم لحم طير مما يشتهون، وشرابهم عليه خمرة لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون، وخضرتهم فاكهة مما يتخيرون، وشاهدهم حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، فهم على الأرائك متكئون، وفي تلك الرياض يحبرون، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون. فإذا انضم إلى هذا الشاهد: شاهد يوم المزيد، والنظر إلى وجه الرب جل جلاله، وسماع كلامه منه بلا واسطة .. فإذا انضم هذا الشاهد إلى الشواهد التي قبله فهناك يسير القلب إلى ربه أسرع من سير الرياح في مهابها فلا يلتفت في طريقه يميناً ولا شمَالًا .. ))(١). فإذا قامت مثل هذه الشواهد في قلب العبد وأعمل فكره فيها، كانت أعظم عون له على تطهير قلبه وتنزيهه من الأوصاف المذمومة (١) ((مدارج السالكين)» (٢٥٠/٣ - ٢٥٢). تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com