Indexed OCR Text
Pages 61-80
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦١ علو الهمة في استكمال الإيمان بكُلَ مَا في الوجود من حوله، وأَنْسه بالله خالقه وخالق هذا الوجود، وشعوره بقيمته وكرامته وإحساسه بأنه يملك أن يقوم بدور مرموق يرضى الله عنه ويُحقِّق الخير لهذا الوجود كله بكُلِّ مَا فيه وكل من فيه. فمن سعة تصوره أن يخرج من نطاق ذاته المحدودة في الزمَان والمكان، الصغيرة الكيان، الضئيلة القوة إلى محيط هذا الوجود كله، بما فيه من قوى مذخورة، وأسرار مكنونة وانطلاق لا تقف دونه حدود ولا قيود في نهاية المطاف. ■ فهو بالقياس إلى الفئة التي ينتسب إليها فردٌ من الأمة المؤمنة .. الأمة الواحدة، الممتدة في شعاب الزمن، السائرة في موكب كريم، يقوده نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم من النبيين، صلوات الله عليهم أجمعين .. ويكفي أن يستقر هذا التصور في قلب إنسان، فيشعر أنه فرع من تلك الشجرة الطيبة الباسقة المتطاولة، العميقة الجذور، الممتدة الفروع، المتصلة بالسمَاء في عمرها المديد .. يكفي أن يشعر الإنسان هذا الشعور ليجد للحياة طعمًا آخر، وليحسَّ بالحياة إحساسًا جديدًا، وليضيف إلى حياته هذه حياة كريمة مستمدّة من هذا النسب العريق. يكفي أن يستقرّ هذا التصور ليرفعه في نظر نفسه، وليكرمه في حسه، وليشعره بالوضاءة والانطلاق، وقدمَاه تدبّان على الأرض، وقلبه يرفُّ بأجنحة النور إلى آفاق كريمة نحو الملأ الأعلى .. إلى جوار الله رب العالمين. ■ ثم يتّسع تصوّره ويتَّسع حتى يتجاوز ذاته وأمته وجنسه الإنساني، ويرى هذا الوجود كله، كائنًا حيًّا مؤلّفًا من كائنات حية، وأن لكل شيءٍ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٢ صلاح الأمة في علو الهمة فيه روحًا، وأن هذا الكون وهذا الوجود متجه لربه بالدعاء والتسبيح، ويستجيب له بالحمد والطاعة، وينتهي إليه بالإذعان والاستسلام. فإذا هو في كيان هذا الوجود، جزء من كُلّ، لا ينفصل ولا ينعزل، صادر عن بارئه، متَّجه إليه بروحه، راجع في النهاية إليه، وإذا هو أكبر من ذاته المحدودة، أكبر بقدر تصوره لضخامة هذا الوجود الهائل، وإذا هو مَانوس بكل ما حوله، مَانوس بالله الذي يرعاه ويُسدِّد خطاه؟! ■ يعلم المؤمن قدره عند ربه وعظم مكانته عند خالقه حين يُقيم الله حملة العرش من الملائكة يستغفرون للمؤمن فأي قدر أرفع من هذا؟! # قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِرَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ زَّحْمَةٌ وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَأَ لْحِيمِ ﴾ [غافر]. قيمة الإنسان عند الملاحدة والماديين: إن الإنسان في نظر المَادّين قبضة من تراب هذه الأرض، من الأرض نشأ، وعلى الأرض يمشي، ومن الأرض يأكل، وإلى الأرض يعود، هو كائن ليس له أهمية وامتياز على غيره، بل هو من جنس القرود، غاية أمره أنه ((تطوّر)) بمرور الزمن فأصبح هذا الإنسان !! ما قیمته عندهم حین یردوه إلى عناصره؟! ((إن أحد العلماء ردّ جسم الإنسان إلى العناصر الأساسية فيه فخرج بالنتائج الآتية: إذا جئنا بإنسان زِنَتُه مئة وأربعون رطلًا، وغلغلنا النظر في تكوينه وجدنا بدنه يحتوي على المواد الآتية: قدر من الدَّهن يكفي لصنع (٧) قطع صابون تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٣ علو الهمة في استكمال الإيمان قدر من الکربون یکفي لصنع (٧) أقلام رصاص قدر من الفوسفور يكفي لصنع (١٢٠) عود ثقاب قدر من ملح المغنسيوم يصلح جرعة واحدة لأحد المسهِّلات قدر من الحديد يمكن عمل مسمار متوسط الحجم منه قدر من الجیر لتبییض بیت الدجاج قدر من الكبريت يُطهّر جلد كلب واحد من البراغيث التي تسكن شعره قدر من الماء يملأ برميلًا سعته عشرة جالونات. وهذه المواد تشترى من الأسواق بمبلغ من المال يساوي خمسين أو ستين قرشًا مصريًّا وتلك هي قيمة الإنسان المَادية)). لا روح هنالك ولا نفحة من السماء يختصُّ بها الكائن الفذّ !! ■ يقول أحد ملاحدة العرب المعاصرين: ((هل نحن فكرة أكثر من كون الحشرات فكرة؟! نحن لا نُساوي أكثر من أنفسنا، وكذلك الحشرات ونحن لا نريد إلَّا أن نحقّق أنفسنا، وكذلك أيضًا الحشرات. والفرق بيننا وبين الحشرات هو فرق التفوّق فقط .. وفرقُ التفوّق بيننا وبين أرقى حيوان لا يفوق أكثر كثيرًا فرق التفوق بين أدنى حشرة وأرقی حيوان. مَاذا نفقد أو يفقد الإنسان أو تفقد الشمس والقمر بفقدنا أنفسنا؟!)). وليس ما ذهب إليه ((دارون)) و((فرويد)) وأمثالهما من المَادّين بأفضل من هذه النظرة إلى الإنسان، إنه عندهم أخو الحشرات، وصنو القرود! إنهم لا يبصرون فيه إلّ القشرة والغلاف، ولا يعرفون فيه إلَّا تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٤ صلاح الأمة في علو الهمة الطين والحمًا المسنون! فهو مخلوق من طبيعته الانجذاب إلى أسفل، وليس الرقيّ إلى أعلى، من طبيعته الهبوط إلى الأرض، وليس الارتفاع إلى السماء، هو بعبارة موجزة ((حيوان متطوِّر)) ترقّى من طَور إلى طور حتى بلغ مَا هو عليه. فالحيوانية في الإنسان قشرته ولبُّه، ولحمته وسداه. فأي إيحاءٍ للنفس الإنسانية أسوأ من هذا الإيحاء أثرًا؟ يرى الإنسان نفسه مخلوقًا هابطًا .. حيوانًّا .. طينًا وحماً! إنه لا يستغرب من نفسه الانحدار والتلوث والإسفاف ولا يستنكف من القذارة والأوحال أن يتمرّغ فيها، ويتلطّخ بها، بل المستغرب منه أن يتعفف ويتطهّر، وأن يحيا نظيفًا مستعليًا على الشهوات، والمطامع المَادية باذلا النفس والمال في سبيل الحق ابتغاء رضوان الله)) (١). وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ◌َدَمَ وَحَلْنَهُمْ فِ آلْبَرِّ ** أين هذا من قول الله وَّ: وَاَلْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اُلْطَيِّبَتِ وَفَضَلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء]. ٧٠ ■ يقول الإمام أبو بكر بن العربي: ((ليس لله تعالى خلقٌ أحسن من الإنسان، فإن الله تعالى خلقه حيًّا عالمًا، وقادرًا، متكلُّمَا بصيرًا، مُدَبّرًا حكيمًا)). ■ وقال الإمام ابن القيم اللّهُ: ((اعلم أن الله سبحانه وتعالى اختصّ نوع الإنسان من بين خلْقِه بأن كرّمه وفضَّلَهُ وشرَّفه، وخلقه لنفسه، وخلقَ له كلَّ شيءٍ، وخصّه من معرفته ومحبَّته، وقربه وإكرامه بمًا لم يُعِطِهِ غيره، وسخّر له مَا في سماواته وأرضه وما بينهما، حتى ملائكته - (١) انظر: «الإيمان والحياة)) (ص٥٤، ٥٥). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٥ علو الهمة في استكمال الإيمان الذين هم أهل قربه - استخدمهم له، وجعلهم حفظةً له في منامه ويقظته، وظعْنِه وإقامته، وأنزل إليه وعليه كتبه، وأرسله وأرسل إليه، وخاطبه وكلمَّه منه إليه .. فللإنسان شأنٌ ليس لسائر المخلوقات))(١). حياة علاة الهمم المؤمنين وحياة الكافرين: وَمَنْ أَعْرَضَ ** قال الله تعالى وهو أصدق القائلين في حياة الكافرين: بـ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ,مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾ [طه: ٤ : وقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْأَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَغَّدُفِ السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ [الأنعام]. ١٢٥ اللَّهُ الْرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ * وقال تعالى: ﴿ .. وَمَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ [الحج: ٣١]. ٣١ أَوْتَهْوِى بِهِ الْرِيحُ فِ مَكَانٍ سَحِقٍ * ((والله تعالى إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن به وعمل صالحًا كما قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أَنْتَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ، حَيَوَةً [النحل]. ٩٧ طَيِّبَّةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدنيا والحياة الطيبة والحسنى يوم القيامة فلهم أطيب الحياتين، فهم أحياء في الدارين))(٢). ■ وقال ابن القيم عنه: «ليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار والأبرار الفجار، من طيب المَاكل والملبس (١) ((مدارج السالكين)) (٢١/١). (٢) ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص ١٧٧). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٦ صلاح الأمة في علو الهمة والمشرب والمنكح، بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافًا مضاعفة، وقد ضمن الله سبحانه لكل من عمل صالحًا أن يحييه حياة طيبة، فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده، وأي حياة أطيب من حياة من اجتمعت همومه كلها وصارت همَّا واحدًا في مرضاة الله؟ ولم يتشعب قلبه، بل أقبل على الله، واجتمعت إرادته وأفكاره التي كانت متقسمة بكل واد منها شعبة على الله فصار ذكره بمحبوبه الأعلى وحبه والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه هو المستولي عليه، وعليه تدور همومه وإراداته ومقصوده بكل خطرات قلبه. فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق بالله، وإن سمع فبه يسمع، وإن أبصر فبه يبصر، وبه يبطش وبه يمشي وبه یتحرك وبه یسکن وبه یحیا وبه يموت وبه يبعث)»(١). ■ وقال له: «هذا خبر أصدق الصادقين، ومخبره عند أهله عين اليقين، بل هو حق اليقين، ولا بد لكل من عمل صالحًا أن يحييه الله حياة طيبة بحسب إيمَانه وعمله، ولكن يغلط الجفاة الأجلاف في مسمى الحياة حيث يظنونها التنعم في أنواع المَاكل والمشارب والملابس والمناكح أو لذة الرياسة والمَال وقهر الأعداء والتفنن بأنواع الشهوات. ولا ريب أن هذه لذة مشتركة بين البهائم. بل قد يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ الإنسان فمن لم تكن عنده لذة إلّا اللذة التي تشاركه فيها السباع والدواب والأنعام فذلك ممن ينادى عليه من مكان بعيد ولكن أين هذه اللذة من اللذة بأمر إذا خالط بشاشته القلوب سلا عن الأبناء والنساء والأوطان والأموال والإخوان والمساكن ورضي (١) المصدر السابق (٢٧٧ - ٢٧٨). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٧ علو الهمة في استكمال الإيمان بتركها كلها والخروج منها رأسًا وعرض نفسه لأنواع المكاره والمشاق وهو متحلَّ بهذا منشرح الصدر به يطيب له قتل ابنه وأبيه وصاحبه وأخيه، لا تأخذه في ذلك لومة لائم حتى أن أحدهم ليتلقى الرمح بصدره، ويقول: ((فزت ورب الكعبة))، ويستطيل الآخر حياته حتى يُلقي قوته من يده، ويقول: ((إنها لحياة طويلة إن صبرت حتى آكلها))، ثم يتقدم إلى الموت فرحًا مسرورًا. ويقول الآخر مع فقره: ((لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا عليه بالسيوف)). ويقول الآخر: ((إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا)). وقال بعض العارفين: «إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب)) (١). ■ وقال جملة: ((فأخبر سبحانه عن فلاح من تمسك بعهده علمًا وعملًا في العاجلة بالحياة الطيبة، وفي الآخرة بأحسن الجزاء وهذا بعكس من له المعيشة الضنك في الدنيا والبرزخ ونسيانه في العذاب بالآخرة)) (٢). * قال تعالى: ﴿ أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِی پِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِ الظُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُواْ [الأنعام]. ١٢٢ يَعْمَلُونَ والمرادُ بها من كان ميت القلب، بعدم روح العلم والهدى والإيمان، (١) ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (ص٣٨). (٢) المصدر السابق (ص٤٧). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٨ صلاح الأمة في علو الهمة فأحياه الرب تعالى بروح أخرى، غير الروح التي أحيا بها بَدَنه. وهي روح معرفته وتوحيده، ومحبته وعبادته وحده لا شريك له. إذ لا حياة للروح إلَّا بذلك. وإلَّا فهي في جملة الأموات. ولهذا وصف الله تعالى مَنْ عَدِم ذلك بالموت، فقال: ﴿﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وقال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تُسَمِعُ الْمَوْقَ وَلَا تُِّعُ اَلُمّ الذُّعَاءَ ﴾ [النمل: ٨٠]، وسمى وحيه روحًا. لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح. فقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَاكُنْتَ نَدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَا اَلْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. فأخبر: أنه (روح)) تحصل به الحياة، وأنه ((نور)) تحصل به الإضاءة. يُنَزِّلُ الْمَلَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوّا وقال تعالى [النحل]. ٢ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلِّقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ ﴾ [غافر]. فالوحي حياة الروح، كما أن الروح مِنْ عِبَادِهِ ، لِيُنْذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ حياة البدن. ولهذا من فقد هذه الروح: فَقَدْ فقدَ الحياة النافعة في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا: فحياته حياة البهائم. وله المعيشة الضنك. وأما في الآخرة: فله جهنم، لا يموت فيها ولا یحیا. وقد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته ومحبته وعبادته. فقال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أَنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَتَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ [النحل]. وقد فسرت وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٧). ((الحياة الطيبة)) بالقناعة والرضى، والرزق الحسن وغير ذلك. والصواب: تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٦٩ علو الهمة في استكمال الإيمان أنها حياة القلب ونعيمه، وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله، ومحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه؛ فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها. ولا نعيم فوق نعيمه، إلّا نعيم الجنة، كما كان بعض العارفين يقول: إنه لَتَمُرُّ بي أوقات أقول فيها: ((إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب)). وقال غيره: ((إنه ليمر بالقلب أوقات يرقُص فيها طَرِبًا)). وإذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح. فإنه ملكها، ولهذا جعل الله المعيشة الضَّنْك لمن أعرض عن ذكره. وهي عكس الحياة الطيبة. وهذه الحياة الطيبة تكون في الدور الثلاث. أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ. ودار القرار. والمعيشة الضنك أيضًا تكون في الدور الثلاث. فالأبرار في النعيم هنا وهنالك. والفجار في الجحيم هنا وهنالك، قال الله ج تعالى: ﴿لَّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةُ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ ؟ ج [النحل: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿ وَأَنْ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ نُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنًا إِلَىَ أَجَلٍ مُسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَةٌ ﴾ [هود: ٣]. فذكرُ الله سبحانه وتعالى، ومحبته وطاعته، والإقبالُ عليه: ضامن لأطيب الحياة في الدنيا والآخرة. والإعراض عنه والغفلة ومعصيته: كفيل بالحياة المنغصة، والمعيشة الضنك في الدنيا والآخرة)) (١). (١) ((مدارج السالكين)) (٢٥٨/٣ - ٢٥٩). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٠ صلاح الأمة في علو الهمة ومن هذه الحياة الطيبة: حياة العلم من موت الجهل: ■ فإن الجهل موتٌ لأصحابه، كما قيل: وأجسامهم قبل القبور قبورُ وفي الجهل - قبل الموت- موت فليس لهم حتى النشور نشورُ وأرواحهم في وَحْشة من جسومهم ومن هذه الحياة الطيّبة: حياة الإرادة والهمة: وضعف الإرادة والطلب من ضعف حياة القلب، وكلما كان القلب أتم حياة، كانت همته أعلى، وإرادته ومحبته أقوى. فإن الإرادة والمحبة تتبع الشعور بالمراد المحبوب. وسلامة القلب من الآفة التي تحول بينه وبين طلبه وإرادته. فضعف الطلب، وفتور الهمة: إما من نقصان الشعور والإحساس، وإما من وجود الآفة المضعفة للحياة. فقوة الشعور، وقوة الإرادة: دليل على قوة الحياة. وضعفهمًا دليل على ضعفها. وكما أن علو الهمة، وصدق الإرادة، والطلب من كمَال الحياة: فهو سبب إلى حصول أَكمل الحياة وأطيبها، فإن الحياة الطيبة إنما تنال بالهمة العالية، والمحبة الصادقة، والإرادة الخالصة. فعلى قدر ذلك تكون الحياة الطيبة. وأخَسُّ الناس حياة أخسهم همة، وأضعفهم محبة وطلبًا، وحياة البهائم خير من حیاته، کما قيل: ولَيْلُكَ نومٌ والرَّدَى لك لازم نهارك، يا مغرور سَهْوٌ وغفلة كذلك في الدنيا تعيش البهائم وتكدح فيمَا سوف تنكر غِبَّه كمَا غُرَّ باللذات - في النوم - حالم تُسَوُّ بما يَفْنى. وتفرح بالْمُنَى ■ والمقصود: أن حياة القلب بالعلم والإرادة والهمة، والناس إذا شاهدوا ذلك من الرجل. قالوا: هو حَيُّ القلب، وحياة القلب بدوام تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧١ علو الهمة في استكمال الإيمان الذكر، وترك الذنوب، كما قال عبد الله بن المبارك وله: وقد يُورِثُ الذُّلَّ إدمَانُها رأيتُ الذنوبَ تُميتُ القلوبَ وَخَيْرٌ لنفسك عِصیانها وترْكُ الذنوبِ حياةٌ القلوبِ كُ، وأحبارُ سوءٍ ورُهبانُها؟ وهل أفسدَ الدينَ إلَّا الملو ولم يغْلُ في البيع أثمَانها وباعوا النفوسَ، ولم يربحوا يَبِينُ لذي اللُّبِّ خُسرانُها فقد رَتَعَ القوم في جِيفةٍ ■ وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية لما يقول: ((من واظب على ((يا حي يا قيوم. لا إله إلّا أنت)) كل يوم -بين سنة الفجر وصلاة الفجر - أربعين مرة أحيى الله بها قلبه)). وكما أن الله سبحانه جعل حياة البدن بالطعام والشراب، فحياة القلب: بدوام الذكر، والإنابة إلى الله، وترك الذنوب، والغفلة الجاثمة على القلب، والتعلق بالرذائل والشهوات المنقطعة عن قريب يضعف هذه الحياة. ولا يزال الضعف يتوالى عليه حتى يموت. وعلامة موته: أنه لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا. كما قال عبد الله بن مسعود لتعنه: ((أتدرون مَن ميت القلب، الذي قيل فيه: ليس من مَات فاستراح بميت إنمَا الميت ميت الأحياء؟ قالوا: ومن هو؟ قال: الذي لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا)). والرجل: هو الذي يخاف موت قلبه، لا موت بدنه؛ إذ أكثر هؤلاء الخلق يخافون موت أبدانهم، ولا يبالون بموت قلوبهم، ولا يعرفون من الحياة إلَّ الحياة الطبيعية. وذلك من موت القلب والروح؛ فإن هذه الحياة الطبيعية شبيهة بالظل الزائل، والنبات السريع الجفاف، والمنام تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٢ صلاح الأمة في علو الهمة الذي يخيل كأنه حقيقة. فإذا استيقظ عرف أنه كان خيالًا. كما قال عمر بن الخطاب خليلعنه: ((لو أن الحياة الدنيا -من أولها إلى آخرها- أُوتيها رجل واحد. ثم جاءه الموت: لكان بمنزلة من رأى في منامه مَا يَسُرُّه، ثم استيقظ؛ فإذا ليس في يده شيء)). وقد قيل: ((إن الموت موتان: موت إرادي، وموت طبيعي. فمن أمَّات نفسه موتًا أراديًّا كان موته الطبيعي حياة له))، ومعنى هذا: أن الموت الإرادي: هو قمع الشهوات المردية، وإخماد نيرانها المحرقة، وتسكين هوائجها المتلفة. فحينئذٍ يتفرغ القلب والروح للتفكر فيما فيه كمَال العبد، ومعرفته، والاشتغال به. ويرى حينئذٍ أن إيثار الظل الزائل عن قريب على العيش اللذيذ الدائم: أخسر الخسران. فأمَا إذا كانت الشهوات وافدة، واللذات مُؤثَرة، والعوائد غالبة، والطبيعة حاكمة. فالقلب حينئذٍ: إما أن يكون أسيرًا ذليلًا، أو مهزومًا مُخْرَجًا عن وطنه ومستقره الذي لا قرار له إلَّا فيه، أو قتيلًا ميتًا ومَا لجرح به إيلام. وأحسن أحواله: أن يكون في حرب، يدال له فيها مرة، ويدال عليه مرة، فإذا مَات العبد موته الطبيعي: كانت بعده حياة روحه بتلك العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، والأحوال الفاضلة التي حصلت له بإمَاتة نفسه. فتكون حياته هاهنا على حسب موته الإرادي في هذه الدار. وهذا موضع لا يفهمه إلَّا ألباء الناس وعقلاؤهم، ولا يعمل بمقتضاه إلَّا أهل الهمم العلية، والنفوس الزكية الأبية))(١). (١) «مدارج السالكين)) (٢٦٣/٣ - ٢٦٥). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٣ علو الهمة في استكمال الإيمان ومن هذه الحياة الطيبة: حياة الأخلاق، والصفات المحمودة: التي هي حياة راسخة للموصوف بها، فهو لا يتكلف الترقي في درجات الكمال، ولا يشق عليه؛ لاقتضاء أخلاقه وصفاته لذلك، بحيث لو فارقه ذلك لفارق مَا هو من طبيعته وسَجيته. فحياة من قد طبع على الحياء والعفة والجود والسخاء، والمروءة والصدق، والوفاء ونحوها: أتم من حياة من يقهر نفسه، ويغالب طبعه، حتى يكون كذلك. فإن هذا بمنزلة من تعارضه أسباب الداء وهو يعالجها ويقهرها بأضدادها. وذلك بمنزلة من قد عوفي من ذلك. وكلما كانت هذه الأخلاق في صاحبها أكمل كانت حياته أقوى وأتم. ولهذا كان خُلُق ((الحياء)) مشتقًّا من ((الحياة)) اسمًا وحقيقة. فأكمل الناس حياة: أكملهم حياء، ونقصان حياء المرء من نقصان حياته؛ فإن الروح إذا مَاتت لم تحس بما يؤلمها من القبائح، فلا تستحيي منها. فإذا كانت صحيحة الحياة أحست بذلك، فاستحيت منه، وكذلك سائر الأخلاق الفاضلة، والصفات الممدوحة تابعة لقوة الحياة، وضدها من نقصان الحياة؛ ولهذا كانت حياة الشجاع أكمل من حياة الجبان، وحياة السخي أكمل من حياة البخيل، وحياة الفطن الذكي أكمل من حياة الفَدْم البليد،؛ ولهذا لما كان الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - أكمل الناس حياة حتى إن قوة حياتهم تمنع الأرض أن تبلى أجسامهم -كانوا أكمل الناس في هذه الأخلاق، ثم الأمثل فالأمثل من أتباعهم. فانظر الآن إلى حياة دَوَّا لو تُدهنُ فيُدْهِنون ولا تطع كل ﴿﴿ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ قَّشَآءٍ بِنَمِيمٍ آ مَنَّاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِمٍ ن عُثُلِ بَعْدَ ذَلِكَ زَئِمٍ ١٣ ١٠ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٤ صلاح الأمة في علو الهمة [القلم]. وحياة جواد شجاع، بَرِّ عادل عفيف محسن -تجد الأول ميتًا بالنسبة إلى الثاني. 0 ولله در القائل: إِذا مَا عُدَّ من سقط المتاع (١) ومَا للمرء خير في حياة ومن مراتب حياة علاة الهمم أهل الإيمان: حياة الفرح والسرور، وقرة العين بالله : وهذه درر من كلام ابن القيم في وصفها: ■ قال منَّهُ: «وهذه الحياة إنما تكون بعد الظَّفَرِ بالمطلوب الذي تَقَرُّ به عین طالبه، فلا حياة نافعة له بدونه. * إن الفرح بالله ومعرفته ومحبته وكلامه إنما هو فرح القلب، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦]. * فإذا كان أهل الكتاب يفرحون بالوحي، فأولياء الله وأتباع رسوله أحقُّ بالفرح به، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ [التوبة]. ١٢٤ هَذِهِ عِيمَنَّا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اَللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا ﴾ [يونس]. ٥٨ يَجْمَعُونَ ■ قال أبو سعيد الخدري خلاله: ((فضل الله: القرآن، ورحمتُه: أن جعلَكم من أهله)). ■ وقال هلال بن سيّاف: ((فضل الله ورحمته: الإسلام الذي هداكم إليه، والقرآن الذي علّمكم، هو خير من الذهب والفضة الذي تجمعون)). (١) ((مدارج السالكين)) (٢٦٥/٣ - ٢٦٦). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٥ علو الهمة في استكمال الإيمان ■ وقال ابن عباس والحسن وقتادة وجمهور المفسرين: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن، فهذا فرح القلب وهو الإيمان ويثاب عليه العبد، فإن فرحه به يدلّ على رضاه به، بل هو فوق الرضا، فالفرح بذلك على قدر محبَّته. فإن الفرح إنما يكون بالظفر بالمحبوب. وعلى قدر محبّته يفرح بحصوله له. فالفرح بالله وأسمائه وصفاته وكلامه ورسوله ولقائه أفضل مَا يُعطاه بل هو أجل عطاياه. والفرح في الآخرة بالله ولقائه بحسب الفرح به ومحبته في الدنيا، فالفرح بالوصول إلى المحبوب يكون على حسب قوة المحبة وضعفها فهذا شأن فرح القلب. ■ وله فرح آخر: وهو فرحه بمَا مَنَّ الله به عليه من معاملته والإخلاص له والتوكل عليه والثقة به وخوفه ورجائه به، وكلما تمكّن في ذلك قوي فرحه وابتهاجه. وله فرحة أخرى عظيمة الوَقْع عجيبة الشأن، وهي الفرحة التي تحصل له بالتوبة، فإن لها فرحة عجيبة لا نسبة لفرحة المعصية إليها ألبتة، فلو علم العاصي أن لذة التوبة وفرحتها تزيد على لذّة المعصية وفرحتها أضعافًا مُضاعفة، لبادر إليها أعظم من مبادرته إلى لذة المعصية، وسِرُّ هذا الفرح إنما يعلمه مَن عَلِم ◌ِرَّ فرح الرب تعالى بتوبة عبده أشدَّ فرح يُقَدَّر فلا ينكر أن يحصل للتائب نصيب وافِرٌ من الفرح بالتوبة، ولكن ها هنا أمرٌ يجب التنبيه عليه، وهو أن لا يصل إلى ذلك إلَّا بعد ترحات ومضض ومحن، لا تثبت لها الجبال، فإن صبر لها ظفر بلذَّة الفرح. ((وحول هذه الحياة يدندنُ الناسُ كلُّهم، وكُلُّهم قد أخطأ طريقها، تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة ٧٦ وسلك طُرُقًا لا تُفضِي إليها بل تقطعه عنها إلَّا أقل القليل. فدار طلب الكل حول هذه الحياة، وحُرِمَها أكثرهم. وسبب حرمانهم إياها: ضعف العقل والتمييز والبصيرة، وضعف الهمة والإرادة؛ فإن مَادتها بصيرة وقادة، وهمة نقادة. والبصيرة كالبصر تكون عمى وعَورًا وعَمَشًا ورمدًا، وتامة النور والضياء. وهذه الآفات قد تكون لها بالخلقة في الأصل. وقد تحدث فيها بالعوارض الكسبية. ■ والمقصود: أن هذه المرتبة من مراتب الحياة هي أعلى مراتبها، ولكن كيف يصل إليها مَنْ عقله مَسْبِيٌّ في بلاد الشهوات، وأمله موقوف على اجتناء اللذات، وسيرته جارية على أسوأ العادات، ودينه مستهلك بالمعاصي والمخالفات، وهمته واقفة مع السفليات، وعقيدته غير متلقاة من مشكاة النبوات؟ !!. فهو في الشهوات منغمس، وفي الشبهات منتكس، وعن الناصح معرض، وعلى المرشد معترض، وعن السراء نائم، وقلبه في كل واد هائم، فلو أنه تجرد من نفسه، ورغب عن مشاركة أبناء جنسه، وخرج من ضيق الجهل إلى فضاء العلم. ومن سجن الهوى إلى ساحة الهدى، ومن نجاسة النفس، إلى طهارة القدس: لرأي الإلف الذي نشأ بنشأته، وزاد بزیادته، وقوي بقوته، وشرف عند نفسه وأبناء جنسه بحصوله، قدی في عين بصيرته، وشجا في حلق إيمانه، ومرضًا متراميًا إلى هلاكه. فإن قلت: قد أشرت إلى حياة غير معهودة بين أموات الأحياء. فهل يمكنك وصف طريقها، لأصِلَ إلى شيءٍ من أذواقها، فقد بان لي أن مَا نحن فيه من الحياة حياة بهيمية. ربما زادت علينا فيها البهائم بخلوها عن تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٧ علو الهمة في استكمال الإيمان المنكرات والمنغصات وسلامة العاقبة؟. ■ قلت: لعمر الله إن اشتياقك إلى هذه الحياة، وطلب علمها ومعرفتها: لدليل على حياتك، وأنك لست من جملة الأموات. فأول طريقها: أن تعرف الله، وتهتدي إليه طريقًا يوصلك إليه، ويحرق ظلمَات الطبع بأشعة البصيرة، فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة. فينجذب إليها بكليته، ويزهد في التعلقات الفانية، ويدأب في تصحيح التوبة، والقيام بالمَامورات الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات الظاهرة والباطنة، ثم يقوم حارسًا على قلبه، فلا يسامحه بخطرة يكرهها الله، ولا بخطرة فضول لا تنفعه، فيصفو بذلك قلبه عن حديث النفس ووسواسها، فيُقْدَى من أسرها. ويصير طليقًا. فحينئذٍ يخلو قلبه بذكر ربه، ومحبته والإنابة إليه، ويخرج من بين بيوت طبعه ونفسه، إلى فضاء الخلوة بربه وذكره، كما قيل: وأخرج من بين البيوت، لعلني أحدث عنك النفس في السر خالیًا فحينئذٍ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه، وطلبه والشوق إليه. فإذا صدق في ذلك رزق محبة الرسول وقليلة، واستولت روحانيته على قلبه، فجعله إمامه ومعلمه، وأستاذه وشيخه وقدوته، کما جعله الله نبيه ورسوله وهاديًا إليه. فيطلع على سيرته ومبادئ أمره، وكيفية نزول الوحي عليه، ويعرف صفاته وأخلاقه، وآدابه في حركاته وسكونه، ويقظته ومنامه، وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه، حتى يصير كأنه معه من بعض أصحابه. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٨ صلاح الأمة في علو الهمة فإذا رسخ قلبه في ذلك: فتح علیه بفهم الوحي المنزل عليه من ربه، بحيث لو قرأ السورة شاهد قلبُه مَا أنزلت فيه، وما أريد بها، وحظه المختص به منها، من الصفات والأخلاق، والأفعال المذمومة؛ فيجتهد في التخلص منها كما يجتهد في الشفاء من المرض المخوف، وشاهد حَظَّه من الصفات والأفعال الممدوحة؛ فيجتهد في تكميلها وإتمامها. فإذا تمكن من ذلك: انفتح في قلبه عين أخرى، يشاهد بها صفات الرب جلّ جلاله، حتى تصير لقلبه بمنزلة المرئي لعينه، فيشهد علو الرب سبحانه فوق خلقه، واستواءه على عرشه، ونزول الأمر من عنده بتدبير مملكته، وتكليمه باليحي، وتكليمه لعبده جبريل به، وإرساله إلى من يشاء بما يشاء، وصعود الأمور إليه، وعرضها عليه. فيشاهد قلبُه ربًّا قاهرًا فوق عباده، آمرًا ناهيًا، باعثًا لرسله، منزلًا لکتبه، معبودًا مطاعًا، لا شريك له، ولا مثیل، ولا عدل له، ليس لأحد معه من الأمر شيء، بل الأمر كله له، فيشهد ربه سبحانه قائمًا بالملك والتدبير، فلا حركة ولا سكون، ولا نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا قبض ولا بسط إلّا بقدرته وتدبيره؛ فيشهد قيام الكون كله به، وقيامه سبحانه بنفسه، فهو القائم بنفسه، المقيم لكل مَا سواه. فإذا رسخ قلبه في ذلك: شهد الصفة المصححة لجميع صفات الكمال. وهي ((الحياة)) التي كمَالها يستلزم كمَال السمع والبصر، والقدرة والإرادة، والكلام، وسائر صفات الكمال. وصفة ((القيومية)) الصحيحة المصححة لجميع الأفعال، فالحي القيوم: من له كل صفة كمال، وهو الفعال لما يريد. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٧٩ علو الهمة في استكمال الإيمان فإذا رسخ قلبه في ذلك: فُتح له مشهد ((القرب)) و((المعية)) فيشهده سبحانه معه، غیر غائب عنه، قريبًا غیر بعيد، مع كونه فوق سماواته على عرشه، بائنًا من خلقه، قائمًا بالصنع والتدبير، والخلق والأمر. فيحصل له - مع التعظيم والإجلال- الأنس بهذه الصفة؛ فيأنس به بعد أن كان مستوحشًا، ويقوى به بعد أن كان ضعيفًا، ويفرح به بعد أن كان حزينًا، ويجد بعد أن كان فاقدًا، فحينئذٍ يجد طعم قوله: ((ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطینه، ولئن استعاذني لأعيذنه)). فأطيب الحياة على الإطلاق: حياة هذا العبد؛ فإنه محب محبوب، متقرب إلى ربه، وربه قريب منه، قد صار له حبيبه لفرط استيلائه على قلبه، ولهجه بذكره، وعكوف همته على مرضاته، بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله، وهذه آلات إدراكه وعمله وسعيه، فإن سمع سمع بحبيبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به. فإن صعب عليك فهم هذا المعنى، وكونُ المحب الكامل المحبة يسمع ويبصر ويبطش ويمشي بمحبوبه، وذاتُه غائبة عنه، فأضرب عنه صفحًا، وخَلِّ هذا الشأن لأهله .. خل الهوى لأناس يُعْرَفون به قد كابدوا الحب حتى لانَ أَصْبعه فإن السالك إلى ربه لا تزال همته عاكفة على أمرين: استفراغ القلب في صدق الحب، وبذل الجهد في امتثال الأمر، فلا يزال كذلك حتى يبدو على ◌ِره شواهد معرفته، وآثار صفاته وأسمائه، ولكن يتوارى عنه ذلك تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٨٠ صلاح الأمة في علو الهمة أحيانًا، ويبدو أحيانًا، يبدو من عين الجود، ويتوارى بحكم الفترة، والفترات أمر لازم للعبد، فكل عامل له شِرَّة، ولكل شرة فترة، فأعلاها فترة الوحي، وهي للأنبياء، وفترة الحال الخاص للعارفين، وفترة الهمة للمريدين، وفترة العمل للعابدين، وفي هذه الفترات أنواع من الحكمة والرحمة، والتعرفات الإلهية، وتعريف قدر النعمة، وتجديد الشوق إليها، ومحض التواجد إليها وغير ذلك. ولا تزال تلك الشواهد تتكرر وتتزايد، حتى تستقر، وينصبغ بها قلبه، وتصير الفترة غير قاطعة له، بل تكون نعمة علیه، وراحة له، وترويحًا وتنفیسًا عنه. فهمة المحب إذا تعلقت روحه بحبيبه، عاكفًا على مزيد محبته، وأسباب قوتها، فهو يعمل على هذا، ثم يترقى منه إلى طلب محبة حبيبه له، فيعمل على حصول ذلك، ولا يعدم الطلب الأول، ولا يفارقه ألبتة، بل يندرج في هذا الطلب الثاني، فتتعلق همته بالأمرين جميعًا؛ فإنه إنما یحصل له منزلة «کنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به)) بهذا الأمر الثاني، وهو كونه محبوبًا لحبيبه، كما قال في الحديث: ((فإذا أحببتُه كنت سمعه وبصره .. )) إلخ، فهو يتقرب إلى ربه، حفظًا لمحبته له، واستدعاء لمحبة ربه له. فحينئذٍ يَشُدُّ مِثْزر الجِدِّ في طلب محبة حبيبه له بأنواع التقرب إليه، فقلبه: للمحبة والإنابة والتوكل، والخوف والرجاء. ولسانه: للذكر وتلاوة كلام حبيبه. وجوارحه: للطاعات، فهو لا يفتر عن التقرب من حبيبه. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com