Indexed OCR Text

Pages 341-360

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلوّ الهمة - المجلد الأول
٣٤١
فَهْمًا، عارفًا بالرجال، تفرّد برواية كتب لم يروها أحدٌ بعده: ((التاريخ
الكبير)) عن أحمد، و((التفسير)) عن سُنَيْد، و((القراءات)) عن خلف،
و((التنبيه)) عن يحيى بن أكثم، و((المغازي)) عن إبراهيم الحِزَامي ،
و (( الفتن)) عن نعيم بن حماد .
قال محمد بن المؤمّل : كنا نقول : ما بقي في الدنيا مدينة لم
يدخلها الفضل في طلب الحديث ، إلا الأندلس ))(١) .
١٢٧ - الحافظ الإِمام الأرْغياني، أبو عبد الله محمد بن المسيّب النيسابوري
العابد :
قال الذهبي: ((صنَّف التصانيف الكبار ، وكان ممن بَّز في العلم
والعمل .
قال الحاكم : كان من الجَوَّالين في طلب الحديث على الصدق والورع ،
وكان من العُبَّاد المجتهدين . سمعتُ أبا الحسين بن يعقوب الحافظ يقول : كان
محمد بن المسيّب يقرأ علينا، فإذا قال: قال رسول الله عَلٍ؛ بكى حتى
نرحمه .
قال : وسمعتُ محمد بن علي الكلابي يقول : بكى محمد بن المسيّب
الأرغياني حتى عَمِي )) .
قال الأرغياني: ((ما أعلم منبرًا من منابر الإِسلام بَقَي علَّي لم أدخله
لسماع الحديث .
قال الذهبي : هذا على وجه المبالغة ، وإلا فهو لم يدخل الأندلس ولا
المغرب ، ولا أظنُّ أنه عنى إلا المنابر التي بحضرتها رواية الحديث .
قال رحمه الله : كنتُ أمشي بمصر ، وفي كُمِّي مائة جزء ، في كل
جزء ألف حديث .
(١) سير أعلام النبلاء ٣١٧/١٣ - ٣١٩؛ وتذكرة الحفاظ ٦٢٦/٢ - ٦٢٧ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٤٢
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
قال الذهبي : هذا يدلُّ على دقَّة خطِّه .
قال الحاكم: وسمعتُ أبا علي الحافظ يقول: كان محمد بن المسيّب
يمشي بمصر وفي كُمِّه مائة ألف حديث ، كانت أجزاؤه صغارًا بخطٌّ دقيق ،
في الجزء ألف حديث معدودة ، وصار هذا كالمشهور من شأنه)) (١) .
١٢٨ - أبو بكر محمد بن عبد الرحيم الأصبهاني شيخ القرَّاء في زمانه :
قال رحمه الله: ((رحلتُ إلى مصر (٢) ، ومعي ثمانون ألفًا، فأنفقتُها
على ثمانين ختمة)) ؛ يعني أنه ختم القرآن بقراءته على شيوخ القرآن ثمانين
مرة ، وأنفق من أجل ذلك ثمانين ألف درهم ، ربح والله وما غبن .. إذ
كان من أهل الله .. أهل القرآن .
١٢٩ - الحافظ العقيلي، أبو جعفر، محمد بن عمر مُصنّف ((كتاب
الضعفاء» :
(( قال مسلمة بن القاسم : كان العقيلي جليل القدر ، عظيم الخطرِ ،
ما رأيتُ مثلَه ، وكان كثير التصانيف ، فكان مَنْ أتاه من المُحدِّثين ؛ قال :
اقرأْ من كتابك، ولا يُخرج أصْلَه . قال: فتكلَّمْنا في ذلك، وقلنا : إما
أن يكون من أحفظ الناس ، وإما أن يكون من أكذب الناس ، فاجتمعنا
فاتفقنا على أن نكتب له أحاديث من روايته ، ونزيد فيها وننقص ، فأتيناه
لمتحنه ، فقال لي : اقرأْ ، فقرأتُها عليه ، فلما أتيتُ بالزيادة والنقص ؛ فَطِن
لذلك ، فأخذ مني الكتاب ، وأخذ القلم ، فأصلحها من حفظه ، فانصرفنا
من عنده ، وقد طابت نفوسُنا، وعلمنا أنه من أحفظ الناس)) (٣).
(١) سير أعلام النبلاء ١٤ / ٤٢٢ - ٤٢٥، وتذكرة الحفاظ ٣ / ٧٨٩ - ٧٩١ .
(٢) أي من أصبهان .
(٣) تذكرة الحفاظ ٨٣٣/٣ - ٨٣٤؛ وسير أعلام النبلاء ٢٣٦/١٥ - ٢٣٧.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٤٣
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
١٣٠ - الأصمُّ الإِمام المُحدِّث رحلة الوقت، أبو العباس السِّناني المعْقِلي
أبو الفضل الورّاق :
ارتحل به والده إلى الآفاق، وسمَّعه الكُتُبَ الكبارَ .
((وحدَّث بكتاب الأُمِّ للشافعي عن الربيع ، وطال عمره وبعد صيتُه ،
وتزاحم عليه الطلبة، وجميع ما حدَّث به إنما رواه من لفظه، فإنَّ الصَّمَمَ لحقه
وهو شابٌّ له بضعٌ وعشرون سنة ، بعد رجوعه من الرحلة ، وقد حدَّث
في الإِسلام ستًّا وسبعين سنة)) (١) ... فما أصبرهُ على تعليم الناس !!.
قال الحاكم عنه : بلغني أنه أذَّن سبعين سنة في مسجده .
((سمع منه الآباء والأبناء والأحفاد ، وكفاه شرفًا أن يُحدِّث طول
تلك السنين ، ولا يجد أحد فيه مغمزًا بحُجَّةٍ ، وما رأينا الرحلة في بلاد
من بلاد الإِسلام أكثر منها إليه ، ولقد رأيتُ جماعة من أهل الأندلس ،
وجماعة من أهل طراز ، واسبيجاب على بابه ، وكذا جماعة من أهل فارس ،
وجماعة من أهل المشرق))(٢) .
((قال الحاكم : حضرتُ أبا العباس يومًا في مسجده ، فخرج ليُؤذِّن
لصلاة العصر ، فوقف موضع المئذنة ، ثم قال بصوت عالٍ : أخبرنا الربيع
ابن سليمان، أخبرنا الشافعي، ثم أَذَّن))(٢) .
سبحان الله ! شغله العلم عن نفسه .
(( قال الحاكم : سمعتُ الأصمَّ ، وقد خرج ونحن في مسجده ، وقد
امتلأت السِّكةُ من الناس في ربيع الأول سنة أربع وأربعين وثلاثمائة . وكان
يُملي عشيّة كل يوم اثنين من أصوله . فلما نظر إلى كثرة الناس والغرباء ،
(١) ((الأنساب)) للسمعاني ١ / ٢٩٤.
(٢) الأنساب ١ / ٢٩٥ .
(٣) سير أعلام النبلاء ١٥ / ٤٥٨.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٤٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
وقد قاموا يُطِرِّقون(١) له، ويحملونه على عواتقهم من باب داره إلى مسجده،
فجلس على جدار المسجد ، وبكى طويلًا ، ثم نظر إلى المُستملي ، فقال :
اكتب : سمعتُ محمد بن إسحاق الصغاني يقول : سمعتُ الأشجَّ ، سمعتُ
عبد الله بن إدريس يقول : أتيتُ يومًا باب الأعمش بعد موته ، فدققتُ
الباب ، فأجابتني جارية عرفتني : هَاي هَاي تبكي ، ياعبد الله ، ما فعل
جماهير العرب التي كانت تأتي هذا الباب ؟ ثم بكى الكثير ، ثم قال : كأني
بهذه السِّكَّة لا يدخلها أحدٌ منكم ، فإني لا أسمع وقد ضعُف البصر ، وحان
الرحيل ، وانقضى الأجل ، فما كان إلا بعد شهر أو أقلّ منه حتى كُفَّ
بصُرُهُ ، وانقطعت الرحلة ، وانصرف الغرباء )).
١٣١ - الإِمام الحافظ القدوة أبو الحسن علي بن إبراهيم القزويني القطَّان:
قال الذهبي : جمع وصنَّف ، وتفنَّن في العلوم ، وثابر على القرب .
قال عنه جماعة من شيوخ قزوين : لم ير أبو الحسن رحمه الله مثل
نفسه في الفضل والزهد . أدام الصيام ثلاثين سنة ، وكان يُفطر على الخبز
والملح ، وفضائله أكثر من أن تُعَدَّ .
قال القطَّان رحمه الله: كنتُ حين رحلتُ أحفظ مائة ألف حديث(٢).
١٣٢ - الخُتُلي: الإِمام الحافظ أبو عبد الله عبد الرحمن بن أحمد البغدادي
ابن الختلي :
قال الخطيب : كان يحفظ خمسين ألف حديث ، ويُملي من حفظه .
قال أبو القاسم التنوخي: ((حدَّثني أبي، قال: دخل إلينا أبو عبد الله
(١) أي يُوسعون له الطريق.
(٢) وقال رحمه الله : أُصِبتُ ببصري! وأظنّ أني ◌ُوقبتُ بكثرة بكاء أمي أيام فُراقي
لها في الرحلة في طلب الحديث والعلم .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
٣٤٥
الخُتُّلي إلى البصرة ، وهو صاحبُ حديثٍ ، جَلْدٌ ، مشهورٌ بالحفظ ، فجاء
وليس معه شيء من كُتُبِه ، فحدَّث شهورًا إلى أن لحقتْه كتُبُه، فسمعتُه
يقول: حدَّثتُ بخمسين ألف حديث من حفظي إلى أن لحقتْنِي كُتُبي)) (١).
١٣٣ - ابن زياد النيسابوري الإمام الحافظ أبو بكر ، عبد الله بن محمد
ابن زياد الحافظ الشافعي :
قال الذهبي : تفقَّه بالمزني ، والربيع ، وابن عبد الحكم ، وسمع منهم ،
ومن محمد بن يحيى الذُّهلي ، ويونس بن عبد الأعلى ، وخلق كثير ، وبرع
في العِلْمَيْن : الحديث والفقه ، وفاق الأقران .
قال الحاكم : كان إمام الشافعيين في عصره بالعراق ، ومن أحفظ الناس
للفقهيَّات ، واختلاف الصحابة .
قال الدارقطني : ما رأيتُ أحدًا أحفظ من أبي بكر النيسابوري .
وقال أيضًا عنه: لم نَرَ مثله في مشايخنا، لم نَرَ أحفظَ منه للأسانيد
والمتون ، وكان أفقه المشايخ ، وجالَسَ الربيع والمزني ، وكان يعرف زيادات
الألفاظ في المتون . ولما قعد للتخديث ، قالوا : حدِّث، قال : بلْ سَلُوا،
فسُئل عن أحاديث ، فأجاب فيها ، وأملاها ، ثم بعد ذلك ابتدأ فحدَّث .
قال أبو الفتح يوسف القوَّاس: ((سمعتُ أبا بكر النيسابوريَّ يقول :
تعرفُ مَنْ أقام أربعين سنة لم ينم الليل ، ويتقوَّت كلّ يوم بخمس حبَّات ،
ويُصلِّي صلاة الغداة على طهارة عشاء الآخرة ؟ ثم قال : أنا هو ، وهذا
كلُّه قبل أن أعرف أُمَّ عبد الرحمن ، أيش أقول لمن زوَّجني ؟ ثم قال : ما
أراد إلا الخير))(٢).
(١) تاريخ بغداد ٢٩٠/١٠ - ٢٩١.
تايخ بغداد ١٢٢/١٠، وتذكرة الحفاظ ٣ / ٨١٩ .
(٢)
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٤٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
قال أبو عبد الله بن بطة: ((كنا نحضر في مجلس أبي بكر النيسابوري؛
لنسمع منه الزيادات ، وكان يُحَرَزُ أن في المجلس ثلاثين ألف محبرة ،
ومضى على هذا مُدَّة يسيرة ، ثم حضرنا مجلس أبي بكر النجَّاد ، وكان
يُحرز أن في مجلسه عشرة آلاف محبرة، فتعجّب الناس من ذلك، وقالوا:
في هذه المُدَّة ذهب ثُلُنا الناس))(١) .
١٣٤ - الكَجِّي، الحافظ المُعمِّر، أبو مسلم، إبراهيم بن عبد الله الكَجِّي
((صاحب السنن)):
قال الذهبي والخطيب: (( قدم بغداد ، وازدحموا عليه ، فقال أحمد
ابن جعفر الخُتُلي : لما قدم علينا أبو مسلم الكَجِّي ؛ أملى علينا في رحبة
غسّان ، وكان في مجلسه سبعة مُستملين ، يُبلِّغ كل واحد منهم صاحبه الذي
يليه ، وكتب الناس عنه قيامًا ، ثم مُسِحت الرحبة ، وحُسِب من حضره
بمحبرة؛ فبلغ ذلك نيِّفًا وأربعين ألف محبرة سوى النظارة))(٢) .
قال الذهبي : ((إسنادها صحيح .. يرحم الله العِلْمَ وأهْلَه .. قد كان
في مجلس يزيد بن هارون شيخ أحمد سبعون ألفًا))(٢).
((عن فاروق الخطابي ، قال: لما فرغنا من السُّنَن على الكَجِّي ؛ عَمِل
لنا مأذبة ، أنفق عليها ألف دينار. وقيل: إنه لما حدَّث ، تصدَّق بعشرة
آلاف درهم شكرًا لله))(٤) .
٠
(١) ما كان بين وفاتيهما إلا (٢٤) سنة. المنتظم لابن الجوزي ٢٨٦/٦، وتذكرة
الحفاظ ٨١٩/٣ .
(٢) تاريخ بغداد ١٢١/٦ - ١٢٢، وسير أعلام النبلاء ٤٢٤/١٣.
(٣) تذكرة الحفاظ ترجمة يزيد بن هارون ١ / ٣١٨ .
(٤) سير أعلام النبلاء ٤٢٥/١٣.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في غلوّ الهمة - المجلد الأول
٣٤٧
١٣٥ - محمد بن رافع النيسابوري ، الإِمام أبو عبد الله القشيري :
سمع ما لا يُوصف كثرةً ، وجمع وصنَّف .
قال فيه الحاكم في ((تاريخه)): شيخ عصره بخراسان في الصدق والرحلة.
حدَّث عنه البخاري ومسلم . وُنِي بالسُّنَن علمًا وعملًا وعُمِّر ، وارتحل
الناس إليه .
قال جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ : ما رأيتُ من المُحدِّثين أهيبَ
من محمد بن رافع ، كان يستند إلى الشجرة الصّنوبر في داره ، فيجلس
العلماء بين يديه على مراتبهم ، وأولاد الظاهرية ومعهم الخدم ، كأنَّ على
رؤوسهم الطير، فيأخذ الكتاب، ويقرأ بنفسه، ولا ينطق أحدٌ، ولا يتبسَّم؛
إجلالًا له ، وإذا تبسَّم واحد أو راطن صاحبه ؛ قال : وصلَّى الله على محمد ،
ويأخذ الكتاب ، فلا يقدر أحد يُراجعه أو يُشير بيده .
((قال زكريا بن دَلَّوَيْه : بعث طاهر بن عبد الله إلى ابن رافع بخمسة
آلاف درهم مع رسولٍ ، فدخل عليه بعد العصر ، وهو يأكل الخبز مع
الفجل ، فوضع الكيس ، فقال : بعث الأمير إليك بهذا المال . فقال : خذّ
خذّ ، لا أحتاج إليه ، فإنَّ الشمس قد بلغت رأس الحيطان ، إنما تغرب بعد
ساعة ، وقد جاوزت الثمانين ، إلى متى أعيش ؟ وردَّه . قال : فدخل ابنُه ،
وقال: ياأبهْ، ليس لنا الليلة خُبْزٌ. قال: فبعث ببعض أصحابه خلْفَ الرسول
ليُرُدَّ المال إلى طاهر ؛ فزعًا من ابنه أن يذهب خلفه ، فيأخذ المال .
قال زكريا : ربما كان يخرج إلينا محمد بن رافع في الشتاء وقد لبس
لحافه)) (١) .
١٣٦ - ابن الأخرم، مُقرىء دمشق، أبو الحسن، محمد بن النضر الدمشقي:
كانت له حلقة عظيمة بجامع دمشق ، يقرءون عليه من بعد الفجر
(١) الوافي بالوفيات ٦٨/٣، وسير أعلام النبلاء ٢١٦/١٢ - ٢١٧.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
٣٤٨
إلى الظهر .
((قال علي بن داود الداراني : قدم ابن الأخرم بغداد ، فأمر ابن
مجاهد تلامذته أن يختلفوا إلى ابن الأخرم .
قال محمد بن علي السُّلَمي : قمتُ ليلة سَحَرًا لآخذ النوبة على ابن
الأخرم ؛ فوجدتُ قد سبقني ثلاثون قارئًا ، وقال : لم تُدركّني النوبة إلى
العصر)) (١) .
١٣٧ - مُحدِّث الشام الإِمام أبو الحسن ، خيثمة بن سليمان الأطرابلسي
مُصنّف ((فضائل الصحابة )):
كان رخَّالًا جَوَّالًا ، صاحب حديث .
قال الخطيب : خيثمة ثقةٌ ثقةٌ ، قد جمع فضائل الصحابة .
قال رحمه الله مُبِيِّنَا نَصَبَهُ في تحصيل العلم، وعُلُوَّ هِمَّتِه ، وصبْرَهُ :
(( ركبتُ البحر ، وقصدتُ جَبَلة؛ لأسمع من يوسف بن بحر ، ثم
خرجتُ إلى أنطاكية ، فلقِيَنا مركبٌ - يعني للعدو - فقاتلناهم ، ثم سلّم
مركَبَنا قومٌ من مقدّمه ، قال : فأخذوني ، ثم ضربوني ، وكتبوا أسماءنا ،
فقالوا : ما اسمك ؟ قلتُ : خيثمة ، فقالوا : اكتب : حمار بن حمار ، ولما
ضُربت سَكِرتُ(٢) ونمتُ ، فرأيتُ كأني أنظر إلى الجنة ، وعلى بابها جماعةٌ
من الحور العين ، فقالت إحداهن : ياشقّ ، أيش فاتك ؟ فقالت أخرى :
أيش فاته ؟ قالت : لو قُتِل لكان في الجنة مع الحور ؛ قالت لها : لَأَنْ يرزُقَه
الله الشهادةَ في عزّ من الإِسلام وذُلِّ من الشرك خيرٌ له . ثم انتبهتُ ، قال :
ورأيتُ كأن من يقول لي: اقرأ (براءة)، فقرأت إلى ﴿فسيحوا في الأرض
(١) غاية النهاية ٢٧٠/٢ - ٢٧١، وسير أعلام النبلاء ٥٦٤/١٥ - ٥٦٥.
(٢) أي غشي عليه.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٣٤٩
أربعة أشهر .. ) الآية [ التوبة: ٢] . قال : فعددتُ من ليلة الرؤيا أربعة
أشهر ؛ ففكّ الله أسْري)) (١).
كم تحمَّلوا من أجل العلم .. وقعوا في الأسر .. ويُقال لسيِّد من سادات
المسلمين : أنت حمار بن حمار .. ما ضَرّهم ما أصابهم !!
((قال أبو عبد الله بن مَنْدَه: كتبتُ عن خيثمة بأطرابلس ألف جزء))(١).
١٣٨ - ابن الكوفي ، علي بن محمد الأسدي النحوي الكوفي ، من
أصحاب ثعلب :
((راوية، جمَّاعة للكتب، صادقُ الرواية، مُنَقِّرٌ بحَاثٌ، من أصحاب
أبي العباس ثعلب . وكان أبوه من أهل ذوي اليسار من أهل الكوفة ، واشتغل
ولدُه هذا بطلب العلم من يومه ، ولمّا مات أبوه خلف له زائدًا عن خمسين
ألف دينارٍ، فصرفها كلّها في طلب العلم، وتحصيل الكتب؛ اشتراءً واستنساخًا
وكتابةً . وشغله طلبُهُ الفوائدَ عن التصنيف ، فلم يُرَ له إلا تصنيفٌ واحدٌ
في معاني الشِّعْر واختلاف العلماء في ذلك))(٢) .
١٣٩ - العسَّال ، القاضي أبو أحمد ، محمد بن أحمد الأصبهاني الحافظ
صاحب المؤلّفات :
قال الحاكم : كان أحد أئمة الحديث .
قال أبو سعيد النَّقاش : أخبرنا أبو أحمد العسَّال ، ولم نَرَ مثله في الحفظ
والإِتقان .
قال أبو أحمد رحمه الله : أحفظ في القرآن خمسين ألف حديث .
قال ابن منده: كتبتُ عن ألف شيخ؛ لم أرَ فيهم أتقنَ من أبي أحمد العسَّال.
(١) سير أعلام النبلاء ٤١٣/١٥ - ٤١٥، وتذكرة الحفاظ ٨٥٨/٣ - ٨٥٩.
(٢) ((إنباه الرواة على أنباه النحاة)) للقفطي ٢ / ٣٠٥.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٥٠
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
وقال ابن منده أيضًا : طُفتُ الدنيا مرتين ، فما رأيتُ مثل العسَّال .
(( لما مات أبو أحمد العسَّال وجلس بنوه للتعزية ؛ فدخل رجلان
في لباسِ سوادٍ ، وأخذا يولولان ويقولان : وإسْلاماه ، فَسُئِلا عن حالهما ،
فقالا : إنا وردنا من أغمات من المغرب ؛ لنا سنة ونصف في الطريق في
الرحلة إلى هذا الإِمام لنسمع منه ، فوافق ورودُنا وفاته ))(١) .
رحمة الله على الإِمام أبي أحمد .. ((روى في معجمه عن أربعمائة
شيخ .. وسمع بأصبهان، وهمذان، وبغداد، والكوفة، والبصرة، والحرمين ،
وواسط ، والريِّ، وخوزستان))(٢) .
١٤٠ - الإِمام الطبراني، أبو القاسم ، سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي
الشامي :
الحافظ، الرّحَّالة الجوَّال، مُحدِّث الإِسلام، علم المُعمِّرين، صاحب
المعاجم الثلاثة :
قال الذهبي في السير (١١٩/١٦ - ١٢٠): ((بقي في الارتحال
ولُقِي الرجال ستة عشر علمًا، وكتب عمَّن أقبل وأدبر ، وبرع في هذا
الشأن ، وجمع وصنَّف، وعُمِّر دهرًا طويلًا، وازدحم عليه المُحدثون ورحلوا
إليه من الأقطار .
سمع بالحرمين واليمن ، ومدائن الشام ، ومصر ، وبغداد ، والكوفة ،
والبصرة ، وأصبهان ، وخوزستان ، وغير ذلك ، ثم استوطن أصبهان ، وأقام
بها نحوًّا من ستين سنةً ينشر العلم ويُؤْلِّفُهُ )) .
انظر رحمك الله إلى عُلُوِّ هِمَّة الطبراني .. بعد رحلاته الطويلة .. ينشر
العلم ستين سنة !!
(١) سير أعلام النبلاء ١٠/١٦ - ١١.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٤/١٦.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٣٥١
قال أبو بكر بن أبي علي : سأل أبي أبا القاسم الطبراني عن كثرة
حديثه ، فقال : كنتُ أنام على البواري(١) ثلاثين سنة .
قال أبو نعيم : قدم الطبراني أصبهان سنة تسعين ومائتين ، ثم خرج ،
ثم قَدِمها ، فأقام بها مُحدِّثًا ستين سنة .
قال أبو أحمد العسَّال القاضي : إذا سمعتُ من الطبراني عشرين ألف
حديث ، وسمع منه أبو إسحاق ابن حمزة ثلاثين ألفًّا ، وسمع منه أبو الشيخ
أربعين ألفًا - كمُلنا .
قال الذهبي : هؤلاء كانوا شيوخ أصبهان مع الطبراني .
وانظر إلى لذَّة الطبراني : العلم .
قال أبو عبد الله بن حمدان وأبو الحسن المديني وغيرهما : سمعنا الطبراني
يقول: هذا الكتاب روحي، يعني (( المعجم الأوسط)).
قال الأستاذ ابن العميد : ما كنتُ أظنُّ أنَّ في الدنيا حلاوةً ألذَّ من
الرئاسة والوزارة التي أنا فيها ، حتى شاهدتُ مُذاكرة أبي القاسم الطبراني
وأبي بكر الجعَابي بحضرتي ، فكان الطبراني يغلب أبا بكر بكثرة حفظه ، وكان
أبو بكر يغلب بفطنته وذكائه ، حتى ارتفعتْ أصواتُهما ، ولا يكاد أحدهما
يغلب صاحبه ، فقال الجعابي : عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي ، فقال :
هاتٍ ، فقال: حدَّثنا أبو خليفة الجُمَحي ، حدَّثنا سليمان بن أيوب ،
وحَدَّث بحديثٍ ، فقال الطبراني : أخبرنا سليمان بن أيوب ، ومني سمعه أبو
خليفة ، فاسمعْ مني حتى يعلو فيه إسنادك ، فخجل الجعابي ، فوددتُ أن
الوزارة لم تكن ، وكنت أنا الطبراني ، وفرحت كفرحه ، أو كما قال .
(١) البواري : الحصير المنسوج .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٥٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
١٤١ - المُزَكِّي، الإِمام المُحدِّث القدوة ، أبو إسحاق ، إبراهيم بن
محمد النيسابوري :
قال الحاكم: أملى عدة سنين، وكنا نعدُّ في مجلسه أربعة عشر مُحدِّثا؛
منهم أبو العباس الأصمَّ ، ومحمد بن يعقوب بن الأخرم .
(( قال الخطيبُ: كان ثقةً ، ثبتًا ، مُكْثِرًا، مواصلًا للحج . انتخب عليه
ببغداد أبو الحسن الدارقطني ، وكتب عنه الناس بانتخابه علمًا كثيرًا. وروى
ببغداد مُصنَّفات أبي العباس السَّراج ، مثل كتاب التاريخ ، وكتاب الإِخوة
والأخوات ، وغيرهما من كُتُبِه ، وروى أيضًا تاريخ البخاري الكبير ، وعدَّةً
من كتب مسلم بن الحجاج )) .
((قال المُزَكِّي: أنفقتُ على الحديث بدرًا من الدنانير، وقدمتُ بغداد في
سنة ست عشرة لأسمع من ابن صاعد ومعي خمسون ألف درهم بضاعة، ورجعتُ
إلى نيسابور ومعي أقلّ من ثلثها! أنفقتُ ما ذهب منها على أصحاب الحديث)).
((قال محمد بن عبد الله الحافظ : كان إبراهيم بن محمد بن يحيى المُزَكِّي
من العُبَّاد المجتهدين الحجّاجين المُنفقين على العلماء والمستورين))(١).
١٤٢ - غندر الإِمام الحافظ ، أبو بكر محمد بن جعفر الورَّاق :
قال الحاكم : أقام سنين عندنا يُفيدنا ، ثم دخل إلى أرض الترك ،
وكتب ما لا يُوصف كثرةً ، ثم استُدعي من مرو إلى الحضْرة ببخارى
لُيُحدِّث بها ، فأدركه الأجل في المفازة .
١٤٣ - الإِمام الرحَّال ، ابن حرارة ، أبو الحسن ، محمد بن أحمد بن
أسد الأسدي البردعي :
قال الخليلي: (( يُعرف أبوه بحرارة . قال: وقد روى من حفظه زيادةً على
(١) تاريخ بغداد ٦ / ١٦٨ - ١٦٩ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
٣٥٣
ثلاثين ألف حديث بقزوين والري ، وما كان معه ورقة ، وفي أماليه غرائب
وكلام يُستفاد))(١) .
١٤٤ - أبو الشيخ، الإِمام أبو محمد، عبد الله بن محمد بن جعفر مُحدِّث
أصبهان :
((قال أبو نعيم : كان أحد الأعلام ، صنَّف الأحكام والتفسير ، وكان
يُفيد عن الشيوخ ، ويُصنِّفُ لهم ستين سنة .
قال أبو موسى المديني : مع ما ذُكر من عبادته ؛ كان يكتب كل يوم
دستجةَ كاغَد ؛ لأنه كان يُورِّق ويُصنِّف، وعرض كتابَه ((ثواب الأعمال))
على الطبراني ، فاستحسنه . ويُروى عنه أنه قال : ما عملتُ فيه حديثًا إلا
بعد أن استعملتُه .
قال الذهبي : قد كان أبو الشيخ من العلماء العاملين ، صاحب سنة
واتباع ))(٢).
(٢)
١٤٥ - الماسَرْجسي ، الحافظ الكبير الجوَّال أبو علي ، الحسين بن محمد
ابن أحمد النيسابوري :
((كتب العالي والنازل، وخَّج على الصحيحين مُستخرجًا حافلًا ،
وعمل ((المسند الكبير)) في نحو من وقر (٣) بعير .
قال أبو عبد الله الحاكم في ((تاريخه)): صنَّف ((المسند الكبير)) في
ألف جزء وثلاثمائة جزء ؛ يعني مهَذَّبًا مُعلَّلًا . قال: وجمع حديث الزهري
جمعًا لم يسبقه إليه أحد ، فكان يحفظه مثل الماء ، وصنَّف المغازي والقبائل
(١) سير أعلام النبلاء ٢٣٣/١٦ - ٢٣٤.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢٧٧/١٦ - ٢٧٩.
(٣) الوقر : الحمل الثقيل .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٥٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
والمشايخ والأبواب .
وقال الحاكم في موضع آخر : صنَّف أبو علي حديث الزهري ،
فزاد على محمد بن يحيى الذّهلي .
قال الحاكم : وعلى التخمين يكون مسنده بخطِّ الورَّاقين في أكثر
من ثلاثة آلاف جزء .
قال الذهبي : قلتُ : يجيء في مائة وخمسين مُجلدًا .
قال : فعندي أنه لم يُصنَّف في الإِسلام مسند أكبر منه ، وعقد أبو محمد
ابن زياد مجلسًا عليه لقراءته. قال: وكان مُسند أبي بكر الصدِّيق بخطّه في
بضعة عشر جزءًا بِعلَلِه وشواهده، فكتبه النُّسَّاخ في نّيِّفٍ وستين جزءًا))(١).
١٤٦ - الحافظ ابن المُقرِىء، مُسِندُ الوقت، أبو بكر، محمد بن إبراهيم
الأصبهاني صاحب ((المعجم)) والرحلة الواسعة :
((قال أبو نعيم: مُحدِّثٌ كبير ، ثقةٌ ، صاحب مسانيد ، سمع ما لا
يُحصى كثرةً .
قال ابن المقرىء رحمه الله : طفتُ الشرق والغرب أربع مرات .
وقال : مشيتُ بسبب نسخة مفضّل بن فضالة سبعين مرحلة ، ولو
عُرضت على خبَّاز برغيف لم يقبلها .
وقال رحمه الله : دخلتُ بيت المقدس عشر مرات، وحججتُ أربع
حجَّات))(٢) .
١٤٧ - الشيخ الإِمام القدوة ، ابن خفيف ، شيخ الصوفية :
تفقَّه على أبي العباس بن سريج ، مُتمسِّكٌ بالكتاب والسنة .
(١) سير أعلام النبلاء ٢٨٧/١٦ - ٢٨٩.
(٢) تذكرة الحفاظ ٣ / ٩٧٣، وسير أعلام النبلاء ٤٠٠/١٦.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٣٥٥
قال أبو العباس الفسوي : صنّف شيخنا ابن خفيف من الكتب ما لم
يُصنِّفْه أحد، وانتفع به جماعة صاروا أئمة يُقتدى بهم، وعُمِّرَ حتى عمَّ نفعُهُ
البلدان .
قال ابن خفيف رحمه الله: ((اشتغِلوا بتعلُّم شيء، ولا يغرنَّكم كلام
الصوفية ، فإني كنتُ أُخِّىء مِحْبرتي في جيب مَرْقعي ، والورق في حجزة
سراويلي ، وأذهب في الخُفية إلى أهل العلم ، فإذا علموا بي ؛ خاصموني ،
وقالوا : لا يُفلح ، ثم احتاجوا إلَي))(١) .
قال الذهبي: (( قد كان هذا الشيخ قد جمع بين العلم والعمل ، وعُلُوِّ
السَّنَد ، والتمسُّك بالسُّنن، ومُتِّع بطول العمر في الطاعة ، وانتقل إلى الله تعالى
في ليلة الثالث من شهر رمضان ، وازدحم الخلق على سريره ، وكان أمرًا
عجيبًا. وقيل: إنهم صلَّوا عليه نحوًا من مائة مرة))(٢) .
انظرْ وتعجَّبْ من سِيَرِ الصالحين وشغفهم بالعلم .. وهناك ما هو أعجب
من قول ابن خفيف السابق ، فما كان يشغله شيء إلا أن يكتب العلم .
وقد كان من أولاد الأمراء .. فما شغلتْه الدنيا عن طلب العلم .. وهو
الذي زهد في الدنيا .. وتفرّغ للعلم والعمل .
قال ابن خفيف: (( نُهبتُ في البادية ، وجعتُ حتى سقطتْ لي ثمانية أسنان ،
وانتثر شَعْري ، ثمّ وقعت إلى فَيْد ، وأقمتُ بها حتى تماثلتُ ، وحججتُ ، ثم مضيتُ
إلى بيت المقدس ، ودخلتُ الشام ، فنمتُ إلى جانب دكَّان صبّاغ ، وبات معي في
المسجد رجلٌ به قيام، فكان يخرج ويدخل ، فلمَّا أصبحْنا صَاحَ الناسُ ، وقالوا :
نُقِبَ دَكَّان الصَّاغ وسُرقت ، فدخلوا المسجد ورأونا ، فقال المبطون : لا أدري ،
غير أن هذا كان طول الليل يدخل ويخرج ، وما خرجتُ إلا مرَّةً تطهَّرتُ ،
(١) تبيين كذب المفتري لابن عساكر صـ ١٩١، وسير أعلام النبلاء ١٦ / ٣٤٦.
(٢) سير أعلام النبلاء ٣٤٦/١٦، ٣٤٧.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٥٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
فجّرَّوني وضربوني، وقالوا: تكلّمْ، فاعتقدتُ التسليم، فاغتاظوا من سكوتي،
فحملوني إلى دُكّان الصبَّاغ، وكان أثرُ رِجْل اللِّص في الرماد ، فقالوا :
ضعْ رِجْلَك فيه ، فكان على قدر رجلي ، فزادهم غيظًا، وجاء الأمير ،
ونُصبت القِدْرُ ، وفيها الزيتُ يُغلى ، وأُحضرت السكين ، ومَنْ يقطع ،
فرجعت إلى نفسي ، وإذا هي ساكنةٌ ، فقلتُ : إنْ أرادوا قطْع يدي سألتُهم
أن يعفو عن يميني لأكتب بها ، وبقي الأمير يُهدِّدُني ويصول ، فنظرتُ
إليه فعرفتُه ، كان مملوكًا لأبي ، فكلَّمني بالعربية وكلَّمتُه بالفارسية ، فنظر
إِلَّي ، وقال : أبو الحسين ! وبها كنتُ أُكنى في صباي ، فضحكت ، فأخذ
يلطم برأسه ووجهه ، واشتغل الناس به ، فإذا بضجَّة ، وأنَّ اللصوص قد
أخذوا ، فذهبتُ والناس ورائي وأنا مُلطٌّ بالدماء ، جائع لي أيام لم آكل ،
فرأتني عجوز فقيرة ، فقالت : ادخل ، فدخلتُ ، ولم يرني الناس ،
وغسلتُ وجهي ويدي ، فإذا الأمير قد أقبل يطلبُني ، فدخل ومعه جماعة ،
وجّ من منطقته سكينًا ، وحلف بالله إنْ أمسكني أحدٌ لأقتلنَّ نفسي ،
وضرب بيده رأسه ووجهه مائة صفعة ، حتى منعتُه أنا ، ثم اعتذر ، وجهد
بي أن أقبل شيئًا، فأَبْتُ ، وهربتُ ليومي)) (١).
فالشيء الذي كان يشغله فقط هو الخوف من قطع يمينه التي يكتب
بها الحديث والعلم !!
١٤٨ - الحافظ المُجوِّد ، ابن المُظفَّر البغدادي :
تقدَّم في معرفة الرجال، وجمع وصنَّف، وعُمِّرَ دهرًا، وأكثرَ الحفّاظُ عنه.
قال الخطيب: ((كان ابن المُظفَّر فَهِمَّا، حافظًا، صادقًا، مُكثّرًا))(٢).
سير اعلام النبلاء ٣٤٣/١٦ - ٣٤٤ .
(١)
(٢)
تاريخ بغداد ٣ / ٢٦٣ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٥٧
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الأول
(( قال ابن أبي الفوارس : سألتُ ابن المُظفَّر عن حديث عن الباغندي ،
عن ابن زيد المنادي ، عن عمرو بن عاصم ، عن شعبة ، فقال : ليس هو
عندي ، قلتُ : لعله عندك ؟ قال : لو كان عندي كنتُ أحفظُه ، وعندي
عن الباغندي مائة ألف حديث ، ليس عندي هذا ))(١) .
١٤٩ - الشيخ الصدوق شيخ العراق ، ابن شاهين ، صاحب التفسير
الكبير :
قال عنه أبو الفتح بن أبي الفوارس : صنَّف ما لم يُصنَّفْه أحد .
قال عنه الذهبي : صنَّف ثلاثمائة مُصنَّف ؛ أحدها التفسير : ألف
جزء، والمُسنَد: ألف وثلاثمائة جزء، و((التاريخ)): مائة وخمسين جزءًا،
و((الزهد)»: مائة جزء .
(( قال ابن شاهين رحمه الله : حسبتُ ما اشتريتُ به الحِبْرَ إلى هذا
الوقت ، فكان سبعمائة درهم )) .
((قال الداوودي: وكنا نشتري الحِبْرَ أربعة أرطال بدرهم . قال
الداوودي: وكتب أبو حفص بعد ذلك زمانًا))(٢) .
١٥٠ - الحافظ ابن حبَّان، الإِمام العلامة أبو حاتم، محمد بن حبَّان
البستي، صاحب ((صحيح ابن حبان))، المُسمَّى ((الأنواع والتقاسيم)):
ولي قضاء سمرقند ، وكان من فقهاء الدين وحفّاظ الآثار ، وكان من
عقلاء الرجال ، ومن أوعية العلم في الفقه والحديث واللغة والوعظ ، عاد
من رحلته الطويلة إلى بلده ((بست)) سنة ( ٣٤٠ هـ )، واستقرّ فيها،
وصنَّف ما يُقارب ستين كتابًا ، وكانت الرحلة إليه لسماع كتبه .
((قال ابن حبَّان في أثناء كتابه ((الأنواع)): لعلنا قد كتبنا عن أكثر
(١) سير أعلام النبلاء ١٦ / ٤١٩ .
(٢) تاريخ بغداد ١١ / ٢٦٧، وسير أعلام النبلاء ١٦ / ٤٣٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٥٨
صلاح الأمة في غلوّ الهمة - المجلد الأول
من ألفي شيخ )) .
قلتُ - أي الذهبي -: (( كذا فلتكن الهِمَم ، هذا مع ما كان عليه
من الفقه والعربية والفضائل الباهرة وكثرة التصانيف ))(١).
سافر بين الشاش والإِسكندرية، وأدرك الأئمة والعلماء والأسانيد العالية،
وأخذ فقه الحديث والغوص على معانيه عن إمام الأئمة أبي بكر ابن خزيمة
ولازمه وتلمذ له ، وصارت تصانيفه عُدَّةً لأصحاب الحديث .
وهكذا كان تحصيل العلم من راغبيه قديمًا ؛ طوافٌ في البلدان ،
ونَصَبٌّ للأبدان ، وكَسَبٌ للزمان ، لا راحة ولا استرخاء ، ولا تمنعهم
الصعوبات من لقاء العلماء ، وأمانيهم في تحصيل العلم وخدمة الدين تحدوهم
للمزيد ، وتُنسيهم كلَّ ما يلقونه من تعبٍ وعناء .
١٥١ - الحافظ جعفر بن دُرُسْتُويَه الفسوي :
تلميذ الإِمام علي بن المديني البصري إمام المحدِّثين .
ساق هذا الحافظ خبرًا عجيبًا في التزاحم على العلم والتسابق إلى
تحصيله؛ من أعجب الأخبار، ولكنه ليس فريدًا وحيدًا؛ بل له أمثال كثيرة:
((عن جعفر بن درستويه قال : كنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن
المديني وقت العصر اليوم لمجلس غدٍ ، فنقعد طوال الليل ؛ مخافةً ألا نلحق
من الغد موضعًا نسمع فيه ، فرأيتُ شيخًا في المجلس يبول في طيلسانَ ويُدرج
الطيلسان ؛ مخافة أن يُؤخذ مكانه إن قام للبول)) (٢).
يفعل هذا كبار العلماء ممن يلبس الطيلسان .. فأثّ حرصٍ على العلم
بعد هذا !! .
(١) سير أعلام النبلاء ١٦ / ٩٤ .
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي ٢ / ١٣٨، الآداب
الشرعية لابن مُفلح ٢ / ١٤٨ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٣٥٩
١٥٢ - شيخ القُرَّاء ، الإِمام أبو الحسن الداراني القطّان الدمشقي ، علي
ابن داود :
إمام جامع دمشق ومُقرؤه والمُحدث فيه . قرأ بالروايات على طائفة
من كبار القُرَّاء ، وتلقّاها الناس عنه .
قال تلميذه رشأ بن لطيف المعرّي الدمشقي : لم ألق مثله حذقًا
وإتقانًا في رواية ابن عامر .
قال الحافظ ابن عساكر: ((سمعتُ ابن الأكفاني يحكي عن بعض مشايخه
أن أبا الحسن بن داود كان إمامَ ( داريّا ) ، فمات إمامُ جامع دمشق ، فخرج
أهل البلد إلى ( داريّا) ليأتوا به ، فلبس أهل ( داريّا ) السلاح وقالوا :
لا تُمكِّنُكم من أخذ إمامنا ، فقال أبو محمد عبد الرحمن بن نصر : ياأهل
( داريّا ) ، ألا ترضون أن يُسمع في البلاد أن أهل دمشق احتاجوا إليكم
في إمام ؟ فقالوا: قد رضينا. فقُدِّمت له بغلة القاضي، فأبى، وركب حماره ،
ودخل معهم ، فسكن في المنارة الشرقية - أي من جامع دمشق - وكان
يُقرىء بشرقي الرواقي الأوسط ، ولا يأخذ على الإِمامة رزقًا ، ولا يقبل ممن
يقرأ عليه بًّا، ويقتات من غلَّة أرض له بداريًا، ويحمل ما يكفيه من الحنطة ،
ويخرج بنفسه إلى الطاحون فيطحنه ، ثم يعجنه ويخبزه ، وانتهت إليه الرئاسة
في قراءة الشاميين ، ومضى على سدادٍ، رحمه الله تعالى))(١) .
أولئك الناسُ إنْ عُدُّوا وإِن ذُكِرُوا ومَنْ سواهم فلغوٌ غيرُ معدود
١٥٣ - الحافظ أبو نصر السِّجْزِي :
((هو الحافظ الإِمام عَلَمُ السنة عُبيد الله بن سعيد بن حاتم أبو نصر
السجزي، من أحفظ أهل زمانه للحديث، طوَّف الآفاق في طلب الحديث.
(١) ((معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار)) للحافظ الذهبي ١ / ٢٩٤.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٦٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
قال الحافظ أبو إسحاق الحبَّل : كنتُ يومًا عند أبي نصر السجزي ؛
فدُقَّ الباب، فقمتُ ففتحتُه، فدخلت امرأة وأخرجتْ كيسًا فيه ألف دينار،
فوضعته بين يدي الشيخ وقالت : أنفقْها كما ترى ، قال : ما المقصود ؟
قالت : تتزوَّجني ، ولا حاجة لي في الزواج ، ولكن لأخدمك ، فأمرها
بأخذ الكيس وأن تنصرف ، فلما انصرفتْ ؛ قال : خرجتُ من سجستان
بنيّة طلب العلم ، ومتى تزوَّجتُ سقط عني هذا الاسم ، وما أُوثر على ثواب
طلب العلم شيئًا))(١) .
١٥٤، ١٥٥ - أبو جندل القرطبي ، وأبو علي القالي :
جاء في ترجمة أبي جندل القرطبي : أبي نصر هارون بن موسى بن
صالح بن جندل القيسي الأديب النحوي القرطبي :
(( قال أبو نصر هارون بن موسى : كنا نختلف إلى أبي علي - القالي -
البغدادي رحمه الله وقت إملائه النوادر بجامع الزهراء في قرطبة ونحن في فصل
الربيع ، فبينما أنا ذات يوم في بعض الطريق إذْ أخذتني سحابة ، فما وصلتُ
إلى مجلسه رحمه الله إلا وقد ابتلَّت ثيابي كلها ، وحوالي أبي علي أعلامُ أهل
قرطبة ، فأمرني بالدُّنُوِّ منه ، وقال لي : مهلاً ياأبا نصر ، لا تأسف على ما
عرض لك ، فذا شيء يضمحلّ عنك بسرعة بثياب غيرها تُبدلها . وقال أبو
علي : قد عرض لي ما أبقى بجسمي ندوبًا تدخل معي القبر ، ثم قال : أنا
كنتُ أُختلف إلى ابن مجاهد رحمه الله ، فأدلجتُ إليه - أي ذهبتُ إليه من
آخر الليل قبل الفجر - لأتقرّب منه ، فلما انتهيتُ إلى الدرب الذي كنت
أخرج منه إلى مجلسه ؛ ألفيتُه مُغلقًا، وعسِر علَّ فتْحُه ، فقلتُ : سبحان
الله! أُبِكِّرُ هذا البكور وأُغْلبُ على القرب منه ، فنظرتُ إلى سربٍ حفر
تحت الأرض ، بجنب الدار ، فاقتحمتُه ، فلما توسَّطتُه ضاق بي ، ولم أقدر
(١) تذكرة الحفاظ للذهبي ٣ / ١١١٩.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
.