Indexed OCR Text

Pages 41-60

يخرجْ ثلاثةَ أيام ولياليَهنَّ.
قال: فخرج علينا في اليوم الثالث في ذلك
الوقت، يعني بين الظهر والعصر، وقد انتفخَ
وَجْهُه ويداه ورجلاه، وهو مِسْقَامُ(١)، فجلسَ،
قال: فلم يكنْ بأسرعَ مِنْ أنْ جاء الشيخ، فسلّم
وجلسَ، فقال: حاجتي !.
فقال الشافعيُّ: نعم، أعوذُ بالله من الشيطان
الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله عز
وجل: ﴿ومَنْ يُشَاقِقِ الرسولَ مِنْ بعدٍ ما تبيَّن له
الهُدَى وَيَتَّبَعْ غيرَ سَبيلِ المؤمنينَ نُوَلِّه ما تَوَلَّى
وَنُصْلِهِ جهنّمَ وَسَاءَتْ مَصيراً﴾: لا يُصْلِيه على
خلافِ المؤمنين إلا وهو فرضٌ.
فقال: صدقتَ، وقام وذهب.
قال المُزَنيُّ - أو الربيع -: قال الشافعي: لما
(١) ممتلىء سَقَماً ومَرَضاً.
٤١

ذهب الرجل قرأتُ القرآنَ في كلِّ يومٍ وليلةٍ
ثلاثَ مراتٍ حتى وَقَفْتُ عليهِ(١).
(١) من ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٢: ٢٤٣ للسبكي، ترجمة
محمد بن عُقَيل الفِرْيابي. وقال آخر القصة: ((سند هذه
الحكاية صحيح لا غبار عليه)).
٤٢

من أخبار العلم والعلماء
٣
أثر اللقمة الحلال وسواها
كان الإمام أبو محمد الجُوَيني قد اكتسب من
عمل يده مالاً خالصاً من الشُّبهة، تزوَّجَ به،
فلما وُلد له - ولَده الذي عُرِف فيما بعد بإمام
الحرمين - حَرَص على أن لا يُطْعمَه ما فيه
شُبْهة، فلم يمازج باطنَه إلا الحلالُ الخالصُ.
حتى يُحكى أن - إمام الحرمين - تلجْلج(١) مرةً
في مجلسِ مناظرةٍ، فقيل له:
(١) تلجلج: تردد في الكلام.
٤٣

يا إمام ما هذا الذي لم يُعْهَد منك؟ ! .
فقال: ما أَراها إلا آثارُ بقايا المَصَّة .
قيل وما نَبَأُ هذه المصَّة؟.
قال: إنَّ أَمي اشْتَغَلَتْ في طعامٍ تَطْبُخُه
لأبي، وأنا رضيعٌ، فبكيتُ، وكان عندنا جاريةٌ
مُرْضعةٌ لجيراننا، فأَرْضَعَتْنِي مَصَّة أو مَصَّتين،
ودخل والدي فأنكرَ ذلك وقال:
هذه الجارية ليست مِلْكاً لنا، وليس لها أن
تتصرَّف في لَبَنها، وأصحابُها لم يأذنوا في
ذلك ! .
وقَلَبني وفوَّعَنِي(١) حتى لم يَدَعْ في باطني
شيئاً إلا أخرجه، وهذه اللَّجْلَجة من بقايا تلك
الآثار(٢).
(١) هكذا في المصدر المنقول عنه، ولم يتبين لي معناها،
ولعلها محرَّفة عن: فرَّغني، بقرينة تتمة الكلام.
(٢) من ((الطبقات الكبرى)) للسُبكي ٥: ١٦٨.
٤٤

من حُفّاظ الإسلام
الإمام البخاري
-١ -
قال حاشد بن إسماعيل: كان أبو عبد الله
محمدُ بنُ إسماعيلَ - البخاريُّ - يختلف معنا
إلى مشايخ البصرة - وهو غلامٌ - فلا يَكْتبُ،
حتى أَتَّى على ذلك أيامٌ، وكنا نقولُ له:
إنك تَخْتَلِف معنا ولا تكتبُ، فما معناك فيما
تصنع؟(١). فقال لنا بعد سِتَّةَ عَشَرَ يوماً:
إنكما قد أكثرتُما عليَّ وأَلْحَحْتُما، فاعْرِضا
عليَّ ما كتبتُما، فأخرجْنا ما كان عندنا، فزاد على
(١) تختلف معنا: تتردد معنا وتذهب إلى العلماء. ومعناك:
قَصْدُك.
٤٥

خمسةً عَشَرَ ألفَ حديثٍ، فقرأها كلَّها عن ظهر
قلب، حتى جَعَلْنا نُحْكِمُ كُتُبُنا على حفظه. ثم
قال :
أَتَرَوْنَ أَني أختلفُ هَدْراً(١) وأُضيِّعُ أيامي؟ !.
فعرفنا أنه لا يتقدَّمه أحد(٢).
(١) أتردد إلى علماء الحديث عَبَثاً وباطلاً.
(٢) من ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي ٢: ١٤ - ١٥.
٤٦

محاسبةُ الإِمام البخاري نفسَه
-٢ -
قال محمد بن أبي حاتم وَرَّاقُ البخاري:
رأيتُ البخاريَّ استلقَى، ونحن بِفِرَبْرَ في
تصنيفٍ كتاب التفسيرِ، وكانَ أَتعبَ نفسَه في
ذلك اليوم في التخريج، فقلت له: إني
سمعتُك تقول: ما أتيتُ شيئاً بغير علم، فما
الفائدةُ في الاستلقاء؟ .
قال: أتعبتُ نفسي اليومَ، وهذا ثَغْرٌ، خشيتُ
أن يَحْدُثَ حَدَثٌ من أمر العدوِّ، فأحببتُ أن
٤٧

أستريحَ وآخُذَ أُهْبَةً، فإنْ غافَصَنا العدوُّ كان بنا
حَرَاك(١).
(١) من ((مقدمة فتح الباري)) ٢: ٢٥٢. وغافصنا: فاجأَنا.
وفي القصة من الفوائد: محاسبةُ الإمام البخاري نفسَه على كلِّ
حركة وسكنة أن تكون بنيَّةٍ صالحة وعلى وَفْق العلم الشرعي،
ولاحِظْ كيف أن وَرَّاقَه يراقبه حتى أمسكَ عليه هذه الحركة
التي ظنَّ أن البخاري ليس له فيها قصد شرعي ونيةٌ صالحة،
فأمكن من نفسه، وتمكَّنَ من مؤاخذته! وإذا به لا يظفرُ بشيء
مما ظنَّ، وأن الإمام البخاريَّ فوق ذلك بكثير، فما يتحرك
حركةً إلا بنية له فيها عَظيمُ الأجر، حتى الاستلقاء !!
فرحمه الله ورضي عنه، ووفقنا للاقتداء به .
٤٨

الإمام البخاري
الرامي الماهر الورع
-٣ -
قال محمد بن أبي حاتم ورَّاق البخاري :
كان أبو عبدالله البخاري يركب إلى الرمي
كثيراً، فما أعلم أني رأيتُه في طولِ ما صحبته
أخطأَ سهمُه الهدفَ إلا مرتين، بل كان يصيب
في ذلك ولا يُسبَق.
وركبنا يوماً إلى الرمي، ونحن بفرَبْرَ،
فخرجنا إلى الدَّرب الذي يؤدِّي الفُرْضَةِ(١)،
(١) كأنه يريد فُرْضة نهر هناك؟ وفرضة النهر: طَرَفه وحَرْفه
المفتوح.
٤٩

فجعلنا نرمي، فأصاب سهمُ أبي عبد الله وَتَدَ(١)
القَنْطرة التي على النَّهَر، فانشقَّ الوَتِد، فلما
رأى ذلك نزل عن دابته فأخرج السهم من
الوتد، وترك الرميَ وقال لنا: ارجِعوا، فرجعْنا،
فقال لي: يا أبا جعفر لي إليك حاجة، وهو
يتنفَّسُ الصُّعَداء(٢). فقلت: نعم. قال: تذهب
إلى صاحبِ القنطرةِ فتقولُ: إنا أخللنا بالوتد،
فنحبُّ أن تأذنَ لِنا في إقامة بَدَلِه، أو تأخذَ ثمنَه
وتجعلَنا في حِلِّ مما كان منا. وكان صاحب
القنطرة حميد بن الأخضر.
أبا عبدالله - البخاري -
3
ء
فقال لي
(١) الوتَدِ: بكسر التاء وفتحها وسكونها: قطعة خشبية قوية يكون
عليها ثِقَل الخيمة والقنطرة وما شابه ذلك.
(٢) تَنَفَّسُ الصعَداء: هو التنفّس الطويل، وكان ذلك منه لما
حصل في الوتد من تصدُّعٍ بسبب رميه، وحصولِ خللٍ في
مصلحة عامة للمارَّة على قنطرة النهر.
٥٠

السلامَ وقل له: أنت في حِلّ مما كان منك،
فإن جميع ملكي لك الفداء.
فأبلغته الرسالة، فتهلَّل وجهه وأظهر سروراً
كثيراً، وقرأ ذلك اليوم للغرباء خمسمائة
حديث، وتصدَّق بثلاثمائة درهم(١).
(١) المصدر السابق.
٥١

شرف أصحاب الحديث
١
أبو زُرْعة الرازي
١ - رَوَى ابْنُ عساكرٍ في ((تاريخ دمشق)) عن
أبي العباس المُرادي قال: رأيتُ أبا زُرْعَة في
النوم فقلت:
- ما فَعَلَ الله بك؟.
قال: لقيتُ ربي فقال لي: يا أبا زُرْعة إني
أُوْتَى بالطِّفل فآمرُ به إلى الجنة، فكيف بمن
حَفِظ السُّنْنَ على عبادي؟! تَبَوَّأُ من الجنة حيثُ
شئتَ(١).
٢ - وَرَوَى أيضاً عن حفص بن عبد الله
(١) من مقدمة ((كنز العمال)) للمتقي الهندي ١: ١١.
٥٢

قال: رأيتُ أبا زرعةً في النوم بعد موته يصلي
في سماء الدنيا بالملائكة، قلت:
- بمَ نِلْتَ هذا؟.
قال: كتبتُ بيدي ألفَ ألفِ حديثٍ أقولُ
فيها: عن النبي بِ لَّ، وقد قال النبي وُل: ((من
صلَّى عليّ صلاةً صلى الله عليه عشراً))(١).
(١) المصدر السابق نفسه. والحديث رواه مسلم وغيره عن أبي
هريرة .
٥٣

شرف أصحاب الحديث
٢
سيِّدُ أهلِ الحديث
قال أبو نصرِ الواعظ: رأيت النبيَّ وَّ في
المنام مع أصحابه قاصداً لعيادة الأستاذ أبي
سهل - محمد بن سليمان الصُّعْلوكي - وكان
مريضاً، قال - أبو نصر -: فَتَبِعْتُه، ودخلتُ عليه
معه، وقعدتُ بين يدي النبي ◌َِّ متفكِّراً، فقلت
في نفسي -:
إن هذا - أبا سهل - إمامُ أصحابِ الحديث،
وإنْ مات أخشى أن يقع الخللُ فيهم !.
فقال رسول الله وسل﴾ لي: لا تُفَكِّر في ذلك،
٥٤

إن الله لا يُضَيِّع عِصابةً(١) أنا سَيِّدُها!(٢).
(١) العِصابة: الجماعة من الرجال ما بين العشرة إلى الأربعين.
(٢) من ((طبقات الشافعية)) للتاج السُّبْكي ٣: ١٧٠.
٥٥

إكرام الله لأهل الحديث
١
الإمام الحسن بن سُفيانَ النَّسَوي
من غريب ما اتفق له: أنه كان هو وجماعةٌ
من أصحابه بمصرَ في رحلتهم إلى الحديث،
فضاق عليهم الحال(١) حتى مكثوا ثلاثةَ أيام لا
يأكلون فيها شيئاً، ولا يَجِدون ما يبيعونه
لِلْقُوت، فاضْطَرَّهُمُ الحالُ إلى تَجَشُّمِ
السؤال(٢)، وأُنِفَتْ أنفسهم من ذلك، وعَزَّت
عليهم وامتنعتْ كلَّ الامتناعِ ، والحاجةُ
(١) أي: ضاقت عليهم النفقة، وواضحٌ من السياق أنها نَفِدت.
(٢) التَّجَتُّم: تَكَلُّف الشيء مع المشقّة.
٥٦

تَضطّرهم إلى تعاطي ذلك، فاقتَرَعوا(١) فيما
بينهم: أيُّهم يقومُ بأعباءِ هذا الأمرِ، فوقعت
القُرْعةُ على الحسنِ بنِ سفيانَ هذا.
فقام عنهم، فاخْتَلى في زاوية المسجد الذي
هم فيه، فصلّى ركعتين أطال فيهما، واستغاث
بالله عز وجل، وسأله بأسمائه العِظام، فما
انصرف من الصلاة حتى دخل المسجدَ شابٌّ
حسنُ الهيئة مليحُ الوجه فقال:
- أين الحسنُ بنُ سفيان؟.
فقلت: أنا .
فقال: الأميرُ طُوْلُونُ يقرأُ عليكم السلامَ
ويعتذِرَ إليكم في تقصيره عنكم، وهذه مائة
دينار لكل واحد منكم.
فقلنا له: ما الحاملُ له على ذلك؟.
(١) أي: ضربوا بينهم القُرْعة.
٥٧

فقال: إنه أحبَّ أن يختلي اليوم بنفسه،
فبينما هو الآن نائمٌ إذْ جاءه فارسٌ في الهواء
بيده رمحٌّ فدخل عليه منزلَه، ووضع عَقِبَ الرُّمح
في خاصرته فَوَكَزَه، وقال:
قمْ فأَدرِكِ الحسنَ بنَ سفيانَ وأصحابَه، قمْ
فأدركْهم، قم فأدركهم، فإنهم منذ ثلاثٍ جِياعٌ
في المسجد الفلاني .
فقال له: من أنت؟.
فقال: أنا رِضوانُ خازنُ الجنة.
فاستيقظ الأمير وخاصرتُه تُؤْلِمه ألماً شديداً.
فبعث بالنفقة في الحال إليكم.
ثم جاء لزيارتهم واشترى ما حولَ ذلك
المسجد وَوَقَفَه على الواردين عليه من أهل
الحديث. جزاه الله خيراً(١).
(١) من ((البداية والنهاية)) لابن كثير ١١: ١٢٤، ثم رأيتُ القصة
في ((سِيَر أعلام النبلاء)) للذهبي ١٤: ١٦١ وتوقّف في
صحتها، ثم لم يجزم شيء.
٥٨

إكرام الله لأهل الحديث
٢
الحافظ ابن عساكر الدمشقي
قال الحافظُ أبو عبد الله الفَرَاوي: قَدِمَ ابنُ
عساكر - مدينةَ نيسابورَ - فقرأ عليَّ ثلاثةَ أيام،
فأكثرَ وأَضْجَرَني، فآليتُ(١) على نفسي أنْ أُغلِقَ
بابي .
فلما أصبحنا قَدِم عليَّ شخصٌ فقال:
أنا رسولُ رسولِ اللهِ وَ لَه إليك.
قلت: مرحباً بك.
فقال: قال لي في النوم: اِمْضِ إلى الفَرَاوي
(١) أقسمت وحلفت.
٥٩

وقلْ له: قَدِم بلدَكم رجلٌ شامي أسمرُ اللون،
يطلبُ حديثي، فلا تَمَلَّ منه.
فوالله ما كان الفَراويُّ يقومُ - من مجلس
الحديث - حتى يقومَ الحافظُ - ابن عساكر _(١).
(١) من ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي ص: ١٣٣.
٦٠