Indexed OCR Text
Pages 101-120
الرِّضا بقَسْمك، ولا عيشَ إلّ في جِوارِ المقرّبين عندك))(١). ٢ - كان الإمام أبو العباس أحمدُ بن عطاء الله الإِسكندريُّ رضي الله عنه يقول في مناجاته: ((إِلَّهي أنا الفقيرُ في غِناي، فكيف لا أكونُ فقيراً في فَقْري؟! وأنا الجَهُولُ في عِلْمي، فكيف لا أكون جَهُولاً في جَهْلي؟ ! . إِلَهي مِنِّي ما يَلِيقُ بِلُؤْمِي، ومنكَ ما يليقُ بكرمك، إنْ ظَهَرتِ المحاسنُ مني فبفضلك ولك المِنَّةُ عليَّ، وإنْ ظَهَرتِ المساوىُ مني فبعَدْلك، ولك الحُجَّةُ عليّ . إلَّهي ما ألطفَكَ بي مع جَهْلي، وما أرحَمَك بي مع قبيحِ فِعلي، وما أقربَك مني، وما (١) من ((طبقات الشافعية)) للسُّبْكي ٥: ٣٤٥. ١٠١ أَبْعدَني عنك، وما أَرْأَفَكَ بي، فما الذي يَحْجُبُني عنك؟ !. إِلَهي عَمِيَتْ عَينُ لا تَراك عليها رقيباً، وخَسِرتْ صفقةُ عبدٍ لم تجعلْ له من حُبك نصيباً. إلَهي هذا ذُلِّي ظاهرٌ بين يَدَيْك، وهذا حالي لا يَخْفَى عليك، منكَ أطلُبُ الوصولَ، وبكَ استدِلُّ عليك، فاهْدِني بنورك إليك، وأَقِمْني بِصِدْق العُبودية بين يَدَيْك. بك أسْتَنْصِرُ فانْصُرْنِي، وعليك أتوَكَّلُ فلا تَكِلْنِي، وإليك أسألُ فلا تَحْرِمني، وفي فضلك أرغبُ فلا تُخَيِّبْني، ولِجَنابِك أَنْتسِبُ فلا تُبْعِدْني، وببابك أقِفُ فلا تَطْرُدْني . وصلى الله على سيدنا محمدٍ صلاةً تُرضيك ١٠٢ وتُرضيه وتَرضى بها عنا يا ربّ العالمين. آمين))(١). (١) من خاتمة ((تاج العروس)) لابن عطاء الله. ١٠٣ طُرَف ومُلَح ١ وصف الكتاب قِيل للإمامِ عبدِ الله بنِ المبارك: إنكَ تُكْثِرُ الجلوسَ وَحْدَك !. فغضب وقال: أنا وحدي! أنا مع الأنبياءِ والأولياءِ والحكماءِ والنبيِّ صَلى الله وسيتم وأصحابِه، ثم أنشد هذه الأبياتَ - وهي لمحمد بن زياد الأعرابي -: ولي جُلَساءُ ما أَمَلُّ حديثَهم أَلِيَّاءُ مأمونونَ غَيْباً ومَشْهداً(١) (١) أَلِبَّاءُ: جمع لَبيب، وهو مَن فيه لبُّ، واللَّبُّ: هو خالص العقل. فاللبيب: مَن فيه عقل خالصٌ سليم، لا يتأثر بنوازع الشهوات ونحوها في تفكيره وما يَصْدرُ عنه من رأى وتصرّف. ١٠٤ إذا ما اجْتَمَعْنا كان حُسْنُ حدِیثھم مُعِيناً على دَفْع الهُمومِ مُؤَيِّداً يُفِيدُونَنِي مِن علمِهِمْ عِلْمَ ما مضى وعقلاً وتأديباً ورأياً مُسَدَّداً بلا رِقْبٍ أَخْشَى ولا سُوءٍ عِشْرة ولا أتّقِي منهم لساناً ولا يَدَأَ (١) (١) بلا رِقبة: بلا مراقب حاسد يخشاه، ولا تصرُّفٍ سيء يصدر عن هؤلاء الجلساء، ولا يُخافُ من لسانِهم ولا يَدِهم. والقصة من ((المضنون به على غير أهله)) لعز الدين الزَّنجاني ص ٤ - ٥ بشرحه. ١٠٥ طُرَف ومُلَح ٢ وصف الدفتر نظر المأمونُ - الخليفةُ العباسيِّ - إلى ابنٍ صغيرٍ له، في يدِه دفترٌ، فقال المأمون: ما هذا بيدِكَ؟ . فقال: بعضُ ما تُسَجَّلُ به الفِطْنَةُ، ويُنَبِّهُ من الغَقْلة، ويُؤْنِسُ من الوَحْشة ! . فقال المأمون: الحمد لله الذي رَزَقني مِن ولدي مَن ينظرُ بعينٍ عَقْله أكثرَ ما ينظرُ بعينٍ جسمه وسِنَّه(١). (١) من ((الأذكياء)) للإمام ابن الجَوْزي ص: ٢٣٥. ١٠٦ من أخبار الأذكياء القاضي أبو بكر الباقلاني - ١ - أرسل عضدُ الدولة الإمامَ القاضيَ أبا بكرٍ الباقِلَانيَّ رحمه الله سفيراً إلى مَلِك الروم برسالة يُوصلها إليه، فلما ورد مدينّه عُرِّف المَلِك خَبَرَه، وبيِّن له محلُّه من العلم وموضعُه، فتفكّر الملك في أمره، وعَلِم أنه لا يُكَفِّر(١) له إذا دَخَل عليه، كما جَرَى رَسْمُ الرَّعية(٢): أن تُقِبِّل الأرضَّ بين يدي الملك، ثم نَتَجَتْ له الفكرة: (١) التكفير: الدخول منحنياً انحناءً قريباً من الركوع. (٢) عادة الرعية . ١٠٧ أنْ يضعَ سريرَه الذي يجلسُ عليه وراءَ باب لطيف(١) لا يُمكن أحدٌ أن يَدخلَ منه إلّ راكعاً، ليدخلَ القاضي منه على تلك الحال، فيكون عوضاً من تكفيره بین یدیه. فلما وَضَعَ سريره في ذلك الموضع أمر بإدخالِ القاضي من الباب، فسار حتى وصل إلى المكان فلما رآه تفكّر فيه، ثم فَطِن بالقصة، فأدار ظهره وحَتَى رأسَه راكعاً ودخل من الباب وهو يمشي إلى خلفه وقد استقبل الملكَ هكذا، حتى صار بين يديه، ثم رفع رأسه وَنَصَب ظهره، وأدار وجهه حينئذ إلى الملك. فَعَجِب من فِطنته، ووقعتْ له الهيبة في نَفْس الملك(٢). (١) صغير قصير. (٢) سُبق الإمامُ الباقلاني رحمه الله تعالى بهذه الخاطرة، سَبَقه بذلك عَمُرُو بنُ أمية الضَّمْري الصحابي الجليل رضي الله = ١٠٨ عنه، وذلك لما بَعَثه النبي ◌َّ بكتابه إلى النّجاشي. كما = رَوَى القصة ابنُ أبي شيبة، ونقلها عنه الحافظ ابن طولون في أول ((إعلام السائلين)) ومحل الشاهد منه ذكره ابن الأثير في ((النهاية)) مادة ك ف ر، والقصة بتمامها في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي أيضاً ٣: ١٨٠ - ١٨١. وخبر القاضي الباقلاني في ((تبيين كذب المفتري)» لابن عساكر صفحة ٢١٨ . ١٠٩ القاضي أبو بكر الباقلانيُّ - ٢ - وَدَخل القاضي على ملك الروم يوماً، فرأى عنده بعضَ مَطَارِنَتِه ورَهَابِيْنِهِ، فقال القاضي الراهبٍ مستهزئاً به : كيف أنت؟ وكيف الأهلُ والأولاد؟. فتعجّب الروميُّ منه وقال له: ذَكَر مَن أَرسَلَك في كتاب الرسالة أنك لسانُ الأمة، ومتقدِّمٌ على علماء المِلَّة، أَمَا علمتَ أنّا نُنَزِّه هؤلاء عن الأهل والأولاد؟ !. فقال القاضي أبو بكر: ١١٠ أنتم لا تنزِّهون الله سبحانه وتعالى عن الأهل والأولاد، وتنزّهونهم، فكأنَّ هؤلاء عندكم أقدسُ وأجلُّ وأعلى من الله سبحانه وتعالى؟ !. فوقعتْ هيبتُه في نفس الرومي(١). (١) جرى نحو هذه القصة لِقُبَات بن رَزِين المصري المتوفّى سنة ١٥٦، ذكرها له الحافظ ابن حجر في ((التهذيب)) ٨: ٣٤٤. وخبر الإمام الباقلاني في صفحة ٢١٨ - ٢١٩ من ((تبيين كذب المفتري)). ١١١ من أساليب تربية الأبناء ١ تعليمهم مراقبة الله تعالى قال سهلُ بنُ عبد الله النُّسْتَريّ: كنتُ وأنا ابنُ ثلاثٍ سنينَ أقومُ بالليل، فأنظر إلى صلاة خالي محمدِ بنِ سَوَّار، فقال لي يوماً: - ألا تَذْكرُ الله الذي خَلَقك؟. فقلت: كيف أذكُرُه؟ . قال: قل بقلبك عند تقلُُّك في ثيابك ثلاثَ مرات من غير أن تُحَرِّكَ به لسانك: اللّه معي، الله ناظرٌ إليّ، الله شاهدي. فقلتُ ذلك ليالي، ثم أَعْلمتُه، فقال: قلْ ١١٢ ذلك في كلِّ ليلة سبعَ مراتٍ. فقلت ذلك ثم أعلمتُه، فقال: قل ذلك كلَّ ليلةٍ إحدى عَشْرةَ مرةً، فقلته، فوقع في قلبي حلاوته. احفظ ما فلما كان بعد سنة قال لي خالى : علَّمتُك ودُمْ عليه إلى أن تدخلَ القبر، فإنه ينفعُك في الدنيا والآخرة. فلم أَزَلْ على ذلك سنين، فوجدتُ لذلك حلاوةً في ◌ِرّي. ثم قال لي خالي يوماً: يا سهلُ مَن كان الله معه، وناظراً إليه، ومشاهدَه، أَيَعْصيه؟! إياك والمعصيةً . فكنتُ أَخْلو بنفسي ... فتعلمتُ القرآن وحفظتُه وأنا ابنُ ستِّ سِنينَ أو سبعٍ سنينَ(١). (١) من ((إحياء علوم الدين)) ٣: ٦٤ كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق - بيان الطريق في رياضة الصبيان . ١١٣ من أساليب تربية الأبناء ٢ أثر اصطحابهم إلى المسجد كنتُ في العاشرة من سِنّي وقد جمعتُ القرآن كلَّه حفظاً، وجوَّدتُه بأحكام القراءة، وكان من عادة أبي رحمه الله أن يعتكفَ كلَّ سنةٍ في أحد المساجد عَشْرةَ الأيامِ الأخيرةِ من شهر رمضان، يدخلُ المسجدَ فلا يَبْرَحُه(١) إلا ليلةً عيد الفطر بعد انقضاء الصوم . وذهبتُ ليلةً فبِتُّ عند أبي في المسجد، فلما كّا في جوف الليلِ الأخير أيقَظَني للسُّحور، ثم (١) لا يخرج منه ولا يغادره. ١١٤ أَمَرني فتوضأتُ لصلاة الفجر، وأقبل هو على قراءته، فلما كان السَّحَرُ الأعلى هَتَفَ بالدعاء المأثور : ((اللهم لكَ الحمدُ أنتَ قَيِّم(١) السمواتِ والأرض ومَنْ فيهنَّ، ولك الحمدُ لك مُلْكُ السموات والأرض ومن فيهنَّ، ولك الحمد أنت نورُ السموات والأرض، ولك الحمدُ أنت مَلِكُ السموات والأرض، ولك الحمد أنت الحقُّ، وَوَعْدُك الحقُّ ... ))(٢). وأقبل الناسُ يَنْتابون المسجدَ(٣)، وَجَلَسنا (١) بمعنى: قَيُّوم وهو - كما في ((النهاية)) ٤: ١٣٥: ((القائم بنفسه مطلقاً لا بغيره، وهو مع ذلك يقوم به كل موجود، حتى لا يُتَصَوَّرُ وجودُ شيء ولا دوام وجوده إلّ به)). (٢) هذا لفظ الحديث من ((صحيح البخاري)) ولفظه في المصدر المنقول منه غير ذلك. (٣) يدخلونه جماعةً بعد جماعة . ١١٥ ننتظرُ الصلاةَ، وكانتِ المساجد في ذلك العهدِ تُضاءُ بقناديلِ الزَّيت، تَلُوح كأنها شُقوقٌ مضيئة في الجوِّ، فلا تَكشِفُ الليلَ، ولكنْ تكشفُ أسراره الجميلة . وكان لها منظرٌ كمنظر النجوم يُتُمُّ جمالَ الليل بإلقائه الشَّعَل في أطرافه العليا، وكان الجالسُ في المسجد وقتَ السَّحَر يَشْعر بالحياة كأنها مَخْبُوءة . لا أنسى أبداً تلك الساعةَ ونحن في جوِّ المسجد، والقناديلُ معلَّقَةٌ كالنجوم في مَنَاطها من الفَلَك(١)، والناسُ جالسون عليهم وقارُ أرواحِهم، ومِن حولِ كلِّ إنسانٍ هدوءُ قلبِهِ . لا أنسى أبداً تلك الساعةَ وقد انبعثَ في جوِّ (١) الفلك: مدار النجوم. ١١٦ المسجدِ صوتٌ غَرِدٌ رَخِيم وهو يرتِّلُ هذه الآيات من آخر سورة النحل : بالحكمة والموعظة ادْعَ إلى سبيل ربّكَ الحسنة، وجادِلْهم بالتي هيَ أَحْسَنُ، إن ربَّك هو أعلمُ بمَنْ ضلَّ عن سبيله، وَهُو أعلمُ بالمهتدين. وإنْ عاقبتُم فعاقِبوا بمثلِ ما عُوْقِبْتم به، ولئنْ صَبَرَتم لَهُوَ خيرٌ للصابرين. واصبِرْ وما صَبْرُك إلّ بالله، ولا تَحْزَنْ عليهم ولا تَكُ في ضَيْقٍ مما يَمْكُرون. إن الله مع الذين اتَّقَوْا والذين هُمْ مُحْسِنون﴾ . وكان هذا القارىءُ يَمْلِك صوتَه أتمَّ ما يملك ذو الصوت المطرب، فكان يتصرَّف به أحلى مما يتصرف القُمْريّ(١) وهو ينوح في أنغامه، وبلغ في التطريب كلَّ مبلغٍ يقدِرُ عليه القادر، (١) نوع من الحَمَام. ١١٧ وما كان إلّ كالبُلْبلِ هَزَّتْه الطبيعةُ بأسلوبها في جمال القمر، فاهتزَّ يُجاوبها بأسلوبه في جمال التغريد . وسمعنا القرآن غَضّاً طَرِياً كأولِ ما نَزَل به الوحي، فكان هذا الصوتُ الجميلُ يدور في النفْس كأنه بعضُ السرِّ الذي يدور في نظام العالَم، وكان القلبُ وهو يتلقَّى الآياتِ كَقَلْب الشجرة يتناول الماءَ ويكسوها منه. واهتزَّ المكان والزمان، كأنما تجلَّى المتكلِّم سبحانه وتعالى في كلامه، وبدا الفَجْر كأنه واقفٌ يستأذنُ الله أنْ يُضيءَ هذا النور !. وكنا نسمعُ قرآنَ الفجر، وكأنما مُحِيَت الدنيا التي في الخارج من المسجد وبَطَلَ باطلُها، فلم يبقَ على الأرض إلّ الإنسانيةُ الطاهرةُ ومكانُ العبادة، وهذه هي معجزةُ الرُّوحِ، متى ١١٨ كان الإنسان في لذة روحه مرتفعاً على طبيعته الأرضية . أما الطفلُ الذي كان فيَّ يومئذ فكأنما دُعي بكل ذلك ليحمِلَ هذه الرسالةَ ويؤدِّيَها إلى الرجل الذي يجيء فيه مِن بعدُ. فأنا في كل حالةٍ أَخضعُ لهذا الصوت: ﴿ادْعُ إلى سبيلِ رَبَّك﴾ وأنا في كل ضائقة أخشعُ لهذا الصوت: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلّ بالله﴾﴾(١). (١) من ((وحي القلم)) ٣: ٣١ لمصطفى صادق الرافعي باختصار شدید . ١١٩ من أخبار الأجواد ١ قيس بن سعد الصحابي - ١ - مَرِضَ قيسُ بنُ سعدِ بنِ عُبَادةً - وهو صحابيُّ ابنُ صحابيٍّ - فاستبطأ إخوانَه في العِيادة(١) فسأل عنهم، فقيل له : - إنهم يَسْتَحْيُون، مما لك عليهم من الدَّيْن !. فقال: أخزى الله مالاً يمنعُ الإخوان من الزيارة! ثم أُمَر مَنِ يُنادي: مَن كان لقيسٍ عنده مالٌ فهو منه في حِلِّ. فكُسِرتْ عتبةُ بابه بالعَشيّ، لكثرة العُوَّاد. (١) العيادة: زيادة المريض. ١٢٠