Indexed OCR Text

Pages 21-40

= في ((شرحه على الجامع الصغير)) ٨٣:٢: ((قال الشيخ:
حديث صحيح)). وشيخه هذا: هو العلامة محمد حجازي
الواعظ المتوفى سنة ١٠٣٥ رحمه الله، وله شرح كبير
محقّق على ((الجامع الصغير)) يُكثر العزيزيُّ النقلَ عنه،
ويُصدِّره بقوله ((قال الشيخ)).
٢١

من هدي النبي
٣
صَلى الله
وسيلة
ثوابُ المُتَحابِّين في الله
عن أبي مسلمِ الخَوْلانِيِّ قال:
دخلتُ مسجدَ حِمصَ، فإذا فيه نَحْوٌ مِن
ثلاثينَ كَهْلاً(١) من أصحابِ النبيِّ وَّ، فإذا
فيهمْ شابٌّ أَكْحَلُ العَيْنَيْنِ(٢)، بَرَّاقُ النَّنايا(٣)،
ساكتْ، فإذا امْتَرى القومُ(٤) في شيء أقبلوا عليه
فسألوه.
فقلتُ لجليسٍ لي: مَنْ هذا؟.
(١) الكهل: مَن جاوز الثلاثين من عمره.
(٢) كَحَلُ العين: سَوَادٌ يَعْلو جُفونَها.
(٣) الثنايا: مُقَدَّم الأسنان.
(٤) امترى القوم: شَكّوا في الأمر.
٢٢

قال: هذا معاذُ بنُ جَبَلٍ .
فوقع له في نفسي حبُّ، فكنتُ معهم حتى
تَفَرَّقوا، ثم هَجَّرْتُ(١) إلى المسجد، فإذا
معاذُ بنُ جبل قائمٌ يُصَلِّي إلى ساريةٍ، فسكتَ لا
يُكَلِّمني، فصلَّيتُ، ثم جلستُ، فاحْتَبَيْتُ بِرِداءٍ
لي(٢)، ثم جلسَ، فسكتَ لا يُكَلمني وسكتُّ لا
أكلمُه، ثم قلت:
- والله إني لأحبُّك.
قال: فيمَ تُحِبُّني؟.
قلت: في الله تبارك وتعالى .
(١) أراد: ذهبت مُبَكِّراً قبل حُلولٍ وقت الصلاة.
(٢) الاحْتِياء: أن ينصبَ الإنسانُ ساقَيْهِ ويَضُمَّهما إلى بطنه، وقد
يتمكّن من هذا الضمِّ بواسطةِ ثوب يَجمع به ساقَيْه إلى ظهره
وقد يكون ذلك بیدیه: يَعْقِدُ بین أصابع کفیه جامعاً ساقيه إلى
بطنه. يفعل الرجل ذلك للاستراحة من طول الجلوس وعدم.
تَمَكُّنِه من الاستناد إلى جدارٍ أو ساريةٍ - مثلاً -. ولذا قيل:
العمائمُ تِيْجانُ العربِ، والاحْتِباءُ حِيطانها .
٢٣

فَأَخَذَ بحَبْوَتِي فَجَرَّني إليه هُنَيَّةَ(١) ثم قال:
- أَبْشِرْ إنْ كنتَ صادقاً، سمعتُ رسولَ الله
دَ له يقول:
((المُتَحَابُونَ فِي جَلالي لهمْ منابرُ من نوٍ
يَغْبِطُهُمُ(٢) النبيُّونَ والشُّهداءُ)).
قال - أبو مسلم -: فخرجتُ فلقِيتُ عُبادةَ بنَ
الصامِتِ فقلت:
- يا أبا الوليدِ أَلَا أُحَدِّثُك بما حَدَّثني معاذُ بنُ
جبل في المُتَحاِبِين؟ .
قال: فأنا أُحَدِّئُكَ عن النبيِّي وَ يَرْفَعُه إلى
الربِّ عزَّ وجلَّ (٢) قال:
(١) أي: بلطف.
(٢) الغِبْطة: أن تَتَمَنَّى لك مثلَ ما على غيرك من النَّعم دون
زوالها عنه، والحسد: تمني ذلك مع تمني زوالها عنه.
(٣) فهو حديث قدسيِّ.
٢٤

((حَقَّتْ(١) محبتي للمُتَحابِّينِ فيَّ، وحَقَّتْ
محبتي للمُتَزاوِرِين فيَّ، وحَقَّتْ محبتي
للمُتَبَاذِلين فيّ، وحقَّتْ محبتي للمُتّواصِلين
فيَّ))(٢).
(١) أي ثَبَتَتْ محبةُ الله تعالى لمن أحبَّ أخاه المسلمَ حباً خالصاً
لوجه الله تعالى دون قَصْدٍ دنيويٍّ، ولمن زار أخاه زيارةً صادقةً
كذلك، ولمن بذل المالَ وغيرَه لأخيه المسلم سَمْحاً رَضِيّاً،
ولمن وصل رَحِمَه وصداقَتَه لوجه الله تعالى وعلى وجه شرعي
يُرْضیه سبحانه .
(٢) رواه الإمام أحمدُ في ((مُسْنَده)) ٥: ٢٣٩، وفي مواضع أخرى
قبله نحوَه، وروى الترمذيُّ ٧: ١١٩ حديث معاذٍ فقط -
وليس فيه قصته مع أبي مسلم - وقال: حسن صحيح، وأشار
إلى حديث عُبادة بن الصامت.
٢٥

من هدي النبي
ككل الله
عائلة
وستة
٤
من بركات سيدنا رسول الله
عن حَنْظَلَةَ بن حِذْيَمٍ أنه وَفَد إلى النبي
مع جَدِّه حَنِيفَةَ، فقال حَنِيفَةُ للنبي ◌ِّ:
صَلى الله
وسيلة
إِنَّ لي بَنِينَ ذَوِي لِحَىِّ، ودون ذلك(١)، وإنَّ
ذا أَصغَرُهم، فادعُ الله له. فمسح - النبي ◌َّ -
رأسَه، وقال: ((بارك الله فيك)) - أو: بُورك
فیك -.
قال ذَيَّالٌ - حفيدُ حنظلةَ -: فلقد رأيتُ حَنظلةَ
يُؤْتَى بالإنسان الوارمِ وَجْهُهُ، أو البهيمةِ الوارمةِ
(١) ذوي لحىِّ: أصحابَ لحىَّ، كباراً في السنِّ لكل واحد منهم
لحية. ودون ذلك: أي: أصغر.
٢٦

الضَّرْعِ فَتْقُلُ(١) على يديه ويقول: بسم الله،
ويضعُ يدَه على رأسه ويقول على موضعٍ كفِّ
رسول الله، فیمسحُه عليه.
قال ذَيَّالٌ: فيذهبُ الوَرَمِ(٢).
(١) التَّقْل: نفخٌ للنَفَس فيه شيء من الرِّيق.
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) ٥: ٦٧ - ٦٨، قال الحافظ
الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٤: ٢١٠ و٩: ٤٠٨: ((رجاله
ثقات)» .
٢٧

من سيرة الصحابة رضي الله عنهم
١
إسلامُ خالدٍ بنِ الوليدِ رضي الله عنه
وأن العقلَ السليمَ يَهْدي إلى الإسلام
قال خالدُ بنُ الوليد: كان أخي الوليدُ بنُ الوليد
قد دخلَ مع النبي ◌ََّ عُمْرَةَ القَضِيَّة(١)، فَطَلَبني
(أي أخي) فلم يَجِدْني، فكتبَ إليّ كتاباً فإذا فيه:
(١) عمرة القضية: هي العمرة التي اعتمرها النبي محل# ومعه ألفان
من الصحابة، سنة سبع من الهجرة، وذلك بعد العمرة التي
قصدها النبي ( ومعه ألف وأربعمائة من الصحابة، فصدَّهم
أهل مكة عنها، وكان ذلك سنة ستّ. انظر بحثاً ممتعاً فيها
في كتاب ((حجة الوداع وجزء عُمُرات النبي (مخلل)) ص ٢٨٧
وما بعدها، لشيخنا شيخ الحديث العلامة الكبير الشيخ محمد
زكريا الكاندهلوي المدني، دفين البقيع، المتوفّى غُرَّة شعبان
١٤٠٢، رحمه الله تعالى.
٢٨

بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعدُ فإني لم أرَ أعجبَ من ذهابٍ رأيِكَ
عن الإِسلام، وعَقْلُكَ(١) !! ومِثْلُ الإسلامِ جَهِلَه
أحدٌ؟! وقد سألني رسولُ اللهِ وَّ عنك وقال:
((أين خالدٌ؟)) فقلت: يأتي الله به. فقال: ((مِثْلُه
جَهِلَ الإِسلامَ؟ ولو كان جَعَل نِكايَتَه(٢) وجِدَّه مع
المسلمين كان خيراً له، ولَقَدَّمْناه على غيره))
فاسْتَدْرِكْ يا أخي ما قد فاتَكَ من مَواطِنَ
صالحةٍ .
قال خالد: فلما جاءني كتابُه نَشِطتُ
للخروج، وزادني رغبةً في الإسلام، وسَرَّني
سُؤَالُ رسولِ اللهِ وَّ عني.
(١) أي: عقلُك معروفٌ بَرَجاحَتِهِ وسَداده، فكيف تأخرتَ عن
الدخول في الإسلام؟ !.
(٢) أي: لو وَجَّه قتله وشِدته إلى الكافرين، وجعل ذلك منه
في صفوف المسلمين: لكان خيراً له.
٢٩

وأَرَى في المنام كأني في بلادٍ مُجْدِبة،
فخرجتُ في بلاد خضراءَ واسعةٍ! فقلتُ: إن
هذه لَرُؤْيا. فلما أنْ قَدِمتُ المدينةَ قلت:
لأَذْكُرِنَّها لأبي بكر رضي الله عنه.
فقال - أبو بكر -: مَخْرَجُك: الذي هداكَ الله
للإسلام. والضيقُ: الذي كنتَ فيه من الشرك.
(ثم ذكر اجتماعَه بعثمانَ بنِ طلحةَ وعمروِ بنِ
العاص، وذهابَهم جميعاً إلى النبي ◌ِّله
لیُسْلموا).
قال خالد: فاصْطَحَبْنا جميعاً حتى دَخَلْنا
المدينةَ، فأُخْبِرَ بنا رسولُ اللهِوَِّ، فَسُرَّ بِنا،
فلبستُ من صالح ثيابي ثم عَمَدتُ إلى
رسول الله وَلَّ فَلَقِيَني أخي، فقال:
- أَسْرِعْ فإن رسولَ الله وَِّ قد أُخْبِرِ بك فَسُرَّ
بِقُدومِكَ، وهو ينتظركم.
٣٠

فأَسْرَعْنا المشيَ، فاطَّلَعْتُ عليه، فما زال
يتبسَّم إليّ حتى وقفتُ عليه، فسلمتُ عليه
بالنَبوة، فردَّ عليَّ السلام بوجهٍ طَلْقٍ .
فقلت: إني أشهدُ أن لا إله إلّ الله، وأنك
رسول الله .
فقال: ((تعال)).
ثم قال رسول الله عَ ليه: ((الحمد لله الذي
هداك، قد كنتُ أرى لكَ عقلا رجوتُ أن لا
يُسْلِمَكَ إلّ إلى خير)).
قلت: يا رسول الله إني قد رأيتُ ما كنتُ
أَشهدُ من تلك المواطنِ عليك معانداً للحق،
فادعُ الله أنْ يَغْفِرَها لي !.
فقال رسول الله وَاله: ((الإسلام يَجُبُّ(١) ما
كان قبله)).
(١) يَهْدِم، كما جاء في رواية أخرى.
٣١

قلت: يا رسول الله على ذلك!(١)
قال: ((اللهم اغفِرْ لخالد بن الوليد كلَّ ما
أَوْضَعَ(٢) فيه من صدٍّ عن سبيل الله)).
قال خالد: وتقدم عثمانُ - بن طلحة -
وعَمْروُ - بن العاص - رضي الله عنهما فبايعا
رسولَ الله عَليه.(٣)
(١) أي: ومع أن الإسلام يَهْدِم ما قبله فادعُ الله لي بالمغفرة.
(٢) كلّ عملٍ أسرع فيه يريد به إعراضَ الناس عن اعتناق
الإسلام.
(٣) من ((البداية والنهاية)) لابن كثير ٤: ٢٣٩، ونحوه بشيء من
الاختصار في ((طبقات ابن سعد)) ٧: ٣٩٤، وهو متمم
للنقص الذي فيه ٤ : ٢٥٢ .
٣٢

من سيرة الصحابة رضي الله عنهم
٢
مُجاهِدانٍ من صغار الصحابة
قال عبدُ الرحمن بن عوف رضي الله عنه:
بَيْنَا أنا واقِفٌ في الصفِّ يومَ بدرٍ، فنظرتُ عن
يميني وشِمالي، فإذا أنا بغلامَيْن من الأنصار
حديثةٍ أسنانُهما، تمنَيْتُ أن أكونَ بين أَضْلَعَ
منهما (١)، فَغَمَزني أحَدُهما، فقال:
- يا عمِّ هل تعرفُ أبا جهلٍ؟ .
قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابنَ أخي؟.
قال: أُخْبِرتُ أنه يَسُبُّ رسولَ الله وَلآ ،
(١) تمنّى - أول ما رآهما - أن يكون بين رجلين أقوى منهما،
لأنهما صغيران، لا يُظَن بهما قوةٌ ولا شجاعة.
٣٣

والذي نفسي بيده لَئِنْ رأيتُه: لا يُفارِقُ سَوادي
سَوادَه(١) حتى يموتَ الأعجلُ منا.
فتعجَّبَ لذلك! فَغَمَزني الآخَرُ فقال لي
مثْلَها، فلم أَنْشَبْ (٢) أنْ نظرتُ إلى أبي جهل
يَجُول في الناس.
قلت: أَلا إنَّ هذا صاحِبُكما الذي
سألتماني .
فَابْتَدَراه(٣) بسيفَيْهما، فَضَرَباه حتى قَتَلاه، ثم
انْصَرَفا إلى رسول الله وَ لَه فَأَخْبَراه فقال:
- ((أَيُّكُمَا قَتَلَه؟)).
قال كلُّ واحدٍ منهما: أنا قَتَلْتُه.
(١) سواد الرجل: شخصه. يريد: أنه لن يفارقَ أبا جهل حتى
يَقتله، أو يقتله أبو جهل.
OF
(٢) أي: لم البث في مكاني مدة يسيرة من الزمن، إذْ رأيتُ أبا
جهل.
(٣) أُسْرَعا إليه .
٣٤

فقال: ((هل مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُما))(١)
•
قالا : لا .
فنظر في السيفَيْن فقال: ((كلاكُما قَتَلَه(٢).
سَلَّبُه(٣) لمعاذِ بنِ عَمرو بنِ الجَمُوحِ)).
وكانا معاذَ بنَ عَفْراء، ومعاذَ بنَ عمروِ بنِ
الجُمُوحِ(٤).
(١) إنما سألهما بَّ عن ذلك ليرَى ما بَلَغَ الدمُ من سيفَيْهما
فيستدلّ به على عُمْق دخولهما في جسم المقتول، فيحكم
لمن كان سيفُه أعمقَ بأنه هو القاتل، ليحكم له بالسَّلب .
(٢) قال مّ ذلك - مع أن القاتل واحد - تطبيباً لقلب الآخر.
(٣) السَّلبُ: ما يأخذه القاتلُ مما مع المقتول من سلاح وثياب
ومركوب ونحو ذلك.
(٤) رواه البخاري: كتاب فَرْض الخُمُس، باب من لم يُخَمِّسِ
الأسلابَ، ومن قتل قتيلاً ... ٧: ٥٥.
٣٥

من سيرة الصحابة رضي الله عنهم
٣
العباس بن عبد المطلب
رضي الله عنه
١ - قال يزيدُ بنُ الأصمِّ:
إن العباس عم رسول الله وسلم كان ممن خرج
مع المشركين يوم بدر، فأُسِرَ فيمن أُسِرَ منهم،
وكانوا قد شَدُّوا وَثاقه، فسهر النبيُّ وَلّ تلك
الليلة، ولم يَنَمْ.
فقال له بعض أصحابه: ما أُسْهَرَكَ يا
نبيَّ الله؟ .
فقال: ((أَسْهَرني أنينُ العباس))(١).
(١) في هذا عظيمُ حبَّ النبي ◌َ لعمه العباس واهتمامِه بشأنه.
٣٦

فقام رجل من القوم فأرخى من وثاقه .
فقال رسول الله وسلم: ((مالي لا أسمع أنين
العباس؟)).
فقال الرجل: أنا أرخيتُ من وَثاقه .
فقال رسول الله وَله: ((فافْعلْ ذلك بالأسرى
كلُّهم))(١).
٢ - وكان الذي أَسَرَ العباسَ أبو اليَسْر
كعبُ بن عمرو، وكان قصيراً دميماً، وكان
العباس رضي الله عنه عظيمَ الخَلْق، طويلَ
القامة، من مُقَبِّي الظُّعُن. يعني أنه كان يُدرك
فَمَ الظَّعينة(٢) وهي راكبةٌ على البعير وهو على
قدميه في الأرض.
وفي «مسند البزار)): قيل للعباس رضي الله
عنه: كيف أَسَرَكَ أبو اليَسَر ولو أَخَذْتَه بكفِّك
(١) هذا مشهد عظيم من مشاهد عَدْل النبي وَ له.
(٢) هي: المرأة ما دامت في الهَوْدَج.
٣٧

لَوَسِعَتْه؟! فقال: ما هو إلا أنْ لقيتُه فظهر في
عيني كالخَنْدَمَة. والخَنْدَمَةُ: جبل بمكة.
وذكر أبو عمر - ابن عبد البر -: أن
رسول الله وَّله قال لأبي اليَسَر: ((لقد أعانك عليه
مَلَكٌ کریم)).
٣ - وقال ابن عبد البر: رَوَى ابنُ عباسٍ
وأنسُ بنُ مالكِ أن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه كان إذا قَحِطَ أهلُ المدينة استسقَى
بالعباس .
وسبب ذلك، أن الأرض أجْدَبَتْ إجداباً
شديداً على عهد عمر زمن الرَّمَادة(١) وذلك سنة
سَبْعَ عَشْرَةٍ، فقال كعب - الأحبار -: يا أمير
المؤمنين إنّ بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مِثْلُ
(١) في ((القاموس)): رَمَدت الغنم ترْمِدُ: هلكت من بَرْد أو
صقيع، ومنه عام الرمادة في أيام عمر رضي الله عنه، هلكت
فيه الناس والأموال.
٣٨

هذا استسقَوْا بعَصَبة الأنبياء(١)، فقال عمر: هذا
عُمُّ رسول اللّه وَلُّ وصِنْوُ أبيه(٢)، وسيدُ بني
هاشم، فمشى إليه عمر وشكا إليه ما فيه الناسُ
من القحط .
ثم قال: ورُوِّينا من وجوه، عن عمر أنه خرج
يستسقي وخرج معه بالعباس فقال: اللهم إنا
نَتَقَرَّبُ إليك بعمِّ نَبِّك ◌ََّ ونستشفعُ به،
فاحفظْ فيه(٣) لنبيك وَلَ، كما حفظتَ الغلامَيْن
لصلاحِ أبيهما(٤)، وأَتَيْناك مستغفِرين
ومستشفِعين، ثم أقبل على الناس ...
(١) العَصَبة: من يَرِثُ الميت وليس بوالد له ولا ولد.
(٢) الصِّنْوهنا: الأخ الشقيق.
(٣) الحفظ هنا: الرعاية، وتكون هنا باستجابة دعائه.
(٤) يشير إلى الآية الكريمة في سورة الكهف: ﴿وأما الجدار
فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنزٌ لهما وكان
أبوهما صالحاً .. )).
٣٩

ثم قام العباس وعيناه تَنْضَحَان(١)، فطالَ
عُمَرَ (٢)، ثم قال:
((اللهم أنتَ الراعي لا تُهْمِلُ (٣) الضالَّة، ولا
تَدَعُ (٣) الكسير بدار مَضْيَعَة، فقد ضَرَع الصغير،
ورقَّ الكبير، وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم
السرَّ وأخفى .
(١) تنضحان: تفوران بالدمع.
(٢) فطال عمر: أي ظهر طوله على طول عمر. وفي المصدر
المنقول عنه: فطالع عمر، والتصويب من ((طبقات)) السبكي
٢ : ٣٣٠.
(٣) إعراب ((لا تهملُ ولا تدعُ)) بالرفع أولى من جعل (لا))
دعائية وما بعدها مجزوم بها، ففيها نسبة الإهمال إلى الله
تعالى حينئذ، وعلى إعرابهما بالرفع يكون المعنى ثناءً
على الله تعالى، كأنه قال: اللهم أنت الراعي، ومن شأنك
أنك لا تُهملُ الضالةَ ولا تَدَعُ الكسير، ثم أعقبه بالشكوى إليه
تعالى ببيان الحال والواقع: فقد ضَرَع الصغير - أي ذَلَّ
وخضع - ورقَّ الكبير، أي ضَعُف.
٤٠