Indexed OCR Text

Pages 41-60

فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسولَ الله ليس
بي بأسٌ إلّ ما نال الفاسقُ من وجهي، وهذه
أمي بَرَّةٌ بولدها وأنتَ مباركٌ فَادْعُها إلى الله وادعُ
الله لها، عسى أن يَستنقذَها بكَ من النار، فدعا
لها رسول الله الض ◌ّ﴾ ودعاها إلى الله فأسلمتْ(١).
(١) اسمها: أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر، وهي بنت عمَّ
أبي قحافة. والخبر من ((البداية والنهاية)) لابن كثير رحمه الله
٣ : ٣٠.
٤١

من سيرة الصحابة رضوان الله عليهم
٢
عمر بن الخطاب رضي الله عنه
رأفته بالأطفال من رعيته
قال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما:
قَدِمتْ رُفقةٌ من التجّار، فنزلوا المُصَلَّى (١)،
فقال عمر لعبدالرحمن بن عوف: هل لك أن
نَحْرُسَهم الليلةَ من السَّرَق(٢)؟.
فباتا يَحْرُسانِهم، ويصلِّيان ما كَتَب اللّه لهما،
فسمع عمرُ بكاءَ صبيٍّ، فتوجَّه نحوَه فقال لأمه:
إِنَّقي الله وأَحْسِني إلى صبِيِّكِ. ثم عاد إلى
(١) هو مكان اجتماع الناس لصلاة العيد، ومصلَّى العيد في
المدينة آنذاك هو موضع مسجد الغمامة اليوم .
(٢) أي: السرقة .
٤٢

مكانه. فسمع بكاءَه فعاد إلى أمه فقال: اِتَّقي
الله وأَحْسِني إلى صبِيِّك. ثم عاد إلى مكانه.
فلما كان من آخر الليل سمع بكاءَه فأتى أمَّه
فقال: وَيْحَكِ إني لَأراكِ أَمَّ سَوْء، ما لي أرى
ابنَك لا يَقِرُّ منذ الليلة؟ .
قالت: يا عبدَ الله قد أَبْرمتَني(١) منذ الليلةِ،
إني أرِيغه (٢) عن الفِطام فيأْبَى.
قال: وَلِمَ؟.
قالت: لأن عمر لا يَفرِض إلّ للفُطُم.
قال: وكم له؟ .
قالت: كذا وكذا شهراً.
قال: ويحكِ لا تعجليه .
فصلى الفجرَ وما يَسْتبينُ الناسُ قراءتّه من
(١) أضجرْتَني .
(٢) أحملُه على الفِطام وأُريده منه.
٤٣

غَلَبةِ البكاءِ. فلما سَلَّم قال: يا بُؤْساً لعمر! كم
قَتَلَ من أولاد المسلمين ! .
ثم أمر منادياً فنادى: أن لا تُعْجِلوا صِبيانَكم
عن الفِطام، فإنا نَفِرض لكل مولودٍ في
الإسلام، وكتب بذلك إلى الآفاق: إنا نفرض
لكل مولود وُلد في الإسلام(١).
(١) من ((طبقات ابن سعد)) ٣: ٢١٧.
٤٤

من سيرة الأئمة العلماء
١
الإمام أبو حنيفةَ رضي الله عنه
سببُ اجتهادِه في العلم
عن عبدالعزيز بن خالد قال:
سمعتُ الإمامَ أبا حنيفةَ رضي الله عنه يقول:
كنتُ في أول الأمر لا أدخلُ في هذا العلمِ
هذا الدخول(١)، حتى رأيتُ في المنام كأني
أَنْبُشُ قبرَ النبِّ ◌َّ وأستخرجُ عِظامَه وأُؤَلِّفُ
بعضها على بعض، فانتبهتُ من النوم وبي من
الغَمِّ والبكاءِ ما الله به عليمٌ، وقلتُ: أنبشُ
(١) يريد: لم أكن أتعمَّق في العلم هذا التعمُّق.
٤٥

القبورَ وقد جاء فيه ما جاء(١)؟! ثم من بين
القبور قبر النبيِّ ◌ِّ؟ !.
فأمسكتُ عن الجلوس ولزمتُ البيتَ، وتبيَّن
ذلك فيَّ حتى عادني إخواني، فقال بعضهم
لي: قد نرى عروقَك سالمةً، ولا نرى فيك أَثْر
المرضِ ، فكيف هذا؟ فأخبرتُه برؤيايَ. فقال:
يكون خيراً إن شاء الله.
فقال: هاهنا صاحبٌ لابن سِيرِينَ عالمٌ
بالرؤيا، ندعوه لك؟.
فقلت: لا، أنا آتيه. فأتيتُه .
فقال: هذه الرؤيا لكَ؟.
فقلت: أنا رأيتُها .
فقال: إنْ كان ما تقولُ حقاً لَتَعْمَلَنَّ في إقامة
(١) يريد: أنه ورد عن النبي مَ﴾ التحذيرُ من هذا الفعلِ.
واستنكر من نفسه هذا أنه لم يفعله إلّ في قبر النبي مغلقه !.
٤٦

السُّنة عملاً لم يَسبقْكَ به أحدٌ، وَتَدْخُلَنَّ في
العلم مَدْخَلاً بعيداً.
فلما سمعتُ ذلك منه اجتهدتُ في هذا
٥
العلم هذا الاجتهادَ. اللهم اجعل عاقبته إلى
خير(١).
(١) الخبر من ((عقود الجُمانِ في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفةً
النعمان)» لشمس الدين الصالحي ص: ١٧١ .
٤٧

من سيرة الأئمة العلماء
٢
الإمامُ الشافعيُّ رضي الله عنه
أول اتصالِه بالإمامِ مالكٍ
عن الرَّبيعِ بنِ سُليمانَ قال:
سمعتُ الشافعيَّ يقول: خرجتُ من مكةَ
فلزمتُ هُذَيْلاً في البادية، أتعلَّمُ كلامها وآخُذ
بِلُغَتِها، وكانت أفصحَ العربِ، فأقمتُ معهم مدةً
ارحَلُ برحيلهم وأنزِلُ بنزولهم، فلما أنْ رجعتُ
إلى مكة جعلتُ أَنْشِدُ الأشعارَ وأُذكرُ أيامَ
الناسِ ، فمرَّ بي رجلٌ من الزُّهْرِيِّينَ(١) فقال لي :
- يا أبا عبدِ الله عزَّ عليَّ أن لا تكونَ في
العلمِ والفقهِ هذه الفصاحةُ والبلاغةُ !.
(١) أي: رجل من بني زُهْرة، إحدى قبائل العرب.
٤٨

قلت: مَن بَقي ممن يُقصدُ؟.
فقال: مالكُ بنُ أنسٍ سيدُ المسلمين.
قال: فوقع ذلك في قلبي، وعَمَدت إلى
((الْمُوَطَّ))(١) فاسْتَعَرْتُه من رجل بمكةً وحفِظُه.
ثم دخلتُ على والي مكة فأخذتُ كتابَه إلى
والي المدينة وإلى مالك بن أنس، فقدِمتُ
المدينةَ، فبلَّغت الكتابَ، فلما قرأ والي المدينةِ
الكتابَ قال:
يا بنيَّ إِنَّ مَشْبِي من جَوْف المدينة إلى جوف
مكةً حافياً راجِلً (٢) أهونُ عليَّ من المشي إلى
باب مالك، فإني لستُ أرى الذُّلَّ حتى أَقِفَ
على بابه ! .
فقلتُ: إِنْ رأى الأميرُ أنْ يُوجِّه إليه ليحضُر ! .
(١) اسم كتاب للإمام مالك جمع فيه بعض الأحاديث الثابتة .
(٢) ماشياً على قدميه غيرَ راكب.
٤٩

فقال: هيهاتَ! ليتَ أني إنْ ركبتُ أنا ومن
معي وأصابنا ترابُ العَقِيق(١) يقضي حاجتنا ...
فواعدتُه العصرَ، وَقَصَدْنا، فتقدَّم رجلٌ وقَرَع
البابَ، فخرجتْ إلينا جاريةٌ سوادءُ فقال لها
الأمير: قولي لمولاكٍ: إنني بالباب. فدخلتْ
فأبطأتْ ثم خرجتْ فقالت:
- إن مولايَ يقول: إنْ كانتْ مسألةٌ فارْفَعْها
إليَّ فِي رُقعةٍ حتى يَخرِجَ إليك الجوابُ، وإنْ
كان للحديث فقد عرفتَ يوم المجلس.
فانْصرِفْ.
فقال لها - الأمير -: إنَّ معيَ كتابَ والي مكة
في مھمٍّ .
فدخلتْ ثم خرجتْ وفي يدها كرسيّ،
(١) اسم وادٍ بطرف المدينة المنورة. يريد الوالي: ليت مالكاً
يقضي حاجتنا ولو تكلفنا الذهاب إلى ذلك المكان البعيد.
٥٠

فوضعتْه، فإذا بمالكِ رجلٍ شيخٍ طُوَال، قد
خرج وعليه المهابةُ، وهو مُتَطِيْلِسٌ(١) فَدَفَعَ إليه
الكتابَ فبلغ إلى قوله: إن هذا - أي الشافعي -
رجلٌ شريفٌ، من أمره وحاله، فتحدِّثُه وتفعلُ
وتصنعُ .
فرمى - مالك - بالكتاب من يده وقال: يا
سبحانَ الله قد صار علمُ رسولِ اللهِ وَل ◌ِ يُؤُخذُ
بالوسائل !.
قال: فرأيتُ الواليَ وهو يهابُه أن يكلِّمَه،
فتقدمتُ إليه.
فقلت: أصلحك الله إني رجلٌ مُطَّلِيٍّ، من
حالي وقصتي .
(١) لابسٌ الطَّيْلَسان، وهو هذا المِنديلُ المتداوَلُ وَضْعُه على
الرأس حتى أيامنا.
٥١

فلما أنْ سَمِع كلامي نظر إليّ ساعةٍ - وكانتْ
لمالك فِراسةٌ - فقال لي :
- ما اسْمُك؟.
فقلت: محمد .
فقال: يا محمد اتقِ الله واجتنبِ المعاصي،
فإنه سيكونُ لك شأنٌ من الشأن.
فقلت: نعم، وكرامةً .
فقال: إذا كان غداً تجيءُ، ويجيءُ معك مَنْ
يقرأ لك (المُوَطَّ)).
فقلت: إني أقرأُ ظاهراً.
قال: فغدوتُ إليه وابتدأتُ، فكلما تَهَيِّبْتُ
مالكاً وأردتُ أن أَقطع، أعجبه حُسنُ قراءتي
وإعرابي(١) يقول:
(١) الإعراب هنا: البيان، أي: يقرأ قراءة فصيحةً بِّنة الحروف
والكلمات.
٥٢

۔ یا فتی زِدْ.
حتى قرأتُه عليه في أيامٍ يسيرة. ثم أقمتُ
بالمدينة إلى أن تُوفي مالك بن أنس رضي الله
عنه(١).
(١) الخبر من ((مناقب الشافعي)) للبيهقي ١: ١٠٢ - ١٠٣.
٥٣

من سيرة الأئمة العلماء
٣
أَثَر صحبةِ العلماء
قال عبد الله بن أبي موسى التُّسْتَري:
قيل لي : حيثما كنتَ فكنْ قُرْبَ فقيه .
قال: فأتيتُ بَيروتَ إلى الأوزاعي، فبينا أنا
عنده إذْ سألني عن أمري؟ فأخبرته - قال: وكان
[مجوسیاً ثم] أسلم ..
فقال لي : أَلكَ أبٌ؟.
قلت: نعم، تركتُه بالعراق، مجوسيّ .
قال: فهل لك أن تَرْجِع لعل الله يهديه
[على] يديك؟.
قلت: تَرَى لي ذاك؟ .
قال: نعم .
٥٤

فأتيتُ أبي فوجدتُه مريضاً.
فقال لي : يا بنيَّ أَيُّ شيءٍ أنتَ عليه؟.
فأخبرته أني أسلمت.
فقال لي : فاعْرِضْ عليَّ دينك.
فأخبرته بالإسلام وأهله .
قال: فإني أُشْهِدك أني قد أسلمت.
قال: فمات في مرضه ذلك، فدفنتُه،
ورجعتُ إلى الأوزاعي فأخبرته(١).
(١) القصة في ((التاريخ الكبير)) لابن أبي خيثمة، الورقة ١٧ / آ
من الجزء الخمسين، من مخطوطة المكتبة المحمودية
بالمدينة المنورة، وما بين المعكوفين زيادة مني .
٥٥

من أخبار الأمراء مع العلماء
مَنْ أعزُّ الناس
في سيرة الإمام أبي زكريا يحيى بنِ زيادٍ
الفَرّاءِ(١):
كان المأمونُ ـ الخلیفةُ العباسيُّ - قد وگَّل
الفَرَّاءَ يُلَقِّن(٢) ابْنَيْه النَّحْوَ، فلما كان يوماً أراد
الفَراءُ أن ينهضَ إلى بعضِ حَوائجه، فابْتَدَرا(٣)
إلى نعلِ الفراء يقدِّمانه له، فتنازعا أيُّهما
يقدِّمُه، ثم اصْطَلَحا على أن يقدِّمَ كلُّ واحدٍ
منهما فرْداً، فقدَّماها.
(١) كان من أئمة اللغة العربية، ورواة الحديث الثقات، وكانت
وفاته سنة سبع ومائتين .
(٢) يلقِّن: يعلِّم.
(٣) ابتدرا: أسرعا.
٥٦

وكان المأمونُ له على كلِّ شيءٍ صاحبُ(١)،
فَرَفَع ذلك إليه في الخبر، فوجَّه(٢) إلى الفراء
فاستدعاه، فلما دخل عليه قال له:
من أعزُّ الناس؟.
قال: ما أعرِف أعزَّ مِن أمير المؤمنين.
قال: بلى! مَن إذا نَهَضَ تَقَاتَل على تقديمٍ
نَعْلَيْه وليًّا عَهْدِ المسلمين، حتى رضي كلّ
واحد أن يقدِّم له فَرْداً !.
قال: يا أمير المؤمنين لقد أردتُ منعَهما عن
ذلك، ولكنْ خشيتُ أنْ أدفَعَهما عن مَكْرُمة(٣)
سَبَقا إليها، أو أكْسِر نفوسَهما عن شريفة (٤)
(١) صاحبٌ: أي: موظفُ ومراقبٌ.
(٢) وجَّه إليه: أرسل إليه.
(٣) المكرمة: الفعل الحسن المحمود.
(٤) الشريفة: يريد: خَصْلة ترفع من قَدْر فاعلها.
٥٧

حَرَصا عليها، وقد يُروى عن ابن عباس أنه
أَمْسَك الحسن والحسين رِكابَيْهما(١) حين خرجا
من عنده، فقال له بعضُ مَن حَضَر: أَتُمْسِكُ
لهذين الحَدَثَيْن(٢) ركابَيْهما وأنت أَسَنُّ منهما؟!
قال له: أُسْكُتْ يا جاهلُ، لا يعرفُ الفضلَ
لأهلِ الفضِل إلا ذَوُوْ الفضل.
قال له المأمون: لو مَنَعْتَهما عن ذلك
لَأَوْ جَعْتُك(٣) لَوْماً وعَتْباً، وأَلزمْتُك ذَنْباً، وما
وَضَع ما فَعَلاه مِن شَرَفهما، بل رَفَعٍ مِنْ
قَدْرِهما، وبَّن عن جوهرهما، وقد ثَبَتَتْ لي
(١) الركاب: المكان الذي يضع الفارس فيه قدميه حين يركب
فرسه .
(٢) الحَدَثُ: الشابُّ.
(٣) هكذا في المصدر المنقول عنه، ولعل الصواب:
لأوسعتك.
٥٨

مَخِيْلَة الفراسة (١) بفعلهما، فليس يَكْبُر الرجل -
وإنْ كان كبيراً - عن ثلاث: عن تواضُعه
السلطانِهِ، ووالدِه، ومعلِّمِه العلمَ؛ وقد عَوَّضتُهما
عما فَعَلاه عشرين ألفَ دينارٍ، ولك عَشَرُة آلافٍ
درهمٍ، على حُسْن أدبك لهما(٢).
(١) المَخِيلة: الظنّ. والفِراسة هنا: التعرف على طبائع إنسانٍ ما
من ظاهره. يريد: أنه كان يتوسَّم في ولديه خُلُقاً كريماً،
فقد بان له منهما ما كان يظنه فيهما .
(٢) من ترجمة الفراء في ((تاريخ بغداد)) ١٤: ١٥٠ للخطيب.
٥٩

من أخبار الصبر على العلم
١
وعاتَقَ المجدَ مَنْ أَوْفَى ..
قال أبو نصرٍ هارونُ بنُ موسى بن جَنْدلٍ
النَّحْويُّ المتوفّى سنة ٤٠١ هـ:
كنا نختلفُ(١) إلى أبي علي البغداديِّ رحمه
الله(٢) وقتَ إملائه ((النوادر))(٣) بجامع الزَّهراء،
ونحن في فصل الربيع، فبينا أنا ذات يومٍ في
(١) أي: نتردد إليه لحضور مجلسه.
(٢) أبو علي البغدادي: هو أبو علي إسماعيل بن القاسم القاليُّ،
نسبة إلى قالي قَلا، المتوفّى سنة ٣٥٦، أقام في بغداد زمناً،
فلما رحل إلى الأندلس قيل له: البغدادي، وكان من أئمة
اللغة والعربية والأدب.
(٣) ((النوادر)) هو أشهر كتب أبي علي القالي، ويعرف أيضاً
بـ ((أمالي أبي علي القالي)) وهو مطبوع في جزأين، ولأبي =
٦٠