Indexed OCR Text
Pages 61-80
الجزء الأول من كتاب الزهد الكبير بسم الله الرحمن الرحيم . ربِّ أعن بفضلك أخبرنا المشايخ زين الأمناء أبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله الشافعي ، وفخر الدين أبو بكر محمد بن عبد الوهاب بن عبد الله الشافعي الأنصاري ، وسيف الدولة أبو عبد الله محمد بن غسان بن غافل بن نجاد الحنفي الأنصاري وفقهم الله قراءةً عليهم وأنا أسمع في شهور سنة ثلاث وعشرين وستمائة بجامع دمشق قالوا أنبأنا الإِمام الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي في شهور سنة خمس وستين وخمس مائة قال : أنبأنا أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي النيسابوري بقراءتي عليه بها قال : أنبأ الشيخ الإِمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي قراءةً عليه وأنا أسمع بنيسابور قال : الحمد لله رب العالمين والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين . أما بعد فقد ذكرت في كتاب الجامع في باب الزهد بعض ما حضرني من الأخبار والآثار في الزهد وقصر الأمل ، وذكرت في كتاب دلائل النبوة وغيره كيف كان عيش النبي ◌َّ في الدنيا ووجدت أقاويل السلف والخلف رضي الله عنهم في فضيلة الزهد وكيفيته في قصر الأمل والمبادرة بالعمل كثيرة ، فذكرت في هذه الأجزاء ما حضرني من ذلك مستعيناً بالله فيه وفي جميع أموري نعم المولى ونعم النصير . ١ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، أنبأ أحمد بن عُبيد الصفار ، ثنا تمتام ، ثنا عبد الله بن مسلمة قال: ثنا عبد الله بن المبارك ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند ( ح ) وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ، أنبأ ٦١ أحمد بن جعفر القطيعي ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، ثنا وكيع ، ثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن أبيه ، عن إبن عباس رضي الله عنهما [ قال: قال رسول الله وَل: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ، الصحة والفراغ))(١) ] . ٢ -.... (٢) يقول سمعت جدي يقول: الزهد أن لا يسكن قلبك إلى موجود في الدنيا ، ولا يرغب في مفقود فيها ثم تلا قول الله عز وجل : ما أصاب من مصيبة في الأرض﴾(٣) الآية . ٣ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف ، أنبأ أبو سعيد بن زياد ، ثنا جعفر بن أحمد بن عاصم ، ثنا أحمد بن أبي الحواري قال : قلت لأبي موسى الديبلي : ما الزهد في الدنيا؟ قال: لا تأس على ما فاتك منها ، ولا تفرح بما أتاك منها. (١) ما بين القوسين ساقط في الأصل والظاهر سقوط ورقة كاملة من الأصل واستدركنا الساقط من كتاب الزهد لابن المبارك (ص / ٢/١) ومسند الإمام أحمد بن حنبل (٣٤٤/١) والزهد له (ص/ ٣٥). والحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الرقاق : باب ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة عن المكي بن إبراهيم عن عبد الله بن سعيد . وأخرجه الترمذي في جامعه كتاب الزهد : في فاتحته من طريق ابن المبارك وقال : هذا حديث حسن صحيح ورواه غير واحد عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند ورفعوه ووقفه بعضهم عن عبد الله ابن سعيد بن أبي هند . وأخرجه النسائي في السنن الكبرى كتاب الرقائق من طريق ابن المبارك كما في تحفة الأشراف (٤ /٤٦٥). وأخرجه ابن ماجة في سننه كتاب الزهد : باب الحكمة . وأحمد بن حنبل في مسنده (٢٥٨/١). وأخرجه الدارمي في سننه (٢٩٧/٢). كتاب الرقاق : باب في الصحة والفراغ . والطبراني في الكبير (٣٩٢/١٠) . والقضاعي في مسند الشهاب (١٩٧/١٩٦/١). ووكيع بن الجراح في الزهد (ص/ ٢٢٥/٢٢٤) والحاكم في المستدرك (٤ /٣٦٠) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ونبه على وهمه الذهبي. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١٧٤/٨). وأخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه. (٨٧/٢). وأخرجه البغوي في شرح السنة (٢٢٣/١٤). وأخرجه المصنف في الآداب (ص/٤٩٩) من طريق ابن المبارك. وفي السنن (٣٧١/٣٧٠/٣). وأخرجه ابن جميع الصيداوي في معجم شيوخه (ص / ١٩٤) وابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ٢٣٤). (٢) هكذا بدأت الصفحة بعد السقط . (٣) سورة الحديد/ ٢٢ . ٦٢ ٤ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال : سمعت عبد الله بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن خليفة الجارودي يقول : سمعت سهل بن علي أبا عمران يقول : سمعت أبا سليمان يقول : الزاهد حقاً لا يذم الدنيا ولا يمدحها ، ولا ينظر إليها ، ولا يفرح بها إذا أقبلت ولا يحزن عليها إذا أدبرت . ٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق ، ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان الخياط قال : سمعت ذا النون يقول : أرغب الناس في الدنيا وأحفاه بها طلباً أكثرهم لها ذماً عند طلابها ولا سيما إذا كان ذمه للدنيا حرقة بها . ٦ - قال : وسمعت ذا النون يقول : ما رجع من رجع إلا من الطريق ولو وصلوا إلى الله (١) ما رجعوا فازهد يا أخي في الدنيا ترى العجب. ٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى قالا : ثنا أبو العباس الأصم ، أنبأ العباس بن الوليد ، أخبرني أبي ، ثنا الضحاك قال : سمعت بلال بن سعد يقول : عباد الرحمن أمّا ما وكلكم الله به فتضيعون وأمّا ما تكفل الله لكم به فتطلبون ما هكذا بعث الله عباده الموقنين ذوو عقول في طلب الدنيا وبله عما خُلقتم له فكما ترجون رحمة الله بما تؤدون من طاعة الله فكذلك اشفقوا من عقاب الله بما تنتهكون من معاصي الله (٢). ٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه قال : قُرىء على الحسن بن المكرم وأنا أسمع ، ثنا يزيد بن هارون ، أنبأ هشام ، عن الحسن قال : قال عامر بن عبد قيس : العيش في أربع : اللباس والطعام والنوم والنساء ، فأمّا النساء فوالله ما أبالي امرأةً رأيت أو جداراً ، وأما اللباس فوالله ما أبالي ما واريت به عورتي ، وأما الطعام والنوم فقد غلباني والله (١) ما فيه ضرر على اصطلاح الصوفية . (٢) مختصر تاريخ دمشق (٢٥٢/٨). حلية الأولياء (٣٨٦/٩). ابن أبي الدنيا في اليقين ( الورقة / ١٠ ) . ٦٣ لأضار بهما جهدي ، قال الحسن : فأضرّ والله بهما (١). ٩ - أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني ، أنبأ أبو سعيد بن الأعرابي ، أنبأ أبو يحيى محمد بن سعيد بن غالب ، أنبأ زيد بن الحباب ، ثنا معاوية بن عبد الحكم الثقفي ، ثنا يونس بن عبيد ، أن عامر بن عبد قيس قال : الدنيا أربعة أجزاء : المال والنساء والنوم والطعام ، أما المال والنساء فلا حاجة لي بهما ، وأمّا الآخران فأيم الله لأضرنّ بهما وقال: لأجعلن الهمّ واحداً(٢). ١٠ - وأخبرنا عبد الله بن يوسف ، أنبأ أبو سعيد ثنا ابن أبي الدنيا ، ثنا هارون بن عبد الله ، ثنا سعيد بن عامر ، عن أسماء بن عبيد قال : قال عامر بن عبد قيس : والله لئن استطعت لأجعلن الهم هماً واحداً . قال الحسن : ففعل ورب الكعبة (٣). قال أبو سعيد بن الأعرابي : وهذا على ما قيل في الزهد أن يكون همه هماً واحداً لله عز وجلّ وحده ليس ذكر دنيا ولا آخرة وهو غاية الزهد ، وهو خروج قدر الدنيا وقلتها من قلبه أن يزهد فيها وخروج قدر غيرها فيرغب فيها إذا كانت دون الله عز وجل ، هذا لمن كان الله همه وحده خالصاً . ١١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى قالا : حدثنا أبو العباس الأصم ، أنبأ العباس بن الوليد، أخبرني ابن شعيب ، أخبرني شيبان ، عن منصور أنه حدثهم قال : سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يُبْخسون﴾ (٤) قال: هو الرجل يعمل العمل للدنيا لا يريد به الله فيوفى إليه (١) مختصر تاريخ دمشق (٢٦٩/٥). وابن أبي شيبة في المصنف (١٣ / ٤٧٢ ). (٢) المعرفة والتاريخ (٧٦/٢). طبقات ابن سعد (١١٢/٧). (٣) الحلية (٩١/٩/٢). المعرفة والتاريخ (٧٥/٢). ابن أبي شيبة في المصنف (٢١٩/١٣) ابن المبارك في الزهد ببعضه ( ٢٩٤) طبقات ابن سعد (١١٢/٧). (٤) سورة هود / ١٥ . ٦٤ عمله في الدنيا(١)، قال : وهي مثل الآية التي في الروم ﴿ وما أتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله﴾ (٢). ١٢ - أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ، أنبأ أبو أحمد محمد بن أحمد بن الغطريف ، ثنا يعقوب بن إبراهيم الحافظ ، ثنا عامر بن رجاء ، أنبأ داود بن المحبّر ، ثنا سلام بن مسكين قال : كان الحسن كثيراً ما يقول : يا معشر الشباب عليكم بالآخرة فاطلبوها فكثيراً رأينا من طلب الآخرة فأدركها مع الدنيا وما رأينا أحداً طلب الدنيا فأدرك الآخرة مع الدنيا . ١٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى قالا : ثنا أبو العباس بن يعقوب ، ثنا الخضر بن ابان ، ثنا شيبان ، ثنا جعفر ، ثنا حوشب قال : سمعت الحسن يقول : رحم الله عبداً جعل العيش عيشاً واحداً فأكل كسرة ولبس خلقاً ولزق بالأرض واجتهد في العبادة وبكى على الخطيئة وهرب من العقوبة ابتغاء الرحمة ختى يأتيه أجله وهو على ذلك . ١٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ، ثنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل ، ثنا أبو منصور نصر بن داود بن طوق البغدادي ، ثنا داود بن نوح قال : سمعت سفيان بن عيينة يقول : سمعت أبا حازم يقول : أوحى الله عز وجل إلى الدنيا من خدمك فأتعبيه ومن خدمني (٣) فاخدميه (٤) . ١٥ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف الأموي ، ثنا عمي محمد بن يوسف ، ثنا إسحاق يعني الحنظلي ، ثنا سفيان ، عن أبي حازم فذكره بمثله . (١) أخرجه بمعناه أبو الشيخ كما في الدر المنثور (٤٠٨/٤). (٢) سورة الروم / ٣٩ . (٣) أي أطاعني . (٤) أبو نعيم في الحلية (١٩٤/٣) عن جعفر بن محمد الصادق . ٦٥ ١٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو النصر الفقيه، ثنا صالح بن محمد البغدادي الحافظ ثنا سعيد بن سليمان ( ح ) وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، أنبأ أحمد بن عبيد الصفار ، ثنا محمد بن غالب ، ثنا غسان بن الربيع ثنا أبو عقيل يحيى بن المتوكل ، عن عمر بن محمد بن زيد العمري عن نافع وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه وسلم: ((من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله دنياه وآخرته ، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله في أي أوديته هلك))(١)، وفي رواية أبي عبد الله: (( كفاه الله ما همه من أمر الدنيا والآخرة )) وقال في آخره: ((في أي أودية الدنيا هلك))(٢). ولم يذكر في إسناده عبد الله بن دينار . ١٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب النحوي يقول : سمعت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل الواعظ يقول : من لم يكن الله في كل المعاني همه كان منقوصاً من الله في كل المعاني حظه ، فالله منتهى همة الهموم، فمن كان الله همه في كل المعاني لم يكن له سكون ولا قرار إلا إلى الله ، وذلك أن الله عز وجل لا مثل له فيسكن إليه وليس فوقه شيء لينتهي منه إليه ، ولذلك لا يحسن السكون إلا إليه . ١٨ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبأ أبو عمرو بن السّماك ، ثنا الحسن بن عمرو قال : سمعت بشراً يقول : قال أبو بكر بن عياش : من عظم صاحب دنيا فقد أحدث حدثاً في الإِسلام . ١٩ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال : سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول : سمعت إبراهيم بن فاتك يقول : سئل الجنيد عن الزهد فقال : خلّو الأيدي من الأموال ، والقلب من التّتبع . ٢٠ - قال : وسمعت الجنيد وسأله رويم عن الزهد فقال : استصغار (١) أخرجه المصنف في الآداب ( ص / ٤٩٥). (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤٤٣/٢) وصححه ووافقه الذهبي . ٦٦ الدنيا ومحو آثارها من القلب . ٢١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق ، ثنا أبو عثمان الخياط ، ثنا أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت أبا سليمان الداراني يقول لأبي صفوان أي شيء أول حدود الزهد ؟ فقال أبو صفوان : استصغار الدنيا فقال له أبو سليمان : إذا كان هذا أوله فأي شيء يكون أوسطه وأي شيء يكون آخره ؟ قال له أبو صفوان : إن زهد في شيء من الدنيا ثم تتبعه بعدُ نفسه ، فإِذا بلغ الغاية استصغر الدنيا . ٢٢ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف، أنبأ أبو سعيد بن الأعرابي ، ثنا عبد الصمد بن أبي يزيد ، ثنا ابن أبي الحواري قال : سمعت أبا سليمان سأل أبا صفوان يعني الرعيني ، أي شيء أول حدود الزهد ؟ فقال له أبو صفوان : استصغار الدنيا . قال أبو سعيد : سمعت جماعة ممن ينتسب إلى علم ذلك يقولون : أول الزهد إخراج قدرها من القلب ، وآخره خروج قدرها حتى لا يقوم لها في القلب قدر ، ولا يخطر بباله رغبة فيها ولا زهد فيها لأن الرغبة والزهد لا يكونان إلا فيما قام قدره في القلب . ٢٣ - سمعت محمد بن الحسين بن محمد يقول : سمعت أبا الفرج عبد الواحد بن بكر يقول : سمعت أبا علي البلخي يقول : سئل محمد بن الفضل عن الزهد فقال : النظر إلى الدنيا بعين النقص ، والإِعراض عنها تعززاً وتظرفاً ، فمن استحسن من الدنيا شيئاً فقد نبّه [عن ] قدرها(١). ٢٤ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال : سمعت أبا الحسن بن مقسم ببغداد يقول : سمعت أبا العباس الرازي يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : الزاهد حقيقة من يخلو قلبه عن المرادات كما تخلويده من الأسباب . (١) طبقات الصوفية (ص/٢١٦) وعنده : أبو علي الخمي . ٦٧ ٢٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسين الخُسْرَوْجِرْدي ، ثنا عيسى بن محمد المروزي ، ثنا الحسن بن حماد قال : سمعت أبي حماداً يقول : دخلت البصرة فسألت مرحوم العطار : هل بقي من جلساء الحسن أَحَدٌ ؟ فقال : بقي شيخ فأتيته فقلت له : رحمك الله إن رأيت أن تحدثني بعض كلام الحسن فاتعظ به ، فقال : كان الحسن كثيراً ما يقول في كلامه : يا ابن آدم نطفة بالأمس وجيفة غداً والبلى فيما بين ذلك يمسح جنبيك كأن الأمر يُعنى به غيرك إن الصحيح من لم تمرضه الذنوب ، وإن الطاهر من لم تنجسه الخطايا ، وإن أكثركم ذكراً للآخرة أنساكم للدنيا ، وإن أنسى الناس للآخرة أكثركم ذكراً للدنيا ، وإن أهل العبادة من أمسك نفسه عن الشر وإن البصير من أبصر الحرام فلم يقربه ، وإن العاقل من يذكر يوم القيامة ولم ينس الحساب . ٢٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأ إبراهيم بن عصمة بن إبراهيم ، ثنا أبي ، ثنا يحيى بن يحيى ، أنبأ ابن السماك قال : بلغني أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن البصري أن عظني وأوجز قال : فكتب إليه الحسن : أما بعد فإن الدنيا مشغلةً للقلب والبدن وإن الزهد راحة للقلب والبدن وإن الله سائلنا عن الذي نعمنا في حلاله فكيف بما نعمنا في حرامه . ٢٧ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أنبأ أبو علي الحسين بن صفوان ، ثنا ابن أبي الدنيا ، حدثني الحسين بن عبد الرحمن ، عن محمد بن معاوية الأزرق قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن : عظني وأوجز ، فكتب إليه: ان رأس ما هو مصلحك ومصلح به علی یدیك الزهد في الدنيا ، وإنما الزهد باليقين واليقين بالتفكّر والتفكّر بالاعتبار ، فإذا أنت فكرت في الدنيا لم تجدها أهلاً أن تبيع بها نفسك ، ووجدت نفسك أهلاً أن تكرمها بهوان الدنيا فإِن الدنيا دار بلاء ومنزله قُلعة (١). (١) كذا في الأصل ، وفي سيرة عمر بن عبد العزيز ( ص /١٤٦) ومنزل غفلة . وسيأتي في رقم [ ٣١٣ ] . ٦٨ ٢٨ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أنبأ أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكاذي ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ثنا أبي ، ثنا روح ، ثنا هشام ، عن الحسن قال : والله لقد أدركت أقواماً إن كان أحدهم لتكون به الحاجة الشديدة وإلى جنبه المال الحلال لا يأتيه فيأخذ منه فيقال له : رحمك الله ألا تأتي هذا فتستعين به على ما أنت فيه ؟ فيقول : لا والله إني أخشى أن يكون فساد قلبي وعملي(١) . ٢٩ - أخبرنا أبو منصور النخعي ، ثنا أبو القاسم علي بن محمد بن عبيد العامري ، ثنا أحمد بن محمد بن سعيد ، ابنا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل مولى وهب بن منبه المزني ، ثنا محمد بن سعيد بن زائدة قال : سمعت داود بن نصير يقول : أَبَت الدنيا أن تجري إلا بالاختلاط . ٣٠ - أخبرنا عبد الله بن يوسف ، أنبأ ابن الأعرابي ، ثنا ابن أبي الدنيا ، أنبأ محمد بن الحسين ، ثنا مسكين بن عبد الله(٢) الصوفي، ثنا المتوكل بن الحسين العابد قال : قال إبراهيم بن أدهم : الزهد ثلاثة. أصناف : فزهد فرض وزهد فضل وزهد سلامة ، فالزهد الفرض الزهد في الحرام ، والزهد الفضل الزهد في الحلال ، والزهد السلامة الزهد في الشبهات(٣). ٣١ - أخبرنا محمد بن الحسين السلمي . قال : سمعت أبا أحمد الحسنوي يقول : قال أبو حفص : الزهد في الحرام فريضة ، وفي المباح فضيلة وفي الحلال قربة . ٣٢ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف ، ثنا ابن الأعرابي ، ثنا عبد الصمد بن أبي يزيد ، ثنا أحمد بن أبي الحواري ، ثنا المسيب قال : (١) أحمد في الزهد بنحوه (ص / ٢٦٠). (٢) في الحلية : عبيد . (٣) أبو نعيم في الحلية (١٣٧/١٠/٢٦/٨). وتهذيب تاريخ دمشق (١٧٧/٢ ) . ٦٩ سألت يوسف بن أسباط عن الزهد ما هو؟ قال : أن تزهد فيما أحل الله ، فأما ما حرّم الله فإِن ارتكبته عذبك الله - يعني إن تركه فرض _(١). ٣٣ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال : سمعت أبا العباس البغدادي يقول: ثنا أحمد بن محمد بن صالح، ثنامحمد بن عبدون، ثناعبدوس بن القاسم . قال : سمعت السري يقول : خمس من أخلاق الزهاد : الشكر على الحلال ، والصبر عن الحرام ، ولا يبالي متى مات ، ولا يبالي من أكل الدنيا ، ويكون الفقير والغني عنده سواء(٢) . ٣٤ - أخبرنا عبد الله بن يوسف ، أنبأ أبو الطيب المظفر بن سهل الخليلي عابد الشط بمكة ، ثنا إسحاق بن أيوب بن حسان الواسطي ، عن أبيه أيوب بن حسان ، عن سفيان بن عيينة قال : سمعت الزهري وقد سأله رجل فقال : يا أبا بكر من الزاهد ؟ قال : الذي لا يغلب الحرام صبره ولا يمنع الحلال شكره وقال أيوب بن حسان : سمعت ابن عيينة يقول : ما سمعت في الزهد قط شيئاً أحسن من هذا (٣). ٣٥ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الطيب محمد بن أحمد بن الحسين الحيري يقول : سمعت محمد بن عبد الوهاب الفراء يقول : سمعت علي بن عثام يقول : سئل الفضيل بن عياض عن الزهد فقال : طلب الحلال . ٣٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال : سمعت محمد بن الحسين الجوزجاني يقول : سمعت محمد بن علي يقول : سمعت مخلد بن الحسين يقول : الزهد في الدنيا أخذ الحلال . (١) الحلية (٣٣٧/٨) عن محمد بن الحسن بن قتيبة عن المسيب بن واضح. (٢) مختصر تاريخ دمشق (٢١٩/٩) . (٣) المعرفة والتاريخ (٦٣٥/٣) وسيأتي في رقم [٧٣]. ٧٠ ٣٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا أبو عثمان الخياط قال : سمعت ذا النون يقول : ثلاثة من أعلام الصلاح في الغنى : الزهد من الحرام تاركاً له ، وإخراج الحقوق من المال أداءً للفرض فيه ، والتواضع لجميع الناس خوفاً من الكبر ، وثلاثة من أعلام الصلاح في الفقر : القناعة بالمقدور له من الرزق ، وطلاقة الوجه إظهاراً للشكر على النعم ، وترك التواضع للمكثر طمعاً فيه ، وثلاثة من أعلام حب الآخرة ؛ كثرة البكاء ، والذكر لها ، ودوام الشوق إليها ، وبغض الدنيا من أجلها . ٣٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق ، أنبأ أبو عثمان الخياط ، أنبأ أحمد بن أبي الحواري ، أنبأ أحمد بن ثعلبة قال : قال أبو معاوية الأسود في قول الله عزّ وجلّ ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ﴾(١) قال: لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها(٢) . ٣٩- أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي ، قال : سمعت محمد بن محمد بن أحْيَد البلخي يقول : سمعت أبا بكر الوراق يقول : بعت العز من شهوة العز ، واشتريت الذل مخافة الذل هذا جزاء من خالف ربه . ٤٠ - أخبرنا عبد الله بن يوسف ، أنبأ أبو سعيد بن الأعرابي ، أنبأ عبد الصمد بن أبي يزيد ، ثنا أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : اختلفوا علينا في الزهد بالعراق فمنهم من قال : في [ ترك ](٣) لقاء الناس ومنهم من قال: ترك الشهوات قال أبو سليمان : وقولهم قريب بعضه من بعض (٤) . (١) سورة القصص / ٨٣ . (٢) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٤٤٤/٦). (٣) سقطت في الأصل استدركناها من الحلية . وهو قول بشربن الحارث سيأتي في رقم [ ١٦٠ ] . (٤) أبو نعيم في الحلية (٢٥٨/٩) وزاد : ومنهم من قال في ترك الشبع وأنا أذهب إلى أنّ الزهد في ترك ما يشغلك عن الله . ٧١ قال أحمد : ومن ترك لقاء الناس فهو للشهوات أترك . ٤١ - أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد الحافظ ، أخبرني أبو نصر بن عمر الخفاف ، ثنا محمد بن المنذر ، ثنا العباس بن أحمد الطرسوسي ، ثنا علي بن سعيد الخياط قال : سمعت عبد العزيز بن ابان يقول : سمعت سفيان يقول: الزهد في الرئاسة أشد من الزهد في الدنيا (١). ٤٢ - أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد قال : سمعت محمد بن عبد العزيز يقول : سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن شيبان يقول : سمعت أبا عبد الله المغربي يقول : من زهد في نصيب نفسه من الراحة زهد في العز والرياسة ، ومن زهد في العز والرياسة كتب اسمه في ديوان الولاية . ٤٣ -سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت عبد الواحد بن علي يقول : سمعت أبا عمرو بن نُجَيد يقول : من قدر على إسقاط جاهه عند الخلق سَهُل عليه الإِعراض عن الدنيا وأهلها . ٤٤ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف ، أنبأ أبو سعيد بن الأعرابي ، ثنا ابن أبي الدنيا ، حدثني أبو علي المدائني ، ثنا فطر بن حماد بن واقد ، ثنا أبي قال : سمعت مالك بن دينار يقول : يقولون مالك زاهدٌ ، أُّ زهدٍ عند مالك وله جبّة وكساء إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز أتته الدنيا فاغرة فاها فتركها(٢) . ٤٥ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف ، أنبأ أبو سعيد ، ثنا . ابن أبي الدنيا ، ثنا محمد بن عبد الحميد ، ثنا إسحاق بن منصور السلولي قال : دخلت على داود الطائي أنا وصاحب لي وهو على التراب ، فقلت لصاحبي : هذا رجل زاهد قال : إنما الزاهد من قدر فترك (٣). (١) أبو نعيم في الحلية (٢٣٨/٨) عن يوسف بن أسباط تقدمة الجرح والتعديل (٨٩/١). (٢) ابن الجوزي في سيرة عمر بن عبد العزيز (ص / ١٨٤). (٣) الحلية (٣٤٤/٧) من طريق ابن أبي الدنيا . ٧٢ ٤٦ - أخبرنا أبو علي الروذباري ، وأبو عبد الله الحافظ وأحمد بن الحسن القاضي قالوا : ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا إبراهيم بن مرزوق البصري بمصر ، ثنا سعيد - يعني ابن عامر-، عن عون بن المعمر ، أن عمر بن عبد العزيز دخل على فاطمة - وهي امرأته - فقال : يا فاطمة عندك درهم أشتري به عنباً؟ قالت : لا، قال: فعندك الفلوس أشتري به عنباً؟ قالت : لا وأقبلت عليه فقالت : أنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم تشتري به عنباً ولا على فلوس تشتري به عنباً؟ فقال : هذا أهون عليّ من معالجة الأغلال غداً في جهنم(١) . ٠ ٤٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ جعفر بن محمد بن نُصَير الخواص قال : سمعت علان بن أحمد البناء يقول : سمعت سري السقطي يقول لإِبراهيم البناء : يا بناء ليس من زهد في الدنيا تقذراً مثل من زهد في الدنيا تصبّراً (٢) . ٤٨ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال : سمعت سعيد بن أحمد يقول : سمعت أبا يحيى الكرابيسي يقول : سمعت محمد بن نصر يقول : سئل ابن معاذ عن الزهد فقال : ترك البُد . ٤٩ - أخبرنا أبو عبد الرحمن قال : سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول : سمعت أبا عمرو الدمشقي وسئل عن الزهد فقال : ان يزهد في ما لَهُ، مخافة أن یهوی ما ليس له . ٥٠ - سمعت أبا عبد الرحمن يقول : سمعت عبيد الله العُكبري يقول : سمعت أحمد بن محمد بن السري يقول : سمعت أحمد بن عيسى يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : كيف يكون زاهداً من لا ورع له ، تورّع (١) ابن الجوزي في سيرة عمر بن عبد العزيز (ص / ١٨٣ ). (٢) مختصر تاريخ دمشق (٢٢٠/٩) . ٧٣ عما ليس لك ثم أزهد فيما لك(١) . ٥١ - أخبرنا أبو عبد الرحمن قال : سمعت محمدبن علي النهاوندي يقول : سمعت عباس بن عصام يقول سمعت أبا حفص بن الجلاء يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول : ليس الزهد في الدنيا ترك الدنيا ، إنما الزهد أن تزهد في كل ما سوى الله هذا داود وسليمان عليهما السلام قد ملكا الدنيا وكانا عند الله من الزاهدين . ٥٢ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال : سمعت أبا سعيد الرازي يقول : سمعت الشبلي وسئل عن الزهد فقال : تحويل القلب من الأشياء إلى رب الأشياء(٢). ١ ٥٣ - أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري ، ثنا أبو بكر الاسماعيلي ، أخبرني أبو بكر بن المرزبان قال : سمعت محمد بن هارون يعني أبا نَشِيط يقول : سمعت بشر بن الحارث يقول : قال الفضيل بن عياض : رهبة العبد من الله على قدر علمه، بالله وزهده في الدنيا على قدر رغبته في الآخرة(٣). ٥٤ - أخبرنا عبد الله بن يوسف بن أحمد ، ثنا أبو سعيد بن زياد ، ثنا عبد الصمد ، ثنا أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : ليس الزاهد من ألقى غم الدنيا واستراح منها إنما تلك راحة ، وإنما الزاهد من ألقى غمها وتعب فيها لآخرته . قال أبو سعيد : يقول : كما زهد فيها يزهد في الراحة فيها ، فإِن الراحة في الدنيا من الدنيا ومن نعيمها . (١) الحلية (١١٠/٨) عن محمد بن زنبور عن الفضيل . (٢) السلمي في طبقات الصوفية (ص / ١١٠) بسنده ومتنه. طبقات الشعراني (٨١/١). طبقات الأولياء ( ص / ٣٢١ ) . (٣) طبقات السلمي (ص/ ٣٤١). الحلية ( ١٠ / ٣٧٠). ٧٤ ٥٥ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف أنبأ أبو سعيد بن زياد ، ثنا ابن أبي الدنيا ، عن أحمد قال : قلت لأبي هشام عبد الملك المغازلي : أي شيء الزهد ؟ قال : قطع الآمال وإعطاء المجهود وخلع الراحة . ٥٦ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق قال : سمعت أبا عثمان الخياط يقول : سمعت ذا النون يقول: تجوّع وتخلّى وتفرد واصْحَر ترى العجب . ٥٧ - سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا الحسن الفارسي يقول : سمعت الحسن بن علويه يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : الزهد ثلاثة أشياء : القلة والخلوة والجوع(١). ٥٨ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال : سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول : سمعت الحسن بن علويه يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : الزهد في ثلاثة : في الصبر على الضر والإيثار على الفقر وأن لا يطلب الدنيا بحال. ٥٩ - أخبرنا عبد الله بن يوسف ، أنبأ أبو سعيد بن الأعرابي ، ثنا عبد الصمد بن أبي يزيد، ثنا أحمد بن أبي الحواري، ثنا علي بن المديني قال : قيل لسفيان بن عيينة ، ما حد الزهد ؟ قال : أن يكون شاكراً في الرضا صابراً في البلاء ، فإِذا كان كذلك فهو زاهد ، قيل لسفيان : ما الشكر ؟ قال : أن تجتنب ما نهى الله عنه . ٦٠ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا بكر الخراش يقول : سئل أبو بكر الوراق عن الزهد فقال : الزهد ثلاثة أحرف ، أما الزاي فترك الزينة ، وأما الهاء فترك الهوى ، وأما الدال فترك الدنيا . ٦١ - أخبرنا محمد بن الحسين السلمي ، قال : سمعت سعيد بن (١) طبقات الصوفية (ص/١١٣). طبقات الأولياء (٣٢٢). ٧٥ أحمد يقول : سمعت عباس بن عصام يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السري يقول : [ إن الله ] (١) سلب الدنيا عن أوليائه وحماها عن أصفيائه وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لم يرضها لهم(٢) . ٦٢ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف ، أنبأ أبو سعيد بن الأعرابي ، ثنا عبد الصمد بن أبي يزيد الدمشقي ، ثنا أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت أبا سليمان يقول : أهل الزهد في الدنيا على طبقتين ، فمنهم من يزهد في الدنيا ولا يفتح له في روح الآخرة ، فهو في الدنيا مقل قد يئست نفسه من شهوات الدنيا ولم يفتح له في روح الآخرة ، فليس شيء أحب إليه من الموت لما يرجو من روح الآخرة ، ومنهم من زهد في الدنيا ويفتح له في [ روح ] الآخرة فليس شيء أحب إليه من البقاء للتمتع بذكر الله عز وجل ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾(٣) ورغبة في أن يذكر الله فيذكره لأن الميت ينقطع عمله وقد قال تعالى : ﴿فاذكروني أذكركم ﴾ (٤) فقال معناه : اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي وثوابي . ٦٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق الإِسفرائيني قال : سمعت أبا عثمان الخياط يقول : سمعت ذا النون يقول: اعلموا إخواني أن الناس قد تكلموا في الزهد بمعاني مختلفة فبعضهم قال : الزهد ترك حب المنزلة وقالت طائفة : الزهد ترك راحة النفوس وسرورها وحسم علائق النفوس من جميع ما تستريح إليه وقالت طائفة : الزهد ترك كل ما شغل عن الله عز وجل ، وقالت طائفة الزهد رفض الدنيا وقصر الأمل ، وقالت طائفة : الزهد الثقة بالله عزّ وجلّ ، وقالت طائفة : الزهد أخذ ما يسدّ الجوعة ويستر العورة ورفض ما سواه ، وقالت طائفة : الزهد الإِيثار الله عزّ وجلّ وترك (١) سقط في الأصل استدركناه من مختصر تاريخ دمشق . (٢) مختصر تاريخ دمشق (٢٢١/٩). (٣) سورة الرعد / ٢٨ . (٤) سورة البقرة / ١٥٢. ٧٦ كل ما شغل عن الله عزّ وجلّ ، وقالت طائفة : الزهد إخراج المخلوقين من القلب وحب الخلوة . ٦٤ - وسمعت ذا النون يقول : اعلموا أن صفة الزاهد من لم يطلب المفقود حتى يفقد الموجود قال : وقالت طائفة : الزاهد من لم ير الدنيا وأهلها وما فيها ، وإنما يرى الله وحده فإِذا كان كذلك لم يأخذ منها شيئاً إلا من يد الله عزّ وجلّ . ٦٥ - قال: وحدثنا أبو الفيض ذو النون قال : قال ابن عيينة : الزاهد من إذا أنعم عليه شكر وإذا ابتلي صبر . ٦٦ - قال: وسمعت ذا النون يقول : إياك أن تكون في المعرفة مدّعياً أو تكون بالزهد محترفاً أو تكون بالعبادة متعلقاً ، قيل له : فسر لنا ذلك رحمك الله فقال: أما علمت أنك إذا أشرت في المعرفة إلى نفسك بأشياء [ وأنت ](١) معرى عن حقائقها كنت مدعياً ؟ وإذا كنت في الزهد (٢) موصوفاً بحالةٍ فيك دون الأحوال كنت متحرفاً أو قال محترفاً ؟ وإذا علقت بالعبادة قلبك وظننت أنك تنجو من الله عزّ وجلّ بالعبادة لا بالله عزّ وجلّ كنت بالعبادة متعلقاً لا بوليها والمنان بها عليك(٣). ٦٧ - قال : وسمعت ذا النون يقول : ما رجع من رجع إلا من الطريق ولو وصلوا إلى الله ما رجعوا فازهد يا أخي في الدنيا ترى العجب(٤). قال وقالت طائفة : الزاهد الذي رفض الدنيا لحب الله عز وجل . ٦٨ - قال: وسمعت ذا النون يقول : اعلموا أن المحب الله عز وجل لا يعظم عنده الإِيثار الله لأنه ليس شيء عنده أعظم من الله فينبغي للمحب لله أن (١) سقطت في الأصل استدركناهامن الحلية . (٢) في هامش الأصل زهدك وفي الحلية كما في الأصل . (٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٥٠). طبقات الصوفية ( ص /١٨). (٤) مرّ تخريجه رقم [٦]. ٧٧ يرى عليه أثر ذلك من رفض الدنيا ، لأنه من المحال أن يجتمع في القلب حب الله مع حب الدنيا ، فمن أحب الله لم ينظر إلى ما يناله من الدنيا ولا يكون له حاجة إلى غير من أحب . ٦٩ - قال : وسمعت ذا النون يقول: من علامات المحب لله ترك كل ما شغل عن الله عز وجل حتى يكون الشغل كله بالله وحده(١). ٧٠ - قال : وسمعت ذا النون يقول : دلائل أهل المحبة لله أن لا يأنس بسوى الله ولا يستوحش مع الله لأن حب الله إذا سكن في القلب آنس بالله لأن الله أجلّ في صدور [ العارِفين](٢) من أن يحبوه لِغيره(٣). ٧١ - قال : وسمعت ذا النون يقول : من أحب الله استقل كل عمل بعمله . ٧٢ - قال : وسمعت ذا النون يقول في صفة المؤمن : إن الله لصفوة من خلقه وإن الله لخيرة من عباده ، فقيل يا أبا الفيض فما علامتهم ؟ قال : إذا خلع العبد الراحة وأعطى المجهود في الطاعة وأحب سقوط المنزلة (٤). فقيل له : يا أبا الفيض فما علامة إقبال الله عز وجل على العبد قال: إذا رأيته صابراً شاكراً ذاكراً فذلك علامة إقبال الله عز وجل عليه، فقيل له فما علامة إعراض الله عن العبد قال : إذا رأيته ساهياً لاهياً معرضاً عن ذكر الله عزّ وجلّ فذلك حين يعرض الله عنه فقيل له : يا أبا الفيض فما علامة الأنس بالله ؟ قال : إذا رأيته يوحشك عن خلقه فإنه يؤنسك من نفسه وإذا رأيته يؤنسك من خلقه فإنه يوحشك عن نفسه . ٧٣ - أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين قال : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت العباس بن يوسف الشكلي قال : سمعت (١) مختصر تاريخ دمشق (٢٥٢/٨) . (٢) في الأصل العالمين والتصويب من مختصر تاريخ دمشق . (٣) مختصر تاريخ دمشق (٢٥٢/٨) . (٤) الحلية (١٣/١ ). ٧٨ [ محمد ](١) بن يعقوب إبن الفرجي يقول اختلف الناس في الزهد فقال قوم : الزهد في الدنيا قصر الأمل وهو قول الثوري وأحمد بن حنبل وعيسى بن يونس وغيرهم . وقال قوم : الزهد هو الثقة بالله مع حب الفقر وهو قول ابن المبارك وشقيق ويوسف بن اسباط . وقال قوم : الزهد ترك الدينار والدرهم وهو قول عبد الواحد بن زيد . وقال قوم : هو ترك ما منه بُدّ من فضول الدنيا . وقال قوم : ترك جميع ما يشغل عن الله عزّ وجلّ وهو قول الداراني وقال قوم : حسم علائق النفس . وقال قوم : الزهد القيام بدلائل العلم وشواهد اليقين . وقال قوم هو عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف كما قال حارثة(٢) . وقال قوم: الزهد هو الشكر عند النعمة والصبر عند البلاء وهو قول ابن عيينة . وقال قوم : من لا يغلب الحلال شكره والحرام صبره وهو قول الزهري(٣). ٧٤ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف ، أنبأ أبو سعيد بن الأعرابي ، ثنا ابن أبي الدنيا ، أنبأ الحسن بن علي ، أنه حدث زيد بن الحُباب ، حدثني معاوية بن عبد الكريم قال : ذكر عند الحسن الزهد ، فقال بعضهم : اللباس ، وقال بعضهم : المطعم ، وقال بعضهم كذا فقال الحسن : لستم في شيء ، (١) سقط في الأصل استدركناه من تاريخ بغداد (٣٨٨/٣٨٧/٣) محمد بن يعقوب بن الفرج أبو جعفر الصوفي من أهل سر من رأى ، ذكر أبو سعيد بن الأعرابي أنه كان من أبناء الدنيا وأرباب الأحوال، وأنه ورث مالاً كثيراً فأخرج جميعه وأنفقه في طلب العلم وعلى الفقراء والنساك والصوفية ، وكان له موضع من العلم والفقه ومعرفة الحديث ، لزم علي بن المديني فأكثر عنه ، وكان يحفظ الحديث ويفتي بالمقطعات عن الشعبي والحسن وابن سيرين وغيرهم ، وصحب الصوفية مثل أبي تراب النخشبي ( عسكر بن حصين ) وذي النون المصري ( ابن ابراهيم - ويقال ابن أحمد ثوبان - ويقال الفيض - أبو الفيض - ويقال أبو الفياض الاخميمي المصري الزاهد ) ونحوهما ، ونزل الرملة وكان له مجلس للوعظ في جامعها ، وحدث عن ابراهيم عن عبد الله الهروي ، وأبي ثور الفقيه وعلي بن المديني ، روى عنه محمد بن يوسف ابن بشر الهروي وغيره ، ومَات بالرملة بعد سنة سبعين ومائتين . وسيأتي ذكره في رقم [ ٢٩١ ] . (٢) سيأتي في حديث رقم ٩٧٣. (٣) المعرفة والتاريخ (٦٣٥/٣) وقد مر في رقم [٣٤]. ابن أبي شيبة (٥١/١٤) .. ٧٩ الزاهد الذي إذا رأى أحداً(١) قال: هذا أفضل مني. ٧٥ - قرأت على أبي عبد الرحمن السلمي قيل ليحيى بن معاذ ما صفة الزاهد ؟ قال : الزاهد ، قوته ما وجد ومسكنه حيث أدرك ، ولباسه ما ستر عورته ، والدنيا سجنه ، والفقر ضجيعه ، والخلوة مجلسه ، والشيطان عدوه ، والقرآن أنسه ، والله همته ، والذكر رفيقه ، والزهد قرينه ، والحكمة سلاحه ، والصمت كلامه ، والاعتبار فكرته ، والعلم قائده ، والصبر وسادته ، والتوبة فراشه ، واليقين صاحبه ، والنصيحة نهمته ، والصدّيقون إخوانه ، والعقل دليله ، والتوكل كسبه ، والعمل شغله ، والعبادة حرفته ، والتقوى زاده ، والبر مطيته ، والمعرفة وزيره ، والتوفيق مستعمله ، والحياة سفره ، والأيام مراحله ، والجنة منزله ، والله عزّ وجلّ معتمده . ٧٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا الحسن الخباز يقول : سمعت أبا عثمان يقول : زهد الأغنياء في القناعة ، وزهد الفقراء في أن لا يريدوا خلاف حالتهم . ٧٧ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أنبأ أبو عمرو بن السماك قال: قال أبو بكر بن عبد الرحمن بن عفان ، أخبرني بشر بن الحارث قال : قال فضيل بن عياض : يا بشر الرضاء الأكبر عن الله عزّ وجلّ الزهد في الدنيا قال : قلت كيف هذا يا أبا علي ؟ قال : يكون العطاء في قلبك والمنع بمنزلة واحدة . ٧٨ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف ، أنبأ أبو سعيد بن زياد ، ثنا ابن أبي الدنيا ، ثنا محمد بن علي ، ثنا إبراهيم قال : سألت فضيل بن عياض ما الزهد في الدنيا ؟ قال : القنوع هو الزهد ، هو الغنى . ٧٩ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ، أنبأ علي بن (٣) أي من المسلمين . وهو بمعناه في الزهد لأحمد ( ص / ٢٧٩ ). ٨٠