Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٨١
( باب احكامهم فى السفر )
وفى معناه أنشدوا :
إذا استسجدوا لم يسألوا من دعاهم لأية حرب أم لأى مكان
وحكى عن أبى على الرباطى قال : صحبت عبد اللّه المروزى، وكان يدخل
البادية قبل أن أصحبه بلا زاد ولا راحلة . فلما صحبته ، قال لى : أما أحب إليك ،
أن تكون أنت الأمير أم أنا ؟ فقلت : لا ، بل أنت ؛ فقال : وعليك الطاعة ؟
فقلت : نعم .
فأخذ مخلاة ، ووضع فيها زاداً ، وحملها على ظهره ، فاذا قلت : أعطنى
حتى أحملها .
قال : الأمير أنا وعليك الطاعة .
قال : فأخذنا المطر ليلة .. فوقف إلى الصباح على رأسى وعليه كساء يمنع
عنى المطر ، فكنت أقول فى نفسى : يا ليتنى مت ولم أقل له أنت الأمير .
ثم قال لي : إذا صحبت إنساناً فاصحبه كما رأيتنى صحبتك .
وقدم شاب على أب على الروذبارى ، فلما أراد الخروج ، قال : يقول الشيخ
شيئاً ؛ فقال: يافتى كانوا لايجتمعون عن موعد ، ولا يتفرقون عن مشورة (١).
وعن المزين الكبير قال : كنت يوماً مع إبراهيم الخواص فى بعض أسفاره ،
فاذا عقرب تسعى على فخذه . فقمت لأقتلها ، فمنعنى وقال : دعها ، كل شىء
مفتقر إلينا . ولسنا مفتقرين إلى شىء .
وقال أبو عبد الله النصبينى : سافرت ثلاثين سنة ماخطت قط خرقة على مرقعتى ،
ولاعدلت إلى موضع علمت أن لى فيه رفيقاً ، ولا تركت أحداً يحمل معى شيئاً .
واعلموا أن القوم استوفوا آداب الحضور من المجاهدات . ثم أرادوا أن
يضيفوا إليها شيئاً ، فأضافوا أحكام السفر إلى ذلك ؛ رياضة لنفوسهم ، حتى (٢)
أخرجوها عن المعلومات(٣)، وحملوها على مفارقة المعارف . كى يعيشوا مع الله
بلاعلاقة ولا واسطة ، فلم يتركوا شيئاً من أورادهم فى أسفارهم .
(١) أى لا يتعلقون بغير الله فى الاجتماع ولا فى الافتراق.
(٢) وفى نسخة ((حين)).
(٢) أى المألوفات .

٤٨٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام الفشيرى )
وقالوا : الرخص لمن كان سفره ضرورة ، ونحن لاشغل لنا ولاضرورة فى
أسفارنا علينا .
سمعت أبا صادق بن حبيب قال : سمعت النصر اباذى يقول : ضعفت فى
البادية مرة ، فأيست من نفسى ، فوقع بصرى على القمر ، وكان ذلك بالنهار ،
فرأيت مكتوباً عليه: ((فسيكفيكهم اللّه)(١) فاستقللت (٢)، وفتح على من ذلك الوقت
هذا الحديث .
وقال أبو يعقوب السوسى : يحتاج المسافر إلى أربعة أشياء فى سفره :
علم يسوسه ، وورع يحجزه ، ووجد يحمله ، وخلق يصونه .
وقيل : سمى السفر سفراً ؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال .
وكان الكتانى إذا سافر الفقير إلى اليمن ثم رجع إليه مرة أخرى يأمر بهجرانه
وإنما كان يفعل ذلك ؛ لأنهم كانوا يسافرون إلى اليمن ذلك الوقت لأجل الرفق .
وقيل: كان إبراهيم الخواص لا يحمل شيئاً فى السفر، وكان لا يفارق (الإبرة،
و ((الركوة)) (٣) أما الأبرة فلخياطة ثوبه إن تمزق ستراً للعورة، وأما الركوة
فلمطهارة ، وكان لايرى ذلك علاقة ولا معلوماً .
وحكى عن أبى عبد الله الرازى قال: خرجت من ((طرسوس)) حافياً، وكان
معى رفيق ، فدخلنا بعض قرى الشام ، فجاءنى فقير بحذاء فامتنعت من قبوله ؛
فقال لى رفيقى : البس هذا ، فقد عبيت ، فانه قد فتح عليك بهذا النعل بسبي .
فقلت : مالك ؟ فقال : نزعت نعلى (٤) موافقة لك ، ورعاية لحق الصحبة .
وقيل : كان الخواص فى سفر" ومعه ثلاثة نفر، فبلغوا مسجداً فى بعض
المفاوز وباتوا فيه ، ولم يكن عليه باب .. وكان برد شديد فناموا ، فلما أصبحوا
رأوه واقفاً على الباب ، فقالوا : له فى ذلك فقال : خشيت أن تجدوا البرد . وكان
قد وقف طول ليلته .
وقيل : إن الكتانى استأذن أمه فى الحج مرة فأذنت له ، فخرج ، فأصاب ثوبه
البول فى البادية ، فقال : إن هذا لخلل فى حالى ، فانصرف .. فلما د ق باب داره
(١) من آيه ١٣٧ من سورة البقرة.
(٣) القرية .
(٢) أي : قويت .
(٤) مند بده السفر .

٤٨٣
( باب أحكامهم فى السفر )
أجابته أمه ، ففتحت .. فرآها جالسة خلف الباب .. فسألها عن سبب جلوسها
فقالت : مذ خرجت اعتقدت(١) أن لا أبرح من هذا الموضع حتى أراك.
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله بن محمد الدمشقى يقول: سمعت
إبراهيم بن المولد يقول : سمعت إبراهيم القصار يقول : سافرت ثلاثين سنة أصلح
قلوب الناس للفقراء .
وقيل : زار رجل داود الطائى فقال : يا أبا سليمان ، كانت نفسى تنازعنى
إلى لقائك منذ زمان ، فقال : لا بأس إذا كانت الأبدان هادئة والقلوب ساكنة
فالتلاقى أيسر .
سمعت أبا نصر الصوفى ، وكان من أصحاب النصراباذى ، يقول : خرجت
من البحر ؛ ((عمان)) وقد أثر فى الجوع ، فكنت أمر فى السوق .. فبلغت حانوت
حلاوى .. فرأيت فيه حملاناً (٢) مشوية، وجلواء .. فتعلقت برجل وقلت :
اشتر لى من هذه الأشياء .
فقال : لماذا ؟ ألك على شىء ، أو على دين ؟
فقلت : لا بد أن تشترى لى من هذا .
فرآنى رجل فقال : خله يا فتى (إن الذى يجب عليه أن يشترى لك ما تريد)
أنا لاهو ، اقترح على ، واحكم بما تريد .
ثم اشترى لى ما أردت ، ومضى .
وحكى عن أبى الحسين المصرى قال : اتفقت مع الشجرى فى (٢) السفر من
((طرابلس)) .. فسرنا أياماً لم نأكل شيئاً ، فرأيت قرعاً مطروحاً .. فأخذت آكله ،
فالتفت إلى الشيخ ولم يقل شيئاً ، فرميت به، وعلمت أنه كره ذلك .. ثم فتح
علينا بخمسة دنانير .. فدخلنا قرية ، فقلت : يشترى الشيخ (لنا شيئاً) لا محالة .
فمر .. ولم يفعل .. ثم قال: لعلك تقول نمشى جياعاً ولم يشتر لنا شيئاً ، هو ذا .
فوافى ((اليهودية)) (قرية على الطريق)، وثم رجل صاحب عيال إذا دخلناها
يشتغل بنا ، فادفعها إليه ؛ لينفقها علينا وعلى عياله .
(١) عزمت .
(٢) خرافاً .
(٣) أى على السفر .

٤٨٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
فوصلنا إليه ، ودفع الدنانير إلى الرجل فأنفقها فلما خرجنا قال لى : إلى
أين يا أبا الحسين ؟
فقات : أسمر معك. فقال: لا، إنك تخوننى فى قرعة وتصحبنى، لا تفعل
وأبى أن أصحبه .
سمعت محمد بن عبد الله الشيرازى ، رحمه الله، يقول : سمعت أبا أحمد
الصغير يقول : سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول : كنت فى حال حداثتى استقبلنى
بعض الفقراء .. فرأى فى اثر الضر والجوع ، فأدخلفى داره وقدم لى لحماً طبخ
بالكشك واللحم متغير . فكنت آكل الثريد وأتجنب اللحم لتغيره . فلقمنى لقمة ،
فأكلتها بجهد .. ثم لقمنى ثانية فبلغتنى مثقة .. فرأى ذلك" وخجل، وخجلت
لأجله ، فخرجت وانزعجت (١) فى الحال للسفر .
فأرسلت إلى والدتى من يخبرها ويحمل إلى مرقعتى . فلم تعارضنى الوالدة ..
ورضيت بخروجى، فارتحلت من ((القادسية)) مع جماعة من الفقراء .. فتهنا ..
ونفد ما كان معنا .. وأشرفنا على التلف ، فوصلنا إلى حى من أحياء العرب ،
ولم نجد شيئاً ، فاضطررنا إلى أن اشترينا منهم كلباً بدنانير ، وشووه ، وأعطونى
قطعة من لحمه .. فلما أردت أكله فكرت فى حالى ، فوقع لى أنه عقوبة خجل
ذلك الفقير . فتبت فى نفسى .. فدلونا على الطريق .. فمضيت .. وحججت ..
ثم رجعت معتذراً إلى الفقير .
(١) أى تحركت.

الباب السادس والأربعون
الصحبة
قال الجريرى :
ليس لعلم التوحيد الالسان
التوحيد ٠٠٠

٤٨٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
باب الصحية
قال الله عز وجل: (( ثانى اثنين إذا هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله
معنا)) (١).
لما أثبت الله سبحانه للصديق الصحبة بين أنه أظهر عليه الشفقة؛ فقال تعالى:
((إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)).
فالحر شفيق على من يصحبه .
أخبرنا على بن أحمد الإهوازى ، رحمه الله ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد
البصرى ، قال : حدثنا يحيى بن محمد الجيانى قال: حدثنا عثمان بن عبد الله القرشى،
عن نعيم بن سالم ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((متى ألقى أحبابى ؟ فقال أصحابه : بأبينا أنت وأمنا ، أو لسنا أحبابك ؟
فقال : أنتم أصحابى، أحبابى: قوم لم يرونى ، وآمنوا بى ، وأنا إليهم بالأشواق
أكثر)) (٢).
والصحبة على ثلاثة أقسام :
صحبة مع من فوقك : وهى فى الحقيقة خدمة ، وصحبة مع من دونك : وهى
تقضى على المتبوع بالشفقة والرحمة ، وعلى التابع بالوفاق والحرمة .
وصحبة الأكفاء والنظراء : وهى مبنية على الإيثار والفتوة ؛ فمن صحب شيخاً
فوقه فى الرتبة ، فأدبه ترك الاعتراض ، وحمل ما يبدو منه على وجه جميل ،
وتلقى أحواله بالإيمان به .
سمعت منصور بن خلف المغربى وسأله بعض أصحابنا : كم سنة صحبت
أبا عثمان المغربى؟ فنظر إليه شزراً (٣) وقال: إنى لم أصحبه، بل خدمته مدة . وأما
إذا صحبك من هو دونك ، فالخيانة فى حق صحبته أن لاتنهه على ما فيه من نقصان
فى حالته ؛ ولهذا كتب أبو الخير التينانى إلى جعفر بن محمد بن نصير : وزرجهل
الفقراء عليكم ؛ لأنكم اشتغلتم بنفوسكم عن تأديبهم ، فبقوا جهلة .
.. وأما إذا صحبت من هو فى درجتك ، فسبيلك التعامى (٤) عن عيوبه، وحمل
(١) آية ٤٠ من سورة النوبة .
(٢) أخرجه الترمدى فى صحيحه .
(٣) أى بمؤخر العين .
(٤) وفى نسخة ((التغاضى)).

٤٨٧
( باب الصحبة )
ما ترى منه على وجه من التأويل جميل . ما أمكنك ، فإن لم تجد تأويلا عدت
إلى نفسك بالهمة وإلى التزام اللاغة .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاف، رحمه الله، يقول : قال أحمد بن أبى الحوارى:
قلت لأبى سليمان الدارانى : إن فلاناً لايقع من قلبى .. فقال أبو سليمان : وليس يقع
أيضاً من قلبى ، ولكن يا أحمد ، لعلنا أنينا من قبلنا ، لسنا من جملة الصالحين؛
فلسنا نحهم .
وقيل : صحب رجل إبراهيم بن أدهم ، فلما أراد أن يعارقه قال له الرجل :
إن رأيت فى عيباً فنيهنى عليه. فقال إبراهيم: إنى لم آربك عيباً؛ لأنه لاحظتك
بعين الوداد ؛ فاستحسنت منك ما رأيت ، فسل غيرى عن عيبك .
وفى معناه أنشدوا :
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدى المساويا
وحكى عن إبراهيم بن شيبان أنه قال: كنا لانصحب من يقول ((نعلى))(١).
سمعت أبا حاتم الصوفى ، يقول :سمعت أبا نصر السراج ، يقول : قال
أبو أحمد القلانسى، وكان من أستاذى الجنيدى: صحبت أقواماً بـ((البصرة))
فأكرمونى .. فقلت مرة لبعضهم : أين إزارى؟ فسقطت من أعينهم (٢).
وسمعت أبا حاتم يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سمعت الدقى يقول :
سمعت الزقاق يقول :
منذ أربعين سنة أصحب هؤلاء . فما رأيت رفقاً لأصحابنا إلا من بعضهم
لبعض ، أو ممن يحبهم ، ومن لم يصحبه التقوى والورع فى هذا الأمر أكل الحرام
النص (٣) .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاو يقول : قال رجل لسهل بن عبد الله : أريد أن
أصحبك يا أبا محمد . فقال : إذا مات أحدنا من يصحبه الباقى ؟
(١) فانه أضاف الشىء إلى نفسه، فقال: ((نعلى)) والإضافه نؤذن بالملك أو الاستحقاق أو الأختصاص ودلك غير مذهبهم.
(٢) لانهم كما قال الإمام العروسى. يرون أن الدنيا إنما هى زاد يستعان بها على سلوك طريق الآخرة فلا يليو بأحد منهم،
لكون أبديهم متساوية فيما يحتاجونه أن يختص شىء دون بفتهم فلا يقول: فعلى ولا إدارى ولا طعامى بل إدا سأل قال. أين . العل
وأين الإزار وأين الطعام ، فإن خالطهم من بدعى ملكا لنفسه سقط من أعينهم لمحالمه ما هم عليه. (٣) أى الخالص.

٤٨٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
فقال : الله . فقال له : فليصحبه الآن .
وصحب رجل رجلا مدة ، ثم بدا لأحدهما المفارقة، فاستأذن بصاحبه ، فقال :
بشرط ألا تصحب أحداً إلا إذا كان فوقنا ، وإن كان أيضاً فوقنا فلا تصحبه ؛
لأنك صحبتنا أولا . فقال الرجل : زال من قلبى إرادة المفارقة .
سمعت أبا حاتم الصوفى ، يقول : سمعت أبا نصر السراج ، يقول : سمعت
الدفى يقول : سمعت الكنانى يقول : صحبنى رجل ، وكان على قلبى ثقيلا ، فوهبت له
شيئاً ، ليزول ما فى قلبى ، فلم يزل .... فحملته إلى بنى ، وفلت له : ضع رجلك
على خدى . فأبى ، فقلت: لأبد. ففعل، واعتقدت (١) أن لا يرفع رجله من خدى
حتى يرفع الله من قلبى ماكنت أجده ، فلما زال عن قلبى ماكنت أجده ، قلت له :
ارفع رجلك الآن :
وكان إبراهيم بن أدهم يعمل فى الحصاد وحفظ البساتين وغيره ، وينفق على
أصحابه .
وقيل : كان مع جماعة من أصحابه ، فكان يعمل بالنهار وينفق عليهم ،
ويجتمعون بالليل فى موضع وهم صيام(٢) . فكان يبطىء فى الرجوع من العمل،
فقالوا ليلة : تعالوا نأكل فطورنا دونه ، حتى يعود بعد هذا أسرع ، فأفطروا ،
وناموا ، فلما رجع إبراهيم وجدهم نياماً ، فقال : مساكين ، لعلهم لم يكن لهم
طعام ؛ فعمد إلى شىء من الدقيق كان هناك ، فعجنه ، وأوقد على النار ، وطرح
الملة (٢)، فانتبهوا ، وهو ينفخ فى النار واضعاً محاسنه على التراب فقالوا له فى ذلك،
فقال: قلت لعلكم لم تجدوا فطورا .. فنمتم .. فأحببت أن تستيقظوا والملة قد
أدركت (٤) .
فقال بعضهم لبعض : انظروا ما الذى عملنا ، وما الذى به بعاملنا .
وقيل : كان إبراهيم بن أدهم إذا صحبه أحد شارطه على ثلاثة أشياء :
أن تكون الحدمة والأذان له(٥)، وأن تكون يده فى جميع ما يفتح الله عليهم
من الدنيا كيدهم .
(١) أى عزمت .
(٣) الملة بفتح المم . الرماد الحار .
(٥) وهذان هما الشرطان الأولان .
(٢) الأولى أن يقال صوام .
(٤) أى نفح خبزها .

٤٨٩
( باب الصحبة )
فقال له يوماً رجل من أصحابه : أنا لا أقدر على هذا ؟
فقال: أعجبنى صدقك .
وقال يوسف بن الحسين : قلت لذى النون : مع من أصحب ؟
فقال : مع من لاتكتمه شيئاً يعلمه الله تعالى منك .
وقال سهل بن عبد اللّه لرجل: إن كنت من يخاف السباع فلا تصحبنى.
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن الحسن العلوى يقول : حدثنا
عبد الرحمن بن حمدان قال : حدثنا أبو القاسم بن منبه قال : سمعت بشر بن الحارث
يقول : صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار .
وحكى الجنيد قال : لما دخل أبو حفص بغداد كان معه إنسان أصلع لايتكلم
بشىء .. فسألت أصحاب أى حفص عن حاله ، فقالوا : هذا رجل أنفق عليه
مائة ألف درهم ، واستدان مائة ألف درهم أنفقها عليه ، ولا يرخص له أبوحفص
أن يتكلم بحرف .
وقال ذو النون : لا تصحب مع اللّه إلا بالموافقة، ولا مع الخلق إلا بالمناصحة ،
ولا مع النفس إلا بالمخالفة ، ولا مع الشيطان إلا بالعداوة .
وقال رجل لذى النون : مع من أصحب ؟ فقال :
مع من إذا مرضت عادك ، وإذا أذنبت تاب عليك .
سمعت الأستاذ أبا على ، رحمه الله ، يقول : الشجر إذا نبت بنفسه ولم يستنبته
أحد يورق ولكنه لا يثمر ، كذلك المريد إذا لم يكن له أستاذ يتخرج به لايجىء
منه شيء .
وكان الأستاذ أبوعلى ، يقول : أخذت هذا الطريق عن النصر اباذى ،
والنصراباذى عن الشبلى ، والشبلى عن الجنيد ، والجنيد عن السرى ، والسرى
عن معروف الكرخى ، ومعروف الكرخى عن داود الطائى ، وداود الطائى افي
التابعين .
وسمعته يقول: لم أختلف إلى مجلس النصراباذى قط إلا اغتسلت قبله .
قال الأستاذ أبو القاسم القشيرى : ولم أدخل أنا على الأستاذ أبى على فى وقت
بدايتى إلا صائماً ، وكنت أغتسلّ قبله ، وكنت أحضرباب مدرسته غير مرة فأرجع

٤٩٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
من الباب ؛ احتشاماً منه أن أدخل عليه ، فاذا تجاسرت مرة ودخلت المدرسة كت
إذا بلغت وسط المدرسة"يصحبنى شبه خدر"، حتى لوغرز فى إبرة - مثلا - لعلى
كنت لاأحس بها، ثم إذا قعدت لواقعة وقعت لى لم أحتج أن أسأله بلسانى عن
المسألة(١)، فكما كنت أجلس كان يبتدىء بشرح واقعتى ، وغير مرة رأيت منه
هذا عياناً، "وكنت أفكر فى نفسى كثيراً أنه لوبعث الله فى وقتى رسولا إلى الخلق
هل يمكنى أن أزيد من حشمته على قلبى فوق ماكان منه ، رحمه الله ، فكان
لا يتصور لى أن ذلك ممكن ، ولا أذكر أنى فى طول اختلافى إلى مجلسه ، ثم كونى
معه بعد حصول الوصلة ، أن جرى فى قلبى أو خطر ببالى عليه قط اعتراض ، إلى أن
خرج رحمه الله من الدنيا .
أخبرنا حمزة بن يوسف السهمى الجرجانى ، رحمه الله قال : أخبرنا محمد
ابن أحمد العبدى ، قال : أخبرنا أبو عوانة ، قال : حدثنا يونس ، قال : حدثنا
خلف بن تميم أبو الأحوص ، عن محمد بن النضر الحارثى، قال : أوحى الله سبحانه،
إلى موسى عليه السلام :
كن يقظاناً .. مرتاداً (٢) لنفسك أخداناً. وكل خدن لايؤاتيك(٣) على مسرة
فاقصه (٤) . ولا تصحبه ؛ فانه يقسى قلبك، وهو لك عدو، وأكثر من ذكرى
تستوجب على شكرى والمزيد من فضلى .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الله
ابن المعلم يقول : سمعت أبا بكر الطمستانى يقول :
· أصحبوا مع اللّه، فان لم تطيقوا فاصحبوا مع من يصحب مع الله ، لتوصلكم
بركات صحبتهم إلى صحبة الله عز وجل .
(١) أى : الواقعة .
. (٢) طالباً .
(٣) يوافقك ويطيعك.
(٤) فأبعده وفى نسخة فار قصه.

الباب السابع والأربعون
التوحيد
قال الجنيد :
إذا تناهت عقول العقلاء فى التوصية
٠٠ تناهت الى الحيرة .

٤٩٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى)
باب التوحيد
قال الله عز وجل: وإلهكم إله واحد))(١).
أخبرنا الإمام أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك ، رضى اللّه عنه ، قال :
حدثنا أحمد بن محمود بن خرزاذ قال : حدثنا مسيح بن حاتم العكلى قال : حدثنا
الحجبى عبد اللّه بن عبد الوهاب قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن سعيد بن سعد
ابن حاتم العتكى ، عن ابن أبى صدقة : عن محمد بن سيرين ، عز ابى هريرة قال : {
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( بينا رجل فيمن كان قبلكم لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد ، فقال لأهله:
إذا مت فاحرقونى ، ثم إسحقونى، ثم ذروا نصفى فى البر ونصفى فى البحر فى يوم
ريح. ففعلوا .. فقال الله عز وجل للريح: أدى ما أخذت، فاذا هو بين يديه ،
فقال له : ما حملك على ما صنعت؟ فقال: استحياء منك، فغفر له)) ....
للتوحيد : هو الحكم بأن اللّه (٢) واحد ، والعلم بأن الشىء واحد أيضاً توحيد ، .
ويقال(٣): وحدته: إذا وصفته بالوحدانية ، كما يقال: شجعت فلانا إذا نسبته إلى
الشجاعة ، يقال فى اللغة : وحد يحد فهو واحد ووحد ، ووحيد ؛ كما يقال :
فرد فهو فارد ، وفرد ، وفريد .
: - وأصل أحد ((وحد)) فقلبت الواو همزة، والواو المفتوحة قد تقلب همزة،
كما تقلب المكسورة والمضمومة ، ومنه امرأة أسماء ، بمعنى وسماء ، من الوسامة ،
ومعنى كونه ، سبحانه ، واحداً على لسان العلم ، قبل : هو الذى لايصح فى وصفه
الوضع والرفع ، بخلاف قولك: إنسان واحد ، لأنك تقول إنسان بلا يد ولا رجل ،
فيصح رفع شىء منه ، والحق ، سبحانه ، أحدى الذات ، بخلاف الاسم الجملة (٤)
الحاملة .
وقال بعض أهل/ التحقيق فى معنى أنه واحد: نفى التقسيم لذاته ، ونفى التشبيه
عن حقه وصفاته ، ونفى الشريك معه فى أفعاله ومصنوعاته .
(١) آية ١٦٣ من سورة البقرة.
(٢) وفى بعض النح ((الشىء).
(٣) أى فى اللغة .
(٤) قال الإمام العروسى : أى الاسم الموضوع للدلالة على جملة مركبة من حيوانية وناطقة وحاملة لأجزاء تركبت منها الشخصية
التى هى تحت النوعية .

٤٩٣
( باب التوحيد)
والتوحيد تلاتة :
توحيد الحق للحق ، وهو علمه بأنه واحد وخيره عنه بأنه واحد .
والثانى : توحيد الحق سبحانه للخلق وهو حكمه سبحانه بأن العبد موحد،
وخلقه توحيد العبد .
والثالث . توحيد الخلق [ للحق " سبحانه "وهو علم العبد بأن الله عز وجل ،
واحد ، وحكمه وإخباره عنه بأ نه واحد .
فهذه جملة فى معنى التوحيد على شرط (١) الإيجاز والتحديد .
واختلفت عبارات الشيوخ عن (٢) معنى التوحيد: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن
السلمى رحمه الله يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت يوسف
ابن الحسين يقول : سمعت ذا النون المصرى يقول : وقد سئل عن التوحيد ، فقال .
أن تعلم أن قدرة الله تعالى فى الأشياء بلامزاج(٣)، وصنعه للأشياء بلاعلاج ، وعلة
كل شىء صنعه، ولاعلة لصنعه ، ومهما نصور فى نفسك شىء فالله بخلافه .
وسمعته يقول : سمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول : سمعت أحمد بن
عطاء يقول : سمعت عبد الله بن صالح يقول : قال الجريرى: ليس لعلم التوحيد إلا
لسان التوحيد .
وسئل الجنيد عن التوحيد . فقال : إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال (٤)
أحديته أنه الواحد الذى لم يلد ولم يولد ، بنفى (٥) الأضداد والأنداد والأشباه بلا تشبيه
ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل :
((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)(٦).
وقال الجنيد : إذا تناهت عقول العقلاء فى التوحيد تناهت إلى الخبرة .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا الحسين بن مقسم يقول : سمعت
جعفر بن محمد يقول : سمعت الجنيد يقول ذلك ، وسئل الجنيد عن التوحيد ،
فقال :
(١) أى طريقة .
(٣) طاع .
(٥) أى مع نفى .
(٢) وفى نسخة ((فى)).
(٤) أى مع كمال .
(٦) آية ١١ من سورة الشورى .

٤٩٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية الامام القشيرى )
معنى تضمحل فيه الرسوم ، وتندرج فيه العلوم ويكون اللّه تعالى كما لم يزل(١)
٢٦m "
وقال الحصرى : أصولنا فى التوحيد خمسة أشياء :
رفع الحدث (٢)، وإفراد القدم(٣)، وهجر الإخوان ، ومفارقة الأوطان ،
ونسيان ما علم وجهل (٤) .
سمعت منصور بن خلف المغربى يقول: كنت (٥) فى صحن ((الجامع)) ببغداد
(يعنى جامع المنصور ) والحصرى يتكلم فى التوحيد ، فرأيت ملكين يعرجان إلى
السماء ، فقال أحدهما لصاحبه : الذى يقول هذا الرجل علم التوحيد والتوحيد غيره ،
يعنى (٦) كنت بين اليقظة والنوم .
وقال فارس : التوحيد هو إسقاط الوسائط عند غلبة الحال والرجوع إليها
عند الأحكام ، وأن الحسنات لاتغير الأقسام من الشقاوة والسعادة .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا بكر بن شاذان يقول : سمعت الشبلى
يقول : التوحيد : صفة الموحد حقيقة وحلية الموحد رسماً .
ء
وسئل الجنيد عن توحيد الخاص فقال : أن يكون العبد شبحاً (٧) بين يدى الله
سبحانه ، تجرى عليه تصاريف تدبيره فى مجارى أحكام قدرته ، فى لجج بحار
توحيده ، بالفناء عن نفسه وعن دعوة الخلق له وعن استجابته بحقائق وجوده
ووحدانيته ، فى حقيقة قربه بذهاب حسه وحركته . لقيام الحق سبحانه له فيما
(١) قال الشيح ركربا ((أى هو معنى خلفه الله فى ذلب الموحد العارف به وعلب على فابه حتى لا يرى غيره نعالى كما كان
فى الأزل » .
(٢) أى الإعراض عن غير اللّه.
(٣) أى كمال الاشتغال باللّه.
(٤) المراد بالحهل الإعراض عن المعلوم .
(٥) أى بين اليقظة والنوم .
(٦) أى بقوله ((كنت)).
(٧) أى شخصاً ملّ . .

٤٩٥
( باب النوحيد )
أراد منه، وهو أن يرجع آخر العبد إلى أوله . فيكون كما كان قبل أن يكون(١).
وسئل البوشنجى عن التوحيد فقال : غير مشبه الذوات ولامنفى الصفات .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول :
سمعت أبا الحسين العنبرى يقول : سمعت سهل بن عبد الله يقول ، وقد سئل عن
ذات الله، عز وجل، فقال: ذات الله تعالى موصوفة بالعلم، غير مدركة بالإحاطة
ولامرئية بالأبصار فى دار الدنيا ، وهى موجودة بحقائق الإيمان من غير حد
ولا إحاطة ولاحلول ، وتراه العيون فى العقبى ظاهراً فى ملكه وقدرته ، قد حجب
الخلق عن معرفة كنه ذاته ، ودلهم عليه بآياته ؛ فالقلوب تعرفه ، والعقول لاتدركه ،
ينظر إليه المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية .
وقال الجنيد : أشرف كلمة فى التوحيد : ما قاله أبو بكر الصديق ، رضى الله
عنه :
سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته .
قال الأستاذ أبو القاسم : ليس يريد الصديق رضى اللّه عنه ، أنه لايعرف؛
لأن عند المحققين: العجز عجز عن الموجود، دون المعدوم ، كالمقعد عاجز عن قعوده
إذ ليس بكسب له ولافعل ، والقعود موجود فيه ، كذلك العارف عاجز عن
معرفته ، والمعرفة موجودة فيه : لأنها ضرورية .
وعند هذه الطائفة المعرفة به سبحانه فى الانتهاء ضرورية .
فالمعرفة الكسبية فى الابتداء ، وإن كانت معرفة على التحقيق ، فلم يعدها
الصديق رضى الله عنه شيئاً بالإضافة إلى المعرفة الضرورية، كالسراج عند طلوع
الشمس وانبساط شعاعها عليه .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أحمد بن سعيد البصرى بالكوفة يقول :
سمعت ابن الأعرابى يقول : قال الجنيد : التوحيد الذى انفرد به الصوفية هو :
(١) والمراد ، كما قال الإمام الأنصارى ، أن حق العد أن يكون راصياً ما يجزيه الله علبه مما يرضاه له وتشهد بصحته
الشريعه، وربه - حينئذ - لكمال حظه ومحبته له لا يجرى عليه إلا ما بنفعه .

٤٩٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
إفراد القدم عن الحدث(١) والخروج عن الأوطان ، وقطع المحاب(٢) وترك ماعلم
وجهل ، وأن يكون الحق ، سبحانه ، مكان الجمع .
وقال يوسف بن الحسين: من وقع فى بحار التوحيد لايزداد على ممر الأوقات
إلا عطشاً :
وقال الجنيد : علم التوحيد مباين لوجوده ، ووجوده مفارق(٣) لعلمه.
1
وقال الجنيد أيضاً : علم التوحيد طوى بساطه منذ عشرين سنة ، والناس
يتكلمون فى حواشيه . .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن أحمد الأصهانى يقول :
وقف رجل على الحسين بن منصور ، فقال : من الحق الذى يشيرون إليه ؟ فقال :
معل الأنام ولا يعتل(٤).
١
وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول: سمعت الشبلى يقول : من
اطلع على ذرة من علم التوحيد ضعف عن حمل بقة (٥) لثقل ماحمله .
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سئل الشبلى ؛
فقيل له أخبرنا عن توحيد مجرد(٦). وبلسان حق مفرد .
فقال : ويحك .. من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد ، ومن أشار (٧)
إليه فهو ثنوى(٨) ، ومن أو مأ إليه فهو عابد وثن ، ومن نطق فيه (٩) فهو غافل ،
ومن سكت عنه فهو جاهل ، ومن توهم أنه واصل فليس له حاصل ، ومن رأى
أنه قريب فهو بعيد ، ومن تواجد فهو فاقد ، وكل ما ميز تموه بأوهامكم وأدركتوه
بعقولكم فى أتم معانيكم فهو مصروف مردود إليكم ، محدث مصنوع مثلكم .
، (١) أى الحدوث .
(٢) أى شبونات النفوس
(٣) مماين.
(٤) أى الذى وجوده على كل موجود ولا عاد لوحوده.
(٥) وفى نسخة ((نفسه)).
(٦) حالص .
(٧) أى أحاب بالإسارة .
٠
1
(٨) شوى: نسبه إلى ((أن)) أى فهو مدرك نفسه وربه علم تكمل استعراقه، فلم تكمل توحيده .
(٩) أى فى الجواب .

٤٩٧
( باب التوحيد )
وقال يوسف بن الحسين : توحيد الخاصة أن يكون بسره ووجده وقلبه كأنه
قائم بين يدى الله تعالى يجرى عليه تصاريف تدبيره وأحكام قدرته فى بحار توحيده(١)
بالغناء عن نفسه وذهاب حسه ، بقيام الحق سبحانه له فى مراده منه ، فيكون كما
هو قبل أن يكون فى جريان حكمه سبحانه عليه .
وقيل : التوحيد للحق (٢) سبحانه، والخلق (٣) طفيلى.
وقيل : التوحيد : إسقاط الياءات ؛ لاتقول لى وبى ومعنى وإلى .
وقيل : لأبى بكر الطمستانى : ما التوحيد ؟ فقال ، توحيد، وموحد ، وموحد،
هذه ثلاثة .
قال رويم : التوحيد هو آثار البشرية وتجرد الألوهية .
سمعت أبا على الدقاق يقول فى آخر عمره ، وكان قد اشتدت به العلة ، فقال :
من أمارات التأييد حفظ التوحيد فى أوقات الحكم ، ثم قال : كالمفسر لقوله مشيراً
إلى ما كان من حاله ، هو : أن يقرضك بمقاريض القدرة فى إمضاء الأحكام قطعة
قطعة وأنت شاكر حامد .
وقال الشبلى : ما شم روائح التوحيد من تصور عنده التوحيد .
وقال أبو سعيد الخراز : أول مقام لمن وجد علم التوحيد ، وتحقق بذلك ،
فناء ذكر الأشياء عن قلبه ، وانفراده بالله عز وجل .
وقال الشبلى لرجل : أتدرى لم لا يصح توحيدك ؟
فقال : لا . . فقال : لأنك تطلبه بك .
وقال ابن عطاء : علامة حقيقة التوحيد نسيان التوحيد ، وهو أن يكون القائم
به واحداً .
ويقال من الناس من يكون مكاشفاً بالأفعال ، يرى الحادثات بالله تعالى ،
ومنهم من هو مكاشف بالحقيقة ، فيضمحل إحساسه بما سواه ، فهو يشاهد الجمع
سراً بسر ، وظاهره يوصف التفرقة .
(١) أى مع العناء .
(٢) أى صفة قديمه له .
(٣) أى والتوحيد فى الخلق طفيليا أى حادث كائن بعد أن لم يكن .

٤٩٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى)
سمعت محمد بن عبد الله الصوفى يقول : سمعت على بن محمد القزويني يقول :
سمعت القنفذ يقول : سئل الجنيد عن التوحيد ، فقال سمعت قائلا يقول :
وغنى لى من قلبى
وغنيت كما غنى
وكنا حيثما كانوا
وكانوا حيثما كنا
فقال السائل : أهلك القرآن والأخبار ؟ . .
فقال : لا ، ولكن الموحد يأخذ أعلى التوحيد من أدنى الخطاب وأيسره

الباب الثامن والأربعون
أحوالهم عند الخروج
من الدنيا
(( .. أما علمت أن الأحياء أحياء وان
ماتوا .. وانما ينتقلون من دار
الى دار ٠٠»

٥٠٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
ـصـ
باب احوالهم عند الخروج من الدنيا
قال الله تعالى: ((الذين تتوفاهم الملائكة طيبين)) (١).
يعنى : طيبة نفوسهم ، بذلهم مهجهم لايثقل عليهم رجوعهم إلى مولاهم.
أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهانى قال : أخبرنا أبو الحسن على بن محمد
ابن عقبة الشيبانى بالكوفة قال : حدثنا الخضر بن أبان الهاشمى قال : حدثنا أبو هدية ،
عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( إن العبد ليعالج كرب الموت وسكرات الموت ، وإن مفاصله ليسلم بعضها
على بعض ؛ تقول : عليك السلام تفارقنى وأفارقك إلى يوم القيامة)).
أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى قال : حدثنا أبو العباس الأصم قال :
حدثنا الخضر بن أبان الهاشمى قال : حدثنا سوار قال : حدثنا جعفر . عن ثابت ،
عن أنس :
((أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو فى الموت ، فقال كيف
تجدك ؟ فقال : أرجو الله تعالى وأخاف ذنوبى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
شيئان لايجتمعان فى قلب عبد مؤمن فى هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو ، وأمنه
مما يخاف )).
واعلم أن أحوالهم فى حال النزع مختلفة ؛ فبعضهم الغالب عليه الهيبة ، وبعضهم
الغالب عليه الرجاء ، ومنهم من كشف له فى تلك الحالة ما أوجب له السكون ،
وجميل الثقة .
حكى أبو محمد الجريرى قال : كنت عند الجنيد فى حال نزعه ، وكان يوم
الجمعة ، ويوم نيروز ، وهو يقرأ القرآن ، فختمه . فقات : فى هذه الحالة
يا أبا القاسم ؟
فقال : ومن أولى بذلك منى وهو ذا تطوى صحيفتى .
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : بلغنى عن ٣
أبى محمد الهروى أنه قال : مكثت عند الشبلى الليلة التى مات فيها فكان يقول طول
ليلته هذين البيتين :
(١) آية ٣٢ من سورة النحل .