Indexed OCR Text
Pages 381-400
الباب السادس والثلاثون
الفراسة
من غض بصره عن المحارم .. وأمسك
نفسه عن الشهوات .. وعمر باطنه
بدوام المراقبة .. وظاهره باتباع
السنة .. وتعود على أكل الحلال ..
لم تخطىء فراسته ..
٣٩٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
باب الفراسة
قال الله تعالى: ((إن فى ذلك لآيات للمتوسمين)) (١). قيل: للمتفرسين.
أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله تعالى ، قال : أخبرنا أحمد
ابن على بن الحسين الرازى قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن السكن قال : حدثنا
موسى بن داود قال : حدثنا محمد بن كثير الكوفى قال : حدثنا عمرو بن قيس :
عن عطية ، عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((اتقوا فراسة المؤمن؛ فانه ينظر بنور الله عز وجل))(٢).
والفراسة : خاطر على القلب فينفى ما يضاده . وله على القلب حكم اشتقاقاً
من : فريسة السبع ، وليس فى مقابلة الفراسة مجوزات (٣) للنفس .
وهى على حسب قوة الإيمان : فكل من كان أقوى إيماناً كان أحد فراسة .
وقال أبو سعيد الخراز : من نظر بنور الفراسة نظر بنور الحق ، وتكون مواد
علمه من الحق بلا سهو ولاغفلة ، بل حكم حق جرى على لسان عبد .
وقوله: ((نظر بنور الحق)) يعنى : بنور خصه به الحق سبحانه .
وقال الواسطى : إن الفراسة : سواطع أنوار لمعت فى القلوب، وتمكين معرفة
حملت السرائر فى الغيوب من غيب إلى غيب ، حتى يشهد الأشياء من حيث أشهده
الحق ، سبحانه ، إياها ، فيتكلم على ضمير الخلق .
ويحكى عن أبى الحسن الديلمى أنه قال :
دخلت (أنطاكية ) لأجل (أسود) قيل لى : إنه يتكلم على الأسرار . فأقمت فيها
إلى أن خرج من جبل (لكام) (٤) ومعه شىء من المباح يبيعه ، وكنت جائعاً منذ
يومين لم آكل شيئاً فقلت له : بكم هذا؟ وأوهمته أنى أشترى ما بين يديه فقال :
قعدّ ثم : حتى إذا بعناه نعطيك ما تشترى به شيئاً .. فتركته وسرت إلى غيره ؛
همه أنى أساومه . ثم رجعت إليه ، وقلت له :
إن كنت تبيع هذا فقل لى بكم ؟ فقال : إنما جعت يومين ، أقعد ثم ، حتى إذا
بعناه نعطيك ما تشترى به شيئاً .. فقعدت .. فلما باعه أعطانى شيئاً ومشى ، فتبعته ..
(١) آية ٧٥ من سورة الحجر.
(٢) أخرجه البخارى فى التاريخ والترمذى عن أبى سعيد الحكيم وسموية والطبر انى فى المعجم الكبير، وابن عدى فى الكامل
عن أبي أمامة وابن جرير عن ابن عمر .
(٣) أى : احتمالات .
(٤) جبل بالشام.
٣٩٩
( باب الفراسة )
فالتفت إلى وقال لى : إذا عرضت لك حاجة ، فأنزلها بالله تعالى ، إلا أن يكون
لنفسك فيها حظ فتحجب عن حاجتك .
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن عبد الله يقول :
سمعت الكتانى يقول : الفراسة : مكاشفة اليقين ، ومعاينة الغيب ، وهو (١) من
مقامات الإيمان .
وقيل : كان الشافعى ؛ ومحمد بن الحسن ، رحمهما الله تعالى، فى المسجد
الحرام فدخل رجل ، فقال محمد بن الحسن : أتفرس أنه نجار ، وقال الشافعى :
أتفرس أنه حداد ، فسألاه ، فقال : كنت قبل هذا حداداً ، والساعة أنجر .
وقال أبو سعيد الخراز : .
المستنبط : من يلاحظ الغيب أبداً . ولا يغيب عنه ، ولا يخفى عليه شيء ،
وهو الذى دل عليه قوله تعالى :
( لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (٢) .
والمتوسم : هو الذى يعرف الوسم (٣)، وهو العارف بما هو فى سويداء القلوب
بالاستدلال والعلامات، قال الله تعالى: ((إن فى ذلك لآيات للمتوسمين)) (٤).
أى : للعارفين بالعلامات التى يبديها على الفريقين من أوليائه وأعدائه .
والمتفرس : ينظر بنور الله تعالى ، وذلك : سواطع أنوار لمعت فى قلبه فأدرك
بها المعانى، وهو (٥) من خواص ((الإيمان))، والذين هم أكبر منه (٦) حظا ((الربانيون)
قال الله تعالى : (كونوا ربانيين)(٧) يعنى: علماء، حكماء، متخلقين بأخلاق الحق
نظراً وخلقاً ، وهم فارغون عن الإخبار عن الخلق ، والنظر إليهم ، والاشتغال
بهم .
وقيل : كان أبو القاسم المنادى مريضاً ، وكان كبير الشأن ، من مشايخ
( نيسابور ) فعاده أبو الحسن البوشنجى . والحسن الحداد ، واشتريا بنصف درهم
تفاحاً فى الطريق نسيئة ، وحملاه إليه ، فلما قعدا قال أبو القاسم : ماهذه الظلمة ؟
(١) أى ممام الفراسة.
(٣) أى العلامة.
(٥) أى دور الله.
(٧) آية ٧٩ من سورة آل عمران .
(٢) آية ٨٣ من سورة النساء.
(٤) آية ٧٥ من سورة الحجر .
(٦) أى من المتوسم .
٤٠٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
فخرجا . وقالا : ماذا فعلنا ؟ . وتفكرا . فقالا : لعلنا لم نؤد تمن التفاح ، فأعطياه
الثمن ، وعادا إليه ، فلما وقع بصره عليهما قال : هذا عجب ، أمكن الإنسان
أن يخرج من الظلمة بهذه السرعة ؟. أخبرانى عن شأنكما .. فذكرا له هذه القصة ،
فقال: نعم ، كان يعتمد كل واحد منكما على صاحبه فى إعطاء الثمن ، والرجل
يستحى منكما فى التقاضى ، فكان تبقى التبعة ، وأنا السبب ، إنما رأيت ذلك فيكما ،
وكان أبو القاسم المنادى هذا يدخل السوق كل يوم ينادى ، فإذا وقع بيده ما فيه
كفايته من دانق إلى نصف درهم خرج منه . وعاد إلى رأس وقته ، ومراعاة قلبه .
وقال الحسين بن منصور :
الحق إذا استولى على سر ملكه الأسرار ؛ فيعاينها ، ويخبر عنها .
وسئل بعضهم عن الفراسة ، فقال : أرواح تتقلب فى الملكوت ، فتشرف على
معانى الغيوب، فتنطق عن أسرار الخلق نطق مشاهدة، لا نطق ظن وحسبان.
وقيل : كان بين زكريا الشختنى وبين امرأة سبب قبل توبته ، فكان يوماً
واقفاً على رأس أبى عثمان الخيرى ، بعد ما صار من خواص تلاميذه ، فتفكر فى
شأنها ، فرفع أبو عثمان رأسه إليه وقال : أما تستحى ؟ .
قال الأستاذ الإمام ، رحمه الله :
كنت فى ابتداء وصلتى بالأستاذ أبى على الدفاق ، رضى الله عنه، عقد لى
المجلس فى مسجو ((المطرز)) فاستأذنته وقتاً للخروج إلى ( نسا) فأذن لى فيه ، فكنت
أمشى يوماً فى طريق مجلسه ، فخطر ببالى : ليته ينوب عنى فى مجالسى أيام غيبتى .
فمشيت قليلا : فخطر ببالى أنه عليل يشق عليه أن ينوب عنى فى الأسبوع يومين ،
فليته يقتصر على يوم واحد فى الأسبوع ؛ فالتفت إلى وقال : إن لم يمكنى فى الأسبوع
يومان أنوب عنك فى الأسبوع مرة واحدة ، فمشيت معه قليلا ؛ فخطر ببالى شىء
ثالث ، فالتفت إلى وصرح بالإخبار عنه على القطع .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت جدى
أبا عمرو بن تجيد يقول :
كان شاه الكرمانى حاد الفراسة ، لا يخطىء ، ويقول : من غض بصره عن
المحارم ، وأمسك نفسه عن الشهوات ، وعمر باطنه بدوام المراقبة ، وظاهره باتباع
السنة ، وتعود أكل الحلال ، لم تخطىء فراسته .
٤٠١
( باب الفراسة )
وسئل أبو الحسن النورى : من أين تولدت فراسة المتفرسين ؟
فقال : من قوله تعالى : ( ونفخت فيه من روحى)(١)، فمن كان حظه من ذلك
النور أتم ، كانت مشاهدته أحكم ، وحكمه بالفراسة أصدق ، ألا ترى كيف
أوجب نفخ الروح فيه (٢) السجود له بقوله تعالى :
( فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين) .
وهذا الكلام من أبى الحسن النورى فيه أدنى غموض وإبهام ؛ يذكر نفخ
الروح (٣)، لتصويب من يقول بقدم الأرواح، ولاكما يلوح لقلوب المستضعفين
فان الذى يصح عليه النفخ والاتصال والانفصال فهو قابل للتأثير والتغيير . وذلك
من سمات الحدوث ، وأن الله ، سبحانه وتعالى ، خص المؤمنين ببصائر وأنوار بها
يتفرسون ، وهى فى الحقيقة معارف ، وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم :
(فانه ينظر بنور الله) أى بعلم وبصيرة يخصه الله تعالى به ويفرده به من دون أشكاله،
وتسمية العلوم والبصائر أنواراً : غير مستبدع ، ولا يبعد وصف ذلك بالنفخ ،
والمراد منه : الخلق .
وقال الحسين بن منصور :
المتفرس هو المصيب بأول مرماه إلى مقصده ، ولا يعرج على تأويل وظن
وحسبان .
وقيل : فراسة المريدين تكون ظناً يوجب تحقيقاً (٤)، وفراسة العارفين تحقيق
يوجب حقيقة .
وقال أحمد بن عاصم الأنطاكى :
إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق ؛ فانهم جواسيس القلوب ؛
يدخلون فى قلوبكم ويخرجون منها من حيث لا تحسون.
سمعت محمد بن الحسين رحمه الله ، يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول :
سمعت الخادى يقول : سمعت أبا جعفر الحداد يقول : الفراسة أول خاطر بلا
معارض ؛ فان عارض معارض من جنسه فهو خاطر وحديث نفس .
(١) آيه ٢٩ من سورة الحجر وآبة ٧٢ من سورة ص. (٢) أى فى آدم.
(٣) أى لجعل نفح الروح هو السبب الموجب لسجود الملائكة. (٤) أى يقيناً.
٤٠٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
ويحكى عن أبى عبد الله الرازى ( نزيل نيسابور ) قال :
كسانى ( ابن الأنبارى) صوفاً ، ورأيت على رأس الشبلى قلنسوة ظريفة تليق
بذلك الصوف ، فتمنيت فى نفسى أن يكونا جميعاً لى .. فلما قام الشبلى من مجلسه
التفت إلى .. فتبعته ، وكان عادته إذا أراد أن أتبعه يلتفت إلى ، فلما دخل داره
دخلت ؛ فقال لى : انزع الصوف . فنزعته .. فلفه وطرح القلنسوة عليه ، ودعا
بنار فأحرقهما .
وقال أبو حفص النيسابورى :
ليس لأحد أن يدعى الفراسة ، ولكن يتقى الفراسة من الغير ؛ لأن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ( اتقوا فراسة المؤمن) ولم يقل : تفرسوا فكيف يصح دعوى
الفراسة لمن هو فى محل اتقاء الفراسة ؟ .
وقال أبو العباس بن مسروق :
دخلت على شيخ من أصحابنا أعوده .. فوجدته على حال رثة ، فقلت فى
نفسى : من أين يرتزق هذا الشيخ ؟ فقال لى : يا أبا العباس : دع عنك هذه الخواطر
الدنيئة ، فان لله ألطافاً خفية .
ويحكى عن الزبيدى قال :
كنت فى مسجد ببغداد مع جماعة من الفقراء ، فلم يفتح علينا بشىء أياما ،
فأتيت الخواص لأسأله شيئاً ، فلما وقع بصره على قال : الحاجة التى جئت لأجلها
يعلمها الله أم لا ؟ فقلت : بلى ؛ فقال : اسكت ولا تبدها لمخلوق ، فرجعت ولم
ألبث إلا قليلا حتى فتح علينا بما فوق الكفاية . وقيل : كان سهل بن عبد الله يوماً فى
الجامع ، فوقع حمام فى المسجد من شدة مالحقه من الحر والمشقة ، فقال سهل :
إن شاها الكرمانى مات الساعة ، إن شاء الله تعالى، فكتبوا ذلك ... فكان كما
قال .
وقيل : خرج أبو عبد الله التروغندى - وكان كبير الوقت - إلى ((طوس))
فلما بلغ ((خر)) وقال لصاحبه: اشتر الخبز . فاشترى ما يكفهما ، فقال: اشتر أكثر
من ذلك . فاشترى صاحبه ما يكفى عشرة أنفس تعمداً ، فكأنه لم يجعل لقول ذلك
الشيخ تحقيقاً قال : فلما صعدنا إلى الجبل إذا بجماعة قيدتهم اللصوص ، لم يأكلوا
منذ مدة ، فسألونا الطعام ، فقال : قدم إليهم السفرة .
٤٠٣
( باب الفراسة )
وقال الأستاذ الإمام : كنت بين يدى الأستاذ الإمام أبى على رحمه الله يوماً
فجرى حديث الشيخ أبى عبد الرحمن السلمى رحمه الله ، وأنه يقوم فى السماع
موافقة للفقراء ، فقال الأستاذ أبو على : مثله فى حاله ؛ لعل السكون أولى به . ثم قال
فى ذلك المجلس امض إليه فستجده وهو قاعد فى بيت كتبه ، وعلى وجه الكتب
مجلدة حمراء مربعة صغيرة فيها أشعار الحسين بن منصور . فاحمل تلك المجلدة
ولاتقل له شيئاً وجئنى بها . وكان وقت الهاجرة .. فدخلت عليه فإذا هو فى بيت
كتبه والمجلدة موضوعة بحيث ذكر ، فلما قعدت أخذ الشيخ أبو عبد الرحمن
السلمى فى الحديث وقال : كان بعض الناس (١) ينكر على أحد من العلماء حركته فى السماع
فرؤى ذلك الإنسان يوماً خالياً فى بيت وهو يدور كالمتواجد ، فسئل عن حاله
فقال : كانت مسألة مشكلة على ، فتبين لى معناها ، فلم أتمالك من السرور حتى
قمت أدور ، فقيل له : مثل هذا يكون حالهم .
فلما رأيت ما أمرنى به الأستاذ أبو على ، وما وصف لى على الوجه الذى قال
وجرى على لسان الشيخ أبى عبد الرحمن ما كان قد ذكره به ، تحيرت ، وقلت :
كيف أفعل بينهما ؟ .
ثم فكرت فى نفسى وقلت : لا وجه إلا الصدق ، فقلت : إن الأستاذ أباعلى
وصف لى هذه المجلدة وقال لى أحملها من غير أن تستأذن الشيخ ، وأنا هو ذا
أخافك ، وليس يمكننى مخالفته ، فأى شىء تأمرنى به؟ .. فأخرج (٢) ((مسدساً))
من كلام الحسين، وفيه تصنيف له سماه: كتاب ((الصهيور فى نقض الدهور))
وقال : أحمل هذا إليه ، وقل له : إنى أطالع تلك المجلدة وأنقل منها أبياتاً إلى
مصنفاتى .. فخرجت .
ويحكى عن الحسن الحداد ، رحمه الله ، أنه قال :
كنت عند أبى القاسم المنادى وعنده جماعة من الفقراء . فقال لى : أخرج
وأتهم بشىء ، فسررت : حيث أذن لى فى التكلف للفقراء وأن آتهم بشى ء بعد
ما علم فقرى، قال: فأخذت ((مكتلا))(٢) وخرجت .. فلما أتيت سكة (سيار)) رأيت
شيخاً بهياً فسلمت عليه وقلت : جماعة من الفقراء فى موضع ، فهل لك أن
تتخلق (٤) معهم بشىء ؟ فأمر .. حتى إذا أخرج إلى شيئاً من الخبز واللحم والعنب ،
(١) أى إنسان.
(٣) زنبيلاً .
(٢) فأخرج مجلداً آخر من كلام الحسين بن منصور.
(٤) تكرم وتعطى.
٤٠٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى)
فلما بلغت الباب نادى أبوالقاسم المنادى من وراء الباب : رده إلى الموضع الذى
أخذته منه ، فرجعت واعتذرت إلى الشيخ ، وقلت : لم أجدهم .. وعرضت بأنهم
تفرقوا ، ورددت السبب(١) عليه ثم جئت إلى السوق ففتح على بشىء، فحملته ،
فقال : ادخل .
فقصصت عليه القصة ، فقال : نعم ، ذاك ( ابن سيار ) رجل سلطانى (٢)، إذا
جئت للفقراء بشىء فأنهم بمثل هذا ، لا يمثل ذلك .
قال أبو الحسين القرافى: زرت أبا الخبر التينانى ، فلما ودعته .. خرج معى إلى
باب المسجد ، وقال لى: يا أبا الحسين ، أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلوماً، ولكن
أحمل معك هاتين التفاحتين .
فأخذتهما .. ووضعتهما فى جيبى ، وسرت ، فلم يفتح لى بشىء ثلاثة أيام ،
فأخرجت واحدة منهما ، وأكلتها ، ثم أردت أن أخرج الثانية ، فاذا هما جميعاً
فى جيبى ، فكنت آكل منهما ويعودان .. إلى (٣) باب الموصل ، فقلت فى نفسى :
إنهما يفسدان على حال توكلى : إذ صارتا معلوماً لى ..
فأخرجتهما من جيبى بمرة . فنظرت فإذا فقير ملفوف فى عباءة يقول : أشتهى
تفاحة ..
فناولتهما إياه .. فلما عبرت وقع لى : أن الشيخ إنما بعتهما إليه . وكنت فى رفقه
فى الطريق ... فانصرفت إلى الفقير ، فلم أجده .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله بن على يقول : سمعت أبا عمر
ابن علوان يقول :
كان شاب يصحب الجنيد .. وكان يتكلم على خواطر الناس ، فذكر للجنيد،
فقال له الجنيد : ما هذا الذى ذكر عنك ؟ فقال الجنيد : اعتقد شيئاً . فقال : اعتقدت !!
فقال الشاب : اعتقدت كذا وكذا ؟ فقال الجنيد : لا . فقال : اعتقد ثانياً ، ففعل ،
فقال : اعتقدت كذا وكذا . فقال : لا فقال : ثالثاً . فقال : مثله فقال الشاب هذا
عجب ، أنت صدوق ، وأنا أعرف قلبى ؟ !. فقال الجنيد : صدقت فى الأول
والثانى والثالث ، ولكنى أردت أن أمتحنك هل يتغير قلبك ..
(١) أى الطعام.
(٣) أى إلى أن وصلت فى سفرى.
(٢) أى منسوب إلى السلطان وطعامه لبس بصاف (العروسى).
٤٠٥
( باب الفراسة )
وسمعته يقول : سمعت أباعبد الله الرازى يقول : اعتل ابن الرقى ، فحمل
إليه دواء فى قدح ، فأخذه ، ثم قال : وقع اليوم فى المملكة حدث : لا آكل ،
ولا أشرب حتى أعلم ماهو ؟ فورد الخبر بعده بأيام : أن القرمطى دخل مكة فى
ذلك اليوم ، وقتل بها تلك المقتلة العظيمة .
سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى رحمه الله يقول : سمعت أبا عثمان
المغربى يقول :
ذكر الكاتب هذه الحكاية ، فقال : هذا عجب .. فقلت له : هذا ليس
بعجب ، فقال لى أبوعلى بن الكاتب : ماخير مكة اليوم ؟ فقلت : هو ذا : تحارب
الطلحيون وبنو الحسن ، ومقدم الطلحيين أسود عليه عمامة حمراء ، وعلى مكة
اليوم غيم على مقدار الحرم . فكتب أبو على إلى مكة . فكان كما ذكرت له .
ويروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه ، قال :
دخلت على عثمان بن عفان رضى الله عنه ، وكنت رأيت فى الطريق امرأة تأملت
محاسنها ، فقال عثمان رضى الله عنه: يدخل على أحدكم وآثار الزنا ظاهرة على عينيه ،
فقلت له : أوحى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ .
فقال : لا ، ولكن تبصرة . وبرهان ، وفراسة صادقة .
وقال أبو سعيد الخراز : دخلت المسجد الحرام ، فرأيت فقيراً عليه خرقتان
يسأل الناس شيئاً ، فقلت فى نفسى : مثل هذا كل على الناس .. فنظر إلى وقال :
( واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه)(١) .
قال : فاستغفرت فى سرى ، فنادانى ، وقال :
((وهو الذى يقبل التوبة عن عباده))(٢) .
وحكى عن إبراهيم الخواص أنه قال :
كنت ببغداد فى جامع المدينة ، وهناك جماعة من الفقراء ، فأقبل علينا شاب
ظريف ، طيب الرائحة ، حسن الحرمة (٣) ، حسن الوجه ، فقلت لأصحابنا :
يقع لى أنه يهودى .. فكلهم كرهوا ذلك ، فخرجت ، وخرج الشاب ، ثم رجع
(١) آية ٢٣٥ من سورة البقرة.
(٢) آية ٢٥ من سورة الشورى .
(٣) وفى نسخة ((الخدمة))، وفى أحرى، الجملة)) وهى بمجتمع شعر الرأس، وهى الأصواب.
٤٠٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
إليهم وقال : ماذا قال الشيخ فى ؟. فاحتشموه . فألح عليهم ، فقالوا : قال إنك
يهودى . قال: فجاءنى وأكب على يدى، وأسلم . فقيل له : ما السبب ؟ قال :
نجد فى كتبنا أن الصديق لاتخطىء فراسته . فقلت: أمتحن المسلمين ؛ فتأملتهم ،
وقلت : إن كان فيهم صديق غنى هذه الطائفة (١)؛ لأنهم يقولون (٢) حديثه سبحانه،
فلبست عليكم .. فلما اطلع هذا الشيخ على ، وتفرس فى علمت أنه صديق ،
وصار الشاب من كبار الصوفية .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى رحمه الله ، يقول سمعت عبد الله بن
إبراهيم بن العلاء ، يقول : سمعت محمد بن داود يقول :
كنا عند الجريرى، فقال : هل فيكم من إذا أراد الحق، سبحانه، أن يحدثفى
المملكة حدثاً أعلمه قبل أن يبديه؟ قلنا : لا. فقال ابكوا على قلوب لم تجدمن الله تعالى شيئاً.
وقال أبو موسى الديلمى : سألت عبد الرحمن بن يحيى عن التوكل ، فقال :
لو أدخلت يدك فى فم التنين (٣) حتى تبلغ الرسغ لاتخاف مع الله تعالى شيئاً غيره .
فقال : فخرجت إلى أبى يزيد لأسأله عن التوكل ، فدققت عليه الباب ، فقال : أليس
لك فى قول عبد الرحمن كفاية ؟. فقلت: افتح الباب . فقال : ما زرتنى ، أتاك
الجواب من وراء الباب ، ولم يفتح لى الباب ؛ فمضيت ، ولبثت سنة ، ثم قصدته ،
فقال : مرحباً ، جئتنى زائراً فكنت عنده شهراً ، فكان لا يخطر بقلبى شىء إلا
حدثنى عنه . فعند وداعه لى قلت :
أفدنى فائدة . فقال : حدثتنى أمى : أنها كانت حاملا بى ، فكانت إذا قدم لها
طعام من حلال امتدت يدها إليه ، وإذا كان فيه شبهة انقبضت يدها عنه .
وقال إبراهيم الخواص :
دخلت البادية ، فأصابتنى شدة ، فلما بلغت مكة ، داخلنى شىء من الإعجاب ،
فنادتنى عجوز : يا إبراهيم ، كنت معك فى البادية فلم أكلمك ؛ لأنى لم أرد أن
أشغل سرك أخرج عنك هذا الوسواس ..
وحكى أن الفرغانى كان يخرج كل سنة إلى الحج، وبمر بـ((نيسابور))،
ولا يدخل على أبى عثمان الحبرى قال: فدخلت عليه مرة ، وسلمت ، فلم يرد على
(١) أى الصوفية .
(٣) نوع من الحبات الكبيرة .
(٢) وفى نسخة ((يتلون حدينه)) أى كلامه.
٤٠٧
( باب الفراسة )
السلام ، فقلت فى نفسى : مسلم يدخل عليه ويسلم عليه فلا يرد سلامه ؟ فقال
أبوعثمان: مثل هذا يحج ويدع أمه لا يبرها ؟.
قال: فرجعت إلى ((فرغانة)) ولزمتها حتى ماتت. ثم قصدت أباعتمان، فلما
دخلت استقبلنى ، وأجلسنى ، ثم إن الفرغانى لازمه وسأله سياسة دابته (١)، فولاه
ذلك حتى مات أبوعتمان .
وقال خير النساج :
كنت جالساً فى بيبى ، فوقع لى : أن الجنيد بالباب ، فنفيت عن قلبى ، فوقع
لى ثانياً ، وثالثاً ، فخرجت فاذا بالجنيد ، فقال: لم لم تخرج مع الخاطر الأول ؟ .
وقال محمد بن الحسين البسطامى :
دخلت على أبى عثمان المغربى، فقلت فى نفسى: لعله يتشهى(٢) على شيئاً؟ فقال
أبو عثمان : لا يكفى الناس أن آخذ منهم حتى يريدوا مسألتى إياهم.
وقال بعض الفقراء :
كنت ببغداد ، فوقع لى : أن المرتعش يأتينى بخمسة عشر درهماً؛ لأشترى
بها الركوة (٣)، والحبل ، والنعل ، وأدخل البادية :
قال : فدق على الباب ، ففتحت ، فإذا أنا بالمرتعش معه خريقة ، فقال :
خذها ، فقلت : يا سيدى ، لا أريدها .. فقال : فلم تؤذينا ؟ . كم أردت ؟ فقلت :
خمسة عشر درهماً . فقال : هى خمسة عشر درهماً .
وقال بعضهم فى قوله تعالى: ((أومن كان ميتاً فأحييناه))(٤) أى: ميت الذهن
فأحياه اللّه تعالى بنور الفراسة ، وجعل له نور التجلى والمشاهدة ، لايكون كمن
يمشى بين أهل الغفلة غافلا.
وقيل : إذا صحت الفراسة ارتقى صاحبها إلى المشاهدة .
سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى يقول : سمعت محمد بن الحسين البغدادى
يقول : سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول : سمعت أبا العباس بن مسروق يقول:
قدم علينا شيخ ، فكان يتكلم علينا فى هذا الشأن (٥) بكلام حسن . وكان عذب
اللسان ، جيد الخاطر ، فقال لنا فى بعض كلامه : كل ما وقع لكم فى خاطركم
(١) أى خدمتها .
(٣) الركوة : الدلو الصغيرة.
(٢) وفى سخة: يشتهى أى يسألنى قضاء شىء
(٥) أى فى الصوفية .
(٤ ) آية ١٢٢ من سورة الأنعام.
٤٠٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
فقولوه لى . فوقع فى قلبى أنه يهودى، وكان الخاطر يقوى ولايزول . فذكرت
ذلك للجريرى ، فكبر عليه ذلك ، فقلت : لا بد لى أن أخبر الرجل بذلك ؛ فقلت
له : تقول لنا ما وقع لكم فى خاطركم فقولوه لى ؛ إنه يقع : إنك يهودى .. فأطرق
ساعة ثم رفع رأسه وقال : صدقت ، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول
الله . وقال: قد مارست جميع المذاهب وكنت أقول : إن كان مع قوم(١) منهم شىء
فمع هؤلاء ؛ فداخلتكم لأختبركم ، فأنتم على الحق . وحسن إسلامه .
ويحكى عن الجنيد : أنه كان يقول له السرى: تكلم على الناس (٢).
فقال الجنيد: وكان فى قلبى حشمة (٣) من الكلام على الناس ؛ فانى كنت أتهم
نفسى فى استحقاق ذلك .. فرأيت ليلة النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام وكانت
ليلة جمعة، فقال لى: ((تكلم على الناس)). فانتبهت .. وأتيت باب السرى قبل أن
أصبح ؛ فدققت عليه الباب ، فقال: لم تصدقنا حتى قيل لك ؟ فقعد للناس فى الجامع
بالغد ، فانتشر فى الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس ؛ فوقف عليه غلام نصرانى
متنكراً ، وقال له : أيها الشيخ ، ما معنى قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم):
(( اتقوا فراسة المؤمن ؛ فان المؤمن ينظر بنور الله تعالى ؟
(( قال : فاطرق الجنيد .. ثم رفع رأسه وقال :
أسلم ؛ فقد حان وقت إسلامك . فأسلم الغلام .
(١) وفى نسحة (( مع أحد)).
(٣) أى مهابه .
(٢) أى عطهم وذكرهم .
الباب السابع والثلاثون
الخلق
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
انكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن
ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن
الخلق .
۔
٤١٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى)
باب الخلق
قال الله تعالى: ((وإنك لعلى خلق عظيم)) (١).
أخبرنا على بن أحمد الأهوازى قال : أخبرنا أبو الحسن الصفار البصرى :
قال : حدثنا هشام (٢) بن محمد بن غالب قال : حدثنا معلى بن مهدى قال : حدثنا
بشار بن ابراهيم النميرى ، قال : حدثنا غيلان بن جرير عن أنس قال :
((قيل يارسول اللّه: أى المؤمنين أفضل إيماناً؟ قال: أحسنهم خلقاً)) (٣).
إذ الخلق الحسن أفضل مناقب العبد ، وبه يظهر جواهر الرجال ، والإنسان
مستور بخلقه مشهود بخلقه .
١
سمعت الأستاذ أباعلى الدقاق ، رحمه اللّه ، يقول : إن الله تعالى ، خص نبيه
صلى الله عليه وسلم بما خصه به ، ثم لم يثن عليه بشىء من خصاله بمثل ما أثنى بخلقه ؛
فقال عز من قائل :
(( وإنك لعلى خلق عظيم)) (٤).
وقال الواسطى: وصفه بالخلق العظيم ؛ لأنه جاد بالكونين (٥)، واكتفى بالله تعالى.
وقال الواسطى أيضاً : الخلق العظيم : أن لايخاصم ولا يخاصم ، من شدة
معرفته بالله تعالى .
وقال الحسين بن منصور : معناه :
لم يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك الحق ..
وقال أبو سعيد الحراز : لم يكن لك همة غير الله تعالى .
سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى يقول : سمعت الحسين بن أحمد بن جعفر
يقول : سمعت الكتانى يقول :
التصوف خلق ، من زاد عليك بالخلق ، فقد زاد عليك فى التصوف .
ويروى عن ابن عمر ، رضى الله عنهما ، أنه قال :
إذا سمعتمونى أقول لمملوك : أخزاه الله فاشهدوا أنه حر .
(١) آية ٤ س سورة القلم.
(٣) أخرجه الإمام البخارى فى صحيحة .
(٥) بالدنيا والآخرة .
(٢) وفى نسخة : تمنام.
(٤) آية ٤ من سورة القلم .
٤١١
( باب الخلق )
وقال الفضيل :
لو أن العبد أحسن الإحسان كله"، وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من
المحسنين .
وقيل : كان ابن عمر ، رضى الله عنهما، إذا رأى واحداً من عبيده يحسن
الصلاة يعتقه . فعرفوا ذلك من خلقه ، فكانوا يحسنون الصلاة مراعاة له ، وكان
يعتقهم ، فقيل له فى ذلك فقال : من خدعنا فى الله انخدعنا له .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد الله الرازى يقول: سمعت
أبا محمد الجريرى يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت الحارث المحاسبى يقول :
فقدنا ثلاثة أشياء : حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن القول مع الأمانة ، وحسن
الإخاء مع الوفاء .
وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن محمد الرازى يقول :
الخلق : استصغار ما منك إليه واستعظام ما منه إليك .
وقيل للأحنف : ممن تعلمت الخلق ؟ فقال : من قيس بن عاصم المنقرى قيل :
وما بلغ من خلقه؟ قال : بينا هو جالس فى داره إذ جاءت خادم له بسفود(١) عليه
شواء ، فسقط من يدها ، فوقع على ابن له ، فمات ، فدهشت الجارية ، فقال :
لا روعة عليك ، أنت حرة لوجه الله تعالى .
وقال شاه الكرمانى :
علامة حسن الخلق : كف الأذى ، واحتمال المؤن .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن
ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق))(٢) .
وقيل لذى النون المصرى : من أكثر الناس هماً؟ قال : أسوأهم خلقاً .
وقال وهب: ما تخلق عبد بخلق أربعين صباحاً إلا جعله الله طبيعة فيه .
وقال الحسن البصرى فى قول الله تعالى: ((وثيابك فطهر)) أى : وخلقك
فحسن ٠٠
(١) حديد يشوى عليه اللحم.
(٢) رواه البزار، وأخرجه أبو نعيم فى الخلية والحاكم فى المستدرك والبيبقى فى الشعب.
٤١٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وقيل : كان لبعض النساك شاة فرآها على ثلاث قوائم (١) . فقال: من فعل بها
هذا ؟ فقال غلام له : أنا ، فقال : لم ؟ قال: لاغمك بها .. فقال : لا ، بل لأغمن
من أمرك بذلك . اذهب فأنت حر .
وقيل لإبراهيم بن أدهم : هل فرحت فى الدنيا قط ؟ . فقال : نعم ، مرتين
إحداهما : كنت قاعداً ذات يوم فجاء إنسان وبال على ؛ والثانية : كنت قاعداً فجّاء
إنسان وصفعنى .
وقيل : كان أويس القرنى إذا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة ، فيقول : إن كان
ولابد فارمونى بالصغار (٢): كيلا تدقوا ساقى فتمنعونى عن الصلاة.
وشتم رجل الأحنف بن قيس ... وكان يتبعه ... فلما قرب من الحى وقف ،
وقال: يافتى ، إن بقى شىء فقله ؛ كيلا يسمعك بعض سفهاء الحى فيجيبوك(٣).
وقيل لحاتم الأصم: أيحتمل الرجل من كل أحد؟ .. فقال: نعم ، إلا من نفسه .
وروى أن أمير المؤمنين على بن أبى طالب (٤) رضى الله عنه ، دعا غلاماً له ،
فلم يجبه ، فدعاه ثانياً وثالثاً فلم يجبه ، فقام إليه فرآه مضطجعاً ، فقال : أما تسمع
ياغلام ؟ فقال : نعم . قال : فما حملك على ترك جوابى ؟ فقال : أمنت عقوبتك
فتكاسلت . فقال : امض ؛ فأنت حر لوجه الله تعالى .
وقيل : نزل معروف الكرخى الدجلة ليتوضأ ، ووضع مصحفه وملحفته ،
فجاءت امرأة وحملتهما ، فتبعها معروف ، وقال : ياأختى ، انا معروف ولا بأس
عليك ، ألك ابن يقرأ ؟ قالت : لا . قال : فزوج ؟ قالت : لا ، قال : فهاتى المصحف
وخذى الثوب .
ودخل اللصوص مرة دار الشيخ أبى عبد الرحمن السلمى بـ ((المكابرة))،
وحملواما وجدوا ، فسمعت بعض أصحابنا يقول : سمعت الشيخ أباعبد الرحمن
يقول : اجتزت بالسوق ، فوجدت جبّى على من يزيد(٥) ، فأعرضت ، ولم ألتفت
إليه .
ت مــه
(١) والرابعة قطعت .
(٣) وفى نسحه يؤدرك .
(٢) أى الصغار من الحجارة.
(٤) ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم كرم الله وجهه ورضى
عنه ، وقد آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبينه، وقال له أنت منى بمنر له هارون من موسى وله من المواقف المحمودة ما شهدت
(٥) أى تباع فى المزاد .
به السيرة أنظر أسد الغابة ، والإصابة والسيرة النبوية .
٤١٣
( باب الخلق )
سمعت الشيخ أباحاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج الطوسى
يقول : سمعت الوجيهى يقول : قال الجريرى : قدمت من مكة ، حرسها الله تعالى،
فبدأت بالجنيد ، لكيلا يتعنى إلى ، فسلمت عليه ، ثم مضيت إلى المنزل فلما
صليت الصبح فى المسجد إذا أنا به خلفى فى الصف ، فقلت : إنما جئتك أمس لئلا
تتعنى ، فقال : ذاك فضلك ، وهذا حقك .
٩ وسئل أبو حفص عن الخلق، فقال: هو ما اختار الله - عز وجل - لنبيه
صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف(١) .. )) الآية.
وقيل : الخلق : أن تكون من الناس قريباً ، وفيما بينهم غريباً .
وقيل : الخلق قبول ما يرد عليك من جفاء الخلق ، وقضاء الحق بلا ضجر
ولا قلق .
وقيل : كان أبو ذر على حوض يسقى إبلا له ، فاسرع بعض الناس إليه ،
فانكسر الحوض ، فجلس ، ثم اضطجع ، فقيل له فى ذلك فقال : إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أمرنا إذا غضب الرجل أن يجلس فان ذهب عنه . وإلا فليضطجع.
وقيل : مكتوب فى الإنجيل : عبدى .. اذكرنى حين تغضب أذكرك حين
اغضب . :
{ وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مرائی .. فقال: ياهذه؛ وجدت اسمى الذى
اضله أهل البصرة .
وقال لقمان لابنه : لا تعرف ثلاثة إلا عند ثلاثة : الحليم عند الغضب والشجاع
عند الحرب ، أوالأخ عند الحاجة إليه .
أوقال موسى ، عليه السلام: إلهى ، أسألك ان لايقال ما ليس فى ؛ فأوحى
" الله سبحانه إليه : ما فعلت ذلك لنفسى ، فكيف أفعله لك ؟
[ وقيل ليحيى بن زياد الحارثى، وكان له غلام سوء: لم تمسك هذا الغلام ؟
: فقال : لأتعلم عليه الحلم .
وقيل فى قوله تعالى: ((وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) (٢): الظاهرة: تسوية
الحلق ، والباطنة : تصفية الحلق .
(١) الأعراب آية : ١٩٩.
(٢) سورة لقمان آية : ٢٠.
٤١٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
.L. OmeT
وقال الفضيل(١): لأن ىصحنى فاجر حسن الخلق أحب إلى من أن يصحبنى
عابد سيء الخلق .
وقيل : الخلق الحسن احتمال المكروه بحسن المداراة .
وحكى أن إبراهيم بن أدهم خرج إلى بعض البرارى فاستقبله جندى ، فقال :
أين العمران ؟ فأشار إلى المقبرة ، فضرب رأسه وأوضحه ، فلما جاوزه ، قيل له :
إنه إبراهيم بن أدهم زاهد (خراسان)) فجاءه يعتذر إليه، فقال : إنك لما ضربتنى
سألت الله تعالى لك الجنة . فقال : لم ؟ فقال علمت أنى أؤجر عليه، فلم أرد أن يكون
نصيبى منك الخير ، ونصيبك منى الشر .
وحكى أن أباعثمان الحبرى دعاه إنسان إلى ضيافة ، فلما وافى باب داره قال :
يا أستاذ ، ليس الآن وقت دخولك ، وقد ندمت ، فانصرف ، فرجع أبوعثمان ،
فلما وافى منزله عاد إليه الرجل ، وقال : يا أستاذ ، ندمت .. وأخذ يعتذر إليه ،
وقال : احضر الساعة ... فقام أبو عثمان ومضى ، فلما وافى باب داره قال : مثل
ما قال فى الأولى ، ثم كذلك فعل فى الثالثة والرابعة ، وأبو عثمان ينصرف ويحضر.
فلما كان بعد مرات قال : يا أستاذ ، أردت اختبارك . وأخذ يعتذر ومدحه ، فقال
أبو عثمان :
لاتمدحنى على خلق تجد مثله مع (٢) الكلاب: الكلب إذا دعى حضر، وإدا
زجر انزجر .
وقيل : إن أباعمان اجتاز بسكة وفت الهاجرة ، فالتى عليه من سطح طشت
رماد ، فتغير أصحابه ، وبسطوا ألسنتهم فى الملقى ، فقال أبو عثمان :
]لاتقولوا شيئاً ، من استحق أن يصب عليه النار ، فصولح على الرماد لم يجز
له أن يغضب . *
ث وقيل: نزل بعض الفقراء على جعفر بن حنظلة ، فكان جعفر يخدمه جدا ،
والفقير يقول : نعم الرجل أنت لو لم تكن هودياً .. فقال جعفر: عقيدتى لاتقدح
فيما تحتاج إليه من الخدمة ؛ فسل لنفسك الشفاء ولى الهداية .
(١) ابن عياض .
(٢) وفى نسخة ((فى)).
٤١٥
( باب الخلق )
، وقيل : كان لعبد الله الخياط حريف مجوسى ، يخيط له ثياباً ، ويدفع إليه
دراهم زيوفاً ، وكان عبد الله يأخذها .. فاتفق أنه قام من حانوته يوماً لشغل ،
فجاء بالدراهم الزيوف ، فدفعها إلى تلميذه ، فلم يقبلها ، فدفع إليه الصحاح :
فلما رجع عبد اللّه قال لتلميذه .
أين قميص المجوسي ؟
فذكر له القصة .. فقال : بئسما عملت ؟ إنه منذ مدة يعاملنى بمثلها ، وأنا أصبر
عليه ، وألقيها فى بئر ، لئلا يغر بها غيرى . .
!" وقيل: الحلق السىء يضيق قلب صاحبه ؛ لأنه لا يسع فيه غير مراده، كالمكان
الضيق لايسعُ فيه غير صاحبه .
وقيل . حسن الخلق : أن لا تتغير ممن يقف فى الصف بجنبك .
وقيل : من سوء خلقك : وقوع بصرك على سوء خلق غيرك .
وسئل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن الشؤم، فقال :
((سوء الخلق)) (١) . .
أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد الأهوازى ، قال : حدثنا أبو الحسن الصفار
. البصرى قال : حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا يحيى بن معنى قال : حدثنا مروان
الفزارى قال : حدثنا يزيد بن كيسان ، عن أبى حازم ، عن أبى هريرة ، رضى
الله عنه، قال :
قيل : يارسول الله ، ادع الله تعالى على المشركين.
فقال: ((إنما بعثت رحمة، ولم أبعث عذابا)) (٢).
(١) أخرجه أحمد فى مسنده، والطبرانى فى المعجم الأوسط، وأبو نعيم فى الحلية عن عائشة، وأخرجه الدرا قطنى
فى الأفراد ، والطبرانى فى الأوسط عن جابر ، ورمز له السيوطى بالضعف .
(٢) أخرجه البخارى فى التاريخ عن أبى هريرة ورمز له السيوطى بالحسن .
الباب الثامن والثلاثون
الجود والسخاء
أربعة لا ينبغى للشريف أن يألف منهن
وان كان أميرا .. قيامه من مجلسه
لأبيه .. وخدمته لضيفه .. وخدمته
لعالم يتعلم منه .. والسؤال عما
لم يعلم ..