Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٧٥ ( باب الحياء ) وحياء الاستحقار ؛ كموسى عليه السلام ، قال : إنى لتعرض لى الحاجة من الدنيا ، فأستحى أن أسألك يارب ، فقال الله عز وجل له : سلنى حتى عن ملح عجينك ، وعلف شاتك . وحياء الإنعام ، هو حياء الرب سبحانه ، يدفع إلى العبد كتاباً مختوماً بعد ما عبر الصراط ، وإذا فيه : فعلت ما فعلت ، وقد استحييت أن أظهره عليك ، فاذهب ، فانى قد غفرت لك . سمعت الأستاذ أما على الدقاق يقول فى الخبر : إن يحيى بن معاذ قال : سبحان من بذنب العد فيستحى هو منه . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله بن أحمد بن جعفر يقول : سمعت زنجوبه اللباد يقول: سمعت على بن الحسين الهلالى يقول : سمعت إبراهيم ابن الأشعث يقول : سمعت الفضيل بن عياض يقول : خمس من علامات الشقاء: القسوة فى القلب ، وجمود العين ، وقلة الحياء ، والرغبة فى الدنيا ، وطول الأمل . وفى بعض الكتب : ما أنصفنى عندى ؛ بدعونى فأستحى آن أرده ، ويعصينى فلا يستحى منى . وقال يحيى بن معاذ : من استحيا من اللّه مطيعاً استحيا الله تعالى منه وهو مذنب . واعلم أن الحياء : بوجب التذويب ، فيقال : الحياء : ذوبان الحشا لاطلاع المولى . ويقال : الحياء : انقباض القلب ، لتعظيم الرب . وقيل : إذا جلس ليعظ الناس ناداه ملكاه : عظ نفسك ما تعظ به أخاك ، وإلا فاستحى من سيدك ؛ فانه براك . وسئل الجنيد عن الحياء ، فقال : رؤية الآلاء ، ورؤية التقصير ، فيتولد من بيهما حالة تسمى ((الحياء)). وقال الواسطى : لم يذق لذعات الحياء من لاس خرق حد(١) أو نقض عهد. (١) أى أر تكب منهياً عنه واعتدى على حد من حدود الله . ٣٧٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقال الواسطى ايضا : المستحى سيل منه العرق ، وهو الفضل الذى فيه ، ومادام فى النفس شىء فهو مصروف عن الحياء . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، تقول : الحياء : ترك الدعوى بين مدى الله عز وجل . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد الله الصوفى، رحمه الله ، يقول: سمعت أبا العباس بن الوليدالزوزنى يقول : سمعت محمد بن أحمد الجوز جاني يقول: سمعت أبا بكر الوراق تقول : ربما آصلى اللّه تعالى ركعتين ، فانصرف عنهما ، وأنا بمنزلة من يتصرف عن السرقة من الحياء . الباب الثالث والثلاثون الحريّة (( .. انك لا تصل الى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبودية بقية ٠٠)) ٣٧٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب الحرية قال الله عز وجل: ((ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة))(١). قال (٢): إنما آثروا على أنفسهم لتجردهم (٣) عما خرجوا منه ، وآثروا به . أخبرنا : على بن أحمد الأهوازى ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصرى قال : حدثنا ابن أبى قماش قال : حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال : حدثنا نعيم بن مورع بن توبة ، عن إسماعيل المكى ، عن عمرو بن دينار ، عن طاووس ، عن ابن عباس ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما يكفى أحدكم ما قنعت به نفسه ، وإنما بصير إلى أربعة أذرع وشبر (٤)، وإنما يرجع الأمر إلى آخر)) (٥). (ال : الحرية : أن لا يكون العبد تحت رق المخلوقات، ولا يجرى عليه سلطان المكونات ، وعلامة صحته : سقوط التمييز عن قلبه بين الأشياء ، فيتساوى عنده أخطار الأعراض (٦). قال حارثة رضى الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: عزفت نفسى عن الدنيا ؛ فاستوى عندى حجرها وذهبها . سمعت الأستاذ أما على الدقاق ، رحمه الله ، يقول : من دخل الدنيا وهو عنها حر ارتحل إلى الآخرة وهو عنها حر . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا محمد المراغى يحكى عن الرفى ، عن الدقاق : يقول : من كان فى الدنيا حراً منها كان فى الآخرة حراً منها . واعلم أن حقيقة الحرية فى كمال العبودية ؛ فاذا صدقت لله تعالى عبوديته خلصت عن رق الأغيار حر ىته . فأما من توهم أن العبد يسلم له أن يخلع وقتاً عذار العبودية ، ويحيد بلحظه عن حد الأمر والنهى وهو مميز ، فى دار التكليف ، فذلك انسلاخ من الدين . (١) آية ٩ من سورة الحشر. (٣) فى نسخة لتحررهم. (٢) الإمام المؤلف . (٣) أى القبر . (٥) وروى نحوه ما أخرجه الطبر انى والبيهقى عن خباب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما يكفى أحدكم ما كان و، الدنيا مثل زاد الراكب ) حديث حسن . (٦) وفى نسخة («الأمواضي، والمياه أن لايفرق بين نفيس و خميس فى خاطره .. ٣٧٩ ( باب الحرية ) قال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((واعبد ربك حتى يأتيك اليقين))(١) يعنى : الأجل ، وعليه أجمع المفسرون . وأن الذى اشار إليه القوم من الحرية هو : ان لايكون العبد تحت رق شىء من المخلوقات لامن أعراض الدنيا ، ولا من اعراض الآخرة ؛ فرداً لفرد(٢) لم بسترقه عاجل دنيا ، ولاحاصل هوى ، ولا آجل منى ، ولا سؤال ، ولا قصد ولا آرب (٣)، ولاحظ . وقيل للشيلى : ألم تعلم أنه تعالى رحمن ؟ فقال : بلى ولكن منذ عرفت رحمته ما سالته أن يرحمى . ومقام الحرية عزيز . سمعت الشيخ آبا على رحمه الله ، يقول : كان أبو العباس السيارى يقول : لو صحت صلاة بغير قرأن لصحت بهذا البيت : أن ترى مقلتاى طلعة حر أتمنى على الزمان محالا وآما أقاويل المشايخ فى الحرية ؛ فقال الحسين بن منصور : من أراد الحرية فليصل (٤) العبودية . وسئل الجنيد عمن لم يبق عليه من الدنيا إلا مقدار مص نواة ، فقال : المكاتب عبد ما بقى عليه درهم . سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت أبا عمرو الأنماطى يقول : سمعت الجنيد يقول : إنك لاتصل إلى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية . وقال بشر الحافى : من أراد أن يذوق طعم الحرية ، ويستريح من العبودية (٥) فليطهر السريرة بينه وبين الله تعالى . وقال الحسين بن منصور : إذا استوفى العبد مقامات العبودية (٦) كلها بصير حراً من تعب العبودية (٧) ، فيبرسم(٨) بالعبودية بلاعناء ولا كلفة ، وذلك مقام الأنبياء (١) آية ٩٩ من سورة الحجر. (٤) بأن يواليها ويديم علبها . (٦) لله . (٨) وفى نسخة فيتوسم أى يتصف ويتحلى . (٣) أى حاجة. (٢) أى الله. (٥) أغير الله. (٧) لغير الله. ٣٨٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) والصديقين ، يعبى يصير محمولا ، لا يلحقه بقلبه مشقة وإن كان متحلياً به شرعاً ، أنشدنا الشّيخ أبوعبد الرّحمن قال: أنشدنا أبو بكر الرازى قال : أنشدنى منصور الفقيه لنفسه : لا ، ولا فى الجن حر ما بقى فى الإنس حر فحلو العيش مر قد مضى حر الفريقين واعلم أن معظم الحرية فى خدمة الفقراء . سمعت الشيخ أبا على الدقاق رحمه الله ، يقول : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : إذا رأيت لى طالباً فكن له خادماً . وقال صلى الله عليه وسلم: ((سيد القوم خادمهم)). سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله يقول . سمعت محمد بن ابراهيم بن الفضل يقول : سمعت محمد بن الرومى يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : أبناء الدنيا تخدمهم الإماء والعبيد ، وأبناء الآخرة تخدمهم الأحرار والأبرار . وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن عثمان بن يحيى يقول : سمعت على بن محمد المصرى يقول : سمعت يوسف بن موسى يقول : سمعت بن خبيق يقول : سمعت محمد بن عبد الله يقول : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: إن الحر الكريم يخرج من الدنيا قبل أن يخرج منها . وقال إبراهيم بن أدهم : لا تصحب إلا حراً كريماً ؛ يسمع ولا يتكلم . الباب الرابع والثلاثون الذكر (( ** سئل الوسطى عن الذكر فقال: الخروج من ميدان الغفلة الى قضاء المشاهدة على غلبة الخوف ٠٠ وشدة الحب له ٠٠)) ٣٨٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب الذكر قال الله تعالى: ((يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً))(١). أخبرنا أبو الحسين على بن محمد بن عبد الله بن بشر ببغداد ، قال اخبرنا أبو على الحسين بن صفوان البرذعي قال : حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبى الدنيا قال : حدثنا هارون بن معروف قال: حدثنا أنس بن عياض قال : حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبى هند ، عن زياد بن أبى زياد ، عن أبى بحرية ، عن أبى الدرداء ، رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((آلا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأز كاها عند مليككم ، وارفعها فى درجاتكم وخبر من إعطاء الذهب والورق ، وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ، ويضربوا أعناقكم ؟ ٠٠. قالوا : ماذاك يارسول الله ؟ قال: ذكر الله تعالى)) : أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن قال : حدثنا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم قال : حدثنا الديرى ، عن عبد الرزاق ، عن معمر : عن الزهرى ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لاتقوم الساعة على أحد يقول: الله .. الله)). وأخبرنا على بن أحمد بن عبدان قال : حدثنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا معاذ قال : حدثنا أبى ، عن حميد ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تقوم الساعة حتى (٢) لا يقال فى الأرض: الله .. الله)). قال الأستاذ : والذكر ركن قوى فى طريق الحق سبحانه وتعالى ، بل هو العمدة فى هذا الطريق ، ولا يصل أحد إلى الله إلا بدوام الذكر . والذكر على مربين : ذكر اللسان ، وذكر القلب . فذكر اللسان به بصل العبد إلى استدامة ذكر القلب . والتأثير لذكر القلب ؛ فاذا كان العبد ذاكراً بلسانه وقلبه ، فهو الكامل فی وصفه فی حال سلوكه . (١) آية ٤١ س سورة الأحزاب. (٢) حى حتى: إلى أن والحديث أخرجه أحمد فى مسنده والإمام مسلم فى صحيحة والتر ميذى عن أنس وقال صحيح الإسناد. ٣٨٣ ( باب الذكر ) سمعت الأستاذ أبا على الدقاق، رحمه الله، يقول: الذكر منشور (١) الولاية؛ فمن وفق للذكر فقد أعطى المنشور ، ومن سلب الذكر فقد عزل . وقيل : إن الشبلى كان فى ابتداء آمره ينزل كل يوم سرباً(٢) ويحمل مع نفسه حزمة من القضبان(٣) ، فكان إذا دخل قلبه غفلة ضرب نفسه بتلك الخشب حتى بكسرها على نفسه ، فربما كانت الحزمة تفنى قبل أن يمسى ، فكان يضرب بيده ورجليه على الحائط . وقيل : ذكر الله بالقلب سيف المرشدين ، به يقاتلون أعداءهم ، وبه يدفعون الآفات التى تقصدهم ، وإن البلاء إذا أظل العبد ؛ فإذا فزع بقلبه إلى الله تعالى يحيد عنه فى الحال كل ما يكرهه . وسئل الواسطى عن الذكر فقال : الخروج من ميدان الغفلة إلى فضاء المشاهدة على غلبة الخوف ، وشدة الحب له . سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى يقول : سمعت عبد الله بن الحسين بقول : سمعت أبا محمد البلاذرى يقول : سمعت عبد الرحمن بن بكر يقول : سمعت ذا النون المصرى يقول : من ذكر الله تعالى ذكراً على الحقيقة نسى فى جنب ذكره كل شىء ، وحفظ الله تعالى عليه كل شىء ، وكان له عوضاً عن كل شىء. وسمعته يقول : سمعت عبد الله المعلم يقول : سمعت أحمد المسجدى يقول : سئل أبوعمان ؛ فقيل له : نحن نذكر اللّه تعالى ، ولا نجد فى قلوبنا حلاوة ؟ فقال : احمدوا الله تعالى ، على أن زين جارحة من جوارحكم بطاعته . وفى الخبر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : (( وإذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فيها . فقيل له : وما رياض الجنة ؟ فقال : حلق الذكر))(٤) . (١) المنشور، هو ما يكتب لمن ولى ولاية على جهة من الجهات، ليعلم أهل تلك الجهة تحقق ولا يته عليهم. والمراد أن الذكر يشهد الذاكر بالولاية كما يشهد المنشور الوالى بولا يته على القوم . (٣) الخلب . (٢) طريقا . (٤) رواه أنس وأخرجه أحمد فى مسنده والترمذى والبيهقى وقال حديث صحيح ورواى نحوه فيما أخرجه الطبرانى فى المعجم الكبير عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أمررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة ؟ قال: مجالس العلم )) ورمز له السيوطى الصحف . ٣٨٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) أخبرنا أبو الحسن على بن بشر ببغداد قال : حدثنا أبو على بن صفوان قال : ابن أبى الدنيا قال : حدثنا الهيثم بن خارجة قال : حدثنا إسماعيل ابن عياش، عن عمر بن عبد الله: أن خالد بن عبد الله بن صفوان أخبره عن جابر بن عبد الله قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((يا أيها الناس ؛ ارتعوا فى رياض الجنة. قلنا يارسول الله، ما رياض الجنة ؟ قال: مجالس الذكر)) اغدوا، وروحوا ، واذكروا ، من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده ؟ فان الله سبحانه ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه (١). وسمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمداً الفراء يقول : سمعت الشبلى بقول : أليس الله تعالى يقول: أناجليس من ذكرنى؟ ما الذى استفدتم من مجالسة الحق سبحانه ؟ . وسمعته بقول : سمعت عبد الله بن موسى السلامى بقول: سمعت الشبلى ننشد فى مجلسه : وآيسر ما فى الذكر ذكر لسانى ذكرتك ، لا آنى نسيتك لمحة وهام على القلب بالخفقان وكدت بلا وجد أموت من الهوى شهدتك موجوداً بكل مكان فلما أرانى الوجد أنك حاضرى ولاحظت معلوماً بغير عيان فخاطبت موجوداً بغير تكلم ومن خصائص الذكر : أنه غير مؤقت ، بل ما من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور بذكر الله: إما فرضاً ، وإمّا ندباً . والصلاة ، وإن كانت أشرف العبادات ، فقد لا تجوز فى بعض الأوقات . والذكر بالقلب مستدام فى عموم الحالات . قال الله تعالى: ((الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم .. ))(٢). سمعت الإمام آبا بكر من فورك ، رحمه الله ، يقول : قياماً : بحق الذكر ، وقعوداً : عن الدعوى فيه . وسمعت الشيخ أباعبد الرحمن يسأل الأستاذ أبا على الدقاق ، فقال : (١) رواه أبو الدنبا وأبو يعلى، والبزار، والطبرانى والحاكم، والبيهى وقال الحاكم صحيح الإسناد ، وقال الحافظ المنذرى أسانيده ثفات مشهورون محتج بهم والحديث حسن . وروى بنحوه عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر رتم برياض الجنة فارتعوا: قيل ومارياض الجنة ؟ قال المساجد قال: وما الرتع ؟ قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أخرجه الترمذى . (٢) آية ١٩١ من سورة آل عمران. ٣٨٥ ( باب الذكر ) الذكر أتم أم الفكر ؟ فقال الأستاذ أبو على : ما الذى يقول الشيخ فيه ؟ قال الشيخ أبو عبد الرحمن : عندى الذكر أتم من الفكر ؛ لأن الحق ، سبحانه ، يوصف بالذكر ، ولا يوصف بالفكر ، وما وصف به الحق سبحانه أتم مما اختص به الخلق . فاستحسنه الأستاذ أبو على ، رحمه الله . وسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى رحمه الله يقول: سمعت محمد بن عبد الله يقول : سمعت الكتانى يقول ، لولا أن ذكره فرض على لما ذكرته إجلالاله ، مثلى يذكره .. ولم يغسل فمه بألف توبة متقبلة عن ذكره . وسمعت الأستاذ أبا على ، رحمه الله ، ينشد لبعضهم : قلی وسری وروحی عند ذ کرا کا ما إن ذكرتك إلا هم يزجرنى إياك، ويحك والتذكار إيا كا(١) حتی کأن رقيباً منك بيهتف بى ومن خصائص الذكر: أنه جعل فى مقابلته الذكر (٢) . قال الله تعالى: ((فاذكرونى أذكركم)). وفى خبر : ((أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يقول : أعطيت أمتك ما لم أعط أمة من الأمم ، فقال : وماذاك ياجبريل؟ فقال : قوله تعالى : (فاذكرونى أذكر كم)؛ لم يقل هذا لأحد غير هذه الأمة)). وقيل : إن الملك يستأمر الذاكر فى قبض روحه . وفى بعض الكتب : أن موسى ، عليه السلام ، قال يارب : أين تسكن ؟ فأوحى الله تعالى إليه ، فى قلب عبدى المؤمن . ومعناه : سكون الذكر فى القلب فان الحق سبحانه وتعالى منزه عن كل سكون وحلول، وإنما هو (٣): إثبات ذكر وتحصيل . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الله بن على يقول : سمعت فارساً يقول : سمعت الثورى يقول : سمعت ذا النون ، وقد سألته عن الذكر فقال : هو غيبة الذاكر عن الذكر ، ثم أنشأ يقول : لالأنى أنساك أكتر ذكرا ك ، ولكن بذاك يجرى لسانى (١) والمعنى، كما ذكره الشيخ العروسى أى: إذا شرعت فى ذكرك ياالهى قام زاجر بقلبى وسرى وروحى يبعدفى عن ذكرك . وكأن محذراً يحذرنى بقوله : إياك أن تقرب الذكر إياك ، لكوبنى لست أهلا له . (٢) أى ذكر الله لمن يذكره. (٣) أى السكون . ٣٨٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقال سهل بن عبد الله : ما من يوم إلا والجليل سبحانه ينادى : ياعبدى ، ما أنصفتنى ؛ أذكرك وتنسانى، وأدعوك إلى وتذهب إلى غيرى ، وأذهب عنك البلايا وأنت معتكف على الخطايا ، يابن آدم ، ما تقول غداً إذا جئتنى ؟. وقال أبو سليمان الدارانى : إن فى الجنة قيعاناً(١)، فإذا أخذ الذاكر فى الذكر أخذت الملائكة فى غرس الأشجار فيها ، فربما يقف بعض الملائكة ، فيقال له : لم وقفت ؟ فيقول : فتر صاحبى . وقال الحسن (٢): تفقدوا الحلاوة فى ثلاثة أشياء: فى الصلاة، والذكر ، وقراءة القرآن ، فان وجدتم ، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق . وقال حامد الأسود . كنت مع إبراهيم الخواص فى سفر ، فجئنا إلى موضع فيه حيات كثيرة .. فوضع ركوته(٢) وجلس ، وجلست ، فلما كان برد الليل وبرد الهواء خرجت الحيات ، فصحت بالشيخ ، فقال : اذكر الله .. فذكرت فرجعت ، ثم عادت ، فصحت به ، فقال مثل ذلك . فلم أزل إلى الصباح فى مثل تلك الحالة .. فلما أصبحنا قام ، ومشى ، ومشيت معه ، فسقطت من وطائه (٤) حية عظيمة وقد تطوقت به ، فقلت : ما أحسست بها ؟ فقال : لا ، منذ زمان مابت ليلة أطيب من البارحة . قال أبوعثمان : من لم يذق وحشة الغفلة لم يجد طعم أنس الذكر . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الرحمن بن عبد الله الذبيانى يقول: سمعت الجريرى يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السرى يقول : مكتوب فى بعض الكتب التى أنزلها الله تعالى: ((إذا كان الغالب على عبدى ذكرى عشقى وعشقته)). وباسناده: أنه أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: ((بی فافرحوا ، وبذكرى فتنعموا)) . وقال الثورى : لكل شىء عقوبة ، وعقوبة العارف بالله انقطاعه عن الذكر . (١) القيعان: الأمكنة المستوية من الأرض. (٣) الركوة : الدلو الصغيرة . (٢) البصرى . (٤) الوطاء : المهاد الوطئ. ٣٨٧ ( باب الذكر ) وفى الإنجيل اذكرنى حين تغضب أذكرك حين أغضب ، وارض بنصرتى لك ؛ فان نصرتى لك خير لك من نصرتك لنفسك . وقيل لراهب : أأنت صائم ؟ فقال : صائم بذكره ، فاذا ذكرت غيره أفطرت . وقيل : إذا تمكن الذكر من القلب ، فان دنا منه الشيطان صرع ، كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان ، فتجتمع عليه الشياطين فيقولون : ما لهذا ؟ فيقال : قد مسه الإنس . وقال سهل : ما أعرف معصية أقبح من نسيان الرب تعالى . وقيل الذكر الخفى لايرفعه الملك ، لأنه لا اطلاع له عليه ، فهو سر بين العبد وبين الله عز وجل . وقال بعضهم : وصف لى ذاكر فى أجمه ، فأتيته ، فبينما هو جالس إذا سبع عظيم ضربه ضربة ، واستلب منه قطعة ، فغشى عليه وعلى ، فلما أفاق ، قلت ما هذا ؟ فقال : قيض الله هذا السبع على ، فكلما دخلتنى فترة عضنى عضة، كما رأيت . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت الحسين بن يحيى يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول : سمعت الجريرى يقول : كان من بين أصحابنا رجل يكثر أن يقول : اللّه الله .. فوقع يوماً على رأسه جذع فانشج رأسه وسقط الدم ، فاكتتب على الأرض : الله .. الله . الباب الخامس والثلاثون الفتوة قال الجنيد : الفتوة كف الأذى .. وبذل الندى .. وقيل : الفتوة - فضيلة تأتيها ولا ترى نفسك فيها .. ٣٩٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب الفتوة قال الله تعالى : (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى)(١). قال الأستاذ : أصل الفتوة (٢) أن يكون العبدساعياً أبداً فى أمر غيره . قال صلى الله عليه وسلم: ( لايزال الله تعالى فى حاجة العبد ما دام العبد فى حاجة" أخيه المسلم ) . أخبرنا به على بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا به أحمد بن عبيد قال : حدثنا به إسماعيل بن الفضل قال : حدثنا به يعقوب بن حميد بن كاسب قال : حدثنا به ابن أبى حازم ، عن عبد الله بن عامر الأسلمى ، عن عبد الرحمن بن هومز الأعرج ، عن أبى هريرة ، عن زيد بن ثابت رضى الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لايزال الله تعالى فى حاجة العبد مادام العبد فى حاجة أخيه المسلم ) . ا.د سمعت الأستاذ أباعلى الدقاق يقول: هذا الخلق (٣)، لايكون كماله إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فان كل أحد فى القيامة يقول: نفسى .. نفسى ؛ وهو ، صلى الله عليه وسلم، يقول: أمتى .. أمّى. سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أباجعفر الفرغانى يقول: سمعت الجنيد يقول : الفتوة بالشام ، واللسان بالعراق ، والصدق بخراسان . وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن محمد الرازى يقول : سمعت محمد بن نصر ابن منصور الصائغ يقول : سمعت محمد بن مردويه الصائغ يقول : سمعت الفضيل يقول : الفتوة : الصفح عن عثرات الإخوان . وقيل : الفتوة : أن لا ترى لنفسك فضلا عن غيرك. وقال أبو بكر الوراق: الفتى من لاخصم له . وقال محمد بن على الترمذى : الفتوة : أن تكون خصماً لربك على نفسك ويقال: الفتى : من لا يكون خصماً لأحد . (١) آيه ١٣ من سورة الكهف . (٢) والأولى أن يفال فى معناها، هى: ملكة فى الشخص تحمل على البدل والجود، بل تقتضى قوة الإينار (العروسى). (٣) أى الفتوة. - ٣٩١ ( باب الفتوة ) سمعت الأستاذ أباعلى الدقاق ، رحمه الله ، يقول : سمعت النصراباذى يقول : سمى أصحاب الكهف ((فتية))؛ لأنهم آمنوا بربهم بلا واسطة . وقيل : الفتى : من كسر الصنم؛ قال الله تعالى: (( سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم(١) وقال تعالى: ((فجعلهم جذاداً))(٢) وصنم كل إنسان نفسه ؛ فمن خالف هواه فهو فتى على الحقيقة . وقال الحارث المحاسبى: الفتوة : أن تنصف ولا تنتصف . وقال عمر بن عتمان المكى : الفتوة : حسن الخلق . وسئل الجنيد عن الفتوة ، فقال : أن لا تنافر فقيراً ، ولا تعارض غنياً . وقال النصر اباذى : المروءة شعبة من الفتوة ، وهو الإعراض عن الكونين ، والأنفة منهما . وقال محمد بن على الترمذى: الفتوة أن يستوى عندك المقيم والطارئء . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت على بن عمر الحافظ يقول : سمعت أبا سهل بن زياد يقول : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول : سئل أبى : ما الفتوة ؟ فقال : ترك ما تهوى لما تخشى . وقيل لبعضهم : ما الفتوة ؟ فقال : أن لايميز بين أن يأكل عنده ولى أو كافر . سمعت بعض العلماء يقول : استضاف مجوسى إبراهيم الخليل عليه السلام ، فقال : بشرط أن تسلم ، فمر المجوسى ، فأوحى الله تعالى إليه : منذ خمسين سنة نطعمه على كفره ، فلو ناولته لقمة من غير أن تطالبه بتغيير دينه ؟ . فضى إبراهيم عليه السلام ، على أثره ، حتى أدركه .. واعتذر إليه ، فسأله عن السبب ، فذكر له ذلك ؛ فأسلم المجوسى . وقال الجنيد : الفتوة : كف الأذى ، وبذل الندى . وقال سهل بن عبد الله : الفتوة : اتباع السنة . وقيل : الفتوة : الوفاء والحفاظ . وقيل : الفتوة : فضيلة تأتيها ولا ترى نفسك فيها . (١) آية ٦٠ من سورة الأنبياء. (٢) آية ٥٨ من سورة الأنبياء. ٣٩٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقيل : الفتوة : أن لاتهرب إذا أقبل السائل . وقيل : أن لا تحجب من القاصدين . وقيل : أن لا تدخر ولا تعتذر . وقيل : إظهار النعمة ، وإسرار المحنة . وقيل : أن تدعو عشرة أنفس فلا تتغير إن جاء تسعة أو أحد عشر . وقيل : الفتوة : ترك التمييز . سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : قال أحمد بن خضرويه لامرأته أم على: أريدأن أتخذ دعوة أدعو فيها ((عياراً شاطراً)) كان فى بلدهم ((رأس الفتيان)). فقالت : امرأته: إنك لايهتدى إلى دعوة الفتيان . فقال : لابد . ؟ فقالت : إن فعلت فاذبح الأغنام والبقر والحمر ، وألقها من باب دار الرجل إلى باب دارك . فقال : أما الأغنام والبقر فأعلم . فما بال الحمر ؟ فقالت : تدعو فتى إلى دارك ، فلا أقل من أن يكون لكلاب المحلة خير . وقيل : اتخذ بعضهم دعوة ، وفيهم شيخ شيرازى ، فلما أكلوا وقع عليهم النوم فى حال السماع . فقال الشيخ الشيرازى لصاحب الدعوة : ما السبب فى نومنا ؟ فقال : لا أدرى .. اجتهدت فى جميع ما أطعمتكم إلا الباذنجان ، فلم أسأل عليه . فلما أصبحوا سألوا بائع الباذنجان ، فقال : لم يكن لى شىء ، فسرقت الباذنجان ، الموضع الفلانى ((وبعته)) فحملوه إلى صاحب الأرض ليجعله فى حل ، فقال جل : تسألون منى ألف باذنجانة ؟ قد وهبته تلك الأرض ، ووهبته ثورين ، حماراً ، وآلة الحرث ؛ لئلا يعود إلى مثل ما فعل . وقيل : تزوج رجل بامرأة .. فقبل الدخول ظهر بالمرأة الجدرى ، فقال الرجل: اشتكت عينى ، ثم قال : عميت ، فزفت إليه المرأة .. ثم ماتت بعد عشرين سنة .. ففتح الرجل عينيه ، فقيل له فى ذلك فقال : لم أعم ، ولكن تعاميت حذار أن تحزن ، فقيل له : سبقت الفتيان . ٣٩٣ ( باب الفتوة ) وقال ذو النون المصرى : من أراد الظرف فعليه بسقاة الماء ببغداد . فقيل له: كيف هو (١)؟ فقال: لما حملت إلى الخليفة، فيما نسب إلى من الزندقة ، رأيت سقاء عليه عمامة ، وهو مترد بمنديل مصرى ، وبيده كيزان خزف رقاق ، نقلت : هذا ساق السلطان ، فقالوا : لا ، هذا ساقى العامة . فأخذت الكوز وشربت . وقلت لمن معى : أعطه ديناراً . فلم يأخذه ، وقال : أنت أسير ، وليس من الفتوة أن آخذ منك شيئاً . وقيل : ليس من الفتوة أن تربح على صديقك . قاله بعض أصدقائنا ، رحمه الله تعالى . وكان فتى يسمى ((أحمد بن سهل)) التاجر ، وقد اشتريت منه خرقة بياض فأخذ التمن رأس ماله فقلت له : ألا تأخذ ربحاً ؟ فقال : أما الثمن فآخذه ، ولا أحملك منة ؛ لأنه ليس له من الخطر ما أتخلق به معك ، ولكن لا آخذ الربح ؛ إذ ليس من الفتوة أن تربح على صديقك . وقيل: خرج إنسان يدعى الفتوة من ((نيسابور)) إلى (( نسا)) فاستضافه رجل ، ومعه جماعة من الفتيان ، فلما فرغوا من الطعام خرجت جارية تصب الماء على أيديهم ، فانقبض النيسابورى عن غسل اليد ، وقال : ليس من الفتوة أن تصب النسوان الماء على أيدى الرجال .. فقال واحد منهم : أنا من سنين أدخل هذه الدار لم أعلم أن امرأة تصب الماء على أيدينا أم رجلا . سمعت منصوراً المغربى يقول: أراد واحد أن يمتحن نوحاً النيسابورى العيار (٢) .. فباع منه (٣) جاريه فى زى غلام ، وشرط أنه غلام ، وكانت وضيئة الوجه ، فاشتراها نوح على أنها غلام ، ولبثت عنده شهوراً كثيرة ، فقيل للجارية : هل علم أنك جارية ؟ فقالت : لا ، إنه ما مسنى ، وتوهم أنى غلام . وقيل : إن بعض الشطار طلب منه تسليم غلام كان يخدمه إلى السلطان ، فأنى ، فضربه ألف سوط ، فلم يسلم ، فاتفق أنه احتلم تلك الليلة ، وكان برداً شديداً ، فلما أصبح اغتسل بالماء البارد ، فقيل له : خاطرت بروحك ، فقال : استحييت (١) أى حالهم . (٣) أى باع له. (٢) العيار أى الشجاع . ٣٩٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) من الله تعالى أن أصر على، ضرب ألف سوط لأجل مخلوق ، ولا أصبر على مقاساة برد الاغتسال لأجله . وقيل : قدم جماعة من الفتيان لزيارة واحد يدعى الفتوة ، فقال الرجال : ياغلام قدم السفرة ، فلم يقدم . فقال له الرجل ذلك ثانياً وثالثاً . . فنظر بعضهم إلى بعض ، وقالوا ، ليس من الفتوة أن يستخدم الرجل من يتعاصى عليه فى تقديم السفرة كل هذا .. فقال الرجل : لم أبطأت بالسفرة ؟ فقال الغلام : كان عليها نمل ، فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل ، ولم يكن من الفتوة إلقاء النمل من السفرة ، فلبثت حتى دب النمل . فقالوا له : دققت ياغلام ، مثلك من يخدم الفتيان . وقيل: إن رجلا نام بالمدينة من الحاج، فتوهم أن ((هميانه)) (١) سرق ، فخرج ، فرأى جعفرا الصادق ، فتعلق به ، وقال له : أنت أخذت هميانى ؟ فقال له : ماذا كان فيه ؟ فقال : ألف دينار . فأدخله داره .. ووزن له ألف دينار ، فرجع الرجل إلى منزله ، ودخل بيته ، فرأى هميانه فى بيته وقد كان توهم أنه سرق ؛ فخرج إلى جعفر معتذراً ، ورد عليه الدنانير ، فأبى أن يقبلها ، وقال : شىء أخرجته من يدى لاأسترده . فقال الرجل : من هذا ؟ . فقيل : جعفر الصادق. وقيل : سأل شقيق البلخى جعفر بن محمد عن الفتوة ، فقال : ما تقول أنت ؟ فقال شقيق : إن أعطينا شكرنا . وإن منعنا صبرنا . فقال جعفر : الكلاب عندنا بالمدينة كذلك تفعل .. فقال شقيق : ياابن بنت رسول اللّه ، ما الفتوة عندكم ؟ فقال : إن أعطينا آثرنا ، وإن منعنا شكرنا . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت الجريرى يقول : دعانا الشيخ أبو العباس بن مسروق ليلة إلى بيته ، فاستقبلنا صديق لنا ، فقلنا له : ارجع معنا ، فنحن فى ضيافة الشيخ ، فقال: (١) الهميان : بكسر الهاء : الدراهم أو كيس الدراهم. ٣٩٥ ( باب الفتوة ) إنه لم يدعنى .. فقلنا: نحن نستثنى (١) ، كما استثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضى الله عنها . فرددناه (٢) ، فلما بلغ باب الشيخ أخبرناه بما قال ، وقلنا . فقال : جعلت موضعى من قلبك أن تجىء إلى منزلى من غير دعوة ، على كذا وكذا إن (٣) مشيت إلى الموضع الذى تقعد فيه منه إلا على خدى، وألح عليه .. ووضع خده على الأرض ، وحمل الرجل ، فوضع قدمه على خده من غير أن يوجعه ، وسحب الشيخ وجهه على الأرض إلى أن بلغ موضع جلوسه . واعلم أن من الفتوة الستر على عيوب الأصدقاء ، لا سيما إذا كان لهم فيه شماتة الأعداء . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول للنصر اباذى كثيراً : إن عليا القوال يشرب بالليل ويحضر مجلسك بالنهار ، وكان لايسمع فيه ما يقال ، فاتفق أنه كان مشى يوماً ومعه واحد ممن يذكر علياً بذلك عنده فوجد علياً مطروحاً فى موضع ، وقد ظهر عليه أثر السكر وصار بحيث يغسل فمه ، فقال الرجل : إلى كم نقول فيه للشيخ ولا يسمع؟. هذا على على على الوصف الذى نقول . فنظر إليه النصر اباذى وقال للعذول (٤): احمله على رقبتك ، وانقله إلى منزله . فلم يجد بداً من طاعته فيه . وسمعته يقول : سمعت أبا على الفارسى يقول : سمعت المرتعش يقول : دخلنا مع أبى حفص على مريض نعوده ، ونحن جماعة ، فقال للمريض : أتحب أن تبرأ ؟ فقال : نعم فقال لأصحابه : تحملوا عنه .. فقام العليل .. وخرج معنا . وأصبحنا كلنا أصحاب فراش نعاد . (١) أى نستأذن لك عند الدخول. (٣) أى : ما مشيت . (٢) وفى نسخة ، فأخذناه معنا . (٤) أى : اللاثم له .