Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) وقال وهب: مكتوب فى بعض ما أنزل الله تعالى من الكتب: ((إنى أخرجت الذر(١) من صلب آدم ، فلم أجد قلباً أشد تواضعاً من قلب موسى ، عليه السلام ، فلذلك اصطفيته وكلمته )) . وقال ابن المبارك : التكبر على الأغنياء ، والتواضع للفقراء من التواضع . وقيل لأبى يزيد : متى يكون الرجل متواضعاً ؟ فقال : إذا لم ير لنفسه مقاماً ولا حالا ؛ ولا يرى أن فى الخلق من هو شر منه . وقيل : التواضع نعمة لا يحسد عليها ، والكبر محنة لا يرحم عليها . والعز فى التواضع فمن طلبه فى الكبر لم يجده . سمعت الشيخ آبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله يقول : سمعت ابراهيم بن شيبان يقول : الشرف فى التواضع ، والعز فى التقوى ، والحرية فى القناعة . وسمعته أيضا يقول : سمعت الحسن الساوى يقول : سمعت ابن الأعرابى يقول: بلغنى أن سفيان الثورى قال : أعز الخلق خمسة أنفس : عالم زاهد ، وفقيه صوفى ، وغنى متواضع ، وفقير شاكر ، وشريف سنى . وقال بحي بن معاذ : التواضع حسن فى كل أحد لكنه فى الأغنياء أحسن ، والتكبر سمج فى كل أحد لكنه فى الفقراء أسمج ... وقال ابن عطاء : التواضع : قبول الحق ممن كان . وقيل : ركب زيد بن ثابت ، فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه ، فقال له : مه(٢) ما ابن عم رسول الله . فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا . فأخذ زيد بن ثابت بد ابن عباس فقبلها ، وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال عروة بن الزبير : رأيت عمر بن الخطاب ، رضى الله عنه، وعلى عاتقه قرية ماء ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا ينغى لك هذا ! ! . جحماس (٢) أكفف وامتنع . (١) أى بنى آدم . ٢٦٥ ( باب الخشوع والتواضع ) فقال : لما أتانى الوفود سامعين مطيعين ، دخلت فى نفسى نخوة(١) فأحببت أن أكسرها ... ومضى بالقربة إلى حجرة امرأة من الأنصار فأفرغها فى إنائها. سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج الطوسى تقول : رئى أبو هريرة ، وهو أمير المدينة ، وعلى ظهره حزمة حطب ، وهو يقول : طرَّقوا(٢) للأمير. وقال عبد الله الرازى : التواضع ترك التمييز فى الخدمة . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن أحمد بن هارون يقول : سمعت محمد بن العباس الدمشقى يقول : سمعت أحمد بن أبى الحوارى يقول : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : من رأى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة . وقال يحيى بن معاذ: التكبر (٣) على من تكبر عليك بماله تواضع . وقال الشبلى رحمه الله : ذلى عطل ذل اليهود(٤). وجاءه رجل ، فقال له الشبلى : ما أنت ؟ فقال : يا سيدى النقطة التى تحت الماء(٥) . فقال له : أنت شاهدى(٦) ، ما لم تجعل لنفسك مقاماً . وقال ابن عباس ، رضى الله عنهما ، : من التواصع أن شرب الرجل من سؤر (٧) أخيه . وقال بشر : سلموا على أبناء الدنيا بترك السلام عليهم . وقال شعيب بن حرب : بينا أنا فى الطواف إذ لكزنى إنسان بمرفقه ، فالتفت إليه ، فاذا هو الفضيل بن عياض ، فقال : يا أبا صالح إن كنت تظن أنه شهد الموسم شر منى ومنك فبئس ما ظننت ! ! (١) كبر وعظمة . (٢) أو سعوا الطريق. (٣) المقصود به الإعرض . (٤) ذل اليهود المذكور فى قوله تعالى: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا . والمعنى: أن ذلى فى نفسى أعظم من ذل اليهود فى أنفسهم ، لأن دلهم قهرى، وذلى عن علم بما علبه نفسى من النقص . (٥) فتميز الباء عن غيرها من الحروف كذلك حاله متميزا عن غيره من المحلوقات. (٦) حاضرى يعنى: حالك مستقيم (٧) بقية مشروب . ٢٧٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) وقال بعضهم : رأيت فى الطواف إنساناً بين يديه ((شاكرية)) (١) منعون الناس لأجله عن الطواف .. ثم رأيته بعد ذلك مدة على جسر بغداد بسأل الناس شيئاً .. فتعجبت منه .. ، فقال لى : أنا تكبرت فى موضع يتواضع الناس هناك ، فابتلانى اللّه ، سبحانه ، بالتذلل فى موضع ىترفع فيه الناس . وبلغ عمر بن عبد العزيز أن ابناً له اشترى فصاً بألف درهم .. فكتب إليه عمر : (( بلغنى أنك اشتريت فصاً بألف درهم ، فاذا أتاك كتابى هذا فبع الخاتم ، وأشع ألف بطن واتخذ خاتماً من در همين ، واجعل فصه حديداً صينياً ، واكتب عليه (( رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه)). وقيل : عرض على بعض الأمراء مملوك بألف درهم ، فلما أحضر التمن استكتره فبداله فى شرائه . فرد الثمن إلى الخزانة . فقال العبد : ما مولاى ، اشترنى ، فان فى كل درهم من هذه الدراهم خصلة تساوى أكبر من ألف درهم ، فقال: وماهى ؟ فقال: أقلها وأدناها مالوا اشتريتنى وقدمتنى على جمع مماليكك لا أغلظ فى نفسى ، واعلم أنى أنا عبدك . فاشتراه . وحكى عن رجاء بن حيوة أنه قال : قومت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو يخطب باثنى عشر درهماً ؛ وكانت : قباء ، وعمامة ، وقميصاً ، وسراويل ، وخفين ، وقلنسوة . وقيل : مشى عبد الله بن محمد بن واسع مشياً لا يحمد(٢) فقال له أبوه: وتدرى بكم اشتريت آمك : بثلاثمائة درهم ، وأبوك لا أكثر الله فى المسلمين مثله آماً ، وانت تمشى هذه المشية ! ! سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أحمد بن الفراء بقول : سمعت عبد الله ابن منازل يقول : سمعت حمدون القصار يقول : (١) أى : يشكرونه ويمدحونه . (٢) متخترا . ٢٧١ ( باب الخشوع والتواضع ) التواضع : أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة ، لا فى الدين ، ولا فى الدنيا . وقال إبراهيم بن أدهم : ما سررت فى إسلامى إلا ثلاث مرات : مرة كنت فى سفينة ، وفيها رجل مضحاك (١) كان يقول: كنا نأخذ العاج (٢) فى بلاد الترك هكذا (وكان بأخذ بشعر رأسى ، وبهزنى) ؛ فيسرنى ذلك ؛ لأنه لم يكن فى السفينة أحد أحقر فى عينه منى . والأخرى : كنت عليلا فى مسجد ، فدخل المؤذن ، وقال أخرج .. فلم أطق ، فأخذ برجلى وجرنى إلى خارج المسجد . والثالثة : كنت بالشام ، وعلى فرو ، فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين للقمل ؛ لكترته ، فسرنى ذلك . وفى حكاية أخرى عنه قال : ما سررت بشىء كسرورى أنى كنت يوماً جالساً فجاء إنسان وبال على . وقيل : تشاجر أبو ذر وبلال ، رضى الله عنهما، فعبر أبو ذر بلالا بالسواد .. فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أبا ذر ، إنه بقى فى قلبك من كبر الجاهلية شىء . فألقى أبو ذر نفسه ... وحلف أن لا يرفع رأسه حتى يطأ بلال خده بقدمه .. فلم يرفع حتى فعل بلال ذلك . ومر الحسن بن على ، رضى الله عنهما ، نصبيان معهم كسر خبز، فاستضافوه ، فنزل ، وأكل معهم ... ثم حملهم إلى منزلة ، وأطعمهم ، وكساهم ، وقال : اليد (٣) لهم ، لأنهم لم يجدوا غير ما أطعمونى ، ونحن نجد أكثر منه . وقيل : قسم عمر بن الخطاب ، رضى الله عنه ، الحلل بين الصحابة من غنيمة ، فبعث إلى معاذ حلة مانية ، فباعها واشترى ستة أعبد ، وأعتقهم . فبلغ عمر ذلك ، فكان يقسم الحلل بعده ؛ فبعث إليه حلة دون تلك ، فعاتبه معاذ ، فقال له عمر: لا معاتبة ، لأنك بعت الأولى . فقال معاذ: وما عليك .. ادفع إلى نصيبى، وقد حلفت لأضرين بها رأسك(٤) فقال عمر : هذا رأسى بين يديك ، وقد يرفق الشيخ بالشخ . (١) كثير الضحك . (٣) النعمة . (٢) الرجل من الكفار . (٤ ) أى لأضربن رأسك بهذه الحله . الباب السابع عشر مخالفة النفس وذكرعيوبها جرد أولا قلبك عن السهو .. ونفسك عن اللهو ٠٠٠. ولسانك عن اللغو .. ثم اسلك حيث شئت .. ٢٧٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) باب مخالفة النفس وذكر عيوبها قال الله تعالى: (( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ؛ فان الجنة هى المأوى)) (١) . أخبرنا على بن أحمد بن عبدان قال : حدثنا أحمد بن عبيد قال : أخبرنا تمتام قال : حدثنا محمد بن معاوية النيسابورى قال : حدثنا على بن أبى على بن عتبة بن أبى لهب ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أخوف ما أخاف على أمتى : إتباع الهوى، وطول الأمل ، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسى الآخرة)) (٢). تم اعلم أن مخالفة النفس رأس العبادة .. وقد سئل المشايخ عن الإسلام ، فقالوا : ذبح النفس بسيوف المخالفة . واعلم أن من نجمت طوارق نفسه(٣) أفلت (٤) شوارق أنسه . وقال ذو النون المصرى : مفتاح العبادة : الفكرة ، وعلامة الإصابة : مخالفة النفس والهوى ، ومخالفتهما ترك شهواتهما . وقال ابن عطاء: النفس مجبولة على سوء الأدب ، والعبد مأمور ملازمة الأدب، فالنفس تجرى بطبعها فى ميدان المخالفة ، والعبد يردها بجهده عن سوء المطالبة ، فمن أطلق عنانها فهو شريكها معها فى فسادها . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر الرازى بقول : سمعت أبا عمر الأنماط، يقول : سمعت الجنيد يقول : النفس الأمارة بالسوء : هى الداعية إلى المهالك ، المعينة للأعداء المتبعة للهوى ، المتهمة بأصناف الأسواء . (١) أية ٤٠ من سورة النارعات . (٣) طلعت آثار خواطره. (٢) رواه ابن عدى عن جابر بسند صعيف. (٤) غربت من قلبه . ٢٧٥ ( باب مخالفة النفس وذكر عيوبها ) وقال أبو حفص : من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ، ولم يخالفها فى جميع الأحوال ، ولم يجرها إلى مكروهها فى سائر أيامه كان مغروراً ومن نظر إليها باستحسان شىء منها فقد أهلكها . وكيف يصح لعاقل : الرضا عن نفسه ، والكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم الخليل ، يقول: (( وما أدرىء نفسى ، إن النفس الأمارة بالسوء)) . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت إبراهيم بن مقسم ببغداد يقول : سمعت ابن عطاء يقول : قال الجنيد: أرقت ليلة، فقمت إلى وردى (١) ، فلم أجد ماكنت أجده من الحلاوة والتلذذ مناجاتى لربى ، فتحبرت ، فأردت أن أنام ، فلم أقدر عليه ، فقعدت .. فلم أطق القعود ، ففتحت الباب ، وخرجت ، فإذا رجل ملتف فى عباءة مطروح على الطريق .. فلما أحس بى .. رفع رأسه، وقال: يا أبا القاسم، إلى الساعة (٢) فقلت : يا سيدى من غير موعد؟ فقال: بلى قد سألت محرك القلوب أن يحرك إلى قلبك (٣) . فقلت : فقد فعل فما حاجتك ؟ فقال : متى يصير داء النفس دواءها ؟ فقلت : إذا خالفت هواها صار داؤها دواءها . فأقبل على نفسه ، وقال اسمعى ، قد أجبتك بهذا الجواب سبع مرات فأبيت أن تسمعيه إلا من الجنيد ، فقد سمعت ، وانصرف عنى ولم أعرفه . ولم أقف عليه بعد . وقال أبو بكر الطمستانى : النعمة العظمى : الخروج من النفس ؛ لأن أعظم حجاب بينك وبين الله عز وجل . وقال سهل بن عبد الله: ما عبد اللّه بشىء مثل مخالفة النفس والهوى . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت منصور بن عبد الله (١) من الصلاة . (٣) أي فالوقت الذي طلبتك نيه منه هو أول ماحر كك ، فهو الموعد . (٢) أى تأخرت عنى . ٢٧٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) يقول : سمعت اما عمر الأنماطى يقول سمعت ابن عطاء ، وقد سئل عن اقرب شىء إلى مقت الله تعالى ، فقال : رؤية النفس وأحوالها ، وأشد من ذلك مطالعة الأعواض على أفعالها (١). وسمعته يقول : سمعت الحسين بن يحيى يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: كنت فى جبل ((اللكام(٢))) فرأيت رماناً فاشْتهيته .. فدنوت منه ، فأخذت منه واحدة ، فشققتها ، فوجدتها حامضة ، فمضيت ، وتركت الرمان ، فرآبت رجلا مطروحاً .. قد اجتمع عليه الزنابير ، فقلت : السلام عليك . فقال : وعليك السلام يا إبراهيم ، فقلت له : وكيف عرفتنى ؟ فقال : من عرف الله تعالى لا يخفى عليه شيء. فقلت : أرى لك حالا مع الله تعالى، فلو سألته أن يحميك ويقيك الأذى من هذه الزنابير؟ . فقال: وأنا أرى لك حالا مع الله تعالى، فلو سألته أن يقيك شهوة الرمان .. فأن لدغ الرمان يجد الإنسان ألمه فى الآخرة ، ولدغ الزنابير يجد آلمه فى الدنيا . فتركته ، ومضيت . وحكى عن إبراهيم بن شيبان أنه قال : مابت تحت سقف ، ولا فى موضع عليه غلق أربعين سنة ، وكنت أشتهى فى أوقات أن أتناول شبعة عدس ، فلم يتفق .. فكنت وقتاً بالشام ، فحمل إلى غضارة (٣) فيها عدس، فتناولت منه، وخرجت .. فرآيت قوارير (٤) معلقة فيها شىء شه ((نموذجات))(٥) .. فظنننه خلا .. فقال لى بعض الناس : إش تنظر .. هذه نموذجات الحمر ؛ وهذه الدنان خمر . فقلت فى نفسى : لزمنى فرض .. فدخلت حانوت الحمار ، ولم أزل أصب تلك الدنان وهو يتوهم أنى أصبها بأمر السلطان . فلما علم ، حملنى إلى ابن طولون .. فأمر نضربى مائى خشبة .. وطرحتى فى السجن .. فبقيت فيه مدة ، حتى دخل أبو عبد الله المغربى أستاذى ذلك البلد ؛ فشفع لى ، فلما وقع بصره على ، قال : إيش فعلت ؟ فقلت : شبعة عدس ومائتى خشبة فقال لى : نجوت مجاناً (٦). (١) أى تطلع العيد إلى الجزاء على أعماله وفي نسخة: ومين ومطالعة الأعراض. (٢) بلدة بالشام . (٣) آلية من ملين . (٥) قطرات من مائع، (٤) آنية من زجاج . (٦) أى بلا عقوبة فى الآخرة بعد هذه العقوبة الدنيوية. ٢٧٧ ( باب مخالفة النفس وذكر عيوبها ) . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه الله، يقول: سمعت أبا العباس البغدادى يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السرى السقطى يقول : إن نفسى تطالبنى ، منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة ، أن أغمس جزرة فى دبس (١) فما أطعتها (٢). .وسمعته يقول : سمعت جدى يقول : آفة العبد : رضاه من نفسه بما هو فيه . وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد الله الرازى يقول : سمعت الحسين بن على القرمسينى يقول : وجه عصام بن يوسف البلخى شيئاً إلى حاتم الأصم ، فقبله منه . فقيل له : لم قبلته ؟ . فقال : وجدت فى أخذه ذلى وعزه ، وفى رده عزى وذله ؛ فاخترت عزه على عزئ وذلى على ذله . وقيل لبعضهم : إنى أريد أن أحج على التجريد . فقال له : جرد أولا قلبك عن السهو ، ونفسك عن اللهو ؛ ولسانك عن اللغو ، ثم اسلك حيث شئت . وقال أبو سليمان الداراني : من أحسن فى ليله كوفىء فى نهاره ، ومن أحسن فى نهاره كوفىء فى ليله ، ومن صدق فى ترك شهوة كفى مؤنتها ، والله أكرم من أن يعذب قلباً ترك شهوة لأجله . وأوحى الله سبحانه إلى داود عليه السلام : : ياداود ، حذر ، وأنذر أصحابك أكل الشهوات ؛ فان القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عنى محجوبة . ورئى رجل جالسً (٣) فى الهواء ، فقيل له : بم نلت هذا؟ فقال : تركت الهوى فسخر لى الهواء . (١) الدبس : عسل التمر وعسل النحل . (٣) وفى نسخة ((جالس)). (٢) وفى نسخة ((فا أطعمتها)). ٢٧٨ "كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) وقيل : لوعرض للمؤمن ألف شهوة لأخرجها بالخوف ، ولوعرض للفاجر شهوة واحدة لأخرجته من الخوف . وقيل : لا تضع زمامك فى يد الهوى ، فانه يقودك إلى الظلمة . وقال يوسف بن أسباط : لا بمحو الشهوات من القلب إلا خوف مزعج(١) أو شوق مقلق (٢) . وقال الخواص : من ترك شهوة ، فلم يجد عوضها فى قلبه ، فهولا كاذب فى تركها . وقال جعفر بن نصير: دفع إلى الجنيد درهماً ، وقال : اشتر لى به التين والوزيرى فاشتريته له ، فلما أفطر أخذ واحدة ووضعها فى فمه ، ثم ألقاها ، وبكى ، وقال : أحمله . فقلت له فى ذلك . فقال: هتف فى قلبى أما تستحى ؟ شهوة تركتها من أجلى(٣) ثم تعود إليها . وأنشدوا : نون الهوان من الهوى مسروقة وصريع كل هوى صريح هوان واعلم أن للنفس أخلاقاً ذميمة ، فمن ذلك : الحسد . (١) كامل . (٢) قوى . (٣) فى نسخة (من أجله) . الباب الثامن عشر الحـ من علامات الحاسد .. أن يتملق اذا شهد .. ويغتاب إذا غاب .. ويشمت بالمصيبة اذا نزلت ٠٠ !! ٢٨٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) باب الحسد قال الله تعالى: ((قل أعوذ برب الفلق؛ من شر ما خلق)). ثم قال ((ومن شر حاسد إذا حسد)). فختم السورة التى جعلها عوذة (١) بذكر الحسد . أخبرنا أبو الحسين الأهوازى ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصرى قال : حدثنا اسماعيل بن الفضّل قال : حدثنا يحيى بن مخلد ، قال: حدثنا معا فى بن عمران، عن الحارث بن شهاب ، عن معبد ، عن أبى قلابة ، عن ابن مسعود قال : إن النبى صلى اللّه عليه وسلم قال : ثلاث هن أصل كل خطيئة فاتقوهن واحذروهن : إياكم والكبر ؛ فان إبليس حمله الكبر على أن لا يسجد لآدم . وإياكم والحرص ؛ فان آدم حمله الحرص على أن أكل من الشجرة . وإياكم والحسد ؛ فان ابنى آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسدا)) (٢) . وقال بعضهم : الحاسد جاحد ؛ لأنه لايرضى بقضاء الواحد . وقيل : الحسود لا يسود . وقيل فى قوله تعالى: ((قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن)) (٣)، قيل ما بطن : الحسد . وفى بعض الكتب : الحاسد عدو نعمنى . وقيل : أثر الحسد يتبين فيك قبل أن يتبين فى عدوك . وقال الأصمعى : رأيت أعرابياً أتى عليه مائة وعشرون سنة ، فقلت له : ما أطول عمرك ... . فقال : تركت الحسد فبقيت . وقال ابن المبارك: الحمد لله الذى لم يجعل فى قلب أميرى ماجعله فى قلب حاسدی . (١) عودة بفتح العين وضمها؛ أى: تعويذاً. (٣) آية ٣٣ من سورة الأعراف. (٢) رواه ابن عساكر عن ابن مسعود. ٢٨١ ( باب الحسد ) وفى بعض الآثار (١) إن فى السماء الخامسة ملكاً يمر به عمل عبد؛ له ضوء كضوء الشمس ، فيقول له الملك : قف فأنا ملك الحسد . اضرب به وجه صاحبه فانه حاسد . وقال معاوية : كل إنسان أقدر على أن أرضيه ، إلا الحاسد ، فانه لا يرضيه إلا زوال النعمة . ويقال : الحاسد ظالم غشوم ، لا تبقى ولا يذر . وقال عمر بن عبد العزيز : ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد : غم دائم ونفس متتابع . وقيل : من علامات الحاسد أن بتملق إذا شهد ، ويغتاب إذا غاب ، وبشمت بالمصيبة إذا نزلت . وقال معاوية : ليس فى خلال (٢) الشر خلة أعدل من الحسد ، تقتل الحاسد قبل المحسود (٣). وقيل : أوحى الله سبحانه ، إلى سليمان بن داود ، عليهما السلام: أو صيك سعة أشياء : لا تغتابن صالح عبادى ، ولا تحسدن أحداً من عبادى .. فقال سليمان : كارب ، حسبى !! وقيل : رأى موسى عليه السلام ، رجلا عند العرش فغبطه (٤). فقال: ما صفته ؟. فقيل : كان لا يحسد الناس على ما أتاهم الله من فضله . وقيل : الحاسد إذا رأى نعمة بهت ، وإذا راى عبرة شمت . وقيل : إذا أردت أن تسلم من الحاسد ، فلبس عليه أمرك (٥) . وقيل : الحاسد مغتاظ على من لاذنب له ، بخيل بما لايملكه . (١) وفى نسخة ((الأخبار)) (٢) خصال . (٣) وفى ((نسحة يقتل الحاسد)) أى: هما وغما، كما قتل المحسود أى: يزوال. نعمه أن زالت. (٥) أى أستر نعم الله عليك. (٤) أى تمنى أن ينال مثل ماقاله. ٢٨٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) وقيل : إياك أن تتعنى (١) فى مودة من يحسدك ، فانه لا يقبل إحسانك . وقيل : إذا أراد الله تعالى أن يسلط على عبد عدواً لا يرحمه سلط عليه حاسده : وأنشدوا : ترى حاسديه له راحمينا وحسبك من حادث بامرىء وأنشدوا : إلا عداوة من عاداك من حسد كل العداوة قد ترجى إماتها (٢) وقال ابن المعتز :" باظالماً وكأنه مظلوم قل للحسود إذا تنفس : طعنة (٣) وأنشدوا : طويت أتاح لها لسان حسود وإذا أراد الله نشر فضيلة ومن الأخلاق المذمومة للنفس : اعتياد الغيبة . (١) تتعب نفسك . (٣) أى : ورقك اللّه بطعنة. (٢) وفى نسخة (( مودتها)). الباب التاسع عشر الغيبة من القى جلباب الحياء .. فلا غيبة له .. ٢٨٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) باب الغيبة قال الله سبحانه: (( ولا يغتب بعضكم بعضا ، أبحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا))(١) .. الآية. أخبرنا أبو سعيد محمد بن إبراهيم الإسماعيلى ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن الحسين بن الخليل ، قال : حدثنا على بن الحسن قال : حدثنا إسحق بن عيسى ابن بنت داود بن أبى هند، قال حدثنا محمد بن أبى حميد، عن موسى ابن وردان ، عن أبى هريرة : أن رجلا قام ، وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك جالس ، فقال بعض القوم : ما أعجز فلاناً .. ، فقال صلى الله عليه وسلم: أكلتم أخاكم واغتبتموه(٢) . وآوحى الله، سبحانه - إلى موسى عليه السلام - : ((من مات تائاً من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة ، ومن مات مصراً عليها فهو أول من يدخل النار )) . وقال عوف : دخلت على ابن سيرين ، فتناولت الحجاج (٣) ، فقال ابن سيرين: إن الله، تعالى، حكم عدل ؛ فكما يأخذ من الحجاج يأخذ للحجاج ، وإنك إذا لقيت الله عز وجل غداً كان أصغر ذنب أصبته أشد عليك من أعظم ذنب أصابه الحجاج . وقيل : دعى إبراهيم بن أدهم إلى دعوة ، فحضر ، فذكروا رجلا لم يأتيهم ، فقالوا : إنه ثقيل .. فقال إبراهيم : إنما فعل بى هذا نفسى ، حيث حضرت موضعاً يغتاب فيه الناس ، فخرج ، ولم يأكل ثلاثة أيام . وقيل مثل الذى يغتاب الناس، كمثل من نصب ((منجنيقاً))، يرمى به حسناته شرقاً وغرباً ، يغتاب واحداً خراسانياً ، وآخر تركياً ، فيفرف حسناته ، ويقوم لا شىء معه !! (١) آية ١٢ من سورة الحجرات. ( ٣) بياء ابو يعل والطبراني . (٢) اغتبته . ٢٨٥ ( باب المغيبة ) وقيل : يؤنى العبد يوم القيامة كتابه ، فلا برى فيه حسنة ، فيقول : ابن صلانى ، وصيامى ، وطاعى ... فيقال : ذ هب عملك كله . وقيل : من اغتيب بغيبة غفر الله له نصف ذنوبه . وقال سفيان بن الحسين : كنت جالساً عند إياس بن معاوية ، فنلت من إنسان .. فقال لى : هل غزوت فى هذا العام المرك والروم ؟ . فقلت : لا . فقال : سلم منك الرك والروم ، وما سلم منك أخوك المسلم ؟ وقيل : يعطى الرجل كتابه .. فيرى فيه حسنات لم يعملها . فيقال له : هذا ما اغتابك الناس وأنت لم تشعر . وسئل سفيان الثورى عن قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن اللّه سغض أهل البيت اللحميين)) فقال : هم الذين يغتابون الناس .. يأكلون لحومهم . وذكرت الغيبة عند عبد الله بن المبارك ، فقال : لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت والدى ؛ لأنهما أحق بحسناتى . وقال يحيى بن معاذ : ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال : إن لم تنفعه فلا تضره ، وإن لم تسره فلا تغمه ، وإن لم تمدحه فلا تذمه . وقيل للحسن المصرى: إن فلانا اغتابك .. فبعث إليه طبق حلواء وقال : بلغنى أنك أهدت إلى حسناتك ، فكافأتك . أخبرنا على بن أحمد الأهوازى قال : أخبرنا أحمد بن عيد المصرى قال : أخبرنا أحمد بن عمرو القطواى قال : حدثنا سهل بن عثمان العسكرى قال : حدثنا الربيع بن بدر ، عن اىان ، عن اس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلاغية له))(١). سمعت حمزة بن يوسف السهمى تقول ، سمعت أبا طاهر محمد بن أسيد الرقى تقول ، سمعت جعفر بن محمد بن يصير بقول ، قال الجنيد : (١) رواه البيبى عن أنس بصد ضعيف. ٢٨٩ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى) كنت جالساً فى مسجد ((الشونزية)) انتظر جنازة أصلى عليها ، وأهل بغداد ، على طبقاتهم(١) ، جلوس ينتظرون الجنازة ، فرأيت فقيراً عليه أثر النسك(٢) يسأل الناس ، فقلت فى نفسى ؛ لو عمل هذا عملا يصون به نفسه كان أجمل به . فلما انصرفت إلى منزلى ، وكان لى شىء من الورد بالليل ، حتى البكاء والصلاة وغير ذلك ، فثقل على جميع أورادى .. فسهرت وأنا قاعد ، فغلبتنى عيناى .. فرأيت ذلك الفقير .. جاءوا به على خوان ممدود . وقالوا لى : كل لحمه ؛ فقد اغتبته .. وكشف لى عن الحال ، فقلت : ما اغتته .. إنما قلت فى نفسى شيئاً ، فقيل لى : ما أنت ممن يرضى منك بمثله ، إذهب فاستحله . فأصبحت .. ولم أزل أتردد حتى رأيته فى موضع يلتقط من الماء ، عند تزايد (٣) الماء ، أوراقاً من البقل مما تساقط من غسل البقل ، فسلمت عليه ، فقال . يا أباالقاسم، تعود ؟ فقلت : لا . فقال : غفر اللّه لنا ولك . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا طاهر الإسفرانى يقول : سمعت أبا جعفر البلخى يقول : كان عندنا شاب من أهل ىلخ، وكان بجهد ويتعبد ، إلا أنه كان أبداً يغتاب الناس ويقول فلان كذا ، وفلان كذا ، .. فرأيته يوماً عند المخنثين (٤) الغسالين، خرج من عندهم. فقلت : يا فلان ، ماحالك؟ فقال : تلك الوقيعة فى الناس(٥) أو قعتنى إلى هذا ، ابتليت مخنث من هؤلاء، وأنا هوذا أخدمهم من أجله ، وتلك الأحوال كلها قد ذهبت ، فادع الله أن برحمنى (١) مراتبهم . (٢) العبادة . (٣) وفى نسخة. ((تراد)). (٤) المتشبهين بالنساء فى أفعالهم . (٥) أى : اغتياب لهم . الباب العشرون القناعة من تبعت عيناه ما فى أيدى الناس طال حزنه .. ! ٢٨٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) باب القناعة قال الله تعالى: ((من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة .. ))(١). أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى ، قال : حدثنا أبو عمرو محمد بن جعفر ابن مطر ، قال : حدثنا محمد بن موسى الحلوانى ، قال : حدثنا عبد الله بن إبراهيم الغفارى ، عن المنكدر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ((القناعة كنز لايفنى))(٢). أخبرنا أبو الحسن الأهوازى ، قال : حدثنا أحمد بن عبيد البصرى ، قال : حدثنا عبد الله بن أيوب المقرى قال : حدثنا أبو الربيع الزهرانى ؛ قال : حدثنا إسماعيل بن زكريا ، عن أبى رجاء ؛ عن برد بن سنان ، عن مكحول ، عن واثلة ابن الأسقع ؛ عن أبى هريرة ، رضى الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كن ورعاً تكن أعبد الناس ، وكن قنعاً تكن أشكر الناس ؛ وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً ، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما ، وأقل الضحك ، فان كثرة الضحك تميت القلب)) (٣). وقيل : الفقراء أموات ، إلا من أحياه الله تعالى بعز القناعة . وقال بشر الحافى : القناعة : ملك لا يسكن إلا فى قلب مؤمن . سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبد الله بن محمد الشعرانى يقول: سمعت اسحق بن إبراهيم بن أبى حسان الأنماطى بقول : سمعت أحمد بن أبى الحوارى يقول : سمعت أبا سليمان الدارانى يقول : القناعة (٤) من الرضا بمنزلة الورع من الزهد، هذا (٥) أول الرضا وهذا(٦) أول الزهد . وقيل : القناعة : السكون عند عدم المألوفات . (١) آية ٩٧ من سورة النحل . (٣) رواه البيهقى فى الشعب بسند ضيعف. (٥) أى القناعة . (٢) رواه القضاغى عن أنس بنحوه بسند ضعيف. (٤) أى منزلة القناعة. (٦) أى الورع . ٠