Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨٣ ( باب التوبة ) والثالث السعى فى أداء المظالم . وقال سهل بن عبد الله : التوبة : ترك التسويف . سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر الرازى ، يقول : سمعت أبا عبد الله القرشى بقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت الحارث يقول : - ما قلت قط ، اللهم إنى أسألك التوبة ؛ ولكنى أقول : أسألك شهوة التوبة . أخبرنا أبو عبد الله الشيرازى، رحمه الله قال: سمعت أبا عبد الله بن مصلح ، بالأهواز يقول : سمعت ابن زيرى يقول : سمعت الجنيد يقول : دخلت على السرى يوماً فرأيته متغيراً ، فقلت له : مالك ؟ فقال : دخل على شاب فسألنى عن التوبة ، فقلت له : أن لاتنسى ذنبك .. فعارضى ، وقال : بل التوبة أن تنسى ذنبك . فقلت : إن الأمر عندى ما قاله الشاب . فقال : لم ؟ قلت : لأنى إذا كنت فى حال الجفاء فنقلنى إلى حال الوفاء ؛ فذكر الجفاء فى حال الصفاء جفاء . فسكت . سمعت أبا حاتم السجستانى ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا نصر السراج الصوفى تقول : سئل سهل بن عبد الله عن التوبة ، فقال : أن لا تنسى ذنبك . وسئل الجنيد عن التوبة فقال : أن لاتنسى ذنبك : قال أبو نصر السراج : أشار سهل إلى أحوال المربدين والمتعرضين ، تارة لهم ، وتارة عليهم ، فأما الجنيد فانه أشار إلى توبة المحققين فانهم لا يذكرون ذنوبهم بما غلب على قلوبهم من عظمة الله تعالى ، ودوام ذكره . قال ، وهو مثل ما مثل رويم عن التوبة ، فقال : هى التوبة من التوبة . وسئل ذو النون المصرى عن التوبة : فقال : توبة العوام من الذنوب . وتوبة الخواص من الغفلة . وقال أبو الحسين النورى : التوبة أن تتوب من كل شىء سوى الله عز وجل . ١٨٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفى يقول : سمعت عبد الله بن على بن محمد التميمى يقول : شتان ما بين تائب ىتوب من الزلات ، وتائب توب من الغفلات ، وتائب يتوب من رؤية الحسنات . وقال الواسطى : التوبة النصوح (١) لا تبقى على صاحبها أثراً من المعصية سراً ولاجهراً ومن كانت توبته نصوحاً لا يبالى كيف أمسى أو أصبح . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى بقول : سمعت محمد بن إبراهم من الفضل الهاشمى يقول : سمعت محمد بن الرومى يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : إلهى ، لا أقول تبت ، ولا أعود لما أعرف من خلقى ، ولا أضمن ترك الذنوب لما أعرف من ضعفى ، ثم إنى أقول : لا أعود لعلى أن أموت قبل أن أعود . وقال ذو النون : الاستغفار من غير إقلاع توبة الكاذبين . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت النصراباذى يقول : سمعت ابن نز دانيار يقول، وقد سئل عن العبد إذا خرج إلى الله على أى أصل مخرج ؟ فقال : على أن لا يعود إلى مامنه خرج، ولا براعى غير (٢) من إليه خرج، ويحفظ سره عن ملاحظة ما تبرأ منه . فقيل له : هذا حكم من خرج عن وجود ، فكيف حكم من خرج عن عدم ؟ فقال : وجود الحلاوة فى المستأنف (٣) عوضاً عن المرارة فى السالف. وسئل البوشنجى عن التوبة فقال : إذا ذكرت الذنب ثم لا تجد حلاوة عند ذكره ، فهو التوبة . وقال ذو النون : حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرض بما رحبت ، حتى لا يكون لك قرار .. ثم تضيق عليك نفسك؛ كما أخبر الله تعالى فى كتابه بقوله: ((وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه، ثم تاب عليهم ليتوموا(٤) (١) أى الخالصة. (٣) أى المستقبل . (٢) وفى نسخة إلا . ( ٤) آية ١١٨ من سورة التوبة . ١٨٥ ( باب التوبة ) وقال ابن عطاء : التوبة : توبتان : توبة الإنابة ، وتوبة الاستجابة . فتوبة الإنابة : أن يتوب العبد خوفاً من عقوبته . وتوبة الاستجابة : أن يتوب حياء من كرمه : وقيل لأبى حفص : لم يبغض التائب الدنيا ؟ قال : لأنها دار باشر فيها الذنوب . فقيل له : فهى أيضاً دار أكرمه الله فيها بالتوبة ؟ فقال : إنه من الذنب على يقين ، ومن قبول توبته على خطر(١) . وقال الواسطى : طرب داود عليه السلام ، وما هو فيه من حلاوة الطاعة أوقعه فى أنفاس متصاعدة (٢)، وهو فى الحالة الثانية (٣) أتم منه فى وقت ما ستر عليه من أمره . وقال بعضهم: توبة الكذابين على أطراف ألسنتهم، يعنى قول ((أستغفر الله)). وسئل أبو حفص عن التوبة ، فقال : ليس للعبد فى التوبة شىء .. لأن التوبة إليه ، لا منه . وقيل : أوحى الله سبحانه ، إلى آدم: يا آدم ورثت ذريتك التعب والنصب ، وورثتهم التوبة ، من دعانى منهم بدعوتك لبيته كتلبيتك ، يا آدم أحشر التائبين ، من القبور مستبشرين ضاحكين ، ودعاؤهم مستجاب . وقال رجل لرابعة : إنى أكثرت من الذنوب والمعاصى ، فلو تبت هل يتوب على ؟ فقالت : لا بل لو تاب عليك لتبت . واعلم (٤) أن الله تعالى قال: ((إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين(٥). ومن قارف الزلة فهو من خطئه على يقين ، فاذا تاب ، فانه من القبول على (١) وفى نسخة ((التوبة)). (٢) أى حزن طويل . (٣) وفى نسخة، وهو على حالته الثانية الوهى حالة حزنه. (٤ ) وفى نسخة قال الأستاذ رضى الله عنه: واعلم . (٥ ) آية ٢٢٢ من سورة البقرة. ١٨٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية الامام القشيرى ) شك، لا سيما إذا كان من شرطه وحقه أن يكون مستحقاً لمحبة الحق وإلى (١) أن يبلغ العاصى محلا يجد فى أو صافه أمارة محبة الله إياه مسافة بعيدة ، فالواجب إذن على العبد إذا علم أنه ارتكب ما تجب منه التوبة دوام الإنكسار ، وملازمة التنصل والاستغفار، كما قالوا: ((استشعار الوجل إلى الأجل))، وقال عز من قائل: ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله)» (٢). وكان من سنته صلى اللّه عليه وسلم : دوام الاستغفار ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنه ليغان على قلبى فاستغفر اللّه فى اليوم سبعين مرة)). سمعت أبا عبد الله الصوفى يقول : سمعت الحسين بن على يقول : سمعت محمد ابن أحمد يقول : سمعت عبد الله بن سهل يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : زلة واحدة بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها : سمعت محمد بن الحسين بقول : سمعت أبا عبد اللّه الرازى يقول : سمعت أبا عثمان يقول فى قوله عز وجل ((إن إلينا إيابهم)) (٣) قال: رجوعهم، وإن تمادى الجولان فى المخالفات . ـهم سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت أبا غمرو الأنماطى يقول : ركب على بن عيسى الوزير فى موكب عظيم ثم فجعل الغرباء بقُولُون: من هذا؟ من هذا؟ فقالت امرأة قائمة على الطريق: إلى منى تقولون من هذا؟ من هذا؟ . هذا عبد سقط من عين الله (٤) فابتلاه الله بما ترون . فسمع على بن عيسى ذلك ، فرجع إلى منزله واستغنى عن الوزارة ، وذهب إلى مكة وجاور بها . (١) أى والمسافة من حبن النلبس بالمعصية إلى أن ببلع المحل. (٢) آية ٣١ سورة آل عمران . (٣) آية ٢٥ من سورة الغاشية. (٤) أى من حفظه . الباب السادس المجاهدة النفس ظلمة كلها .. وسراجها سرها .. ونور سراجها التوفيق .. فمن لم يصحبه فى سره توفيق من ربه .. كان ظلمة كله ٠٠٠٠ ١٨٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب المجاهدة قال الله تعالى: ((والذين جاهدوا فينا، لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين))(١). أخبرنا أبو الحسين على بن أحمد الأهوازى قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، قال : أخبرنا العباس بن الفضل الإسقاطى ، قال : أخبرنا ابن كاسب قال : أخبرنا ابن عيينة ، عن على بن زيد ، عن أبى نضرة ، عن أبى سعيد الخدرى، قال: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أفضل الجهاد، فقال: ((كلمة عدل عند سلطان جائر))(٢) فدمعت عينا أبى سعيد . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، بقول : من زين ظاهره بالمجاهدة حسن الله سرائره بالمشاهدة، قال الله تعالى: ((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا))(٣). واعلم أن من لم يكن فى بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا عمان المغربى يقول : من ظن أن يفتح له شىء من هذه الطريقة ، أو بكشف له عن شىء منها إلا يلزوم المجاهدة فهو غلط . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول : من لم يكن له فى بدايته قومة ، لم يكن له فى نهابته جلسة . وسمعته أيضاً يقول : قولهم الحركة بركة : حركات الظواهر توجب بركات السرائر . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أحمد بن على بن جعفر بقول : سمعت الحسين بن علوية يقول : قال أبو يزيد البسطامى : (١) آية ٦٩ من سورة العنكبوت : (٢) رواه ابن ماجه عن أبى سعيد، وأحمد والطبر انى والنسائى عن غيره بلفظ كلمة حق. (٣) آية ٦٩ من سورة العنكبوت. ١٨٩ ( باب المجاهدة ) كنت ثنى عشرة سنة حداد نفسى (١). وخمس سنين كنت مرآة قلبى ، وسنة أنظر فيما بينهما ، فاذا فى وسطى زنار (٢) ظاهر، فعملت فى قطعه ثنى عشرة سنة. ثم نظرت، فاذا فى باطنی زنار (٣) فعملت فى قطعه خمس سنين أنظر كيف أقطعه فكشف لى ، فنظرت إلى الخلق فرأيتهم موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات . . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول: سمعت أبا العباس البغدادى يقول: سمعت جعفراً بقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السرى بقول : يا معشر الشباب ، جدوا قبل أن تبلغوا مبلغى فتضعفوا وتقصروا كما ضعفت وقصرت. وكان فى ذلك الوقت (٤) لا يلحقه الشباب العبادة . وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت عبد العزيز النجرانى يقول : سمعت الحسن القزاز يقول : بنى هذا الأمر(٥) على ثلاثة أشياء : أن لا تأكل إلا عند الفاقة، ولا تنام إلا عند الغلبة ، ولا تتكلم إلا عند الضرورة . وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول . سمعت محمد بن حامد يقول : سمعت أحمد بن خضرويه يقول : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : لن ينال الرجل درجة الصالحين ، حتى يجوز ست عقبات : أولها : أن يغلق باب النعمة ، ويفتح باب الشدة . والثانى : أن يغلق باب العزة ، ويفتح باب الذل . والثالث : أن يغلق باب الراحة ؛ ويفتح باب الجهد . والرابع : أن يغلق باب النوم ، ويفتح باب السهر . والخامس : أن يغلق باب الغنى ، ويفتح باب الفقر . (١) يقصد أنه فى بدء أمره كان يجاهد نفسه كما يجاهد الحداد فى طرق الحديد وتشكيله وفق ما يريد. (٢) خيط غليظ يشد به الذمى وسطه ويتمنطق به تمييزا له من المسلم. (٣) يقصد ما وجده فى نفسه من استحسانه لأعمال واعجابه بها مكان ذلك الإعجاب علامة الباطل كالزذار علامة الذمى. (٥ ) أى علم التصوف . (٤) وفى نسخة ((السن)). ١٩٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) والسادس : أن يغلق باب ، الأمل ويفتح باب الاستعداد للموت . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت جدى أبا عمرو بن نجيد يقول : من كرمت عليه نفسه هان عليه دينه !! وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول . سمعت أبا على الروذبارى بقول: إذا قال الصوفى بعد خمسة أيام أنا جائع ، فألزموه السوق ، وأمروه بالكسب. واعلم أن أصل المجاهد وملاكها(١): فطم النفس عن المألوفات ، وحملها على خلاف هواها فى عموم الأوقات . وللنفس صفتان ما نعتان لها من الخبر : انهماك فى الشهوات ، وامتناع عن الطاعات فاذا جمحت عند ركوب الهوى وجب كبحها بلجام التقوى ، وإذا حرنت عند القيام بالموافقات يجب سوقها على خلاف الهوى ، وإذا ثارت عند غضبها ، فمن الواجب مراعاة حالها ، فما من منازلة (٢) أحسن عاقة من غضب يكسر سلطانه بخلق حسن ، وتخميد نيرانه مرفق ، فاذا استحلت شراب الرعونة فضاقت ، إلا عن إظهار مناقبها والتزين لمن ينظر إليها ويلاحظها ، فمن الواجب كسر ذلك عليها ، وإحلالها بعقوبة الذل بما يذكرها من حقارة قدرها ، وخساسة أصلها ، وقذارة فعلها . وجهد العوام فى توفية الأعمال . وقصد الخواص إلى تصفية الأحوال فان مقاساة الجوع والسهر سهل سير ، ومعالجة الأخلاق والتنفى (٣) من سفسافها (٤) صعب شديد . ومن غوامض آفات النفس : ركونها إلى استحلاء(٥) المدح، فان من تحسى منه جرعة حمل السموات والأرضين على شفرة من أشفاره(٦). وأمارة ذلك : أنه إذا انقطع عنه ذلك الشرب(٧) آل حاله إلى الكسل والفشل . وكان بعض المشايخ يصلى فى مسجده فى الصف الأول سنين كثيرة ، فعاقه يوماً عن الابتكار إلى المسجد عائق ، فصلى فى الصف الأخير ، فلم ير بعد ذلك مدة ، (١) ملاك الأمر بالكسر: قوامه . (٣) وفى نسخة والترقى . (٢ ) نزول فى مرتبة . (٤) سفسافها : أى دفيئها . (٦) أى اطراف أجفائه. (٥) وى نسخة استجلاء. (٧) أى نصيبه من الملح . ١٩١ ( باب المجاهدة ) فسئل عن السبب ، فقال : كنت أقضى صلاة كذا ، وكذا سنة صلينها وعندى أنى مخلص فيها لله ، فداخلى يوم تأخرى عن المسجد من شهود الناس إياى فى الصف الأخير نوع خجل ، فعلمت أن نشاطى طول عمرى إنما كان على رؤيتهم فقضيت صلواتى . ويحكى عن أبى محمد المرتعش ، أنه قال : حججت كذا ، وكذا حجة على التجريد(١) ، فبان لى أن جميع ذلك كان مشوباً بحظى ؛ وذلك : أن والدتى سألتنى يوماً أن أستقى لها جرة ماء فثقل ذلك على نفسى ، فعلمت أن مطاوعة نفسى فى الحجات كانت لحظ ، وشوب لنفسى ، إذ لو كانت نفسى فانية(٢) لم يصعب عليها ما هو حق فى الشرع . وكانت امرأة قد طعنت فى السن ، فسئلت عن حالها ، فقالت : كنت فى حال الشاب أجد من نفسى نشاطاً وأحوالا ؛ أظنها قوة الحال ، فلما كبرت زالت عنى ، فعلمت أن ذلك كان قوة الشباب ، فتوهمتها أحوالا . سمعت الشيخ أبا على الدقاق تقول : ما سمع هذه الحكاية أحد من الشيوخ إلا رق لهذه العجوز ، وقال : إنها كانت منصفة . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان بقول : سمعت يوسف بن الحسين يقول : سمعت ذا النون المصرى يقول : ما أعز الله عبدأ بعز هو أعز له من أن يدله على ذل نفسه ، وما أذل الله عبداً بذل هو أذل له من أن يحجبه عن ذل نفسه . وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه الرازى يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول : ما هالنى شىء إلا ركبته(٣). وسمعته يقول : سمعت عبد اللّه الرازى يقول : سمعت محمد بن الفضل بقول ، الراحة : هو الخلاص من أمانى النفس . (١) أى لا آخذ زاداً أولا واحلة مقاسيا فيها الجوع والتعب (٢) أى عن حظها. (٣) أى ما أفزعى شئ جوزه الشرع من سهر أو جوع أو نحو ذلك من ألوان المجاهدة إلا فعلته ومارسته، ١٩٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) سمعت الشيخ أما عبد الرحمن يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت أبا على الروذبارى قول : دخلت الآفة على الخلق من ثلاثة : سقم الطبيعة ، وملازمة العادة ، وفساد الصحبة . فسألته : ما سقم الطبيعة ؟ فقال : أكل الحرام . فقلت ، ما ملازمة العادة ؟ فقال : النظر ، والاستمتاع بالحرام ، والغيبة . قلت : فما فساد الصحبة ؟ قال : كلما هاجت فى النفس الشهوة تبعتها . وسمعته يقول : سمعت النصر اباذى يقول : سجنك نفسك . فاذا خرجت منها وقعت فى راحة أبدية(١). وسمعته يقول : سمعت محمد الفراء يقول: سمعت أبا الحسين الوراق يقول: كان أجلُّ أحكامنا فى مبادىء أمرنا فى مسجد أبى عثمان الحيرى الإيثار بما يفتح علينا ، وأن لانبت على معلوم ، ومن استقبلنا بمكروه لاننتقم لأنفسنا ، بل نعتذر إليه ، ونتواضع له ، وإذا وقع فى قلوبنا حقارة لأحد قمنا خدمته والإحسان إليه حتى يزول . وقال أبو حفص: النفس ظُلْمَةٌ كلّها ، وسراجها سرها ، ونور سراجها التوفيق، فمن لم يصحبه فى سره (٢) توفيق من ربه كان ظلمة كله . قال الأستاذ الإمام القشيرى : معنى قوله (( سراجها سرها)) يربد : سر العبد الذى بينه وبين الله تعالى، وهو محل إخلاصه ، وبه يعرف العبد أن الحادثات بالله لابنفسه ولا من نفسه ؛ ليكون متبرئاً من حوله وقوته على استدامة أوقاته ، ثم بالتوفيق يعتصم من شرور نفسه ، فان من (١) وفى نسخة إلى الأبد . (٢) أى معاملته لربه . ١٩٣ ( باب المجاهدة ) لم يدركه التوفيق لم ينفعه علمه بنفسه ، ولا بربه ؛ ولهذا قال الشيوخ : من لم يكن له سر فهو مصر (١) . وقال أبو عثمان : لا يرى أحد عيب نفسه وهو مستحسن من نفسه شيئاً ، وإنما يرى عيوب نفسه من تتهمها فى جميع الأحوال . وقال أبو حفص: ما أسرع هلاك من لا يعرف عيبه، فان المعاصى يريد (٢) الكفر. وقال أبو سليمان : ما استحسنت من نفسى عملا فاحتسبت(٣) به . وقال السرى : إياكم وجيران الأغنياء ، وقراء الأسواق ، وعلماء الأمراء : وقال ذو النون المصرى : إنما دخل الفساد على الخلق من ستة أشياء : الأول : ضعف النية بعمل الآخرة . والثانى : صارت أبدانهم رهينة لشهواتهم . والثالث : غلبهم طول الأمل مع قرب الأجل . والرابع : آثروا رضا المخلوقين على رضا الخالق . والخامس : اتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وراء ظهورهم . والسادس : جعلوا قليل زلات السلف حجة لأنفسهم ، ودفنوا كثير مناقبهم . (١) أى على المخالفات . (٢) طريق . (٣) فاعتددت . الباب السابع الخلوة والعزلة لا تصح الخلوة الا بأكل الحلال .. ولا يصح أكل الحلال الا بأداء حق الله .. ١٩٦ بسبب كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) باب الخلوة والعزلة أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصرى ، قال : حدثنا عبد العزيز بن معاوية قال : حدثنا القعنى قال : حدثنا عبد العزيز بن أبى حازم عن أبيه ، عن بعجة بن عبد الله بن بدر الجهنى ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من خير معايش الناس كلهم رجلا آخذاً بعنان فرسه فى سبيل الله)) إن سمع فزعة أو هيعة كان على متن (١) فرسه يبتغى الموت أو القتل فى مظانه ، أو رجلا فى غنيمة له فى رأس شعفة (٢) من هذه الشعاف ، أو فى بطن واد من هذه الأودية ، يقيم الصلاة ، ويؤتى الزكاة ، ويعبد ربه حتى بأتيه اليقين (٣)، ليس من الناس إلا فى خير)) (٤). قال الأستاذ : الخلوة : صفة أهل الصفوة . والعزلة : من أمارات أهل الوصلة . ولا بد للمريد - فى ابتداء حاله - من العزلة عن أبناء جنسه ، ثم فى نهايته - من الخلوة ؛ لتحققه بأنسه . ومن حق العبد - إذا آثر العزلة - أن يعتقد باعتزاله عن الخلق سلامة الناس من شره ولا يقصد سلامته من شر الخلق ، فان الأول من القسمين : نتيجة استصغار نفسه ، والثانى : شهود مزيته على الخلق ومن استصغر نفسه فهو متواضع ، ومن رأى لنفسه مزبة على أحد ، فهو متكبر . ورأى بعض الرهبان ، فقيل له : إنك راهب . فقال : لا ، بل آنا حارس كلب(٥) ؛ إن نفسى كلب يعقر الخلق أخرجتها من بينهم ، ليسلموا منها . ومر إنسان بعض الصالحين ؛ فجمع ذلك الشيخ ثيابه منه ، فقال له الرجل : (١) ظهر . (٣) الموت . (٥ ) يقصد نفسه . (٢) رأس الجبل . (٤) رواه مسلم بنحوه . ١٩٧ ( باب الخلوة والعزلة ) لم تجمع عنى ثيابك ، ليست ثيابى نجسة ؟ فقال الشيخ : وهمت فى ظنك ، ثيابى هى النجسة ، جمعتها عنك ؛ لئلا تنجس ثيابك ، لا لكى لا تنجس ثيابى . ومن آداب العزلة : أن يحصل من العلوم ما يصحح به عقد توحيده ؛ لكى لا يستهويه الشيطان بوساوسه ، ثم يحصل من علوم الشرع ما يؤدى به فرضه ، ليكون بناء أمره على أساس محكم . والعزلة فى الحقيقة : اعتزال الخصال المذمومة فالتأثير (١) لتبديل الصفات ، لا للتنائى عن الأوطان ، ولهذا قيل: من للعارف ؟ قالوا : كائن بائن، بعنى : كائن مع الخلق ، بائن عنهم بالسر . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول : إلبس مع الناس ما يلبسون ، وتناول مما تأكلون ، وانفرد عنهم بالسر(٢). وسمعته يقول : جاءنى إنسان ، وقال : جئتك من مسافة بعيدة . فقلت : ليس هذا الحديث (٣) من حيث قطع المسافة (٤) ومقاساة الأسفار فارق نفسك ولو بخطوة ، فقد حصل مقصودك . ويحكى عن أبى يزيد قال : رأيت ربى عز وجل فى المنام ، فقلت : كيف أجدك ؟ فقال : فارق نفسك وتعال . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله، يقول : سمعت أبا عثمان المغربى بقول : من اختار الخلوة على الصحبة ينبغى أن يكون خالياً من جميع الأذكار إلا ذكر ربه ، وخالياً من جميع الإرادات إلا رضا ربه ، وخالياً من مطالبة النفس من جميع الأسباب ، فان لم يكن بهذه الصفة ، فان ، خلوته توقعه فى فتنة أو بلية . وقيل : الإنفراد فى الخلوة أجمع لدواعى السلوة . (١) أى تأثير العزلة . (٣) أى حصول علم الصوفية . (٢) أى فيما بينك وبين الله. (٤) وفى نسخة المسافات . ١٩٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) وقال يحيى بن معاذ . انظر : أنسك بالخلوة ، أو أنسك معه فى الخلوة ؛ فان كان أنسك بالخلوة ذهب أنسك إذا خرجت منها ، وإن كان أنسك به فى الخلوة استوت لك الأماكن فى الصحارى والبرارى . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت محمد ابن حامد يقول : جاء رجل إلى زيارة أبى بكر الوراق ، فلما أراد أن يرجع ، قال له : أوصنى . فقال : وجدت خير الدنيا والآخرة فى الخلوة والقلة ، وشرهما فى الكثرة والاختلاط . وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت الجريرى وقد سئل عن العزلة ، فقال: هى الدخول بين الزحام وتمنع (١) سرك أن لا يزاحموك، وتعزل نفسك عن الآثام ، ويكون سرك مربوطاً بالحق . وقيل ؛ من آثر المزلة (٢) حصل العزلة (٣). وقال سهل : لا تصح الخلوة إلا بأكل الحلال ، ولا يصح أكل الحلال إلا بأداء حق اللّه . وقال ذو النون المصرى : لم أر شيئاً أبعث على الإخلاص من الخلوة : وقال أبو عبد الله الرملى : ليكن خدنك (٤) الخلوة ، وطعامك الجوع ، وحديثك المناجاة فاما أن تموت ؛ وإما أن تصل إلى الله سبحانه . وقال ذو النون : ليس من احتجب عن الخلق بالخلوة ، كمن احتجت عنهم باللّه . سمعت أبا عبد الرحمن السلمى يقول سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت جعفر بن نصير بقول : سمعت الجنيد يقول : مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة . وقال مكحول : إن كان فى مخالطة الناس خير ، فان فى العزلة السلامة . (١) وفى نسحة ((ونحنفظ)). (٢) أى فراغ القلب عن الشواغل ولو مع الاختلاط . (٣) أى فراغ القلب من الناس لامتلائه بالله. (٤) أى رفيقك. ١٩٩ ( باب الخلوة والعزلة ) وقال يحيى بن معاذ : الوحدة جليس الصديقين . سمعت الشيخ أبا على الدقاق (١) يقول : سمعت الشبلى يقول: الإفلاس .. الإفلاس ياناس . فقيل له : يا أبا بكر ، ما علامة الإفلاس ؟ قال : من علامة الإفلاس الاستئناس بالناس . وقال يحيى بن أبى كثير : من خالط الناس داراهم ، ومن داراهم راياهم (٢). وقال شعيب بن حرب : دخلت على مالك بن مسعود بالكوفة ، وهو فى داره وحده ، فقلت له : أما تستوحش وحدك؟ فقال: ما كنت أرى (٣) أن أحداً يستوحش مع الله . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت أبا عمرو الأنماطى يقول ، سمعت الجنيد يقول : من أراد أن يسلم له دينه ؛ ويستريح بدنه وقلبه، فليعتزل الناس ، فان هذا زمان وحشة ، والعاقل من اختار فيه الوحدة . وسمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازى يقول : قال أبو يعقوب السوسى : الانفراد لا يقوى عليه إلا الأقوياء ، ولأمثالنا : الاجتماع أوفر وأنفع ، بعمل بعضهم على رؤية بعض (٤) . وسمعته يقول : سمعت أبا عثمان سعيد بن أبى سعيد يقول : سمعت أبا العباس الدامغانى تقول : أوصانى الشبلى ، فقال : إلزم الوحدة ، وامح اسمك عن القوم ، واستقبل الجدار (٥) حتى يموت . وجاء رجل إلى شعيب بن حرب ، فقال له : ماجاء بك ؟ فقال : أكون معك . (١) فى نسخة سمعت أبا عبد الرحمن يقول: سمع أبو بكر الشبلى . يقول: (٢) من المراءاة وهى المداهنة. (٤) فتدفعهم الرؤيه للعمل . (٣) أى أظن . (٥ ) القبلة . ٢٠٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) قال : يا أخى؛ إن العبادة لاتكون بالشركة ، ومن لم يستأنس باللّه لم بستأنس بشىء . حكى أن بعضهم قيل له : ما أعجب ما لقيت فى سياحتك ؟ فقال لهم : لقيتى الخضر ، فطلب منى الصحبة : فخشيت أن يفسد على توكلى . وقيل لبعضهم : هاهنا أحد تستأنس به ؟ فقال : نعم .. ومد يده إلى مصحفه ووضعه فى حجره ، وقال : هذا . وفى معناه أنشدوا : وفيها شفاء للذى أنا كاتم وكتبك حولى لاتفارق مضجعى وقال رجل لذى النون المصرى . متى تصح لى العزلة ؟ فقال : إذا قويت على عزلة نفسك(١). وقيل لابن المبارك : ما دواء القلب ؟ فقال : قلة الملاقاة للناس . وقيل : إذا أراد الله أن ينقل العبد من ذل المعصية إلى عز الطاعة آنسه بالوحدة وأغناه بالقناعة وبصره بعيوب نفسه ، فمن أعطى ذلك فقد أعطى خير الدنيا والآخرة . (١) وعزلتها بمفارقة أخلاقها الذميمة. الباب الثامن التقوى من أراد أن تصح له التقوى ... فليترك الذنوب كلها .... ٢٠٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) باب التقوى قال الله تعالى: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم))(١). وأخبرنا أبو الحسين على بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال : أخبرنا محمد بن الفضل بن جابر قال : حدثنا بن عبد الأعلى القرشى، قال : حدثنا يعقوب العمى ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن أبى سعيد الخدرى قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا نبي الله ، أوصنى . فقال: عليك بتقوى الله؛ فانه جماع (٢) كل خير، وعليك بالجهاد ، فانه رهبانية (٣) المسلم، وعليك بذكر الله، فانه نور لك))(٤). وأخبرنا على بن أحمد بن عبدان ، قال أخبرنا أحمد بن عبيد ، قال : أخبرنا عباس بن المفضل الإسقاطى ؛ قال : حدثنا أحمد بن يونس قال : حدثنا أبو هرمز نافع بن هرمز ، قال : سمعت أنساً رضى الله عنه ؛ يقول : (( قيل يا نبي الله من آل محمد؟ قال: كل تقى)) (٥) . فالتقوى جماع الخبرات . وحقيقة الإتقاء (٦) . التحرز بطاعة الله عن عقوبته ؛ بقال : اتقى فلان بترسه . وأصل التقوى : اتقاء الشرك ؛ ثم بعده : اتقاء المعاصي والسيئات ، ثم بعده اتقاء الشبهات ؛ ثم يدع بعده الفضلات (٧) . كذلك سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ؛ يقول ، سمعته يقول : ولكل قسم من ذلك باب. وجاء فى تفسير قوله عز وجل: (( اتقوا الله حق تقاته))(٨) إن معناه : أن يطاع فلا يعصى ؛ ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر . (١) آية ١٣ من سورة الحجرات. (٣) أى شعار«وانقطاعه للعبادة. (٥) رواه الطبر انى فى الأوسط بسند ضعيف. ( ٧) أي : الفضول ؛ وفى نسخة تدع. (٢) أى بجمع خبرى الدنيا والآخرة. (٤) رواه أبو يعلى فى مسنده بسند ضعيف. (٦) وفى نسخة التقوى . (٨) آية ١٠٢ من سورة آل عمران. ٢٠٣ ( باب التقوى ) صارعه سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أحمد بن على بن جعفر يقول : سمعت أحمد بن عاصم يقول : سمعت سهل بن عبد الله بقول : لا معين إلا اللّه، ولا دليل إلا رسول الله، ولا زاد إلا التقوى، ولا عمل إلا الصبر عليه (١) . وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت الكتانى يقول : قسمت الدنيا على البلوى وقسمت الآخرة على التقوى : وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت الجريرى يقول : من لم يحكم بينه وبين الله التقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف والمشاهدة . وقال النصراباذى : التقوى : أن يتقى العبد ما سوى الله عز وجل . وقال سهل : من أراد أن تصح(٢) له التقوى فليترك الذنوب كلها. وقال النصر اباذى : من لزم التقوى اشتاق إلى مفارقة الدنيا ، لأن الله سبحانه بقول: ((وللدار ( الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون))(٣) . وقال بعضهم : من تحقق فى التقوى هون اللّه على قلبه الإعراض عن الدنيا . وقال أبوعبد الله الروذبارى : التقوى : مجانبة ما يبعدك عن الله . وقال ذو النون المصرى : التقى : من لايدنس ظاهره بالمعارضات ، ولا باطنه بالعلالات (٤) ويكون واقفاً مع الله موقف الاتفاق. سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله يقول : سمعت أبا الحسن الفارسي يقول : سمعت ابن عطاء يقول : (١) أى على العمل . (٢) آية ٣٢ من سورة الأنعام. (٢) وفى نسخة يفتح. (٤) وهى ما تحللت به.