Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤٣
( أبو اسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور )
أبو اسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور
من كورة بلخ ، رضى الله تعالى عنه .
كان من أبناء الملوك ، فخرج يوماً متصيداً ، فأثار علماً أو أرنباً وهو فى طلبه ،
فهتف به هاتف (١): يا إبراهيم، ألهذا خلقت ، أم بهذا امرت ؟.
ثم هتف به أيضاً من ((قربوس)) (٢) سرجه: والله ما لهذا خلقت ، ولا هذا
أمرت .
فنزل عن دائته .
وصادف راعيا لأبيه ، فأخذ جية للراعى من صوف ، ولبسها وأعطاه فرسه
وما معه ، ثم إنه دخل المادية ، ثم دخل مكة ، وصحب بها سفيان الثورى(٣) .
والفضيل(٤) بن عياض، ودخل الشام ومات بها .
وكان يأكل من عمل يده ، مثل : الحصاد ، وحفظ البساتين ، وغير ذلك .
وأنه رأى فى البادية رجلا علمه (( اسم الله الأعظم)) فدعا به بعده(٥)، فرای
الخضر عليه السلام ، وقال له : إنما علمك اخى داود اسم الله الأعظم .
(١) من ملك أو خاطر وقع فى قلبه ملهماً .
(٢) القربوس (بفتح القاف ) حنو السرج أى : قسمه المقوس المرتفع من قدام المعقد ومن مؤخره.
(٣) هو: سفيان بن سعيد الثورى ولد سنة ٩٧ هـ وتوفى بالبصرة سنة ١٦١. وكان عالماً عابداً راهداً. كانوا يسمونه أمير
المؤمنين فى الحديث . وكان لا يعلم أحداً العلم إلا إذا تعلم الأدب والتزمه، وكان يقول : إذا فسد العلماء فمن بنى فى الدنيا
يصلحهم ؟ ثم ينشد :
يامعشر العلماء ياملح البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد ؟
وكان إذا جلس للعلم، وأعجبه منطقة ، يقطع الكلام - خوفاً من الغرور - ويقوم ويقول: خدنا ونحن لا نشعر ، وكان
يملى الحديث، ويقول: والله لورآنى عمر بن الخطاب لضربنى بالدرة وأقام لى، وقال ((مثلك لا يصلح الحديث)).
وكان يقول للناس - إذا طلبوا منه الحديث: والله ماأرى نفسى أهلا لإملاء الحديث، ولا اهلا لأن تسمعوه ومامثلى ومثلكم
إلا كما قال القائل: ((افتضحوا فاصطلحوا)). وكان قد امتنع من الحلوس للعلم غيل له فى ذلك، فقال: ((والله لو علمت أهم
يريدون بالعلم وجه اللّه لأتسهم فى بيوهم وعلمهم. ولكن إنما يريدون به المباهاة وعولهم حدثنا سفيان)». وكان رحمه الله
أعلم هذه الأمة وأعبدها وازهدها .
(٤) هو ابو على الفضيل بن عماض من مسعود التميمى الير بوعى. شيخ الحرم من أكابر العماد الصلحاء. كان ثقة فى الحديث.
أخذ عنه الإمام الشافعى . ومولده فى سمرقند سنة ١٠٥ ٥ وتوفى مكة سنه ١٨٧ هـ .
(٥) أى بعد انصراف الرجل .

٤٤
كتاب الشعب ( الرسالة الفشيرية للامام القشيرى )
أخبرنا بذلك الشيخ أبوعبد الرحمن السلمى، رحمه الله، قال : حدثنا محمد
ابن الحسين بن الخشاب قال: حدثنا أبو الحسن على بن محمد المصرى، قال : حدثنا
ابو سعيد الخراز قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال : صحبت إبراهيم بن أدهم ،
فقلت : خبرنى عن بدء أمرك . فذكر هذا .
وكان إبراهيم بن أدهم كبير الشان فى باب الورع ، يحكى عنه انه قال :
أطب مطعمك ، ولاحرج عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار .
وقيل: كان عامة (١) دعائه: ((اللهم انقلنى من ذل معصيتك إلى عز طاعتك))
وقيل لإبراهيم بن أدهم . إن اللحم قد غلا ...
فقال : أرخصوه . أى : لا تشيروه . وانشد فى ذلك :
فيكون أرخص ما يكون إذا غلا
وإذا غلا شىء على تركته
أخبرنا محمد بن الحسين ، رحمه اللّه تعالى ، قال: سمعت منصور بن عبد اللّه
يقول : سمعت محمد بن حامد يقول : سمعت أحمد بن خضروية يقول : قال إبراهيم
ابن أدهم لرجل فى الطواف :
اعلم أنك لاتنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات :
: تغلق (٢) باب النعمة، وتفتح (٣) باب الشدة.
أولاها
باب الذل .
: تغلق باب العز ، وتفتح
والثانية
باب الجهد .
باب الراحة ، وتفتح
: تغلق
والثالثة
باب السهر .
باب النوم ، وتفتح
: تغلق
والرابعة
باب الفقر .
باب الغنى ، وتفتح
والخامسة : تغلق
باب الاستعداد للموت .
والسادسة : تغلق باب الأمل ، وتفتح
وكان إبراهيم بن أدهم يحفظ كرماً ، فمر به جندى ، فقال : أعطنا من هذا
العنب فقال : ما أمرنى به صاحبه .
فأخذ يضربه بسوطه ، فطأطا رأسه وقال :
إضرب رأساً طالما عصى الله . فاعجز الرجل ومضى .
قال سهل بن إبراهيم : صحبت إبراهيم بن أدهم ، فمرضت ، فأنفق على نفقته
فاشتهيت شهوة ، فباع حماره وأنفق على تمنه . فلما تماثلت ، قلت :
ما إبراهيم ، آبن الحمار ؟ ، فقال : بعناه ، فقلت : فعلى ماذا أركب ؟ فقال :
ما أخى على عنفى . فحملنى ثلاث منازل .
(٢) تغلق: تعرض
(١) عامة : أكثر .
(٣) تفتح ؛ تتعرض.

٤٥
( أبو الفيض ذو النون المصرى )
أبو الفيض ذو النون المصرى
واسمه : ثوبان بن إبراهيم ، وقيل الفيض بن إبراهيم . وأبوه كان نوبياً (١).
توفى سنة : خمس وأربعين ومائتين. فائق فى (٢) هذا الشأن، وآوحد وقته علماً ،
وورعاً ، وحالا ، وأدباً .
سعوا به إلى المتوكل ، فاستحضره من مصر ، فلما دخل عليه وعظمه فبكى
المتوكل ورده إلى مصر مكرماً . وكان المتوكل إذا ذكر ين يديه أهل الورع يبكى
ويقول : إذا ذكر آهل الورع فحيهلا (٣) بذى النون .
وكان رجلا نحيفا ، تعلوه حمرة ، ليس بابيض اللحية .
سمعت احمد بن محمد نقول : سمعت سعيد بن عمان يقول : سمعت ذا النون
يقول : مدار الكلام على أربع :
حب الجليل ، وبغض القليل ، واتباع التنزيل ، وخوف التحويل (٤).
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت سعيد بن أحمد بن
جعفر يقول : سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول : سمعت سعيد بن عثمان يقول :
. سمعت ذا النون المصرى يقول :
من علامات المحب لله عز وجل : متابعة حبيب الله ، صلى اللّه عليه وسلم، فى
أخلاقه ، وافعاله ، وأوامره ، وسننه .
(١) اصله من النوبة ، ثم نزل بأخميم من ديار مصر فأقام بها .
قال ابن يونس. امتحن وأوذى، لكونه أبى بعلم لم يعهد، روى عن مالك والليث، وروى عنه كثيرون منهم: الحسن
ابن مصعب ، وابن صبح ، والطانى .
سمع يوماً صوت لهو ودفاف، فال ماهذا ؟ قبل له : عرس. وسمع بجانبه بكاء وصباحاً، فقال: ماهذا ؟ فبل فلان مات .
فقال : أعطى هؤلاء فما شكروا وابنل هؤلاء هما صبروا.
ومن كلامه: ((من راقب العواقب سلم)) و ((والزهاد ملوك الآخرة وهما فقراء العارفين)) و(( من وق بالمقادير لم يغم : .x
و ((الأنس بالله نور ساطع والأنس بالناس سم قاطع)) و((مفتاح العبادة الفكرة)) و((علامة الإصابة مخالفة النفس))و((العبودية أن تكون
عبده فى كل حال كما هو ربك فى كلى حال».
( ٢) فى نسخه بدون : فى
(٣) اى فأسرع بذكره؛ فائِه أفضلهم .
(٤) التحويل: التغبير من حال إلى حال أسوأ. وزيد فى بعض النسخ بعد العبارة الماضية ((فاداعرفي العبد ربه ودنياه،
و عت استقامته . وخاف على نفسه من الخاتمة فقد استقامت أحواله)) .

٤٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وسئل ذو النون عن السفلة فقال : من لايعرف الطريق إلى الله، ولا ىتعرفه.
سمعت، الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه الله، يقول : سمعت أبا بكر
محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت يوسف بن الحسين بقول :
حضرت مجلس ذى النون يوما ؛ وجاءه سالم المغربى، فقال له : يا أبا الفيض ،
ما كان سبب توبتك ؟ قال : عجب لا تطيقه . قال : بمعبودك إلا أخبر تنى .
فقال ذو النون : أردت الخروج من مصر إلى بعض القرى ، فنمت فى الطريق
فى بعض الصحارى ، ففتحت عيني ، فاذا أنا بقنيرة (١) عمياء سقطت من وكرها على
الأرض، فانشقت الأرض ، فخرج منها ((سكرجتان)) (٢): إحداهما ذهب،
والأخرى فضة وفى إحداهما سمسم ، وفى الأخرى ماء ، فجعلت تأكل من هذا ،
وتشرب من هذا .
فقلت : حسبى ، قد تبت ، ولزمت الباب إلى أن قبلنى الله عز وجل .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت على بن عمر الحافظ تقول : سمعت
ابن رشيق : يقول : سمعت أبا دجانة يقول : سمعت ذا النون يقول :
لا تسكن الحكمة (٣) معدة ملئت طعاماً.
وسئل ذو النون عن التوبة (٤) فقال :
توبة العوام(٥) تكون من الذنوب ، وتوبة الخواص تكون من الغفلة (٦) .
(١) طائر.
(٢) سكرجتان ( مثنى، والواحدة سكرجة بضم السين وهى الصحفة التى يوضع فيها الأكل) :
(٣) الحكمة: العلم النافع مع العمل المتقن. قال العروسى: ((إن الحكمة حكمتان: منطوق بها، وهى: علوم الشريعة
والطريقة، ومسكوت عنها، وهى أسرار الحقيقة التى يفهمها علماء الرسوم والعامة ؛ والحكمة المجهولة: هى . اغاب عنا
وجهها من أحكام سر القدر الذى استأثر اللّه بعلمه. وكل ذلك إنما يتوصل إليه بالجوع الموجب للنشاط فى العباده، والمؤثر
فى تنوير القلوب حتى تدرك جواهر العلوم)) قال صلى الله عليه وسلم: ((ماملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه)) ((حسب المسلم أكلات يقمن
صلبه، فان كان لا محالة)) ((فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه)).
(٤) وهى - على الحقيقة - إقلاع التائب عما يتوب عنه، وعزمه على أن لا يعود إليه، ورده ظلامة الآدمى إن تعلقت به.
(٥) قال العروسى ((أعام أنهم يريدون من العوام: القائمين بما عليهم من أحكام الأوامر والنواهى، ثم قال: ((حرية العامة
بالتخلص من رق الشهوات ، والخاصة بالتخلص من رق العادات ، وخاصة الخاصة بالتخلص من الوقوف مع الأحوال والمقامات
حيث تكون لهم أنفة لا ترضى إلا بمشاهدة الذات » .
(٦) أي الغفلة عن الطاعات .

٤٧
( أبو الفضيل بن عياض )
أبو على الفضيل بن عياض (١)
خرسانى (٢) ، من ناحية مرو .
وقيل إنه ولد بسمرقند ، ونشأ بأبيورد . مات مكة فى المحرم سنة : سبع وثمانين
ومائة .
سمعت محمد بن الحسين يقول : أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر قال :
حدثنا الحسين بن عبد الله العسكرى ، قال : حدثنا ابن أخى أبى زرعة ، قال:
حدثنا محمد بن إسحق بن راهويه قال : حدثنا أبو عمار ، عن الفضيل بن موسى ،
قال :
كان الفضيل شاطراً(٣): يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس . وكان سبب توبته :
أنه عشق جارية ، فبينما هو يرتقى الجدران إليها سمع تالياً يتلو: ((ألم يأن للذين آمنوا
أن تخشع قلوبهم لذكر الله (٤))) فقال : يارب قدآن.
فرجع ... فآواه الليل إلى خربة ، فاذا فيها رفقة (٥)، فقال بعضهم: نرتُخل أو
وقال قوم : حتى نصبح ، فان فضيلا على الطريق يقطع علينا ...
فتاب الفضيل (٦) وأمنهم . وجاور الحرم حتى مات .
وقال الفضيل بن عياض: إذا أحب الله عبداً أكبر غمه(٧) ، وإذا أبغض عبداً
وسع عليه دنياه (٨) .
(١) هو: الفضيل بن مسعود بن بشر التميمى، كان إماماً ربانياً صمدياً عابداً شديد الخوف دائم الفكر ، من كلامه،
قلوب العارفين: الهموم عمرانها والأحزان أو طانها)) و((جعل الله الشر كله فى بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا، وجعل( الخير كله
فى بيت وجعل مفتاحه الزهد فيها)) و((من خاف الله لم يضره شيء" ومن خاف غيره لم ينفعه شيء)) و((يهابك الخلق على قدر هيبتك لله)).
(٢) ولد بخراسان. بكورة أبيورد، وقدم الكوفة وهو كبير.
(٣) شطر ( بضم الطاء) شطارة: أتصف بالدهاء والخباثة فهو شاطر، والشاطر أيضاً : من أعجز أهله بخيئه.
(٥) جماعة .
(٤ ) آية ١٦ من سورة الحديد .
(٦) أى جدد توبته وأظهرها .
(٧) بتذكره أمر آخرته ، وبتقصيره فى أمر دينه .
(٨) قال الشيخ زكريا الأنصارى: (( أى شغله عنه بحبه لها)»

٤٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وقال ابن المبارك: إذا مات الفضيل ارتفع الخزن (١) .
وقال الفضيل :
لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت على ولا أحاسب بها لكنت أتقذرها كما يتقذر
أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه .
وقال الفضيل :
لو حلفت أنى مراء أحب إلى من أن أحلف آنى لست بمراء .
وقال الفضيل :
ترك العمل لأجل الناس (٢) هو الرياء والعمل لأجل الناس (٣) هو الشرك.
وقال أبو على الرازى : صحبت الفضيل ثلاثين سنة ما رأبته ضاحكا (٤) ،
ولا مبتسما ، إلا بوم مات إبنه على ، فقلت له فى ذلك ، فقال :
إن الله أحب امرأً فأحببت ذلك .
وقال الفضيل :
إنى لأعصى الله، فأعرف ذلك فى خلق حمارى(٥) وخادمى.
(١) لكونه أكثر الناس حزناً فى وقته.
(٢) أى لأجل ثنائهم.
" (٣) حباً فى الحمد ؛ أو فيلا لعرض فان.
(٤) فيه دليل على كمال حزنه فى سائر أو قاته، وإنما تكلف الضحك والسرور بموت ولده على خلاف عادته ، لأنه علم
أن الله تعالى يحب منه هذه الحالة، لكونها دليل الرضا بقضائه ..
(٥) أى بأن يتعاصى عليه حماره .. وهذا يفعله الله حفظاً لأوليائه إذا قصروا فى أحوالهم فيما بينهم وبينه، أدبهم ليرجعوا
إليه بسرعة ، وتارة يعكس عليهم أسباب دنياهم، وتارة أخرى بأسباب آخرنهم من تغير قلوبهم ، وعدم نشاطهم ، فاذا رجعوا
إليه بالتذلل والسؤال من عليهم بشريف نواله ..

٤٩
( أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخى )
أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخى (١)
كان من المشايخ الكبار ، مجاب الدعوة(٢) ، يستشفى بقبره.
يقول البغداديون : قبر معروف ترياق مجرب .
وهو من موالى على بن موسى الرضا (٣) ، رضى الله عنه، مات سنة مائتين:
وقيل : سنة إحدى ومائتين . وكان أستاذ السرى السقطى ، وقد قال له يوماً : إذا
كانت لك حاجة إلى الله فأقسم عليه بى .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله تعالى ، يقول: كان معروف الكرخى
أبواه نصرانيان ، فسلموا معروفاً إلى مؤدبهم ، وهو صبى ، فكان المؤدب يقول له :
قل ثالث ثلاثة . فيقول : بل هو واحد . فضربه المعلم يوماً ضرباً مبرحاً ، فهرب
معروف ، فكان أبواه يقولان : ليته يرجع إلينا على أى دين يشاء ، فنوافقة عليه؟
ثم إنه أسلم على يدى ((على بن موسى الرضا)) .. ورجع إلى منزله .. ودق الباب
فقيل : من بالباب ؟ فقال : معروف . فقالوا : على أى دين جئت ؟
فقال : على الدين الحنيفى . فأسلم أبواه .
(١) لم يكن فى العراق فى وقته من يربى المريدين مثله، وجميع المشايخ يعرفون فى ذلك فضله، قال الغزالى :
((كان أحمد بن حنبل وابن معين يختلفان إليه ويسألانه. ولم يكن فى علم الظاهر مثلهما)) والكرخى ((نسبة إلى كرخ)) وهى)
قرية ببغداد .
(٢) قال خليل الصياد: غاب ولدى فتألمت فجئت إلى معروف، فقلت: غاب ولدى. قال وما تريد ؟.
قلت : رجوعه فقال : اللهم إن السماء سماولك والأرض أرضك ومابينهما لك إنت بمحمد. فأتيت باب الشام فاذا هو واقف
فقلت : أين كنت ؟ قال : كنت الساعة بالأنبار ولا أعلم ماصار .
(٣) ابن موسى الكاظم بن جعفر الصادق . أجله المأمون وعهد إلىه بالخلافة من بعده ومات قبل أن يمكنه بنو العباس منها .
ولد فى المدينة سنة ١٤٨ هـومات بطوس سنه ٢٠٣ هـ .
له كرامات كثيرة: منها أنه قال لرجل صحيح سليم: استعد لما لا بد منه ((همات بعد ثلاثة أيام؛ وروى الحاكم أنه أبا
حبيب قال : رأيت المصطفى عليه الصلاة والسلام فى النوم . فى المنزل الذى ينزله الحاج ببلدنا ، فوجدت عنده طبقاً من خوص فيه
تمر (صيحانى) ، فناولى ثمانى عشرة تمرة . وبعد عشرين يوماً قدم على الرضا من المدينة ونزل ذلك المنزل، وفزع الناس للسلام عليه
ومضيت نحوه فاذا هو جالس بالموضع الذى رأيت المصطفى جالساً فيه، وبين يديه طبق تمر صيحانى فناولفى قبضة فإذا عدتها،بعدد،
ماناو انى المصطفى، فقات: زدفى فقال: اوزادك رسول الله صلى الله عليه وسلم لزدفاك.

٥٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت أبا بكر
الحربى يقول : سمعت سرياً السقطى يقول : رات معروفا الكرخى فى النوم كأنه
تحت العرش ، فيقول الله عز وجل لملائكته : من هذا ؟ فيقولون : أنت أعلم يارب .
فيقول : هذا معروف الكرخى ، سكر من حتى ، فلا بفيق إلا بلقائى.
وقال معروف : قال لى بعض أصحاب داود الطائى : إياك أن ترك العمل ؛ فان
ذلك الذى يقربك إلى رضا مولاك . فقلت وما ذلك العمل ؟
فقال : دوام طاعة ربك ، وخدمة(١) المسلمين ، والنصيحة لهم.
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه الرازى يقول : سمعت
على بن محمد الدلال يقول : سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبى يقول :
رأيت معروفاً الكرخى فى النوم ، بعد موته ، فقلت له : ماذا فعل اللّه بك ؟ فقال:
غفر لى .
فقلت : بزهدك وورعك ؟ فقال : لا ، بقبولى موعظة ابن السماك ، ولزوم (٢)
الفقر ، ومحبّى للفقراء .
وموعظة ابن السماك : ما قاله معروف :
كنت ماراً بالكوفة ، فوقفت على رجل يقال له: ((ابن السماك)) وهو يعظ الناس.
فقال فى خلال كلامه: من عرض عن اللّه بكليته أعرض اللّه عنه جملة .. ومن
:
أقبل على الله بقلبه أقبل الله برحمته إليه(٣)، وأقبل بجميع وجوه الخلق إليه ، ومن
كان مرة ومرة فالله برحمه وقتاً ما. فوقع كلامه فى (٤) قلبى ، فأقبلت على اللّه تعالى،
وتركت جميع ماكنت عليه ، إلا خدمة مولاى ((على بن موسى الرضا)).
وذكرت هذا الكلام لمولاى ، فقال : يكفيك بهذا موعظة إن اتعظت .
أخبر نى بهذه الحكاية محمد بن الحسين ، قال : سمعت عبد الرحيم بن على الحافظ
ببغداد يقول :
(١) وفى بعض النسخ ((وحرمة المسلمين)) أى احترامهم.
(٣) وفى نسخة (عليه).
(٢) وفى بعض النسخ ((ولزومى)).
(٤) وفى نسخة ( على) .

٥١
( أبو الحسن سرى بن المفلس السقطى )
سمعت محمد بن عمر بن الفضل يقول : سمعت على بن عيسى بقول : سمعت
سربا السقطى يقول : سمعت معروفاً يقول ذلك .
وقيل لمعروف فى مرض موته : آوص .
فقال : إذا مت فتصدقوا بقميصى ؛ فانى أريد أن أخرج من الدنيا عرياناً كما
دخلتها عرياناً .
ومر معروف بسقاء نقول : رحم الله من يشرب، وكان صائماً (١) ، فتقدم
فشرب ، فقيل له ألم تكن صائماً ؟ فقال: بلى ، ولكنى رجوت دعاءه (٢).
أبو الحسن سرى بن المغلس السقطى(٣)
خال الجنيد ، وأستاذه .
وكان تلميذ معروف الكرخى ؛ كان أوحد زمانه فى الورع ، وأحوال السنة (٤)
وعلوم التوحيد :
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله بن على الطوسى يقول : سمعت
أما عمرو بن علوان يقول : سمعت أبا العباس بن مسروق يقول :
بلغنى أن السرى السقطى كان يتجر فى السوق ، وهو من أصحاب معروف
الكرخى ، فجاءه معروف يوماً ، ومعه صبى بتيم ، فقال : اكس هذا اليتيم . قال
(١) صيام نقل وتطوع والرسول صلى الله عليه وسلم قال: الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر.
(٢) ومن كلامه: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب. ورجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق وقال: التصوف:
الأخد بالحقائق والياس ما بايدى الخلائق وقال : طول الأمل يمنع خير العمل .
.وقال : ما أكبر الصالحين وأقل الصادقين منهم .
وقال : إذا عمل العالم بعلمه استوت له قلوب المؤمنين ، فلا يكرهه إلا من بقلبه مرض ..
وقال : أحفظ لسانك من المدح كما تحفظه من الذم . .
وقال : حقيقة الوفاء : إفاقة السر من رقدة الغفلات، وفراغ الهم عن فضول الآفات .
(٣) بغدادى المولد والوفاة، كان إمام البغداديين وشيخهم فى وقته. أخذ عن الكرخى وسمع الحديث من الفضيل وروى عنه
الجنيد وأبو العباس بن مسروق . وهو أول من أظهر ببغداد لسان التوحيد وتكلم فى الحقائق والإرشادات. من كلامه لا عجباً لضعيف
كيف يعصى قوياً)) و((احذر أن تكون ثناء منشوراً.
(٤) وفى نسخة و((الأحوال السنية)).

٥٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
بشرى : فكسوته ، ففرح به معروف، وقال : بغض الله إليك الدنيا، واراحك
مما أنت فيه .
فقمت من الحانوت وليس شىء أبغض إلى من الدنيا .
.. وبكل ما أنا فيه من بركات معروف .
سمعت الشيخ انا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت ابا بكر
الرازى يقول : سمعت أبا عمر الأنماطى بقول : سمعت الجنيد يقول :
مارات أعبد من السرى : أتت عليه مان وتسعون سنة ما ربى مضطجعا
إلا فى علة الموت .
ويحكى عن السرى أنه قال :
التصوف: اسم لثلاث معان (١).
: " وهو الذى لا يطفئ نور معرفته نور ورعه (٢).
ولا يتكلم بباطن فى علم بنقضه عليه ظاهر الكتاب أو السنة .
ولا تحمله الكرامات على متك أستار محارم الله .
مات السرى سنة . سبع وخمسين ومائتين .
أ سمعت الأستاذ آبا على الدقاق يحكى عن الجنيد، رحمه اللّه، أنه قال :
سألنى السرى بوما عن المحبة ، فقلت : قال قوم : هى الموافقة ، وقال قوم :
الإثار، وقال قوم: كذا .. وكذا .. ، فأخذ السرى جلدة ذراعه، ومدها ،
فلم تمتد ، ثم قال :
وعزته تعالى ، لو قلت : إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبته لصدقت .
ثم غشى عليه ، فدار وجهه كأنه قمر مشرق، وكان السرى به أدمة (٣).
. (١) أى ومن قامت به هذه المعانى فهو الصوفى.
(٢) يقول العروسى: والمعنى أن نور المعرفة الذى مت جملته علم ويقبن لا يعطى" نور الورع المفيد للاجهاد وبذل الوسع
فى الطاعة والعمل فلا يجور ترك العمل والاعتماد على ماسبق به القضاء .
( ٣) سمرة .

٥٣
( أبو الحسن سرى بن المفلس السقطى )
ويحكى عن السرى انه فال : منذثلاثين سنة أنا فى الاستغفار (١) من قولى : الحمد
الله مرة .
قيل : وكيف ذلك ؟ فقال : وقع ببغداد حريق ، فاستقبلنى رجل ، فقال لى :
نجا حانوتك .
فقلت : الحمد لله . فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم على ما قلت ، حيث أردت لنفسى
خيراً مما حصل للمسلمين ! ! .
أخبرنى به عبد الله بن يوسف قال : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت
أما بكر الحربى يقول : سمعت السرى يقول ذلك .
ويحكى عن السرى أنه قال: أنا أنظر فى انفى فى اليوم كذا .. وكذا مرة ، مخافة
أن يكون قد اسود ، خوفاً من الله أن يسود صورتى لما أتعاطاه (٢).
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن الحسين بن
الخشاب يقول : سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول : سمعت الجنيد يقول :
سمعت السرى يقول : اعرف طريقاً مختصراً قصّداً إلى الجنة :
فقلت له : ماهو ؟ .
فقال : لا تسأل من أحد شيئاً ، ولا تأخذ من أحد شيئاً ، ولا يكن معك
شىء تعطى منه أحداً .
سمعت عبد الله بن يوسف الأصهانى يقول : سمعت أبا نصر السراج الطوسى
يقول : سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول : سمعت الجنيد بن محمد يقول :
سمعت السرى يقول : أشتهى أن أموت ببلد غير بغداد ، فقيل له : ولم ذلك ؟ فقال :
أخاف آلا بقبلنى قبرى فأفتضح
سمعت عبد الله بن يوسف الأصبهانى يقول : سمعت أبا الحسن بن عبد الله
الغوطى الطرسوسي يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السرى يقول :
اللهم مهما عذبتنى بشىء فلاتعذبنى بذل الحجاب (٣).
(١) وفى نسخة عن.
(٢) أى من التقصير فى كمال التعظيم الله .
(٣) قال الأنصارى: أراد بالححاب الجهل والضلال أو كل ما يشغل العبد عن الحق، ومن أكشف الحجب : حجاب الدنيا،
والخلق ، والشبطان ، والنفس .

٥٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
سمعت عبد الله بن يوسف الأصبهانى يقول : سمعت أبا بكر الرازى بقول:
سمعت الجريرى يقول : سمعت الجنيد يقول : دخلت يوما على السرى السقطى ؟
وهو يبكى ، فقلت له : ما يبكيك ؟
*فقال: جاءتنى البارحة الصبية (١) ، فقالت:
يا أبى ، هذه ليلة حارة ، وهذا الكوز أعلقه هاهنا .
ثم إنى حملتنى (٢) عيناى فنمت ، فرآيت جارية من أحسن الخلق قدنزلت من
السماء ، فقلت : لمن أنت ؟ فقالت: لمن لا يشرب الماء المبرد فى الكيزان (٣).
فتناولت الكوز فضربت به الأرض فكسرته(٤) .
قال الجنيد : فرأيت الخزف لم يرفعه ولم يمسه ، حتى عفا(٥) عليه التراب.
أبو نصر بشر بن الحارث الحافى
أصله من ((مرو)). وسكن بغداد ، ومات بها ، وهو ابن أخت على بن خشرم.
مات سنة : سبع وعشرين ومائتين(٦) . وكان كبير الشأن (٧) .
وكان سبب توبته : انه أصاب فى الطريق كاغدة (٨) مكتوباً فيها اسم الله عز وجل
قد وطئتها الأقدام ، فأخذها واشرى بدرهم كان معه غالية (٩) ، فطيب بها للكاغدة،
وجعلها فى شق حائط .. فرأى فيما يرى النائم كآن قائلا يقول له :
يا بشر ، طيبت اسمى ، لأطيين اسمك فى الدنيا والاخرة .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول :
مر بشر ببعض الناس ، فقالوا : هذا الرجل لا ينام الليل كله ، ولا يفطر إلا فى
كل ثلاثة أيام مرة ؛ فبكى بشر ، فقيل له فى ذلك فقال :
(١) بنته .
(٢) وفى نسخه ثم ((إنه غابتنى)).
(٤) هذه اللفظة ساقطة في بعض النسخ.
(٣) اى لمن يمنع نفسه منه مع رغبته فيه .
(٥) عنا : درس .
(٦) وولد سنة ١٥٠ هـ (٧٦٧) م. وصحب الفضيل بن عياض ورأى سريا السفلى.
(٧) استشفع المأمون بأحمد بن حنبل فى أن بأذن الحافى المأمون فى زيارته فأنى الحافى .
ومن كلامه: (( من أراد أن يلقن الحكمة فلا يعصى الله)) و((وإذا أعجبك الكلام فاصمت أو السكوت فتكلم))و(( من سأل الله
الدنيا فانما يسأله طول الوقوف بين يديه)) و ((هب أنك مانخاف أما تشتاق؟)).
(٨) كافدة : ورقة .
(٩) نوع من الطيب.

٥٥
( أبو نصر بشر بن الحارث الحافى )
إنى لا أذكر أنى سهرت ليلة كاملة ، ولا أبى صمت يوماً لم أفطر من ليلته ،٦
ولكن الله سبحانه وتعالى بلفى فى القلوب أكثر مما بفعله العبد لطفاً منه ، سبحانه ،.
وكرما .. ثم ذكر إبتداء أمره : كيف كان على ماذكرناه .
سمعت الشيخ أما عبد الرحمن السلمى ، يقول : سمعت محمد بن عبد الله
الرازى تقول : سمعت عبد الرحمن بن أبى حاتم تقول : بلغنى أن بشر بن الحارث
الحافى قال :
رأيت النبى ، صلى الله عليه وسلم، فى المنام، فقال لى: بابشر، أتدرى لم
رفعك اللّه من سن أقرانك؟ قلت : لا ، يارسول الله.
قال : باتباعك لسنتى ، وخدمتك للصالحين ، ونصيحتك لإخوانك ، ومحبتك
لأصحابى ، وأهل بيتى : وهو الذى بلغك منازل الأبرار .
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله، يقول : سمعت محمد بن عبد الله الرازى
يقول : سمعت بلالا الخواص يقول : كنت فى تيه نی إسرائيل ، فاذا رجل بماشینی ،
فتعجبت منه ، ثم ألهمت أنه الخضر ، عليه السلام ، فقلت له : بحق الحق من أنت ؟
فقال : أخوك الخضر ؛ فقلت له : أربد أن أسألك ، فقال : سل . فقلت :
ما تقول فى الشافعى (١) رحمه الله؟ فقال: هو من الأوتاد(٢).
فقلت : ما تقول فى أحمد بن حنبل (٣) رضى الله عنه ؟ قال : رجل صديق.
قلت : فما تقول فى بشر بن الحارث الحافى؟
نا ب - فقال: لم يخلق (٤) بعده مثله(٥).
(١) هو: محمد بن ادريس بن العباس بن عمان بن شافع الهاشمى القرشى. احد الأئمة الأربعة ولد فى عزة سنة ١٥٠
وفصد مصر سنة ١٩٩ هـوتوفى فى القاهرة سنة ٢٠٤ هـ أقبل على الفقه والحديث وأمى وهو ابن عشرين سنة.
(٢) قال العروسى: ( الأوتاد: هم الرجال الأربعة الذين هم على منازع الجهات الأربع من العالم: أى الشرق والغرب والشمال
والجنوب يحفظ اللّه تلك الجهات كلها بهم ).
(٣) هو: ابو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، إمام المذهب الحنبلى، وأحد الأئمة الأربعة، ولد فى بغداد سنة ١٦٤ هـ،.
وتوفى سنه ٢٤١ هـ (٨٥٥ م). تعفه على الشافعى .
وفى أيامه دعا المأمون إلى القول بخلق القرآن ، ومات قبل أن بناظر ابن حنبل وتولى المعتصم فسجن ابن حنبل قرابه منتين
لا متناعه عن الفول بخلق القرآن.
(٤) وفى نسخة أخرى ( لم يخلف)).
(٥) اى فى زمنه .

٥٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
سمعت الأستاذ أما على الدقاق ، رحمه اللّه تعالى ، تقول :
آتى بشر الحافى باب المعافى بن عمران ، فدق الحافى عليه الباب ، فقيل: من ؟.
فقال : بشر الحافى .
فقالت له بنية من داخل الدار : لو اشتريت لك نعلا بدانقين (١) لذهب عنك
اسم الحافى .
أخبرنى بهذه الحكاية محمد بن عبد اللّه الشيرازى ، قال :
حدثنا عبد العزيز بن الفضل قال : حدثنى محمد بن سعيد ، قال : حدثنى محمد
ابن عبد الله قال : سمعت عبد الله المغازلى يقول: سمعت بشرا الحافى بذكر هذه
الحكاية .
وسمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا الحسين الحجاجى يقول : سمعت
المحاملى تقول : سمعت الحسن المسوحى بقول : سمعت بشر بن الحارث يحكى هذه
الحكاية .
وسمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا الفضل العطار تقول : سمعت أحمد
ابن على الدمشفى يقول : قال لى أبو عبد الله بن الجلاء:
رأيت ذا النون ، وكانت له العبارة(٢)، ورأيت سهلا ، وكانت له الإشارة ،
ورأيت بشر بن الحارث ، وكان له الورع .
فقيل له : فالى من كنت تميل ؟ فقال : لبشر بن الحارث أستاذنا .
وقيل إنه اشتهى الباقلاء(٣) سنين ، فلم بأكله ، فرئى فى المنام بعد وفاته فقيل له :
ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لى ، وقال : كل ما من لم باكل ، واشرب نا من
لم شرب .
اخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، قال : أخبر نا عبيد اللّه بن
عثمان بن يحيى قال: حدثنا أبو عمرو بن السماك قال: حدثنا محمد بن العباس قال :
حدثنا أبو بكر بن بنت معاوبة قال : سمعت أبا بكر بن عفان يقول : سمعت بشر بن
الحارث يقول :
(١) الدائق : سدس الدرهم :
(٢) أى النطق بالحكمة ، وكانت له : أى اشهر بها .
(٣) الفول .

٥٧
( أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبى )
إنى لأشتهى الشواء منذ أربعين سنة ما صفا لى ثمنه ! !
وقيل لبشر : بأى شىء تأكل الخبز ؟ فقال : أذكر العافية وأجعلها إداماً .
أخبرنا به محمد بن الحسين ، رحمه الله ، قال : أخبرنا عبيد اللّه بن عثمان قال :
أخبرنا أبو عمرو بن السماك قال : حدثنا عمر بن سعيد قال : حدثنا ابن أبى الدنيا قال :
قال رجل لبشر الحكاية المذكورة .
وقال بشر : لايحتمل الحلال السرف (١) .
ورئى بشر فى المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟
فقال: غفر لى ، وأباح لى نصف الجنة ، وقال لى :
ما شر ، لو سجدت لى على الجمر ما أدبت شكر ما جعلته لك فى قلوب عبادى.
وقال بشر : لا يجد حلاوة الآخرة رجل بحب أن يعرفه الناس .
١
أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبى
عديم للنظير فى زمانه علماً ، وورعاً ، ومعاملة ، وحالا (٢).
مصرى الأصل ، مات ببغداد سنة : ثلاث وأربعين ومائتين .
قيل إنه ورث من أبيه سبعين ألف درهم فلم بأخذ منها شيئاً . قيل ، لان أباه
كان يقول بالقدر (٣)، فرأى من الورع أن لا يأخذ من ميراثه شيئاً ، وقال: صحت
الرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((لايتوارث أهل ملتين شيئاً)).
سمعت محمد بن الحسين بقول : سمعت الحسين بن يحيى يقول : .
سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول : سمعت محمد بن مسروق بقول : مات
الحارث بن أسد المحاسبي وهو محتاج إلى درهم ، وخلف أبوه ضياعاً ، وعقاراً ، فلم
يأخذ منه شيئاً .
(١) لعزة الحلال وفلته .
(٢) قال التميمى: هو إمام المسلمين فى الفقه والتصوف والحديث والكلام .
وقال الغزالى فى كتابه ((إحياء علوم الدين)): ((المحاسبى خير الأمة فى علم المعاملة . وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب
النفس وآفات الأعمال)).
ومن كلامه : فقدنا نلانه أشياء : حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن القول مع الديانة، وحسن الإخاء مع الأمانة . وسمى
بالمحاسبى؛ لأنه كان بحاسب نفسه عملا بقول الرسول: ((حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا)).
(٣) كان من القدرية القائلين باذكار عموم القدر الذي يجب الإيمان به .

٥٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
سمعت الأستاذ أنا على الدقاق ، رحمه اللّه تعالى ، يقول :
كان الحارث المحاسبى إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك على أصبعه عرق ،
فكان يمتنع منه .
وقال أبو عبد الله بن خفيف : اقتدوا بخمسة من شيوخنا ، والباقون سلموا لهم
حالهم :
الحارث بن أسد المحاسبى ، والجنيد بن محمد ، وأبو محمد رويم ، وأبو
العباس بن عطاء وعمرو بن عتمان المكى ؛ لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق .
سمعت الشيخ أما عبد الرحمن السلمى، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله بن
على الطوسى يقول : سمعت جعفرا الخلدى يقول: سمعت أبا عمان البلدى يقول :
قال الحارث المحاسبي :
هـ
من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زمن اللّه ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة .
وبحكى عن الجنيد أنه قال : مرئى يوما الحارث المحاسبى ، فرأيت فيه آثر.
الجوع ، فقلت : ناعم ، تدخل الدار وتتناول شيئاً ؟ فقال : نعم .
فدخلت الدار وطلبت شيئاً أقدمه إليه ، فكان فى البيت شىء من طعام حمل إلى
من عرس قوم ، فقدمته إليه ، فأخذ لقمة وأدارها فى فمه مرات ، ثم إنه قام وألقاها
فى الدهليز ، ومر .
فلما رأيته بعد ذلك بأيام قلت له فى ذلك ، فقال :
إنى كنت جائعاً ، وأردت أن أسرك بأكلى وأحفظ قلبك ، ولكن بينى وبين
الله ، سبحانه ، علامة ، أن لا يسوغنى طعاما فيه شبهة ، فلم يمكنى إبتلاعه ، فمن
آبن كان لك ذلك الطعام ؟ .
فقلت : إنه حمل إلى من دار قريب لى من العرس ، ثم قلت : تدخل اليوم ؟ فقال:
نعم . فقدمت إليه كسراً باسة كانت لنا ، فأكل وقال :
١ - إذا قدمت إلى فقير شيئا فقدم إليه مثل هذا .

٥٩
( أبو سليمان داود بن نصير الطائى )
أبو سليمان داود بن نصير الطائى
وكان كبير الشأن (١). أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى، رحمه الله، قال:
أخبرنا أبو عمرو بن مطر قال : حدثنا محمد بن المسيب قال : حدثنا بن خبيق قال ، قال:
يوسف بن سباط :
ورث داود الطائى عشرين ديناراً فأكلها فى عشرين سنة .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول : كان سبب زهد داود
الطائى :
أنه كان يمر ببغداد ، فمر (٢) يوماً، فنحاه(٣) المطرقون (٤) بين يدى حميد الطوسى ،
فالتفت داود فرأى حميداً ، فقال داود : أف لدنيا سبقك بها حميد .
ولزم البيت وأخذ فى الجهد والعبادة .
وسمعت ببغداد بعض الفقراء يقول : إن سبب زهده أنه سمع نائحة تنوح وتقول:
31 بأى خديك تبدى البلى وأى عينيك إذاً سالا
وقيل : كان سبب زهده : أنه كان يجالس أبا حنيفة ، رضى الله عنه، فقال
له أبو حنيفة يوماً :
يا أبا سليمان ، أما الأداة (٥) فقد أحكمناها . فقال له داود: فأى شىء بقى ؟ فقال:
للعمل به .
قال داود: فنازعتنى نفسى إلى العزلة ، فقلت لنفسى : حتى تجالسهم ولاتتكلم
فى مسألة .
(١) قال الذهبي: ((كان إماماً فقيهاً ذافنون عديدة تم تعبدو آثر الوحدة وأقبل على شأنه وساد أهل زمانه توفى سنة ١٦٦ هـ. بالكوفة
ومن كلامه : إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهى بهم ذلك إلى آخر سفرهم ؛ فان استطعت أن تقدم
فى كل مرحلة زاداً لما بين يديها فافعل، وقال ((لا تمهر الدينا دينك، من أمهرها دينه زفت آليه الندم)).
(٢) لفظة ((شر)) ساقطه فى بعض النسخ.
(٤) الموسعون لها .
(٥) أى العلم.
(٣) رده إلى جانبها .

٦٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
قال : فجالسهم سنة لا أتكلم فى مسألة ، وكانت المسألة مر بى ، وأنا إلى الكلام
فيها أشد نزاعاً من العطشان إلى الماء البارد ولا أتكلم به .
ثم صار أمره إلى ماصار .
وقيل: حجم ((جنيد الحجام)) داود الطائى، فأعطاه دينارا، فقيل له : هذا إسراف.
فقال : لاعبادة لمن لا مروءة له .
وكان يقول بالليل: الهى همك عطل على الهموم الدنيوية ، وحال بينى وبين الرقاد .
سمعت محمد بن عبد الله الصوفى يقول : حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا
سعيد بن عمرو قال : حدثنا على بن حرب الموصلى قال : حدثنا اسماعيل بن زباد
الطائى قال: قالت دابة (١) داود الطائى له :
أما تشتهى الخبز ؟ فقال : بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آبة .
ولما توفى داود ، رآه بعض الصالحين فى المنام وهو بعدو فقال له : مالك ؟
فقال : الساعة تخلصت من السجن .
فاستيقظ الرجل من منامه ، فارتفع الصياح بقول الناس : مات داود الطائى .
وقال له رجل : أوصنى . فقال له : عسكر الموت (٢) ينتظرونك.
ودخل بعضهم عليه ، فرأى جرة ماء انبسطت عليها الشمس ، فقال له : ألا
تحولها إلى الظل ؟ .
فقال : حين وضعتها لم يكن شمس ، وأنا أستحى أن يرانى الله أمشى لما فيه حظ
نفسى .
ودخل عليه بعضهم ، فجعل ينظر إليه ، فقال : أما علمت أنهم كانوا يكرهون
فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام ؟
أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهانى قال : أخبرنا أبو اسحق ابراهيم بن محمد
ابن بحي المزكى :
قال : حدثنا قاسم بن أحمد ، قال : سمعت ميموناً الغزالى قال : قال أبو الربيع
الواسطى :
قلت لداود الطائى : أوصنى .
فقال: صم عن الدنيا ، واجعل فطرك الموت ؛ وفر من الناس كفرارك من السبع .
(١) جارية، وقالت له ذلك حينما رأته لا يأكل الخبز، بل يشرب الفتيت. (٢) وفى نسخة (عسكر المولى)).

٦١
( ابو على شقيق بن ابراهيم البلخى )
،
أبو على شقيق بن ابراهيم البلغى
من مشايخ خراسان(١) . له لسان فى التوكل(٢)، وكان أستاذ حاتم الأصم .
قيل : كان سبب توبته : أنه كان من أبناء الأغنياء ، خرج للتجارة إلى أرض
الترك (٣)، وهو حدث. فدخل بيتاً للأصنام ، فرأى خادماً للأصنام فيه ؛ حلق رأسه
ولحيته ، ولبس ثياباً أرجوانية (٤). فقال شقيق للخادم : إن لك صانعاً حياً ، عالماً ،
قادراً ، فاعبده .. ولا تعبد هذه الأصنام التى لا تضر ولا تنفع ! ! .
فقال : إن كان كما تقول ، فهو قادر على أن يرزقك ببلدك ، فلم تعنيت إلى
هاهنا للتجارة ؟ .
فانتبه شقيق .. وأخذ فى طريق الزهد .
وقيل : كان سبب زهده : انه رأى مملوكاً يلعب ويمرح فى زمان قحط ، وكان
الناس مهتمين به(٥) ، فقال شقيق : ما هذا النشاط الذى فيك ؟ أما ترى ما فيه الناس
من الجدب (٦) والقحط ؟ .
فقال ذلك المملوك : وما على من ذلك ، ولمولاى قرية خالصة يدخل له منها
ما نحتاج نحن إليه ، فانتبه شقيق ، وقال : إن كان لمولاه قرية ، ومولاه مخلوق
فقير ، تم إنه ليس بهم لرزقه ، فكيف ينبغى أن يهتم المسلم لرزقه ومولاه غنى ؟ ! .
سمعت الشيخ انا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا الحسن
ابن أحمد العطار البلخى بقول : سمعت أحمد بن محمد البخارى يقول : قال حاتم
الأصم :
(١) أخذ الفقه عن أبى حنيفة، وحال الذهى: ((سافر أبو على شقيق البلخى ومعه ثلا مائة فقير، فتوسل إليه المأمون
حتى أجتمع به ، وأجتمع به قبله أبوه الرشيد ، وقال له : أنت تعيق الزاهد ؟ فقال : نعم ، شقيق، ولست بالزاهد فقال له :
أوصى قال: إن اللّه قد أجلسك مكان الصديق وإنه يطلب منك مثل صدقه، ومكان الفاروق ويطلب منك الفرق بين الحق وغيره ،
ومكان عمان ويطلب منك مثل حياته وكرمه ، ومقام على ، ويطلب منك مثل علمه وعدله.
(٢) أى توسع فى معانيه .
(٣) وفى نسخة أخرى إلى ((أرض الشرك)).
(٤ ) أى مصبوغة بالأرجوان ؛ وهو صبغ أحمر شديد الحمرة .
(٥) وفى نسخة كمان الناس فيه مهمتين أى بتحصيل قوتهم
(٦) وفى نسخة أخرى ((من الحزن))

٦٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
كان شقيق بن ابراهيم موسراً ، وكان تفنى(١) ويعاشر الفتيان ، وكان على بن
عيسى بن ماهان أمير بلخ ، وكان يحب كلاب الصيد ، ففقد كلباً من كلامه ،
فسعى برجل أنه عنده ، وكان الرجل فى جوار شقيق ، فطلب الرجل ، فهرب ..
فدخل دار شقيق مستجبراً ، فمضى شقيق إلى الأمير ، وقال :
خلوا سبيله ؛ فان الكلب عندى أرده إليكم إلى ثلاثة أيام .
فخلوا سبيله ، وانصرف شقيق مهتماً لما صنع . فلما كان اليوم الثالث كان
رجل من أصدقاء شقيق غائباً من بلخ فرجع إليها ، فوجد فى الطريق كليا عليه
قلادة ، فأخذه ، وقال : أهديه إلى شقيق ، فانه شتغل بالتفى .
فحمله إليه ، فنظر شقيق فاذا هو كلب الأمير ، فسر به ، وحمله إلى الأمير
وتخلص من الضمان فرزقه الله الانتباه ، وتاب مما كان فيه ، وسلك طريق الزهد.
وحكى أن حاتما الأصم قال : كنا مع شقيق فى مصاف (٢) نحارب الترك فى يوم
لا ترى فيه إلا رءوسا تندر (٣)، ورماحاً تنقصف، وسيوفاً تنقطع، فقال لى شقيق :
كيف ترى نفسك باحانم فى هذا اليوم ؟ تراه مثل ما كنت فى الليلة البي رفت
إليك امراتك ؟ .
فقلت : لا والله .
قال : لكنى والله أرى نفسى فى هذا اليوم مثل ماكنت تلك الليلة .
ثم نام بين الصفين ، ودرقته(٤) تحت رأسه حتى سمعت غطيطه .
وقال شقيق: إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر إلى ما وعده اللّه ووعده الناس ،
فيأيهما يكون قلبه أو ثق(٥)؟.
وقال شقيق : تعرف تقوى الرجل فى ثلاثة أشياء: فى أخذه ، ومنعه ، وكلامه .
(١) أى يعمل عمل الفتيان والشباب.
(٢) مصاف: حمع صف، واحد الصفوف : الى تكون تلقاء وجه العدو فى الحرب .
( ٤) الدرف ( بفتح الدال والراء ) == البرس من حاد ليس فيه خشب .
(٣) تسقط.
(٥) ٠إلى العروسى: المقصود الحمل على عدم الغفلة عن النفس، بل يلزم الإنسان دائماً تفتيشها و امتحالها فيها توهمته من المقادات والأحوال،
حى تتحقق رسوخها، وبعد هذا فلا ير كن إلى مامنح، بل يدوم على الحد لينال مافوق ذلك، أو ليدوم ، ١٠ هو فيه .. إذ قد
يسلب السائر من حيث لا يشعر، وفيه: تنبيه على أنه هوى وثوقه بما وعده اللّه من ثواب الامتثال، وأنه انقطع عن الحظوظ ..