Indexed OCR Text
Pages 61-71
يوسف عليه السلام بنفسه، بإذن الله له في ذلك، كما أنه إنما ووعدتني ما وعدتني عند ذلك ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ أخفى منهم نفسه في المرتين الأوليين بأمر إِى إِذْأَخْرَجَنِ مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠]. الله تعالی له في ذلك، والله أعلم، ولکن لما ضاق الحال واشتد الأمر فرج الله تعالی من ذلك الضيق، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّمَعَ الْمُسْرِسُرَ﴾ [الشرح: ٥-٦](١). لما قال لهم ذلك تنبهوا وفهموا أنه لا يخاطبهم بمثل هذا إلا هو فقالوا متعجبين مستغربين: ﴿أَءِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُّ قَالَ أَنَاْ یوسفٌ ﴾ [يوسف: ٩٠] فاعترفوا بخطئهم ﴿وَاَللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وقالوا: وَإِن كُنَّا لَخَطِينَ﴾ فعفا عنهم وسامحهم، ثم أعطاهم قميصه فذهبوا به إلى أبيه فارتد إليه بصره وأمرهم أن يأتوا إلیهم بأجمعهم. لما أمرهم یوسف علیه السلام أن يتحملوا بأهلهم أجمعین إلى ديار مصر، رحلوا إليه جميعًا ومعهم أبوهم فآواهم وأكرم مثواهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّادَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَّ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ أَدْ خُلُواْ مِصْرَإِن شَآءَ اللَّهُ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْلَهُ. ءَامِنِينَ سُجَّداً وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَنِىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَارَى حَقًّا﴾ [يوسف:٩٩ -. أي: هذا تعبیر ماکنت قصصته عليك، من رؤيتي الأحد عشر كوكبًا والشمس والقمر، حين رأيتهم لي ساجدين، وأمرتني بكتمانها، (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٣٥/٢. أي: بعد الهم والضيق، جعلني حاكمًا نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت، ﴿وَجَلَّ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ ﴾ أي: البادية ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ تَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَفَ﴾ أي: فيما كان منهم إلي من الأمر الذي تقدم وسبق ذكره، ﴿إِنَّرَبِّ لَطِيفٌ لِمَا يَشَآءُ﴾ يوصل بره وإحسانه إلى العبد من حيث لا يشعر، ويوصله إلى المنازل الرفيعة من أمور يكرهها، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ الذي يعلم ظواهر الأمور وبواطنها، وسرائر العباد وضمائرهم، ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في وضعه الأشياء مواضعها، وسوقه الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها (٢). ثالثًا: سؤاله حسن الخاتمة ووفاته: لما رأى يوسف عليه السلام نعمته قد تمت، وشمله قد اجتمع، عرف أن هذه الدار لا يقر بها قرار، وأن كل شيء فيها ومن عليها فانٍ، وما بعد التمام إلا النقصان، فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله، واعترف له بعظيم إحسانه وفضله، وسأل منه أن يتوفاه، أي: حين يتوفاه على الإسلام، وأن يلحقه بعباده الصالحين، قال: رَبِّقَدْ ءَاتَيْتَنِىِ مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ (٢) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٤٨، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٥. www. modoee.com ١٤٣ حرف الياء فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَتَ وَلِيٍّ، فِي الدُّنْيَا إلا عند الفتن؛ فقد ثبت من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَاُلْآَخِرَةُ تَوَقَّنِى مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١]. صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم أي: أدم علي الإسلام وثبتني علیه حتى توفاني علیه. الموت من ضرٍ أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) (٣). ﴿وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِحِينَ﴾ أي: أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا حان أجله، وانقضى عمره؛ ولم يكن هذا دعاء باستعجال الموت؛ بل كما يقال في الدعاء: ((اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين)) أي: حين تتوفانا(١). قال الحافظ ابن كثير: ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره عليه السلام، کما سأل النبي صلی الله عليه وسلم عند احتضاره أن يرفع روحه إلى الملأ الأعلى والرفقاء الصالحين حيث قال: (في الرفيق الأعلى)(٢). ويحتمل أن يوسف عليه السلام سأل الوفاة على الإسلام منجزًا في صحة بدنه وسلامته، وأن ذلك كان سائغًا في ملتهم وشرعتهم ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا، فقد نهي في شريعتنا عن الدعاء بالموت (١) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٥٦. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٥. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٤٤٣٦، كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم في صحيحه، رقم ٢١٩١، كتاب السلام، باب استحباب رقية المريض. أما عند خوف الفتنة في الدين فيجوز سؤال الموت، كما قال الله تعالى إخبارًا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَنَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦]. وقالت مريم لما أجاءها المخاض، وهو الطلق، إلى جذع النخلة ﴿بَلَيْتَنِ مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًّا مَّنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]. لما تعلم من أن الناس يقذفونها بالفاحشة؛ لأنها لم تكن ذات زوج وقد حملت وولدت، فيقول القائل أنّ لها هذا؟، وكما في حديث معاذٍ في قصة المنام والدعاء الذي فيه: (وإذا أردت بقومٍ فتنةً، فتوفني إليك غير مفتونٍ) (٤). وتمنى الموت علي بن أبي طالبٍ، لما تفاقمت الأمور وعظمت الفتن واشتد (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٥٦٧١، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، ومسلم في صحيحه، رقم ٢٦٨٠، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهة تمني الموت. (٤) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٢١٠٩. وصححه الألباني في الإرواء ١٤٧/٣. جَوَسُوع القرآن الكريمِ ١٤٤ يوسف عليه السلام القتال، وكثر القيل والقال. وتمنى ذلك البخاري لما اشتد عليه الحال ولقي من مخالفيه الأهوال. فعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت (١). ثم قال تعالى في ختام قصة يوسف: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِهِ إِلَيْكٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوْ أَقْرَهُمْ وَهُمْ يَّكُونَ (٣)﴾ [يوسف: ١٠٢]. يقول تعالى لعبده ورسوله محمدٍ، صلوات الله وسلامه عليه، لما قص عليه نبأ إخوة يوسف، وكيف رفعه الله عليهم، وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم، مع ما أرادوا به من السوء والهلاك والإعدام: هذا وأمثاله يا محمد من أخبار الغيوب السابقة. ﴿نُوحِيهِ إِلَيكَ ﴾ ونعلمك به لما فيه من العبرة لك والاتعاظ لمن خالفك، ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ حاضرًا عندهم ولا مشاهدًا لهم ﴿إِذْ أَجْمَعُواْ أَقْرَهُمْ﴾ أي: على إلقائه في الجب، ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ به، ولكنا أعلمناك به وحيًا إليك، وإنزالًا عليك يقرر تعالى أنه رسوله، وأنه قد أطلعه على أنباء ما قد سبق مما فيه عبرةٌ للناس ونجاةٌ لهم في دينهم ودنياهم؛ ومع هذا ما آمن أکثر الناس. ولهذا قال: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ (١) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٥٧، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٣٩/٢، ٦٤٠. (١٠٣} [يوسف: ١٠٣] (٢). حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ولما حضرت يوسف عليه السلام الوفاة، أوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فیدفن عند آبائه، فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى عليه السلام، فدفنه عند آبائه (٣). عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (إن موسى حين أراد أن يسير ببني إسرائيل ضل عنه الطريق فقال لبني إسرائيل ما هذا؟ قال: فقال له علماء بني إسرائيل: إن يوسف علیه السلام حین حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله أن لا نخرج من مصر حتى تنقل عظامه معنا، فحفروا فاستخرجوا عظام یوسف) الحدیث (٤). (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٤١. (٣) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٥٩. (٤) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤٣٩/٢، وابن حبان في صحيحه، ٢/ ٥٠٠، وأبو يعلى في مسنده ٢٣٦/١٣. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٦٢٢. www. modoee.com ١٤٥ حرف الياء الدروس المستفادة من قصة يوسف لقد اشتملت قصة يوسف عليه السلام على الكثير من الدروس والعبر والفوائد والهدايات مما يصعب حصره. وقد قال الله في أولها: ﴿فَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]. لَقَدْ كَانَ فِ يُوسُفَ وَإِخْوَيِّهِ، وقال: [يوسف: ٧]. ٧ ءَايَتُ لِّلِسَّآيِلِينَ وقال في آخرها: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَلْبَنبِ﴾ [يوسف: ١١١]. وكلما تأمل الإنسان في قصته استبانت له فوائد جديدة، وهذه الفوائد تتداخل وتتشابك من حيث مضمونها ودلالتها ولكني حاولت تقسيمها إلى أربعة أقسام في أربعة مطالب: أولًا: دروس عقدية: الاستعانة بالله واللجوء إليه عند المحن والمصائب كماقال يعقوب عليه السلام عند فقد ولده: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. وكما قال يوسف عليه السلام عند خوف الفتنة ﴿مَعَاذَ اَللَّهِ﴾ [يوسف: ٢٣]. ((فينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله، ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية، ويتبرأ من حوله وقوته، لقول يوسف عليه السلام: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَتِنَّ وَأَكُنُ مِّنَ الْجَهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]) (١). أن من وقع في مكروه وشدة لا بأس أن يستعين بمن له قدرة على تخليصه أو الإخبار بحاله، وأن هذا لا یکون شکوی للمخلوق، فإن هذا من الأمور العادية التي جرى العرف باستعانة الناس بعضهم ببعض، ولهذا قال يوسف للذي ظن أنه ناج من الفتيين: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢](٢). وفيه أيضًا دليلٌ على جواز الأخذ بالأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله، وهذا واضح في عدة مواقف في هذه القصة كتخزين الأرزاق، والأخذ بالأسباب الدافعة للعين وغيرها (٣). عناية الله بأوليائه المؤمنين ولطفه بهم، وتأييدهم عند الضعف والتفريج عنهم عند الكرب: فقد لطف الله بيوسف عليه السلام في البئر حيث حفظه وأمنه ونجاه منها، وهیأ له من يكرمه بمصر، وحين عصمه من فتنة المرأة، وحين صبره في السجن وهيأ له (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٩. (٢) المصدر السابق، ص ٤١٠. (٣) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٢٨، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤١٠. ١٤٦ مَ الَمُ النَّسَيد جوبيه الْقُرْآن الكَرِيمِ يوسف عليه السلام الخروج منه، وبرأه مما رمي به، ومکن له في الأرض، إلى غير ذلك من مظاهر تأييد الله له وقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] * إِنَّ اللَّهَ يُّدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ مَامَنُواْ﴾ [الحج: ٣٨]. وقال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل [الطلاق: ٢]. وغيرها من لَهُ خْبًا﴾ الآيات. حسن الظن بالله وعدم اليأس من رحمة الله ومن تحقيق الآمال مهما كانت الأحوال؛ فيعقوب عليه السلام فقد ولده يوسف عليه السلام زمانا طويلًا ولكنه لم ييأس فحقق الله له ما رجا. أن الله على كل شيئ قدير وأنه يكرم من يشاء من عباده بما شاء:فقد رد الله ليعقوب عليه السلام بصره بعد ذهابه، وأوصل إليه ريح يوسف من مكان بعيد، ومكن ليوسف عليه السلام على ﴿ وَاللَّهُ عكس ما كان يخطط إخوته! غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]. أن العصمة من الزلل والثبات على الحق إنما هو بتوفيق الله وتسديده كما قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَّهَ وَالْفَحْشَآءَ﴾ [يوسف: ٢٤]. ولذلك ينبغي أن يطلب منه العون دائمًا وأن يتبرأ العبد من حوله وقوته كما قال يوسف عليه السلام: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنُ مِّنَ الْجَهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]. قال تعالى ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ، فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يوسف: ٣٤]. # أن من اتهم بشيئ وهو بريئ فسيبرئه الله تعالى عاجلا أم آجلاً؛كما برأ الله يوسف عليه السلام على رؤوس الأشهاد، وبرأ موسى عليه السلام لما اتهمه قومه، وبرأ مريم عليها السلام بأن أنطق عيسى عليه السلام في المهد، وبرأ الله عائشة رضي الله عنها بآيات تتلى إلى يوم القيامة في سورة النور، وقد قال لها النبي صلی الله عليه وسلم قبیل براءتها: (فإن کنت بریئةً، فسیپرٹك الله) فنزلت براءتها (١). وفي قصة يوسف عليه السلام دليل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأن ما جاء به حق لا ريبة فيه؛ حيث قص على قومه هذه القصة الطويلة، وهو لم يقرأ كتب الأولين ولا (١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٢٦٦١، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضا، ومسلم في صحيحه، رقم ٢٧٧٠، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف. www. modoee.com ١٤٧ حرف الياء دارس أحدًا (١). أن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا؛ فإنه لما طال الحزن على يعقوب واشتد به، ثم حصل الاضطرار لآل یعقوب ومسهم الضر، أذن الله حينئذ بالفرج، فحصل التلاقي في أشد الأوقات إليه حاجة (٢). البدء في دعوة المشركين بتوحيد الله تعالى؛ كما فعل يوسف عليه السلام مع الفتيين في السجن. الإيمان بالمبدأ، وصلابة الاعتقاد سبيل لتخطي الصعاب، والترفع عن الدنايا، وذلك هو الذي جعل ليوسف نفسًا کریمةً، وروحًا طاهرة، وعزيمة صماء لا تلين أمام الشهوات والمغريات (٣). أن الله عز وجل يؤيد المظلوم ولو بعد حین؛ كما حصل ليوسف حين برأه الله ورفعه على إخوته. ثاينًا: دروس تربوية وسلوكية: الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر، أخذ هذا من قول يعقوب عليه السلام لابنه: ﴿قَالَ يَبُنَىَّ لَا نَقْصُصْ رُهْ يَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥](٤). (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٦. (٢) المصدر السابق، ص ٤١١. (٣) التفسير المنير، الزحيلي ١٢ / ١٩٦. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦١٠. أن من آداب الرؤيا: أن لا يخبر بها المرء إلا من يحب وذلك إذا رأى ما يسره، أما إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها أحدًا، قال يعقوب عليه السلام لابنه: ﴿قَالَ يَنْبُنَّلَا نَقْصُصْ رُءُ يَاكَ عَلَىَ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]. وفي الحديث (الرؤيا الحسنة من الله، فإذا رأى أحدکم ما یحب فلا یحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، وليتفل ثلاثًا، ولا يحدث بها أحدًا، فإنها لن تضره) (٥). خطورة الحسد: وأنه يزرع العداوة والبغضاء، ويفسد العلاقات، ويحمل على الظلم والعدوان والكيد والتآمر وتمني زوال النعمة؛ غير أن صاحبه أول من ينال جزاءه: فيوسف عليه السلام حسده إخوته فرفعه الله عليهم. عداوة الشيطان للإنسان، وأن من أساليبه: الحسد والتحريش ﴿وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ قُبِيرٌ﴾ [يوسف: ٥]. تجنب إظهار الميل إلى بعض الأبناء دون بعض فقد يولد ذلك الحسد بينهم (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٧٠٤٤، كتاب التعبير، باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها، ومسلم في صحيحه، رقم ٢٢٦٢، کتاب الرؤيا. جَوَسُولَة النَّقِينَ القرآن الكريم ١٤٨ يوسف عليه السلام خاصة بين أبناء الضرائر (١). الحذر من شؤم الذنوب والمعاصي؛ لأن الذنب الواحد يستتبع ذنوبا متعددة؛ فإخوة يوسف لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه، احتالوا لذلك بأنواع من الحيل، وكذبوا عدة مرات، وزوروا على أبيهم في القميص والدم الذي فيه، وفي إتیانهم عشاء يبكون، وغير ذلك وهذا شؤم الذنب، وآثاره التابعة والسابقة واللاحقة (٢). ليس كل من بكى فهو مظلوم؛ فإخوة يوسف ألقوه في البئر ﴿وَجَاءُ وَأَبَاهُمْ عِشَآءُ يَبْكُونَ ﴾ [يوسف: ١٦]. أنه لیس کل من سجن فهو متهم أو مجرم بل قد یسجن البريئ ظلما وعدوانا كما حصل ليوسف عليه السلام. بركة الطاعة وحسن عاقبتها: و((أنها تثمر الرزق والأجر في الدنيا ولا ينقص ذلك من ثواب المؤمن عند الله شيئا، كما قال تعالى: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتْنَا مَن نَّشَآَةٌ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦]) (٣). فضيلة التقوى والصبر، وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر، (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٨. (٢) المصدر السابق. (٣) النكت الدالة على البيان، القصاب ٦١٢/١. وأن عاقبة أهلهما أحسن العواقب، لقوله: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَاً إِنَّهُ, مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠](٤). # أن الصبر من أعظم المسليات عند المصيبة؛ كما قال يعقوب عليه السلام: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. وأن الشكوى إلى الله لاتنافي الصبر، وكذلك الشكوى للمخلوق على غير وجه التسخط؛ كما حصل من إخوة يوسف حين شكوا ما مسهم من الضر فلم ينكر عليهم. فضیلة الإخلاص وأنه سبب للوقاية من الفتن والعصمة من الشهوات و ((أن من دخل الإيمان قلبه،و کان مخلصا لله في جمیع أموره فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه، وصدق إخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه لقوله: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَّةَ وَالْفَحْشَآَةُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤])) (٥). أنه ينبغي للعبد الفرار من أماكن الفتن والمعاصي؛ ليتمكن من التخلص (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٩. (٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٩. www. modoee.com ١٤٩ حرف الياء منها؛كما فعل يوسف عليه السلام حين راودته المرأة (١). : أن المؤمن مبتلى وأن ذلك لحكم عظيمة؛ كما حصل ليوسف عليه السلام بعد الابتلاء من الرفعة وعلو المنزلة، وقد سئل الشافعي رحمه الله أيما أفضل للرجل، أن يمكن أو يبتلى؟ فقال: لا یمکن حتی یبتلی (٢)). البدأ بالأهم فالأهم، وأنه إذا سئل المفتي، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد أنه ينبغي له أن يعلمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله؛كما فعل يوسف عليه السلام مع الفتيين حيث دعاهما إلى التوحيد قبل تعبير رؤياهما، وأنه ينبغي للمسئول أن يدل السائل على ما ينفعه مما يتعلق بسؤاله؛ فإن يوسف عليه السلام لم يقتصر على تعبير رؤیا الملك، بل دلهم - مع ذلك - على ما يصنعون في تلك السنين المخصبات من كثرة الزرع، وطرق تخزينها (٣) أنه لا يلام الإنسان على السعي في دفع التهمة عن نفسه، وطلب البراءة لها، بل یحمد علی ذلك، كما امتنع يوسف عن الخروج من السجن حتى تتبين (١) المصدر السابق. (٢) انظر زاد المعاد، ابن القيم ١٣/٣. (٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤١٠. لهم براءته بحال النسوة اللاتي قطعن أیدیهن (٤). أنه ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمة بعد شدة وفقر وسوء حال، أن يعترف بنعمة الله علیه، وأن لا یزال ذاكرًا حاله الأولى، ليحدث لذلك شكرا كلما ذكرها، لقول يوسف عليه السلام: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىِّ إِذْ أَخْرَجَنِ مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠](٥). فضيلة العفو والصفح وأنه من أخلاق الأنبياء والرسل كما تجلى ذلك في عفو یوسف علیه السلام عن إخوانه، وعفو أبيهم عنهم كذلك، وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. الأدب مع الوالدين وتوقيرهما وعدم الترفع عليهما واستشارتهما، كما فعل يوسف عليه السلام مع والديه حين أجلسهما على العرش، وحین کان قبل ذلك يستشير والده حتى فيما يراه في المنام. الحرص على الدعاء بحسن الخاتمة والوفاة على الإسلام، كما فعل يوسف عليه السلام. ثالثًا: دروس فقهية: (٤) المصدر السابق. (٥) المصدر السابق. ١٥٠ فَضْو جوية القرآن الكريم يوسف عليه السلام أنه يجوز أن يحذر المسلم أخاه المسلم ممن يخافه عليه، ولا يكون داخلًا في معنى الغيبة؛ لأن يعقوب عليه السلام قد حذر يوسف أن يقص رؤياه على إخوته فیکیدوا له (١). أن بعض الشر أهون من بعض، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما؛ فإن إخوة يوسف لما اتفقوا على قتل يوسف أو إلقائه أرضا، وقال قائل منهم: ﴿لَ نَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِ غَيَبَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠]. كان قوله أحسن منهم وأخف، وبسببه خف عن إخوته الإثم الكبير (٢). خطورة الخلوة بالنساء، وأنها مثار الفتنة؛ فإن امرأة العزيز جرى منها ما جرى بسبب توحدها بيوسف، ولذا (٣) حرمها الإسلام ٠ أن القرائن يعمل بها عند الاشتباه، فإن شاهد يوسف شهد بالقرينة، وحكم بها في قد القميص، واستدل بقده من دبره على صدق یوسف و کذبها، قال الشنقيطي: ((وهذه الآيات المذكورة أصلٌّ في الحكم بالقرائن)) (٤). جواز طلب الولاية لمن حسن مقصده (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٢٧. (٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٧. (٣) المصدر السابق، ص ٤٠٩. (٤) أضواء البيان، الشنقيطي ٢١٦/٢. وعلم من نفسه الأمانة والكفاءة، ولا یوجد من هو خيرٌ منه للقيام بها؛ كما فعل يوسف عليه السلام (٥). أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال، إذا جهل أمره، وكان في ذلك مصلحة، ولم يقصد به العبد الرياء، وسلم من الكذب، لقول يوسف عليه السلام: ﴿أَجْعَلْنِ عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِّ إِّ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥](٦). جواز استعمال المکاید التي يتوصل بها إلى الحقوق، وإنما الممنوع، التحيل على إسقاط واجب أو فعل محرم، وجواز استعمال المعاريض القولية والفعلية وأنها مندوحة عن الكذب، كما فعل يوسف حيث ألقى الصواع في رحل أخیه، ثم استخرجها منه، وقال بعد ذلك: ﴿مَعَاذَ اَللَّهِ أَن تَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ﴾﴾ [يوسف: ٧٩]. ولم يقل: (من سرق متاعنا)(٧). مشروعية الجعاله وهي: عقد على منفعة يظن حصولها، كمن يلتزم بجعل معين لمن يرد عليه متاعه الضائع، أو يحفر له هذه البئر، والأصل في (٥) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٣٥، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤١٠. (٦) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤١٠. (٧) المصدر السابق، ص ٤١١. www. modoee.com ١٥١ حرف الياء مشروعيتها قول الله سبحانه: ﴿قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢](١). أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إذا جاء في شريعتنا ما ينسخه: ((فالقطع في السرقة ناسخٌ لما تقدم من الشرائع؛ إذ كان في شرع يعقوب استرقاق السارق، و کان سلامهم بالانحناء، وقد نسخ الله في شرعنا ذلك)) (٢). رابعًا: دروس عامة: فضيلة العلم وشرفه:، فإن يوسف عليه السلام بسبب علمه حصل له العز والرفعة والتمكين في الأرض (٣). تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بما لقيه يعقوب ويوسف- عليهما السلام- من آلهم من الأذى، وقد لقي النبي صلى الله عليه وسلم من آله أشد ما لقیه من بعداء كفار قومه (٤). أن الرؤيا إذا عبرت وقعت، لقول يوسف عليه السلام لصاحبي السجن: ﴿قُضِىَ الأَمْرُلَّذِى فِیهِ تَسْئَفْتِیَانِ﴾ [يوسف: ٤١]. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: (الرؤيا على رجل طائرٍ ما لم تعبر (١) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٥٦/٣. (٢) انظر: المصدر السابق ٦٩/٣ - ٧٧. (٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤١٠. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٩/١٢. جوبيبو القرآن الكريم فإذا عبرت وقعت) (٥). ولذلك ينبغي أن نعبرها بالخير والمعاني الطيبة. أن الرؤيا قد تتأخر فلا يظهر مصداقها إلا بعد السنين العديدة (٦). وفيها: أصل لتعبير الرؤيا، وأن علم التعبير من العلوم المهمة، التي يعطيها الله من يشاء من عباده، وأنه داخل في الفتوى، لقوله للفتيين: ﴿قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْئَفْتِیَانِ﴾ [يوسف: ٤١]، فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم، وأن أغلب ما تبنى عليه المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة (٧). أنه قد تقع الرؤيا الصادقة من بعض الكفار -على سبيل الندرة- کرؤيا الملك والفتيين، ولا سيما إذا تعلقت بمؤمنٍ، أوكانت آيَةً لنبي (٨). أن نعمة الله على العبد، نعمة على من يتعلق به من أهل بيته و أقاربه وأصحابه، وأنه ربما شملتهم بسببه، كما قال يعقوب في تفسيره لرؤيا يوسف: ﴿وَيُنِّمُّ نِعْمَتَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَىّءَالٍ يَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٦]. ولما تمت النعمة على يوسف، حصل لآل يعقوب من العز (٥) سبق تخريجه. (٦) أيسر التفاسير، الجزائري ٢/ ٥٩٥. (٧) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٧. (٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٢٤. ١٥٢ يوسف عليه السلام والتمكين في الأرض والسرور والغبطة ما حصل بسبب يوسف (١). أن العبرة فى حال العبد بكمال النهاية، لا بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب عليه السلام جرى منهم ما جرى في أول الأمر، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح، والسماح التام من يوسف ومن أبیهم، وإذا سمح العبد عن حقه، فالله خير الراحمين (٢). استغلال أي فرصة للدعوة إلى الله تعالى حتى في السجن كما فعل يوسف عليه السلام. موضوعات ذات صلة: الأبوة، الأخوة، البنوة، التبني، التمكين، الحسد، الرؤيا، السياسة، النبوة (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٨. (٢) المصدر السابق. www. modoee.com ١٥٣