Indexed OCR Text
Pages 21-40
اليهود فیها))(١). ٩. أشد الناس عداوةً للمؤمنين. قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُمِ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]. لكل نبي أعداء، ولكل دعوة حق أعداء، كما للذين آمنوا أعداء أيضًا، فهم على الحق، وعلى منهج الأنبياء والرسل عليهم السلام، وأعداء الذين آمنوا كثر، وأشد هؤلاء الأعداء عداءً للمؤمنين هم اليهود والذين أشركوا، فاليهود هم قتلة الأنبياء وأعداء الحق، وخاصة الحق الذي جاء مع نبي من غير بني إسرائيل، فهم له أشد عداوةً وبغضًا، ولما يمثله المؤمنون من قوة تحول دون أن يحقق هؤلاء اليهود مطامعهم التي لا تنتهي سیاسیًا وجغرافيًا واقتصاديًا. والتاريخ يشهد على مظاهر العداء التي یکنها اليهود للمسلمين، وسأذكر منها: إنكارهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومحاربتهم له، ومحاولتهم قتله أكثر من مرة. التعاون مع المنافقين في المدينة على (١) كفاحي، أو دلف هتلر، المترجم: لويس الحاج ص٤١ -٤٢. حوك الخطط والمكائد ضد المسلمين. تظاهرهم بالدخول في الإسلام نفاقًا، قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ مَامِنُواْ بٍلَّذِىّ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوَاْ ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. * نقضهم للعهود والمواثيق مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين في المدینة ثلاث مرات. دور مدعي الإسلام اليهودي عبد الله ابن سبأ في إثارة الفتن والعداء بين المسلمين. محاولة تزييف التاريخ الإسلامي، ودس بعض الأساطير الإسرائيلية فيه. محاولة الاستيلاء على بيت المقدس في عصر الخلافة العباسية. المساهمة في الدعم المادي والمعنوي للصليبيين في أثناء الحروب الصليبية ضد المسلمین. تزويد التتار بالمعلومات والأسرار، ومساعدتهم في إسقاط الخلافة العباسية. تجرؤهم على الطعن في القرآن الكريم، کالوزير اليهودي في غرناطة ((يوسف بن شموئیل». ٤ ادعاء الإسلام علنًا والكيد له بالخفاء، كيهود الدونمة الذين أسهموا في www. modoee.com ٥٩ حرف الياء سقوط الخلافة العثمانية. احتلال أراضي المسلمين والمسجد الأقصى المبارك. تشويه صورة الإسلام والمسلمين في العالم عبر وسائل الإعلام المختلفة. ١٠. قتل بعضهم بعضًا. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَكِكُمْ ثُمَّأَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوَكُمْ أُسَبِرَىْ تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ اَلْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضَّ فَمَا جَزَّآءٍ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّ خِىٌ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اَللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٤-٨٥]. اليهود لا عهد عندهم ولا میثاق، ولو كان ذلك مع الله سبحانه وتعالى، فهاهم اليهود في موضع جدید من نقض العهد والميثاق، ينقضون عهدهم الذي واثقوه وشهدوا عليه، بقتلهم أنفسهم، بعد أن أقروا بميثاق عدم سفك دماء بعضهم بعضًا، لكن بأسهم بينهم شدید. يقول ابن كثير في تفسيره: ((يقول -تبارك وتعالى - منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار- كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير: حلفاء الخزرج، وبنو قريظة: حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بینھم قاتل کل فریق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب عملًا بحكم التوراة. ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْ مِنُونَ بِبَعْضٍ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ پِبَعْضِ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ ◌ِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ﴾ أي: لا یقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه))(١). رأينا إذًا كيف أن اليهود قد انحرفوا انحرافات كبيرة فى العقائد والسلوك والأخلاق، وسنتطرق في المبحث الرابع لتلك التحريفات التى طالت كتاب الله الذي أنزل إليهم، سواء كانت تلك التحريفات (١) تفسير القرآن العظيم ١/ ٢١٠-٢١١. جَوَنُو لِلْقُرْآنِ الْكْرِيْمِ ٦٠ اليهود تحريفات كتابية، أو تحريفات شفوية منطوقةً باللسان. تحريفات اليهود لقد تمادى اليهود بالتحريف والتبديل والتزوير في كل شيء، ولم يسلم کتاب الله الذي أنزل عليهم من تحریفهم وتزويرهم، فغيروا من التوراة ما يناسب أهواءهم الفاسدة، فکان تحریفهم بطرق عدة، منها: كتمان ما لا يناسب أهواءهم، وكتابة ما يحلو لهم ونسبته إلى الله، وتقولهم على الله بهتانًا وزورًا، وتحریم ما لم يحرمه الله عليهم، ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن فریقًا منهم يقومون بتحريف كلام الله من بعد ما سمعوه وفهموه وعقلوه، ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]. ١. تحريف كلام الله عن مواضعه. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ اَلْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَّا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوَكٌ يُحْزِّفُونَ اَلْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُوِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَأَحْذَرُواْ وَمَنْ يُرِدِ اَللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُوْ لَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِ اْآَخِرَةِ www. modoee.com ٦١ حرف الياء [المائدة: ٤١]. عَذَابٌ عَظِيمٌ الخطاب للرسول صلی الله عليه وسلم على وجه التسلية والإخبار عن المنافقين واليهود، اليهود الذين سبق وأن بينا ما ذكر عنهم في آية سابقة بأنهم يسارعون في الإثم والعدوان، وهاهم في هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى أنهم يسارعون في الكفر، وهكذا هم اليهود يسارعون في الأعمال القبيحة بخلاف المؤمنين الذين يسارعون في الخيرات دائمًا، ومن أعمال الكفر التي سارع بها اليهود تحريفهم للتوراة وتبديلهم لبعض الكلمات حتى يوافق النص هواهم. ويقول الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اَللَّهُ إِنِ مَعَكُمْ لَيْنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِيٍ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ ؟ فَيِمَا نَقْضِهِمِ مِيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةً يُحَرِّقُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَنَسُوأْ حَظًّا مِّمَا ذُكِرُواْبِةٍ، وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَيْنَةِ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمّ فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٢ - ١٣]. أخذ الله العهد والميثاق من بني إسرائيل لئن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وآمنوا برسل الله ونصروهم وأنفقوا في سبيل الله ليجزينهم الله بذلك جنات تجري من تحتها الأنهار بعد أن یکفر الله عنهم ذنوبهم، ولکن کثیرًا من بني إسرائيل نقض العهد والميثاق مع الله، فحرفوا كتاب الله التوراة، وبدلوا بعض كلماته، تزويرًا وبهتانًا، ونسوا أو تناسوا جزءًا من عهد الله معهم، فلم يؤمن اليهود سواء الذين عاصروا البعثة أو من جاء بعدهم برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿يُحْرِّقُونَ الْكَلِمَ عَنِ ومعنى مَوَاضِعِةٌ ﴾ أي: فيقدمون ويؤخرون ويحذفون بعض الكلام، ويؤولون معانيه لتوافق أهواءهم، ومن ذلك تأويلهم الآيات الدالة على نبوة كل من عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم في التوراة. ٢. كتابة كتب من عند أنفسهم ثم نسبتها إلى الله. من تحريفهم لكتاب الله أن يكتبوا كتبًا من عند أنفسهم تتناسب مع أهوائهم، ويجنون من ورائها أثمانًا وأموالًا، والأخطر من ذلك كله هو نسبتها إلى الله سبحانه وتعالی، فیقولون للناس: هو من عند الله. قال تعالى: ﴿فَوَيّلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَّرُواْ بِهِ، ثَمَنَّا قَلِيلٌ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا جَوْسُو القرآن الكريم ٦٢ اليهود كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]. ذكر الله الويل ثلاث مرات في هذه الآية، والويل: واد في جهنم(١)، أو العذاب والهلاك كما في لغة العرب. فلقد توعد الله علماء ورؤساء اليهود الذین یکتبون التوراة بأیدیهم ويدعون بعد ذلك أنها من عند الله وما هي من عند الله، ويقولون على الله الكذب، قال الخازن: «والمراد بالذين يكتبون الكتاب ((اليهود)»، وذلك أن رؤساء اليهود خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فاحتالوا في تعويق سفلتهم عن الإیمان به، فعمدوا إلى صفته في التوراة فغيروها، و کانت صفته فيها حسن الوجه حسن الشعر أكحل العينين ربعة، فغيروا وكتبوا مكانه طوال أزرق العينين سبط الشعر، فكانوا إذا سألهم سفلتهم عن ذلك قرءوا عليهم ما كتبوا ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (٢). وكان اليهود يبيعون هذا الكلام الذي كتبوه بأيديهم لغيرهم، وخاصة للمشركين من العرب، فلقد ذكر الطبري في تفسيره: «کان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم، یبیعون من العرب ویحدثونهم أنه من عند (١) روح المعاني، الألوسي ٣٥٩/١. (٢) لباب التأويل ٧٧/١. الله؛ ليأخذوا به ثمنا قليلاً)»(٣). ٣. قولهم: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا. من الغرور الذي وصل إليه اليهود أن تمنوا على الله الأماني، وجعلوا تلك الأماني حقائق لا بد أن تقع، فكان من أمنياتهم ما ذكره الله سبحانه وتعالى عنهم بقوله: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًّا أَوْ نَصَرَىْ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]. تحدى الله كلَّ من اليهود والنصارى بأن يأتوا بحججهم وإثباتاتهم التي تثبت كلامهم هذا، حيث ادعى اليهود بأنه لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًّا، وادعى النصارى أيضًا أنه لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًّا، وما كان هذا إلا أماني وأوهامًا يعيشونها، فلا برهان لدیھم ولا دلیل، فالله سبحانه وتعالى قد وعد کل من أسلم وجهه لله وأذعن وانصاع لأمر الله بأن له الأجر والثواب من الله، فالجنة لا يستحقها الناس بانتماءاتهم فقط، فالتسليم لله والإحسان والعمل الصالح هي سبيل الجنة، بعد رحمة رب العالمين. ٤. قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ وَالنَّصَرَى غَحْنُ أَبْنَوْ اَللَّهِ وَأَحِبَّتُهُ. قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ (٣) جامع البيان ٢/ ٢٧٠. www. modoee.com ٦٣ حرف الياء بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقَّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَاَلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨]. وهذا من غرور اليهود والنصارى أيضًا، فبعد أن بينا ادعاء كل منهما بأنه لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيًّا هاهم يدعون أيضًا بأنهم أبناء الله وأحباؤه. يقول ابن عادل في تفسيره: ((واعلم أن اليهود والنصارى لا يقولون ذلك، فلهذا ذکر المفسرون وجوهًا: أحدها: أن هذا من باب حذف المضاف، أي: نحن أبناء رسل الله، كقوله: ﴿إِنَّالَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]. الثاني: أن لفظ الابن كما يطلق على ابن الصلب قد يطلق أيضًا على من يتخذ أبناء، بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة والمحبة، فالقوم لما ادعوا عناية الله بهم ادعوا ((أنهم أبناء لله)». الثالث: أن اليهود زعموا أن العزير (ابن الله)، والنصارى زعموا أن المسيح ابن الله، ثم زعموا أن العزير والمسيح كانا منهم کأنهم، قالوا: نحن أبناء الله. ألا ترى أن أقارب الملك إذا فاخروا أحدًا يقولون: نحن ملوك الدنيا. والمراد كونهم مختصين بالشخص الذي هو الملك، فكذا ها هنا. الرابع: قال ابن عباسٍ: إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا جماعةً من اليهود إلى دين الإسلام، وخوفهم بعقاب الله تعالى، فقالوا: كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله وأحباؤه؟! فهذه الرواية(١) إنما وقعت عن تلك الطائفة. وأما النصارى فإنهم يتلون في الإنجيل أن المسيح قال لهم: اذهب إلى أبي وأبیکم. وقيل: أرادوا أن الله تعالى كالأب لنا في الحنو والعطف، ونحن کالأبناء له في القرب والمنزلة)) (٢) وجاء الرد على ذلك الادعاء بأن يسألهم النبي صلى الله عليه وسلم ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾؟، سواءً العذاب الذي ذاقه آباؤكم من قبل في الدنيا، أو الذي تذوقونه أنتم من نفي وقتلٍ وأسرٍ، أو الذي سينالكم يوم القيامة، كما أنكم بشرٌ كباقي البشر، والله وحده بيده الأمر یعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء. (١) عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضاء وبحري بن عمرو وشأس بن عدي، فكلموه، فكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد !! نحن والله أبناء الله وأحباؤه !! ، كقول النصارى، فأنزل الله جل وعز فيهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْنَوْ اَللَّهِ وَأَحِبَُّهُ﴾، إلى آخر الآية. انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ١٥١. (٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٧/ ٢٦٢ - ٢٦٣. ٦٤ جوبي القرآن الكريمِ اليهود ٥. قولهم: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة. ظن اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه، فأصابهم الغرور والكبر، فتوهموا بأنهم لن يدخلوا النار إلا أيامًا معدودة وسيحاسبون فيها حسابًا يسيرًا، فغرهم هذا الوهم إلى أن يكتبوا الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: إنه من عند الله کما غر الوهم فریقًا منهم حین دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم فأعرضوا عنه وتولوا. ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى ادعاءهم هذا بأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة أو معدودات في موضعين مختلفين، ففي سورة البقرة آية رقم ٨٠ وفي سورة آل عمران آية رقم ٢٤. واللافت للنظر أنه قد سبق كل آية من الآيتين السابقتين آية توضح إثمًا كبيرًا وفعلًا شنيعًا اقترفوه، فجاء التبرير لهذا الإثم والفعل بقولهم أن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة أو معدودات. ففي سورة البقرة قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَوَيْلٌ لَهُم مِّمَا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ ﴿ وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا تَعْدُودَةٌ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اَللَّهُ عَهْدَهُ، أَمْ نَغُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٧٩ -٨٠]. ذكر الواحدي في أسباب النزول: ((عن ابن عباس، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، واليهود تقول: إنما هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا يومًا واحدًا في النار من أيام الآخرة، وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم ﴿وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَنَامَا تَعْدُودَةٌ﴾))(١). وفي سورة آل عمران قال سبحانه: ﴿ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ اللّهِ لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلََّ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم ◌ُّعْرِصُونَ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَسَنَا النَّارُ إِلَّ أَامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَّهُ فِ دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣-٢٤]. يبين الله سبحانه وتعالى موقف فريق من الذين أوتوا حظًّا وجزءًا من التوراة حين يدعون إلی کتاب الله لیحکم بینھم ثم يتولوا ويعرضوا عن ذلك، ولقد بين الإمام الطبري موقفهم حيث قال: ((يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿يَأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ بأن هؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم بالحق فيما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أبوا الإجابة إلى حكم التوراة وما فيها من الحق من أجل قولهم: ﴿لَنْ تَمَتُنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ وهي أربعون يومًا، (١) أسباب نزول القرآن، الواحدي ص ٣٠. www. modoee.com ٦٥ حرف الياء وهن الأيام التي عبدوا فيها العجل، ثم ويقال: كان ابن عمها. فأنزل الله تعالى إكذابًا لقولهم وبين بهتانهم، فقال: ﴿وَيَكُفْرِهِمْ وَقَّوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَا عَظِيمًا﴾ يعني: لعنهم الله وخذلهم بذلك» (٢). یخرجنا منها ربنا، اغترارًا منهم، ﴿مَاطَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يعني: بما كانوا يختلقون من الأكاذيب والأباطيل في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الله قد وعد أباهم يعقوب أن لا يدخل أحدًا من ولده النار إلا تحلة القسم، فأكذبهم الله على ذلك كله من أقوالهم، وأخبر نبيه محمدًا صلی الله علیه وسلم أنهم هم أهل النار، هم فيها خالدون، دون المؤمنين بالله ورسله وما جاءوا به من عنده)) (١). ٦. البهتان العظيم على مريم. لقد كذبوا وافتروا وظلموا بقولهم على مريم زورًا، فلقد اتهموها بالزنا لولادتها لعيسى عليه السلام من غير أب، وما أسهل أن يلقوا بالتھم بهتانًا وإفگًا! حتى لو كان الأمر يتعلق بشرفاء القوم وأطهرهم، فهم لا يتورعون عن فعل ذلك، بسبب الكفر الذي تشربته نفوسهم. قال تعالى: ﴿وَيَكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَّا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦]. يذكر السمرقندي في بحر العلوم: ((وذلك أن مريم كانت متعبدة لله تعالى، ناسکة، اصطفاها الله تعالی بولد بغير أب فعيرها اليهود واتهموها، وقذفوها بيوسف بن ماثان، و کان یوسف خادم بیت المقدس، (١) جامع البيان ٦/ ٢٩٢. جَوَسُو ◌َرَ النَّقِيَّة القرآن الكريم ولقد برأ الله سبحانه وتعالى مريم عليها السلام بقوله: ﴿وَمََّمُ أَبْنَتَ عِمْرَنَ الَِّى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ زُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ﴾ [التحريم: ١٢]. كما وصفها الله سبحانه بأحسن الأوصاف، حيث صدقت وآمنت بكتب الله التوراة والإنجيل، وكانت من القانتات الطائعات العابدات، وأحصنت فرجها، وهي شهادة لها من رب العالمين. ٧. قولهم: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مریم. قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَنْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَقُواْ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا أَنِبَاعَ الَّنَّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيَنًا﴾ [النساء: ١٥٧]. تأتي هذه الآية في سياق من الآيات في سورة النساء، من آية ١٥٣ والتي مطلعها قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَبًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، حيث طلب اليهود من الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينزل (٢) تفسير السمر قندي ٤٠٢/١. ٦٦ الهود بذكره سبحانه لما فعله أجداد هؤلاء من بني إسرائيل من أفعال شنيعة، حيث طلبوا من موسى عليه السلام أكبر من ذلك، فقد طلبوا منه أن يريهم الله جهرة، كما عبدوا العجل من بعده، ورفع الله الطور فوقهم ونقضوا المیثاق، ولم يدخلوا الباب سجدا، واعتدى فريق منهم يوم السبت الذي حرم عليهم، وكفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءه بغير حق، وقالوا قلوبنا غلف، وقالوا السوء على مريم عليها السلام. ثم يأتي بعد ذلك تفاصیل هذه الآية، حین قالوا: إنا قتلنا رسول الله عيسى بن مريم عليه السلام، كل هذه الأفعال والأقوال القبيحة المكفرة ذكرها الله؛ ليبين سبحانه للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمة الإسلام من بعده حقيقة هؤلاء القوم. ثم يبين سبحانه حقيقة القتل الذي تفاخروا به بأنه لم یکن عيسى ابن مريم عليه السلام هو المقتول والمصلوب، ولكن شبه لهم بشخص آخر هو الذي قتل وصلب مكانه. وتفاصيل هذه القصة يذكرها ابن عطية في تفسيره بقوله: ((واختلفت الرواة في هذه القصة وكيفيتها اختلافًا شديدًا، أنا أختصر عيونه، إذ ليس في جميعه شيء يقطع بصحته؛ لأنه لم يثبت عن النبي عليه السلام فيه شيء، وليس لنا متعلق في ترجيح شيء عليهم كتابًا من السماء، فواسى الله رسوله منه إلا ألفاظ كتاب الله، فالذي لا نشك فيه أن عيسى عليه السلام كان يسبح في الأرض ويدعو إلى الله، وكانت بنو إسرائيل تطلبه، وملكهم في ذلك الزمان يجعل عليه الجعائل، وكان عيسى قد انضوى إليه الحواریون یسیرون معه حیث سار، فلما كان في بعض الأوقات شعر بأمر عيسى، فروي أن أحد الحواريين رشي عليه فقبل الرشوة ودل على مكانه. فلما أحس عيسى وأصحابه بتلاحق الطالبين بهم دخلوا بيتًا بمرأى من بني إسرائيل، فروي أنهم عدوهم ثلاثة عشر، وروي ثمانية عشر، وحصروا ليلًا، فروي أن عيسى فرق الحواريين عن نفسه تلك اللیلة و وجههم إلى الآفاق، وبقي هو ورجل معه ، فرفع عيسى وألقي شبهه على الرجل فصلب ذلك الرجل، وروي أن الشبه ألقي على اليهودي الذي دل عليه فصلب. وروي أن عيسى عليه السلام لما أحيط بهم قال لأصحابه: أیکم يلقى شبهي عليه فيقتل ويخلص هؤلاء وهو رفيقي في الجنة؟ فقال سرجس: أنا. وألقي عليه شبه عيسى، ويروى أن شبه عيسى عليه السلام ألقي على الجماعة كلها، فلما أخرجهم بنو إسرائيل نقص واحد من العدة، فأخذوا واحدًا ممن ألقي عليه الشبه حسب هذه الروايات التي ذكرتها، فصلب ذلك الشخص)) (١). (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ١٣٤. www. modoee.com ٦٧ حرف الياء اليهود والعقوبات الإلهية ابتلى الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل بالنعم والحسنات تارةً، وبالبلاء والسيئات تارةً أخرى، لعلهم يرجعون إلى الله ویتوبون إليه، ولعلهم يتبعون الطريق القويم طريق الهدى والنور، ولقد فرقهم الله في الأرض وشتتهم، فکان منهم الصالحون، وهم قليل، وكان أكثرهم فاسقين. يقول سبحانه: ﴿وَقَّعْنَهُ فِى الْآَرْضِ أُمَمَّاً مِنْهُمُ الصَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌّ وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. ولقد عاقبهم الله سبحانه على انحرافاتهم، ومن تلك العقوبات: أولًا: عقوبات دنيوية حلت بهم: ١. أمرهم بقتل بعضهم بعضًا. الشرك بالله هو أعظم الظلم، ولقد ارتكب كثيرٌ من بني إسرائيل أعظم الظلم عندما عبدوا العجل من دون الله، وهذا الظلم العظيم جاء عوضًا عن الشكر الواجب عليهم، وخاصةً بعد أن شاهدوا بأعينهم كيف فرق الله البحر فأنجاهم وأغرق فرعون وجنوده، لذا كان العقاب عظيمًا ويتناسب مع عظم الظلم الذي ارتكبوه، ومع شدة هذا العقاب صاحبه توبة من عند الله. قال تعالى: ﴿وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَقَّوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِتَّخَاذِكُمُ الْمِعْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِندَ بَارِيكُمْ فَنَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤]. وعن اقتران التوبة بالعقاب وشدة هذا العقاب، يقول السيوطي: ((أخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: قالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضًا. فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه حتى قتل منهم سبعون ألفًا، فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم وقد غفر لمن قتل وتیب علی من بقي)»(١). هكذا كان عقابهم من الله، ولأن الله تعالى هو التواب الغفار فلقد تاب الله علي من بقي منهم على قيد الحياة وغفر لمن قتل في هذا العقاب. ٢. ضرب الذلة والمسكنة عليهم. أراد الله لهم العزة وأبوا إلا الذلة والهوان، أراد الله لهم العزة بأن نجاهم من استعباد فرعون وقومه، كما أراد الله لهم العزة بأن يدخلوا الأرض المقدسة، وأراد الله لهم العزة بأن فجر لهم من الحجر ماءً، وأنزل لهم المن والسلوى من غير تعب وزرع، فأبى بنو إسرائيل إلا الذلة والهوان والفاقة، بأن استبدلوا الذي هو أدنى من الطعام بالذي هو خير، وذلك عندما تذمروا (١) الدر المنثور، السيوطي ١٦٩/١. ٦٨ جوبيع القرآن الكريمِ اليهود من أكل طعام واحد، وطلبوا البقل والقثاء تجلب لهم غرضًا من أغراض الدنيا، ومهما والثوم والعدس والبصل. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِر عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِنَّا تُلْبِتُ اَلْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِشَّآَبِهَا وَقُومِهَا وَعَدَيِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَشْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَّرْ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّهُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآَهُو بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِكَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبْنَ بِغَيْرِ الْحَقُّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]. أما عن الذلة والهوان والمسكنة التي أصابت بني إسرائيل فيعقب الدكتور محمد سيد طنطاوي بقوله: ((إنَّ الذلة هوان تجيء أسبابه من الخارج، كأن يغلب المرء على أمره نتيجة انتصار عدوه عليه فيذل لهذا العدو، أما المسكنة فهي هوان ينشأ من داخل النفس نتيجة بعدها عن الحق، واستيلاء المطامع والشهوات عليها، وتوارث الذلة قرونا طويلة يورث هذه المسكنة، ويجعلها كالطبيعة الثابتة في الشخص المستذل، ولقد عاش اليهود قرونًا وأحقابًا مستعبدين لمختلف الأمم، فأكسبهم هذا الاستعباد ضعفًا نفسيًا جعلهم لا یفرقون بین الحياة الذلیلة والکریمة، بل إنهم ليفضلون الأولى على الثانية ما دامت کثر المال في آیدیهم فإنهم لا يتحولون عن فقرهم النفسي وظهورهم أمام الناس بمظهر البائس الفقير))(١). والآية الثانية في القرآن الكريم التي ذكر فيها لفظا ﴿الذِّلَّةُ﴾ و﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ هي قوله تعالى: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُّواْ إِلَّا بِحِبْلٍ مِّنَ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنِيَآءَ بِغَيْرِ حَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]. فاليهود على مر التاريخ وفي كل بقعة من بقاع الأرض هم قوم أذلاء مهانين من قبل الناس لسوء طبعهم وخلقهم، وهذا ما کتبه الله علیهم، إلا في حالتين، استثنى الله الذل عنهم بقوله ﴿إِلَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾، أي: بعهد من الله وعهد من الناس، فإرادة الله وحكمته قد تقتضي أن يعيش اليهود في فترة من الفترات الزمنية أو في بقعة من البقاع بغير الذل والهوان الذي كتب عليهم، كما أن من طبيعة اليهود أنهم يسعون دائمًا إلى أخذ العهد والأمان والنصرة من الناس، ومثال على ذلك ما حدث في القرن الماضي، حيث سعى اليهود إلى توقيع اتفاقيات ووعود مع الدول العظمى في ذلك (١) التفسير الوسيط ١٥٣/١. www. modoee.com ٦٩ حرف الياء الوقت کي تساعدهم على إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، فلقد وقع اليهود الاتفاقية الشهيرة المشئومة المسماة بوعد بلفور بتاریخ ٢ نوفمبر ١٩١٧ م، حیث أبرم وزير الخارجية البريطاني في ذلك الوقت (آرثر بلفور) اتفاقية مع اليهود تنص على منح اليهود وطنًا قوميًّا في فلسطین. وهذا هو الحبل والعهد مع الناس الذي يسعى اليهود لتحقيقه، وبالإضافة إلى الذل الذي کتب علیهم فلقد باءوا بغضب من الله، وضربت عليهم المسكنة أيضًا، كل ذلك كان بسبب الأفعال الشنيعة التي ارتكبوها، من كفر بآيات الله، وقتل للأنبياء بغير حق. ٣. جعلهم قردة وخنازير. هذا جزاء الكبر والغرور والتمرد على رسل الله، أرادوا الاستعلاء فأخزاهم الله، ومسخهم على هيئة حيوانات دنيئة، فلقد ذكر أمر جعلهم قردة ثلاث مرات في القرآن الكريم، وفي مرة واحدة من هذه المرات الثلاث ذكر أمر جعلهم خنازير أيضًا. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْاْ مِنْكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِيِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]. وعن معنى خاسئين يقول السمر قندي: (يعني مبعدين من رحمة الله، وأصله في اللغة من البعد، يقال: خسأ الكلب إذا بعد، ويقال: ((خاسئين)) أي: صاغرين ذليلين)) (١). وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَا نُهُواْ عَنّهُ قُلْنَاً لَمْ كُونُواْقِرَدَةً خَسِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦]. لما أبوا وعصوا أمر الله حق عليهم العذاب، يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي: ((لأن ((العتو)) كبرياء وإباء، فيعاقبهم الله بأن جعلهم كأخس الحيوانات فصيرهم أشباه القرود، كل منهم مفضوح السوءة، يسخر الناس منهم ويستهزئون بهم»(٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَّرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن ◌َّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيَرَ وَعَبَدَ الطَّغُوتَّ أُوْلَكَ شَرِّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَِّ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠]. ذكر الخازن فى تفسيره: ((وقيل: إن مسخ القردة كان من أصحاب السبت من اليهود، ومسخ الخنازير كان في الذين كفروا بعد نزول المائدة في زمن عيسى عليه السلام، ولما نزلت هذه الآية عير المسلمون اليهود وقالوا لهم: يا إخوان القردة والخنازير. وافتضحوا بذلك))(٣). وهذا عقاب دنيوي استحقه كفار بني إسرائيل، فهم شّ مكانًا يوم القيامة في نار جهنم، وأضل الناس عن سواء السبيل (١) تفسير السمر قندي ١٢٦/١. (٢) تفسير الشعراوي ٨/ ٤٤١٢. (٣) لباب التأويل ٦٩/٢. ٧٠ جَوَسُ القرآن الكريم اليهود والصراط المستقيم. ٤. التيه في الأرض. معنى التيه ورد في المعجم الوسيط أن (تاه تیھًا، وتیھًا، وتیھائًا: تکبر، فهو تائه وتیاهٌ، وتاه في الأرض ضل وذهب متحیرًا)(١). يوضح العلامة المصطفوي معنى التيه في الأرض بقوله: ((والتيه من الأرض ما يتحير فيه، وفي القرآن ﴿يَتِيهُونَ فِ اُلْأَرْضِ﴾ أي: يتحیرون، أي: يمشون متحيرين لا یدرون أین یقیمون ولا أین یتوجهون» (٢). وعن تیه بني إسرائيل قال تعالى: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضَِّ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦]. بعد الرد المخزي لبني إسرائيل على طلب سيدنا موسى عليه السلام عندما طلب منهم أن يدخلوا الأرض المقدسة جاء هذا العقاب القاسي، فلقد اشترطوا على سيدنا موسى عليه السلام أنه إذا خرج منها القوم الجبارون فإنهم سيدخلونها، بل إنهم قالوا قولتهم المخزية: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا قَعِدُونَ﴾، فما كان من سيدنا موسى عليه السلام إلا أن دعا ربه بقوله ﴿قَالَ رَبِّ إِ لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىٌّ فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، (١) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص ٩٢. (٢) التحقيق في كلمات القرآن الكريم، حسن المصطفوي ٤٣٩/١. فاستجاب الله دعاءه، فحرم عليهم الأرض المقدسة أربعين عامًا، وكتب عليهم التيه في الأرض. يقول ابن جزي الغرناطي: ((وحرم الله علی جمیع بني إسرائيل دخول تلك المدينة أربعين سنة، وتركهم في هذه المدة يتيهون في الأرض، أي: في أرض التیه، وهو ما بين مصر والشام، حتى مات كل من قال: ﴿إِنَّالَن نَّدْخُلَهَا﴾ ولم يدخلها أحد من ذلك الجيل إلا يوشع وكالب، ومات هارون في التيه، ومات موسى بعده في التيه أيضًا، وقيل: إن موسى وهارون لم يكونا في التيه، لقوله : ﴿فَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾)» (٣). ٥. بعث من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيْبَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوَّهَ الْعَذَابٌ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ زَّحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧]. يقول سيد قطب ((فهو إذن الأبد الذي تحقق منذ صدروه، فبعث الله على اليهود في فترات من الزمان من يسومهم سوء العذاب، والذي سيظل نافذًا في عمومه، فيبعث الله عليهم بين آونة وأخرى من يسومهم سوء العذاب، وكلما انتعشوا وانتفشوا وطغوا في (٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢٣٢/١. www. modoee.com ٧١ حرف الياء الأرض وبغوا جاءتهم الضربة ممن يسلطهم الله من عباده على هذه الفئة الباغية النكدة، الناكثة العاصية، التي لا تخرج من معصية إلا لتقع في معصية، ولا تثوب من انحراف حتى تجنح إلى انحراف))(١). وبالفعل تعرض بنو إسرائيل ومن خلفهم اليهود لأشد أنواع العذاب والتنكيل عبر الزمان، وسأعرض هنا بعض حالات العذاب التي تعرضوا لها: انقض «سرجون» ملك آشور علی مملكة إسرائيل سنة ٧٢١ق. م. فقتل الآلاف من رجالها، وأسر البقية منهم فرحلهم إلى ما وراء نهر الفرات (٢) ٥٨٦ ق.م. حينما حاول الحاكم اليهودي أن ينقلب على البابليين هاجمه الملك البابلي الشهير (بختنصر) وهدم أسوار ومنازل أورشليم (القدس)، وأخذ من بقي من اليهود عبيدًا إلى بابل، وكانوا قرابة أربعين ألفًا، وهو ما يعرف عندهم ((بالسبي البابلي)) وهدم القدس وما فيها من معابد لهم، وسلب منهم التابوت مرة أخرى، ولاقی اليهود خلال وجودهم في بابل ألوان العذاب والهوان(٣). (١) في ظلال القرآن ١٣٨٦/٣. (٢) التفسير الوسيط ٤١٥/٥-٤١٦. (٣) اليهود الموسوعة المصورة، طارق السويدان ص٥٣. في سنة ٣٢٠ ق.م. سار إليهم (بطليموس) خليفة الإسكندر، فهدم القدس، ودك أسوارها، وأرسل منهم مائة ألف أسير إلى مصر؛ لأنهم ثاروا عليه (٤). استطاع القائد (تيتوس) الروماني سنة ٥ ٧٠م دخول القدس فدمرها بالكامل، وأخذ اليهود عبيدًا يباعون في روما (٥). في فرنسا أمر لويس التاسع بإلغاء ثلث ما کان للیهود علی رعایاه المسيحيين من الدین، ثم أصدر إرادة ملکیة بحرق جميع كتبهم المقدسة(٦). وفي سنة ١٣٢١م هاج عليهم الشعب في أواسط فرنسا، وذبحوا منهم عدادًا کبیرًا(٧). وفي سنة ١٣٢٨ م جأر الشعب البریطانی بالشکوی من اليهود، فأصدر الملك إدوارد الأول أمرا بطرد اليهود من جميع البلاد البريطانية في غضون ثلاثة أشهر، إلا أن الشعب البريطانى لم يصبر على اليهود حتى تنقضي تلك المدة، بل أخذ يقتل منهم العشرات والمئات، وفي قلعة (بورك) التي (٤) التفسير الوسيط ٤١٦/٥. (٥) اليهود الموسوعة المصورة ص ٥٧. (٦) تاريخ الإسرائيليين، شاهين مكاريوس ص٨٢. (٧) المصدر السابق ص ٨٣. صَوْسُوبعدَ النَّفي القرآن الكريمِ ٧٢ اليهود احتمى بها عدد کبیر من اليهود أحرق الإنجليز أكثر من خمسمائة يهودي، وقد اضطر الملك إلى ترحيلهم قبل انقضاء المدة لئلا يفتك الشعب بهم جميعا في كل مكان (١). في سنة ١٤٩٢م في عهد الملك (فرديناند) وزوجته (أيزابلا) وصلت موجة السخط على اليهود أقصاها لتغلغلهم في الحياة الأسبانية، واستيلائهم على اقتصادها وإشعالهم نار الخلافات الدينية بين الطوائف، فرأى الملك وزوجته أن خير وسيلة لوقاية البلاد من شرورهم هي طردهم من أسبانيا طردًا نهائيًّا(٢). وفي سنة ١٥٤٠م هاجمهم باباوات الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا هجومًا عنيفًا، ثم ثار عليهم الشعب وطردهم، كل ذلك لأذاهم وسوء جوارهم وطباعهم (٣). (نابليون) أن یستغلهم لبلوغ مطامعه، ولكنهم خانوه، فاحتقرهم وبطش بعدد منهم، وقال عنهم: ((إنهم حثالات البشر وجراثيمه)» (٤) (١) التفسير الوسيط ٥/ ٤١٧. (٢) المصدر السابق ٤١٩/٥. (٣) اليهود الموسوعة المصورة ص ٦٢. (٤) التفسير الوسيط ٤١٨/٥. # قتل اليهود بالآلاف في روسيا لغدرهم وخيانتهم، وذلك في ظل الحكم القيصري النصراني سنة ١٨٨١م وبعدها (٥). وكان آخر ما لاقوه من عذاب وتقتيل وتشريد على يد ((هتلر)» ابتداء من توليه الحكم في ألمانيا سنة ١٩٣٣ إلى أن سقط حکمه سنة))١٩٤٥))(٦). هذا كله جزء من سوء العذاب الذي سلطه الله عليهم، عقاب سريع لهم في الدنیا، فالله سريع العقاب، وإنه لغفور رحيم لمن تاب منهم قبل يوم القيامة. ٦. تحريم أصناف من الطعام. كان الطعام كله حلالًا لبني إسرائيل من بعد سيدنا يعقوب عليه السلام ومن قبله أيضًا، إلا ما حرمه سيدنا يعقوب على نفسه لمرضٍ أصابه، فاجتنب لحوم الإبل وألبانها، وقد يكون الأمر بأن اقتدى بنو إسرائيل بسيدنا يعقوب بتحریم بعض الطعام، وقد لا وفي أوائل القرن التاسع عشر حاول يكون، لكن من المؤكد أن بني إسرائيل قد عوقبوا بتحريم بعض الطيبات بسبب ظلمهم وبغیھم. قال تعالى: ﴿فَيُظُلٍّ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيَِّتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠]. (٥) اليهود الموسوعة المصورة ص ٦٣. (٦) التفسير الوسيط ٤٢٠/٥. www. modoee.com ٧٣ حرف الياء بسبب الظلم كان التحريم، بسبب الإبل وألبانها؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كان ذلك حلاًا لإبراهيم، فنحن نحله، فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان محرمًا على نوح وإبراهیم حتى انتهى إلينا. فأنزل الله عز وجل تكذيبًا لهم ﴿كُلُّ ◌ُلْطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَوِيلَ﴾(٢). ظلمهم لأنفسهم، وظلمهم لأنبيائهم، وظلمهم لغيرهم من الناس بأكل أموال الناس بالباطل، واستباحتهم لأنفسهم بأخذ الربا وهو محرم عليهم، وبصدهم عن سبيل الله، حرم الله عليهم من الطيبات ما کان حلالًا لھم، وما کان ذلك إلا عقابًا منه سبحانه وتأديبًا لهم. وهكذا بهت اليهود حين طلب منهم أن وعن هذا التحريم يقول ابن كثير: ((وهذا يأتوا بالتوراة حتى يبينوا مدى صدقهم، وهذا التحريم قد يكون قدريًّا، بمعنى أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالاً لهم فحرموها على أنفسهم؛ تشديدًا منهم على أنفسهم، وتضييقًا وتنطعًا، ويحتمل أن يكون شرعيًا، بمعنى أنه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالاً لهم قبل ذلك»(١). كما قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَحِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ إِلَّا مَاحَرَّمَ إِسْرَِّ يلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ الثَّوْرَنَةُ قُلٌ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]. ذكر الواحدي في أسباب النزول: ﴿كُلُّ اُلَطَّعَامِ كَانَ قوله تعالى: حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلٌ﴾ قال أبو روق والكلبي: نزلت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا على ملة إبراهيم، فقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم (١) تفسير القرآن العظيم ٤١٥/٢. جَوَسُولَةُ النَّفي القرآن الكريمِ ٧٤ ما لم يحدث، فتبين كذبهم وافتضح أمرهم. ومما حرمه الله من الطيبات على بني إسرائيل كل ذي ظفر وشحوم البقر والغنم، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ فُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظٍّْ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦]. يقول صاحب صفوة التفاسير: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرِّ﴾ أي: وعلى اليهود خاصةً حرمنا عليهم كل ذي ظفر، قال ابن عباس: هى ذوات الظلف كالإبل والنعام، وما ليس بذي أصابع منفرجة كالبط والأوز، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ أي: وحرمنا عليهم أكل شحوم البقر وشحوم الغنم، ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ أي: (٢) أسباب نزول القرآن ص١١٨. اليهود ﴿آوِ إلا الشحم الذي علق بالظهر منهما، الْحَوَايَآ﴾ أي: الأمعاء والمصارين، ﴿أَوْمَا أَخْتَلَطَ بِعَظَرٍ﴾ كشحم الألية، والمعنى أن الشحم الذي تعلق بالظهور أو احتوت عليه المصارين أو اختلط بعظم كشحم الآلية جائز لهم (١). وما كان ذلك الجزاء والعقاب إلا لبغيهم وظلمهم وعدوانهم، والله صادق فيما یقول، فمن أصدق من الله قولًا؟! ثانيًا: عقوبات دنيوية تنتظرهم: ١. بعث من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة. تم ذكر ((بعث من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة)) في المطلب السابق المتعلق بالعقوبات الدنيوية التي حلت بهم، وتم تكراره في هذا المطلب أيضًا؛ لأن عقوبة بعث من يسومهم سوء العذاب هي من ضمن العقوبات التي تنتظرهم حتى يوم وَإِذْ تَأَذَّ القيامة، حيث قال سبحانه: رَبُّكَ لَيْبَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوّءَ الْعَذَابُّ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِّ وَإِنَّهُ. لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧]. ٢. دخول عباد الله المؤمنين عليهم المسجد وإهلا کھم علی أیدیھم. قال تعالى: ﴿وَقَضَّيْنَآ إِلَى بَنِيَّ إِسْرَِّيلَ (١) صفوة التفاسير، الصابوني ٤٢٦/١. فِى الْكِنَبِ لَنُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُوَّا كَبِيرًا ، فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَنْهُمَا بَعَنْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ ◌ِخِلَلَ الذِّيَارِّ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ٥ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْتَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيْرًا ) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمٌ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَأَّ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُكُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ٢) عَى رَبُّكُمْ أَن وَلِسُنَِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِرًّا يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَحَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٤-٨]. اختلفت أقوال المفسرين قديمًا وحديثًا بشأن تحديد مرتي الإفساد والعلو في الأرض اللتين ذكرهما الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة، ولقد أخبر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل في التوراة بأنهم سيفسدون في الأرض مرتين وسيعلون فيها علوًّا کبیرًا. والاختلاف بين المفسرين متعلق بزمني حدوث مرتي الإفساد، ففريق كبير من المفسرين ذهب إلى أن مرتي الإفساد والعلو قد وقعتا قبل الإسلام، ومن هؤلاء المفسرين: الطبري والزمخشري والبيضاوي وسید قطب ومحمد سيد طنطاوي، واختلف هذا الفريق أيضًا بتحديد هاتين المرتين: فالمرة الأولى: قيل: هي تلك التي قتل www. modoee.com ٧٥ حرف الياء فيها بنو إسرائيل زكريا عليه السلام. وقيل: الإسلام، فالأولى ما كان في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم من فسادٍ مخالفتهم للتوراة وقتلهم لشعياء. وقيل: قتلهم للناس ظلمًا وتغلبهم على أموالهم. واتفق أغلب هذا الفريق على أن الذين سلطوا عليهم هم البابليون بقيادة نبوخذ نصر. لأقوام اليهود الثلاثة في المدينة المنورة، وما اتخذه الرسول صلى الله عليه وسلم في حقهم من جلاء أو قتل، أما المرة الثانية فلقد اتفق أصحاب هذا الفريق مع أصحاب الفريق الثاني بما ذهبوا إليه من قول من أن أما المرة الثانية: فأغلب هؤلاء المفسرين ذهب إلى أن الإفساد الثاني كان بقتل بني إسرائيل ليحيى عليه السلام، وأن الذين سلطوا علیهم هم الرومان. الفساد الثاني لبني إسرائيل هو ما نشهده في عصرنا هذا، وأصحاب هذا الرأي هم من المعاصرين، كالشيخ محمد متولي الشعراوي، والدكتور فضل حسن عباس، والدكتور صلاح الخالدي. کما ذهب فریق آخر من المفسرین إلی أن إحدی مرتي الإفساد والعلو قد حدثت قبل الإسلام، وأن المرة الثانية ستحدث بعده في المستقبل، وأنها لم تحدث إلى الآن، وأصحاب هذا الرأي هم من المعاصرين كالأستاذ بسام جرار، وخالد عبد الواحد صاحب كتاب ((نهاية إسرائيل))، فقد ذهب هؤلاء إلى ما ذهب إليه الفريق الأول من المفسرين بشأن مرة الإفساد الأولى، وتسليط البابليين عليهم، ولكنهم اختلفوا معهم بشأن المرة الثانية، حیث اعتقدوا بأن المرة الثانية هي ما نعيشه الآن من فساد اليهود وإنشاء دولتهم الغاصبة «إسرائيل»، وأن الله سيبعث عليهم من يسوء وجوههم ويدخل المسجد الأقصى فاتحًا ومحررًا. وهناك رأي مختلف للدكتور عمر سليمان الأشقر، حيث يرى أن الإفسادين سيقعان مرتين متتاليتين، وهما إفسادان یصحبهما علوٌ عظيم. يقول الدكتور عمر سليمان الأشقر: «إن الجوس يعني أن العباد أولي البأس الشديد يدخلون ديار اليهود، ويتوسطون فيها، ویترددون بین مدنها وقراها، وليس معناه احتلالها وإخراج اليهود منها، وقد وقع هذا الجوس اليوم، فجاس عباد الله أصحاب البأس الشديد خلال ديار اليهود، وآذوا اليهود أذىً شديدًا، وقاموا بعملیات موجعة لليهود، وقد احتاج اليهود بعد إحداها أن یؤتی بالزعماء والرؤساء من غير اليهود کي كما ذهب فريق ثالث بالقول إلى أن مرتي الإفساد والعلو ستكونان بعد مجيء يشدوا من أزر اليهود، لقد جاس عباد الله ٧٦ جود الْقُرْآن الكَرِيمِ اليهود أولي البأس الشدید دیار اليهود، فقتلوا من اليهود ودمروا ونسفوا وأوقعوا باليهود رعبًا عظيمًا، فأقام اليهود حول أنفسهم سورًا عظيمًا ليحموا أنفسهم من ذلك الجوس، وهذا الجدار من الكرة التي حكى الله أنه سيردها على العباد الأقوياء. ولكن أنى للجدار أن يقي اليهود من بأس الجائسين، لقد انطلقت الصواريخ لتقوم بمتابعة الدور الذي كانوا يقومون به خلال الجوس في الديار، ومع رد الكرة لليهود يأتيهم سيل عظيم من مال الدول الصليبية الحاقدة على الإسلام والمسلمين، كما أمدهم الله بالبنين يفدون عليهم من شتى أنحاء العالم، وخاصة من الدول التي كانت تعرف بالاتحاد السوفيتي، وأهمها روسيا))(١). ومع وجود هذا الخلاف الواضح إلا أنه ما من شك بأن زوال هذا الكيان الغاصب وانهزامه أمرٌ مسلمٌ به، وهذا ما أكده حديث رسول الله صلی الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فیقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله. إلا الغرقد (١) وليتبروا ما علوا تتبيرا، عمر الأشقر ص١٦٥. فإنه من شجر اليهود) (٢) . واتفق أغلب المفسرين المعاصرين -رغم خلافهم في تحديد مرة الإفساد الأولى- على أن وعد الآخرة لم يتحقق ﴿فَإِذَا جَآءَ بعد، والمتمثل بقوله سبحانه: وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُلُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ اُلْمسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَّبِرُواْ مَا عَلَوْاْ تَبِبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧]. يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي: (وفي الآية بشارة لنا أننا سنعود إلى سالف عهدنا، وستكون لنا يقظة وصحوة نعود بها إلى منهج الله، وإلى طريقه المستقيم، وعندها ستكون لنا الغلبة والقوة، وستعود لنا الكرة على اليهود»(٣). ﴿ليسكُوا وعن معنى قوله سبحانه: وُجُوهَكُمْ﴾، يقول الإمام الرازي: (ويقال: ساءه يسوءه إذا أحزنه، وإنما عزا سبحانه الإساءة إلى الوجوه؛ لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح في القلب ظهر الإشراق في الوجه، وإن حصل الحزن والخوف في القلب ظهر الكلوح (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، ٢٢٣٩/٤، رقم ٢٩٢٢. (٣) تفسير الشعراوي ١٤/ ٨٣٦٣. www. modoee.com ٧٧ حرف الياء والغبرة والسواد في الوجه))(١). وهذا من هول المفاجأة التي ستحدث لهم، حيث تكون لهم جولة الغلبة وكرة النصر، والمدد بالأموال والبنين، والنفير الكثير، والكيد والهيمنة، وبينما هم ينعمون بهذه الحال إذ يبعث الله عليهم من يسوء وجوههم ويذلهم ويهينهم، بسبب العدوان والظلم والقتل والاعتداء على الحقوق والممتلكات والبلاد والعباد، كما تظهر علامات الخزي والذل على وجوههم بسبب رجوع المسجد الأقصى لأحضان الأمة الإسلامية وفقدانهم الهيمنة والسيطرة عليه. ومما يؤكد أن مرة الإفساد والعلو الثانية لم تحدث بعد قوله سبحانه: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِىَ إِسْرَّهِيلَ أَسْكُنُواْ الْأَرْضَ فَإِذَا جَهَ وَعْدُ اَلَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ﴾ [الإسراء: ١٠٤]. ومعنی اسكنوا الأرض أي: کل الأرض، فلقد انتشر بنو إسرائيل في کل بقاع الأرض وتشتتوا بها، وهاهم الآن يجتمعون لفيفًا في أرض فلسطين، مختلطین من قبائل شتی، ویأتون من كل حدب وصوب، ومن شتی بلاد المعمورة. ثالثًا: عقوبات أخروية: حيث الجزاء الأوفى، والحساب النهائي، والعذاب الأبدي. فبعد كل تلك الانحرافات وما تبعها من عقوبات دنيوية حلت بهم أو ستحل بهم تأتي العقوبات الأخروية التي لا يقدرون علیها، ولا يطيقونها، وسنذكر منها: ١. لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَّرُونَ بِهِ، ثَمَنَاً قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُعُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ١٧٤]. (﴿إِنَّ الَّذِينَ الشوكاني يقول يَكْتُمُونَ ﴾ قيل: المراد بهذه الآية: علماء اليهود؛ لأنهم كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم)) (٢). ويقول الإمام الطبري: ((يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَبِ﴾ أحبار اليهود الذين كتموا الناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة، برشىّ كانوا أعطوها على ذلك))(٣). فلقد كتم بعض علماء اليهود والنصارى صفات النبي محمد صلی الله عليه وسلم، والتي قد رأوها متحققة فيه عليه الصلاة والسلام ومنها خاتم النبوة الذي كان (٢) فتح القدير ١/ ١٧١. (٣) جامع البيان ٣٢٧/٣. ٧٨ (١) مفاتيح الغيب ١٦٠/٢٠. جوبيين القرآن الكريم