Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الدُت٣ِ
عناصر الموضوع
مفهوم اليسر
٤١٠
اليسر في الاستعمال القرآني
٤١١
الألفاظ ذات الصلة
٤١٢
اقتران العسر باليسر
٤١٤
اليسر في حق الله تعالى
٤١٥
أسباب جلب اليسر
٤٢٣
اليسر في التشريع
٤٢٦
٤٤١
اليسر في الجزاء
المُجَلَّدَ الخَامِسْ، وَالثَّلاثُونْ
حرف الياء
مفهوم اليسر
أولًا: المعنى اللغوي:
تدلُّ كلمة اليسر في اللغة على السهولة واللين والانقياد، والغنى.
ويدلُّ أيضًا على العضو، وهي اليد اليسرى أخت اليمين.
قال في المغرب:(((اليسر) خلاف العسر، (واليسار) اسم من أيسر إيسارًا إذا استغنى))(١).
قال في القاموس المحيط: ((اليسر، بالفتح ويحرك: اللين، والانقياد، ويَسَرَ بَيْسَرُ، وياسَرَهُ:
لا ینه»(٢).
قال الجوهري: ((يقال يَسَّرَهُ الله لليسرى: أي وفقه لها)»(٣).
ويقال: قد أَيْسَرْتَ ويَسَرْتَ، ويسر الرجل تيسيرا: سهلت ولادة إبله وغنمه، وأيسر إيسارًا
ويُسْرًا: صار ذا غنى، فهو موسر (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي ، الدال على لينٍ وسهولةٍ وانقيادٍ، أو
هو رفع المشقة والحرج عن المكلف بأمر من الأمور لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم(٥).
(١) المغرب في ترتيب المعرب ٣٦٩/٢.
(٢) القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٤٩٩.
(٣) الصحاح ٢/ ٤٢٢.
(٤) المصدر السابق.
(٥) تاج العروس، الزبيدي ٦/ ٤٨٤، محاسن التأويل ٤٢٧/٣.
جَوَبُو الحَةُ النَّفْسِي
الْقُرآن الكَرِيمِ
٤١٠
اليسر
اليسر في الاستعمال القرآني
ورد الجذر (ي س ر) في القرآن الكريم (٤٤) مرة، يخص موضوع البحث منها (٤١)
مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
المثال
الصيغة
عدد
المرات
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ
١٧
١١
[القمر: ١٧]
الفعل المضارع
٣
فستَيْسِرَهُو لِلْيَسْرَى ﴾ [الليل: ٧]
١٠٠
فعل الأمر
١
﴿وَصَبْ لِيِ أَمْرِى (١)﴾ [طه: ٢٦]
المصدر
٧
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
مصدر ميمي
١
﴿وَإِن كَانَ ذُوَ عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَقِ﴾ [البقرة: ٢٨٠]
الصفة المشبهة
١٥
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج: ٧٠]
اسم
٢
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴾ [الأعلى:٨]
اسم المفعول
١
﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا ﴾ [الإسراء: ٢٨]
وجاء اليسر في القرآن على وجهين (٢):
الأول: السهل: ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ﴾ [مريم: ٩٧]. أي: سهلناه
وهوناه.
الثاني: الرخاء: ومنه قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اَللّهُ بَعْدَ عُسْرِ بُشْرًا﴾ [الطلاق: ٧]. أي: بعد الفقر
غنىَ.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٧٢.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٤٧٩.
www. modoee.com
٤١١
الفعل الماضي
حرف الياء
الألفاظ ذات الصلة
التخفيف:
١
التخفيف لغة:
وهو في اللغة ضد الثقل والرزانة. قال ابن منظور: ((التخفيف ضد التثقيل، واستخفه
خلاف استثقله))(١).
التخفيف اصطلاحًا:
رفع مشقة الحكم الشرعي بنسخ، أو تسهيل، أو إزالة بعضه أو نحو ذلك، أي: إن كان
فيه في الأصل حرج أو مشقة. والتخفيف أخصُّ من التيسير إذ هو تيسير ما كان فيه عسر في
الأصل، ولا يدخل فيه ما كان في الأصل ميسرًا(٢).
الصلة بين اليسر والتخفيف:
التخفيف في حقيقته صورة من صور اليسر في الشريعة، كما قال الله جلّ وعلا: ﴿اَلْتَنَّ
خَقَّفَ اَللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيَكُمْ ضَعْفًاً﴾ [الأنفال: ٦٦].
الوسع:
٢
الوسع لغةً:
وسع: (وَسِعَهُ) الشيء بالكسر يَسَعُهُ (سِعَةً) بالفتح، و (الوسع) و(السعة) بالفتح: الجدة
والطاقة، جدة الرجل، أي: على قدر سعته، لا يدخر وسعًا: يفعل أقصى ما يقدر عليه (٣).
الوسع اصطلاحًا:
الوسع وهو ((قدر ما تسع له القوة، وهو بمنزلة الطاقة، وهو نهاية مقدور القادر، ولا يصحُّ
ذلك إلا لله تعالى»(٤).
الصلة بين اليسر والوسع:
الوسع من صور اليسر، وقد ورد في القرآن الكريم بمعان عدة، منها: الرخاء والطاقة
والاستطاعة، والغنى.
(١) لسان العرب ٨١/٩.
(٢) الموسوعة الفقهية الكويتية ٢١١/١٤.
(٣) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ٣٣٨، العين، الفراهيدي ٢/ ٢٠٣، معجم اللغة العربية المعاصرة،
أحمد عمر ٣/ ٢٤٤٠.
(٤) الفروق اللغوية، العسكري، ص ٥٦٧.
٤١٢
جوبي
القرآن الكريمِ
اليسر
العسر:
٣
العسر لغة:
وهو: ما دلَّ على صعوبة وشدة. فالعسر: نقيض اليسر، وأعسر الرجل، إذا صار من ميسرة
إلى عسرة، وعسرته أنا أعسره، إذا طالبته بدينك وهو معسر، ولم تنظره إلى ميسرته(١).
العسر اصطلاحًا:
المعنى الاصطلاحي للعسر لا يخرج عن المعنى اللغوي له.
الصلة بين اليسر والعسر:
وقد جاء العسر في القرآن الكريم بمعنى: الشدة، والفقر وضيق الحال.
(١) مقاييس اللغة ٤ /٣٢٠.
www. modoee.com
٤١٣
حرف الياء
اقتران العسر باليسر
سبق القول بأن العسر کثیرًا ما يأتي مقترنا
باليسر، وجاء اليسر أكثر منه، وجاء العسر
منفردًا واليسر منفردًا.
وفي اقتران اليسر بالعسر في كثير من
الآيات حكم بالغة ذكرها أهل العلم، وقد
التمسوا ذلك فذكر كلٌ منهم بما تيسر له.
قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ
وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال جل وعلا: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ
يُتْرً﴾ [الطلاق: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِفُسْرَّا ن إِنَّمَعَ
الْمُسْرِيُسْرًا﴾ [الشرح: ٦].
ويوضح هذا الاقتران لبيان هذه الحكمة
آیات أخر، منها:
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ
مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَنَ نَصْرُ اللَّهِّ أَلَّ إِنَّ نَصْرَ اللّهِ
قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
وقال جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا أُسْتَيْتَسَ
الرُّسُلُ وَغَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَ هُمْ
نَصْرُنَا فَنُِّىَ مَن نَّشَاءٌ وَلَا يُرَدُّ بَأَسُنَا عَنِ الْقَوْمِ
الْمُجْرِمِينَ﴾ [ يوسف: ١١٠].
قال الزمخشري في تفسير سورة الشرح:
((فإن قلت: كيف تعلق قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُشْرِ
يُشْرَّ﴾ بما قبله؟ قلت: كان المشركون يعيرون
رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين
بالفقر والضيقة، حتى سبق إلى وهمه أنهم
رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم،
فذكَّرَهُ ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم
قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ فُسْرًا﴾ كأنه قال: خولناك
ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، فإن
مع العسر الذي أنتم فيه يسرا. فإن قلت: إن
(مع) للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر
والعسر؟ قلت: أراد أن الله يصيبهم بيسر بعد
العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فَقَرَّبَ
اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر،
زيادة في التسلية وتقوية القلوب»(١).
قال القرطبي: ((والذي في الخبر: (لن
يغلب عسر يسرين)(٢) يعني: العسر الواحد
لن يغلبهما، وإنما يغلب أحدهما إن غلب،
وهو يسر الدنيا، فأما يسر الآخرة فكائن لا
محالة، ولن يغلبه شيء. أو يقال: إن مع
العسر وهو إخراج أهل مكة النبي صلى
الله عليه وسلم من مكة يسرًا، وهو دخوله
يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل، مع عزّ
(١) الكشاف ٤/ ٧٧٢.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، ٣/ ٤٣٨، رقم
٣٦٤٤ عن إبراهيم النخعي، يقول: قال ابن
مسعود: «لو كان العسر في جحر لتبعه اليسر،
حتى يستخرجه، لن يغلب عسر يسرين، لن
يغلب عسر يسرين. وهو موقوف على ابن
مسعود.
٤١٤
جوبيهـ
القرآن الكريمِ
اليسر
وشرف))(١).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
أنه بلغه أن أبا عبيدة حصر بالشام وقد تألب
عليه القوم، فكتب إليه عمر: ((سلام عليك،
أما بعد، فإنه ما ينزل بعبد مؤمن من منزلة
شدة إلا يجعل الله له بعدها فرجًا ولن
يغلب عسر يسرين ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَثَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠])(٢).
وخلاصة ما تقدم: إن الحكمة من
اقتران اليسر بالعسر هو لطف من الله تعالى
بالمؤمن وإشعاره بقرب اليسر بعد وقوعه
في العسر، وأنَّ اليسر لا بد له بعد العسر،
وذلك بضمان الله ذلك بقوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ
بَعْدَ عُسْرِبُتْرًا﴾ وجاءت أحاديث عن النبي
صلى الله عليه وسلم تؤيد ذلك من واقع من
سلف من المؤمنين. والله أعلم.
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٠٨/٢٠.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ، ٤٤٦/٢، رقم ٦،
كتاب الجهاد، باب الترغيب في الجهاد،
والحاكم في المستدرك، ٣٢٩/٢، رقم
٣١٧٦.
اليسر في حقّ الله تعالى
أولًا: يسر القدرة:
إن الله تعالى بقدرته الظاهرة التي ليس
بعدها شيء، ييسر كلَّ ما يراه العبد صعبًا
مهما صعب، سواء كانت هذه الصعوبة
في البعد فيوجده الله، أو في العدم فَيُنْشِئَهُ
الله، أو في البعث بعد الموت أو الحشر،
فهما يسران على الله، أو كان في حساب
المخلوقات وجزائها فهين على الله تعالى،
فهو لا يعزبه شيء في الأرض ولا في السماء
سبحانه وتعالى.
ومن هذه الهيئات على الله مما هو في
ركن المستحيل عند الخلق ما يلي:
١. أمره تعالى بين الكاف والنون، حين
يقول للشيء كن فیکون.
إِنَّ كلَّ شيء في هذا الكون يسير وهين
على الله تعالى، وذلك أن قدرته تعالى
الخارقة واضحة ثابتة بأدنى تأمل، في هذا
الكون الذي كان يسيرًا على الله تعالى في
إيجاده من العدم، وما من أمر من الأمور
في السموات والأرض یقول الله له کن إلا
ویکون، وقد دلَّ على ذلك آیات كثيرة، ومن
ذلك:
قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ إِذَا
أَرَّدْنَهُ أَن تَّقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
وقول الله عز وجل ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ
www. modoee.com
٤١٥
حرف الياء
شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ,كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُنَّاْ إِلََّ وَاحِدَةُ
كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].
الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، بل
كلُّ شيء عليه ھیِّنٌ ويسير، وإذ يقول للشيء:
(كن)، فيكون بلا تأخير (١).
قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قَدَّرَ أمرًا
وأراد كونه، فإنما يقول له: كن. أي: مرة بشرتك به من زوجتك العاقر، مع عتيك
واحدة، فيكون، أي: فيوجد على وفق ما
أراد؛ ليسره عليه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا
قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
[يس: ٨٢]، وقوله:
أَمْرُنَآ إِلَّا وَحِدَة
وَمَآ
كَلَمِيجِ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]))(٢).
٢. بدء الخلق من عدم.
لقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم
يذكر الله تعالى فيها بدء الخلق وإعادته،
وكثيرًا ما تأتي هذه الآيات في معرض الردِّ
على المنكرين لذلك وغالبًا ما تختم تلك
الآيات بکون ذلك على الله یسرًا.
ومعنى بدء الخلق هو: إيجاده من العدم،
وهو مصدر مفعول معناه مخلوق (٣).
ومن أمثلة ما ذكر الله تعالى فيه سهولة
بدء الخلق وإعادته: قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّكَ
هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌّ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ
(١) أضواء البيان ٢/ ٣٧٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٣٩٩/١.
(٣) انظر: التحرير والتنوير ٢٢٨/٢٠.
شَيْئًا﴾ [مريم: ٩].
قال ابن جرير: «یقول تعالی ذکرہ ولیس
خلق ما وعدتك أن أهبه لك من الغلام
الذي ذكرت لك أمره منك مع کبر سنك،
وعقم زوجتك بأعجب من خلقك، فإني
قد خلقتك، فأنشأتك بشرًا سويًّا من قبل
قال ابن كثير: ((يبين بذلك تعالى كمال خلقي ما بشرتك بأني واهب لك من الولد،
ولم تك شيئًا، فكذلك أخلق لك الولد الذي
ووهن عظامك، واشتعال شيب رأسك)) (٤).
وقوله: ﴿هُوَعَلَىَّمَێِنٌ ﴾ أي: سهل ويسير.
وقوله تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ
اَللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُنَّ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الَّهِ يَسِيرٌ﴾
[العنكبوت: ١٩].
قال الطبري: يقول تعالى ذكره: أولم
يروا كيف يستأنف الله خلق الأشياء طفلاً
صغیرًا، ثمَّ غلامًا یافعًا، ثمَّ رجلًا مجتمعًا، ثمَّ
کھلا يقال منه: أبدا وأعاد وبدأ وعاد، لغتان
بمعنى واحد. وقوله: ﴿ثمُهُ﴾ یقول:
ثم هو يعيده من بعد فنائه وبلاه، كما بدأه
أول مرة خلقًا جديدًا، لا يتعذر عليه ذلك
إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يِےٌ ﴾ سهل کما کان یسیرًا
علیه إبدائه(٥) .
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُرُ مِن
تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَجَأْ وَمَا تَحْمِلُ
(٤) جامع البيان ١٨ / ١٥١.
(٥) جامع البيان ٢٠/ ٢٠.
٤١٦
القرآن الكريمِ
اليسر
مِنْ أَنْقَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ تُعَمَّرِ
وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ: إِلَّ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ
يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١].
قال السعدي: ((أي: إحاطة علمه بتلك
المعلومات الكثيرة، وإحاطة كتابه فيها،
فهذه ثلاثة أدلة من أدلة البعث والنشور، كلها
عقلية، نبه الله عليها في هذه الآيات: إحياء
الأرض بعد موتها، وأن الذي أحياها سيحيي
الموتى، وتنقل الآدمي في تلك الأطوار،
فالذي أوجده ونقله، طبقًا بعد طبق، وحالًا
بعد حال، حتى بلغ ما قدر له، فهو على
إعادته وإنشائه النشأة الأخرى أقدر، فإعادته
للأموات أيسر وأيسر. فتبارك من كثر خيره،
ونبه عباده على ما فيه صلاحهم، في معاشهم
ومعادهم)»(١).
وبهذا ينتهي الكلام على بدء الخلق،
ونبدأ في الكلام على البعث والنشور، وهو
الإعادة الذي ذکر في أكثر آیات بدء الخلق
حيث يقول الله تعالى: ﴿يُبْدِىُّ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ
◌ُمِیدُهُ
٣. البعث بعد الموت.
إن الله سبحانه وتعالى أخبر أن بعث
الناس بعد الموت وإعادتهم أمر في غاية
السهولة عليه، وكيف لا يكون عليه سهلًا
هينًا، وهو بدأ خلقهم، والإعادة أهون من
البدء. وقد ضرب الله على ذلك أمثلة عدة،
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٦٨٦.
وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقسم
على ذلك، فقال تعالى: ﴿زَعَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ أَنْ
يُسْعَثُوَ قُلْ بَى وَرَبِّ ◌َنُعَنُنَّثُمَ لَنَنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى
اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧].
قال الشنقيطي: ((وقوله:
قسم
وَرَّى
بالرب على البعث الذي هو الإحياء بعد
الموت، وقد أقسم به عليه في القرآن ثلاث
مرات، الأول هذا.
والثاني قوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ
إِى وَرَبِّ إِنَّهُ لَحَقٌ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾
[يونس: ٥٣].
الثالث قوله: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِينَا
السَّاعَةُ قُلْ بَى وَرَبِى لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣].
وقوله: ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ اسم الإشارة
راجع إلى البعث ويُسْرُهُ أمرٌ مُسَلَّمٌ؛ لأنَّ
الإعادة أهون من البدء(٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ
ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى
فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[الروم: ٢٧].
عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله
﴿وَهُوَ أَهْوَتُ عَلَيْهِ ﴾ قال: أيسر.
وعن مجاهد قال: ((الإعادة أهون عليه
من البداءة، والبداءة عليه هين))(٣).
(٢) أضواء البيان ٨/ ٢٠٠.
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٣٥/١٨.
(٣) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٦/ ٤٩١.
www. modoee.com
٤١٧
حرف الياء
البخاري عند تفسير قوله
أُخرج
تعالى﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ من حديث
الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أراه قال:
قال الله تعالى: (يشتمني ابن آدم، وما ينبغي
له أن یشتمني، ويكذبني وما ينبغي له، أمّا
شتمه فقوله: إنَّ لي ولدًا، وأما تكذيبه فقوله:
لیس یعیدني كما بدأني) (١).
وأخرج عند قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَّخَذَ الْخَلَّقُ اَلْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].
٤. الحشر.
اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦].
من حديث ابن عباس رضي الله عنهما،
عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (قال
الله: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك،
وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأمَّا تكذيبه
إیاي، فزعم أني لا أقدر أن أعیده كما كان،
وأما شتمه إياي، فقوله: لي ولد، فسبحاني أن
أتخذ صاحبة أو ولدًا)(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَتُ عَلَيْهِ﴾
كقوله: ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌّ وَقَدْ خَلَقْتُكَ
مِن قَبْلُ وَلَوْتَكُ شَيْئًا﴾ [مريم : ٩].
أي: الأمر مستغرب في العادة، وفي
سنة الله في الخليقة، ولكنَّ قدرة الله تعالى
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، ١٠٦/٤،
رقم ٣١٩٣، كتاب بدء الخلق، باب قول الله
تعالى: (وهو أهون عليه).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب (وقالوا اتخذ الله ولدا)، ١٩/٦، رقم
٤٤٨٢.
صالحة لإيجاد الأشياء بدون أسبابها، فذلك
هین علیه، ليس بأصعب من إيجاده قبل ولم
یکن شيئًا(٣).
كَمَا بَدَأَنَا أَوْلَ
وقال الله تعالى:
خَلْقٍ تُعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَّ فَعِلِينَ﴾
[الأنبياء: ١٠٤].
وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ بَلَى وَهُوَ
الحشر هو: الجمع، وحشر الناس
جمعهم؛ ومنه يوم المحشر (٤).
والحشر: يقوم الناس من قبورهم على
صفة بينها الرسول صلى الله عليه وسلم،
ففي الصحيحين عن عائشة قالت: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا)
أي غير مختونين، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ
نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَيّ السّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا
بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ نُّعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَ
فَعِلِينَ﴾[الأنبياء: ١٠٤](٥).
فحشر العباد ونشرهم في ذلك اليوم أمر
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٩٠.
(٤) لسان العرب ٤ / ١٩٠.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، ٤ /١٣٩، رقم
٣٣٤٩، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول
الله: (واتخذ الله أبراهيم خليلا)، ومسلم
في صحيحه، ٢١٥٠/٤، رقم ٢٧٩٠، كتاب
صفة القيامة.
٤١٨
جوبيع
القرآن الكريمِ
اليسر
سهل علی الله تعالى، بل إنه سبحانه كما
خلقهم أول مرة فسهل أن يعيدهم، وقوله قال الدارقطني: ((يرويه وكيع عن علي بن
جلَّ وعلا: ﴿يَوْمَ تَشَفَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًاً
ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق:٤٤].
قال ابن کثیر: «أي تلك إعادة سهلة علینا،
يسيرة لدينا كما قال جلَّ جلاله: ﴿وَمَا أَمْرُنَّ
إِلَّا وَحِدَةُ كَلَيْجِ بِاَلْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ
وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ *﴾
[لقمان: ٢٨]))(١).
٥. العرض والحساب.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَهُمْ ثُمَّ إِنَّ
قال تعالى: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَّا لَّقَدْ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦].
◌ِثْتُمُونَا كَمَا خَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٌ﴾ [الكهف: ٤٨].
قال ابن جرير: ((يقول عزَّ ذِكْرُهُ: يقال لهم
إذ عرضوا على الله: لقد جئتمونا أيها الناس
أحياء كهيئتكهم حين خلقناكم أول مرة،
وحذف يقال من الكلام لمعرفة السامعين
بأنه مراد في الكلام» (٢).
وقال جلّ وعلا: ﴿يَوْمَيِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى
مِنْكُرْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨].
وقد أخرج الإمام أحمد من حديث أبي
موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (((يعرض الناس يوم
القيامة ثلاث عرضات: فأمَّا عرضتان فجدال
ومعاذير، وأمَّا الثالثة فعند ذلك تطير الصحف
(١) تفسير القرآن العظيم ٣٨٥/٧.
(٢) جامع البيان ١٨/ ٣٧.
في الأيدي فآَخِذُ بيمينه وآخِذٌّ بشماله)(٣).
رفاعة عن الحسن، عن أبي موسى، عن النبي
صلى الله عليه وسلم مرفوعًا، وغيره يرويه
موقوفًا، والموقوف هو الصحيح» (٤).
والحساب: تعريف الله عز وجل
الخلائق بأعمالهم خیرًا أو شرًّا، وتذکیرهم
ما قد نسوه. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ
اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَتِشُهُم بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَنَهُ اللَّهُ
وَنَسُوهٌ﴾ [المجادلة: ٦].
ودلت آيات أخرى بطريق الإشارة على
يسر الحساب على الله تعالى يوم يعرض
عليه الخلق، كقول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ
لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
[البقرة: ٢٠٢].
وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل
عمران: ١٩٩].
وقوله جلَّ وعز: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ
وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٨٦/٣٢، رقم
٠١٩٧١٥
(٤) علل الدار قطني ٢٥١/٧.
قال محققو المسند: وتبقى علة الانقطاع بين
الحسن وأبي موسى، وعلي بن علي بن رفاعة،
قال أحمد: لا بأس به، إلا أنه رفع أحاديث.
www. modoee.com
٤١٩
حرف الياء
وقول الله جل وعلا:
تَجْزَى كل
ليومٍ
نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظَلَّمَ اَلْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ
سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧].
قال ابن عطية: ((لأنه لا يحتاج إلى عقد صفاته تعالى الذاتية، فهي لا تنفك عنه جل
ولا إلى إعمال فکر، وقيل لعلي بن أبي طالب
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَيَعْلَمُ مَا
فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ
عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠].
رضي الله عنه: كيف يحاسب الله الخلائق
في يوم؟ فقال «كما يرزقهم في يوم))، وقيل:
الحساب هنا المجازاة، كأن المجازي يعد
دلت هذه الآية على أمرين:
أجزاء العمل ثم يجازي بمثلها، وقيل معنى
الآية: سريع مجيء يوم الحساب، فالمقصد
بالآية الإنذار بيوم القيامة»(١).
وقال البغوي: ﴿سَرِيعُ لْحِسَابِ﴾ أي:
«حسابه واقع لا محالة، وكل ما هو واقع لا
محالة، فهو سريع، وقيل: سرعة حسابه أنه
لا یشغله حساب واحد عن حساب الآخر،
ولا یشغله سمع عن سمع، فهو أسرع
الحاسبين))(٢).
ثانيًا: يسر العلم:
بعد أن ذكرنا في المطلب السابق، من
يسر بعث الناس وحسابهم على الله عز
وجل، فإن الحديث في هذا المطلب يكون
عن يسر العلم في حق الله تعالى، وإحاطته
بجميع المخلوقات، وذلك من خلال ما
يأتي:
١. يسر علم ما في السموات وما في
(١) المحرر الوجيز ٢٧٧/١.
(٢) شرح السنة ١٣١/١٥.
الأرض على الله عز وجل.
سهل على الله تعالى أن يعلم ما في
السموات وما في الأرض؛ لأن العلم من
وعلا.
الأول: كمال علم الله بخلقه، وأنه محيط
بما في السموات وما في الأرض، ولا يعزب
عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء،
وقد علم الكائنات كلها قبل وجودها، وقد
ثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله بن
عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل
خلق السموات والأرض بخمسين ألف
سنة، وكان عرشه على الماء)(٣).
فالله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه
خافية من ظواهر الأمور وبواطنها، خفيها
وجليها، متقدمها أو متأخرها، وأنَّ علمه هذا
سهلٌ عليه ويسيرٌ لديه، وإن رآه بعض العباد
مستحيلًا أو مستبعدًا، أو كان تصور العباد
أن ذلك لا يحاط به، فإنَّ ذلك لعجزهم
ومحدودية قدراتهم (٤).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، ٢٠٤٤/٤، رقم
٢٦٥٣، كتاب القدر.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٣٣٥.
٤٢٠
القرآن الكريم
اليسر
وقال تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ
رَبِهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا
•[الجن: ٢٨].
٢٨
وبهذا يعلم أنه حتى الأنبياء والرسل لا
يعلمون إلا ما علمهم الله تعالى وأطلعهم
عليه من علم الغيب، وهذا يعم الرسول
الملكي والرسول البشري(١).
ومن علم ما في السموات والأرض
أنَّ الله يعلم السرَّ وأخفى، كما قال تعالى:
﴿وَإِن تَجْهَرْ بِلْقَوَّلِ فَإِنَّهُ، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾
[طه: ٧].
والسُّ ما تحدث به نفسك، وأخفی ما
لم تحدث به نفسك، وقيل: السرُّ: ما تسره الله، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه
الیوم، وأما ما تُسِرُّ غدا فلا تعلمه، ولكن الله
يعلم ما تُسِرُّ اليوم وما تُسِرُّ غدا(٢).
وهو سبحانه وتعالى يعلم المخبوء في
السموات والأرض، كما قال تعالى:
الَّ
يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْهَ فِي السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
٢٥
[النمل: ٢٥].
ولدیه سبحانه مفاتيح العلوم كلها، كما
قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا
إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ
مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ◌ُظُلُّمَتِ
اُلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِ كِنَبِ نُِّرِ﴾
(١) تفسير القرآن العظيم ٤/ ٤٣٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم ١٤٤/٣.
[الأنعام: ٥٩].
فقد أحاط علمه بجميع ما خلق في
السموات العلا، وما في الأرضين السبع وما
بينهما وما تحت الثرى، يعلم السِّرَّ وأخفى،
ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور،
ويعلم الخطرة والهمة، ويعلم جميع ما
توسوس النفوس به، یسمع ویری، وهو
بالنظر الأعلى لا يعزب عنه مثقال ذرة في
السماوات والأرضين إلا وقد أحاط علمه
به(٣).
وقد روى البخاري في صحيحه من
حديث ابن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد
وسلم قال: (مفاتيح الغيب خمس: ﴿ إِنَّ
اللَّهَ عِندَهُ, عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُتَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ
مَا فِ آلْأَرْحَاءِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ
غَدًاٌ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ
خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤])(٤).
الأمر الثاني: أن ذلك العلم المحيط بما
في السموات والأرض قد أثبته الله تعالى
في كتاب، وهو اللوح المحفوظ، وقد جاء
في الحديث: (إنَّ أول ما خلق الله القلم،
فقال له: اكتب فجرى بما هو كائن إلى
(٣) الإبانة الكبرى، ابن بطة ١٤١/٧.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ١١٦/٩، رقم
٧٣٧٩، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:
(عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا).
www. modoee.com
٤٢١
حرف الياء
الأبد)(١).
فالله سبحانه وتعالى يسير عليه أَنْ يحيط
علمًا بجميع الأشياء، وأن يكتب ذلك في
كتاب مطابق للواقع (٢).
وقال الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا
فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ مَايَكُونُمِن نَّْوى
ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِ سُهُعْ
وَلَاَ أَدْفَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ
ثُمَّ يُكَنْتُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِّ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَقٍْ
عَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: ٧].
فكلُّ شيء بقضاء الله وقدره ومشيئته
قال ابن كثير: أي: يطلع عليهم يسمع وإرادته، لا يخرج عن ذلك شيء من الأشياء،
كلامهم وسرهم ونجواهم، مع ذلك تكتب وهو أيضًا مكتوب في اللوح المحفوظ (٤).
ما يتناجون به، مع علم الله وسمعه لهم، كما
قال: ﴿أَلَمْ يَعْلُوْأَنَ اَللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ
وَنَجْوَدُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ ﴾
[التوبة: ٧٨].
ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن
المراد بهذه الآية معية علم الله تعالى ولا
شكّ في إرادة ذلك، ولکن سمعه أيضًا مع
علمه محيط بهم، وبصره نافذ فیھم، فهو،
سبحانه، مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من
أمورهم شيء (٣).
(١) أخرجه الترمذي في سننه، ٣٩٤/٥، رقم
٣٣١٩، كتاب التفسير، باب ومن سورة
القلم ..
وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي
١٢٣/٣، رقم ٢٦٤٥.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٢٣٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٤٢.
٢. علم الكائنات كلها قبل وجودها.
الله سبحانه وتعالى قد إحاط بالأشياء
وعلمها قبل كونها، ثم كتبها في اللوح
المحفوظ، فكلّ ما يقع في هذا الكون فهو
داخل في علم الله سبحانه وتعالى الأزليِّ
وفيما كتبه في اللوح المحفوظ، كما قال الله
تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِىّ
أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَّبْرَاهَاْ إِنَّ
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢].
قال الحافظ ابن كثير: «هذه الآية الكريمة
من أدلِّ دليل على القدرية نفاة العلم السابق
قبحهم الله))، وقال في قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ
عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ﴾؛ ((أي: إن علمه تعالى الأشياء
قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها
سهل على الله عز وجل؛ لأنه يعلم ما كان
وما یکون، وما لم یکن لو کان کیف کان
یکون»(٥).
وقال الله عز وجل: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمٍَّ
وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِ كِنَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ
يَسِيرُ﴾ [فاطر: ١١].
وقال جل في علاه: ((﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلِّمُ السَّاعَةِ
وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ
(٤) انظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد
٢٤٨/٢.
(٥) تفسير القرآن العظيم ٥٩/٨.
عَمُ النَّسِيَّةـ
جوبيه
الْقُرآن الكَرِيمِ
٤٢٢
اليسر
مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلََّ بِعِلْمِهِ، وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ
شُرَكَآءِى قَالُواْ ءَاذَنَّكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾
[فصلت: ٤٧].
قال ابن کثیر: أي: لا يعلم ذلك أحد سواه
کما قال محمد صلی الله عليه وسلم وهو
سيد البشر لجبريل عليه الصلاة والسلام
وهو من سادات الملائكة، حین سأله عن
الساعة فقال: (ما المسؤول عنها بأعلم من
السائل)(١). وكما قال عز وجل: ﴿إِلَىرَبِّكَ
مُنْتَهَا﴾ [النازعات: ٤٤](٢). والله تعالى أعلم.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، ١١٥/٦،
رقم ٤٧٧٧، كتاب التفسير، باب قول الله
تعالى: (إن الله عنده علم الساعة)، ومسلم في
صحيحه، ٣٦/١ رقم ٨، كتاب الإيمان.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٩/٧.
أسباب جلب اليسر
أولًا: التقوى:
مما جاء من الآيات الدالة على أنَّ التقوى
تجلب التيسير: قول الله تعالى:﴿وَمَنْ
يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَحًا ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا
يحتسِبُ ﴾ [الطلاق: ٣].
وقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل
لَّهُ مِنْ أَمْيِ هِ فُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤].
وقوله: ﴿لَا يُكَلِفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلََّ مَآ ءَاتَهَا"
سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِ بُشْرًا﴾ [الطلاق: ٧].
وكلُّ ما جاء في هذه الآيات أفاد التسهيل
والتيسير ونفى الضيق والحرج لمن اتقاه،
وأن عاقبتهم دائمًا للفرج والمخرج والخفة
والتيسير.
قال ابن كثير: ((أي: يسهل له أمره،
وییسره علیه، ویجعل له فرجًا قريبًا ومخرجًا
عاجلًا)).
ثم قال: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اَللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُ﴾
[الطلاق: ٥].
أي: «حكمه وشرعه أنزله إليكم بواسطة
رسول الله صلی الله عليه وسلم، ﴿وَمَنيَنَّقِ
اَللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْيِهِ أُسْرًا﴾ أي: يذهب عنه
المحذور، ويجزل له الثواب على العمل
اليسير))(٣).
وقال السعدي: ((أي: من اتقى الله تعالى،
(٣) تفسير القرآن العظيم ١٥٢/٨.
www. modoee.com
٤٢٣
حرف الياء
يسر له الأمور، وسهل عليه كلَّ عسيرٍ))(١).
ثانيًا: البذل والعطاء:
البذل والعطاء سبب لجلب اليسر، ومن
اليسر الخُلْفُ لما أنفقٍ، وذلك بصريح
القرآن. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ
فَهُوَ يُخْلِفُةٌ، وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩].
ومن الآيات الدالة على تيسير أمور الباذل
في سبيل الله تعالى: قوله جل وعلا:
مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى ل وَصَدَّقَ بِالْحُنْفَ ل فَسَيَسِّرَهُ,
لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧].
قال ابن سعدي رحمه الله: «أي: نسهل
عليه أمره، ونجعله میسرًا له کل خیر، میسرًا
له ترك كلِّ شرٌّ، لأنه أتى بأسباب التيسير،
فيسرَّ الله له ذلك. ﴿وَأَمَّا مَنُّ ◌َخِلَ﴾ بما أمر
به، فترك الإنفاق الواجب والمستحبَّ، ولم
تسمح نفسه بأداء ما وجب لله، ﴿وآُسْتَغْنَى﴾
عن الله، فترك عبوديته جانبًا، ولم ير نفسه
مفتقرة غاية الافتقار إلى ربها، الذي لا نجاة
لھا ولا فوز ولا فلاح، إلا بأن یکون ھو
محبوبها ومعبودها، الذي تقصده وتتوجه
إليه))(٢).
وقال النبي صلی الله عليه وسلم: (ما
نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا
بعفو، إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٧١.
(٢) تيسر الكريم الرحمن ص ٩٢٦.
الله)(٣).
وقد ذكر أهل العلم في معنى النقص
والزيادة في الحديث على وجهين:
أحدهما: معناه أنه يبارك فيه ويدفع عنه
المضرات فينجبر نقص الصورة بالبركة
الخفية، وهذا مدرك بالحس والعادة.
والثاني: أنه وإن نقصت صورته كان في
الثواب المرتب عليه جبر لنقصه وزيادة إلى
أضعاف كثيرة (٤).
ثالثًا: الدعاء:
الدعاء هو العبادة، وقد ندب الله تعالى
عباده إلى الدعاء، وأخبر أنه قريب منهم
يفرج كرباتهم وييسر أمورهم، ويجيب
المضطر إذا دعاه.
ومن الآيات الدالة على ذلك قول الله
تعالى عن دعاء موسى عليه السلام: ﴿قَالَ
رَبِّ أَشْرَعْ لِ صَدْرِى ٥ وَيَسْ لِ أَمْرِى وَأَحْلُلْ
عُقْدَةً مِّن ◌ِسَانِ يَفْقَهُواْ قَوْلِ { وَأَجْعَل
◌ِ وَزِيرًا مِنْ أَهْلِ مَرُونَ أَخِىِ ن أَشْدُدْ بِهِ»
أَزْرِى ) وَأَشْرِكُهُ فِىَ أَمْرِى ﴿ كَىْ نُسَبِّحَ كَثِيرًا
﴿ وَنَذْكُرُكَ كَثِيرًا (٦ إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا
﴿﴿ قَالَ قَدْ أُوِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ٣٦].
فموسى عليه السلام دعا بهذه الدعوات
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، ٢٠٠١/٤، رقم
٢٥٨٨، كتاب البر والصلة، من حديث أبي
هريرة.
(٤) انظر: دليل الفالحين ٥٣٨/٤.
٤٢٤
فَضْو
مُؤْشَوَالَرُ الْتَفْسِيْ
جوسين
القرآن الكريمِ
اليسر
الطيبات وكان مما دعا به تيسير أمره، وقد توليه إلى الظل. وهذا سيأتي في المبحث
الذي یلیه. والله أعلم.
أجابه الله تعالى فيسر أمره بقوله: ﴿قَالَ
قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾ حيث أرسل معه
أخاه هارون ليساعده في نشر الدعوة وتبليغ
رسالة الله تعالی.
قال ابن سعدي: فقال الله ﴿قَالَ قَدْ
أُوْتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾ أي: أعطيت جميع
ما طلبت فسنشرح صدرك، ونيسر أمرك،
ونحل عقدة من لسانك يفقهوا قولك، ونشد
عضدك بأخيك هارون، وهذا السؤال من
موسى عليه السلام يدلُّ على كمال معرفته
بالله و کمال فطنته، ومعرفته للأمور وكمال
نصحه، ويحتاج مع ذلك أيضًا أن يتيسر
له أمره فيأتي البيوت من أبوابها، ويدعو
إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة
والمجادلة بالتي هي أحسن، يعامل الناس
کلا بحسب حاله، وتمام ذلك أن یکون لمن
هذه صفته أعوان ووزراء يساعدونه على
مطلوبه؛ لأن الأصوات إذا كثرت لا بد أن
تؤثر؛ فلذلك سأل عليه الصلاة والسلام
هذه الأمور فأعطيها(١).
وبهذا يعلم أن الدعاء بالتيسير مما يجلبه،
وسؤال الله ذلك قد يكون مباشرة أو غير
مباشر فالمباشر مثل ما فعل موسى هنا في
هذه الآية، وغير المباشر سؤاله ربه لما خرج
إلى مدين وخدمته ابنتي الرجل الصالح ثم
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٥٠٤.
رابعًا: مساعدة الخلق:
ورفع المشقة عن العباد، أي: مساعدتهم
ومساندتهم والوقوف معهم وخدمتهم فيما
يحتاجون إليه. وهذا مما يجلب التيسير
لصاحبه، ذلك أن الجزاء من جنس العمل.
قال الله تعالى عن موسى عليه السلام
حين خرج إلى مدين وخدم المرأتين ثم
تولى إلى الظل، حيث قال: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ
تَوََّ إِلَى الْظِلِّ فَقَالَ رَبِّ إِّ لِمَّآ أَنْزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ
فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].
قال ابن سعدي: رحمه الله: ((أي: إني
مفتقر للخير الذي تسوقه إلي وتيسره لي.
وهذا سؤال منه بحاله، والسؤال بالحال
أبلغ من السؤال بلسان المقال، فلم يزل
في هذه الحالة داعيًا ربه متملقًا. وأمَّا
المرأتان، فذهبتا إلى أبيهما، وأخبرتاه بما
جری. فأرسل أبوهما إحداهما إلى موسىٍ،
فجاءته ﴿تَمْشِى عَلَى أُسْتِحْيَآٍَ﴾ وهذا يدلّ
على كرم عنصرها، وخلقها الحسن، فإن
الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصًا في
النساء)»(٢).
فموسى عليه السلام لما قام بخدمة
المرأتین ومساعدتهما، قیظ الله له ويسر له
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٦١٤.
www. modoee.com
٤٢٥
حرف الياء
الأمن والمأوى والزواج، وهكذا وعد الله
كلَّ من أعان أخاه أن الله تعالى ييسر أمره
ویعینه.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من کرب
الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم
القيامة، ومن يَسَّرَ على معسر، يَسَّرَ الله عليه
في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً، ستره
الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد
ما كان العبد في عون أخيه)(١).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، ٤/ ٢٠٧٤،
رقم ٢٦٩٩، كتاب الذكر والدعاء والتوبة
والاستغفار.
اليسر في التشريع
أولًا: اليسر من مقاصد التشريع:
ما أنزله الله تعالى من الأحكام إلى
عباده کله سهل میسر، لا عسر فيه ولا شدة،
ولا يمكننا حصر الآيات الدالة على ذلك
لكثرتها، لكن نذكر بعضا منها:
قال الله تعالى: ﴿وُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ
وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ
وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَاهَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وهذه الآية وإن كانت نزلت فى سياق
قضية خاصة، وهي الرخصة في الصيام، إلا
أنها عامة في الشريعة الإسلامية؛ لأن العبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكلّ
الآيات التي وردت في شأن خاصٍّ فإنها
تكون عامة، إلا إذا ورد ما يخصصها.
وقال جل وعلا: ﴿وَيَُّسِّرُكَ لِلْيُسْرَى
[الأعلى:٨].
قال ابن كثير: «أي: نسهل علیك یا
محمد أعمال الخير، ونشرع لك شرعًا سهلًا
سمحًا))(٢).
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحَفِّفَ عَنكُمْ
٤
وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨].
قال القرطبي: «یرید الله أن ييسر عليكم
بإذنه لكم في نكاح الفتيات المؤمنات إذا لم
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٣٨٠/٨.
٤٢٦
الْقُرْآن الكَرِيمِ
اليسر
تستطيعوا طولًا لحرة)). ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَنُ كتبه بأنَّ الواجبات كلَّها تسقط بالعجز عن
أدائها (٣).
ضَعِيفًا﴾ يقول: ((يَسَّرَ ذلك عليكم إذا
كنتم غير مستطيعي الطول للحرائر، لأنكم
خلقتم ضعفاء عجزة عن ترك جماع النساء،
قليلي الصبر عنه، فأذن لكم في نكاح
فتیاتکم المؤمنات، عند خوفکم العنت على
أنفسكم، ولم تجدوا طولًا لحرة؛ لئلا تزنوا،
لقلة صبركم على ترك جماع النساء»(١).
وقال جل وعز: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ
مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨].
فقد أفادت هذه الآيات أن الله تعالى أراد
بهذه الأمة اليسر والتخفيف، ونفي إرادة
العسر والحرج.
ونفى سبحانه وتعالى أن يكون كلف
عباده ما لا يطيقون، فقال تعالى: ﴿لَا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال جل وعلا: ﴿لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢].
قال الزمخشري: الوُسْعُ هو ما يَسَعُ
الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، أي:
لا یکلفها إلا ما يتسع فيه طوقها، ویتیسر
عليها، دون مدى الطاقة والمجهود (٢).
ومن هنا قرر الفقهاء أنَّ ما عجز عن أدائه
سقط وجوبه، كما صرَّحَ شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه الله تعالى في غير موضع من
(١) الأنوار الساطعات لآيات جامعات ٣٤٨/١.
(٢) الكشاف، الزمخشري ١/ ١٧٢.
وقد وردت أحاديث كثيرة لا يمكن
حصرها في هذا المبحث تصرح بيسر الدين
ورفع الحرج عن المسلمين، ومن ذلك: قوله
صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدين يُسْرٌّ، ولن
یشاد الدین أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا،
وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء
من الدلجة)(٤).
والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال
الدينية ويترك الرفق إلا عجز، وانقطع
فيغلب، وقوله: فسددوا، أي: الزموا السداد،
وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط، قال
أهل اللغة: السداد التوسط في العمل(٥).
وقال عليه الصلاة والسلام: (إن خير
دینکم آیسره، إن خیر دینکم آیسره، إن خير
دینکم أيسره) (٦).
وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله
عنه: (إنَّ الله لم يبعثني معنًا ولا متعنتًا،
ولكن بعثني معلمًا ميسرًا)(٧).
(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠٣/٢٦ -
٢٠٤.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ١٦/١، رقم
٣٩، كتاب الإيمان، باب الدين يسر.
(٥) فتح الباري، ابن حجر ١ / ٩٥.
(٦) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٧٩/٣، رقم
١٥٩٣٦، والبخاري في الأدب المفرد،
١٢٤/١، رقم ٣٤١.
وحسنه الألباني.
(٧) أخرجه مسلم في صحيحه، ٢/ ١١٠٤، رقم
www. modoee.com
٤٢٧
حرف الياء
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وما لا يعطي على ما سواه)(٢).
قال: (أنَّ أعرابيًّا بال في المسجد، فثار إليه
الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله صلی
الله عليه وسلم: (دعوه، وأهريقوا على بوله
ذنوبًا من ماء، أو سَجْلًا من ماء، فإنما بعثتم
ميسرين ولم تبعثوا معسرين)(١).
فاليسر من سمات الشريعة الإسلامية،
فإِنَّ الله تعالى نفى عن هذه الأمة الحرج
والعنت وما يشق عليها.
ثانيًا: اليسر في العبادات:
إِنَّ هذا الدین یُسْرِ، وليس فيه حرج ولا
عسر، وذلك بإرادة الله له ذلك؛ تخفيفا على
عباد الله، وهناك آيات عدة، وأحاديث كثيرة
تفيد بأنَّ هذا الدين مبنيٌّ على التيسير، وعدم
التشديد والتعسير، ومن ذلك:
ج
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ
وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨].
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
[الحج: ٧٨].
وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما من
حديث عائشة رضي الله تعالى عنهما أنه قال
لها: (ياعائشة! إنَّ الله رفيقٌ يحب الرفق،
ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف،
١٤٧٨، كتاب الطلاق.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، ١/ ٦٥، رقم
٢٢٠، كتاب الإيمان، باب الدين يسر.
وعن عائشة أيضًا عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (إنَّ الرفق لا يكون في شيء
إلا زانه، ولا ينزع عن شيء إلا شانه)(٣).
وقال عليه الصلاة والسلام: (يسِّروا ولا
تعسِّروا، وبشروا ولا تنفروا) (٤).
ففي هذه الآيات والأحاديث يحثُّ الله
سبحانه وتعالى عباده على الرفق، واللين،
وأخبر أنه إنما يريد الله أن يخفف على
عباده، وأنه لا يريد أن يجعل عليهم من
حرج؛ لأن الله تعالى يعلم ضعفهم لذلك
خفف عنهم.
والله سبحانه وتعالى يسر للناس
عباداتهم، وقد سبق قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨].
وكل العبادات إنما هي مبنية على التيسير
والتسھیل ورفع الحرج، ومن ذلك:
١. اليسر في الطهارة.
فإن الله سبحانه وتعالى قد وجّه عباده
إلى أنْ يطهروا قلوبهم وأبدانهم، وأوجب
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، ١٤/٨، رقم
٦٠٢٤، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر
كله، ومسلم في صحيحه، ٤/ ٢٠٠٣، رقم
٢٥٩٣، كتاب البر والصلة والأدب.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، ٤/ ٢٠٠٤، رقم
٢٥٩٤، كتاب البر والصلة والأدب.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، ١/ ٢٧، رقم
٦٩، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، ومسلم
في صحيحه، ١٣٥٨/٣، رقم ١٧٣٢، كتاب
الجهاد والسير.
٤٢٨
جوُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ