Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الوَّهُ عناصر الموضوع مفهوم الوهن ٢٨٦ الوهن في الاستعمال القرآني ٢٨٧ الألفاظ ذات الصلة ٢٨٨ أنواع الوهن وأسبابه ٢٩٠ أثر الوهن في الأفراد والأمم ٣٠٦ ٣١٢ علاج الوهن المُجَلَّدَ الخَامِسْ، وَالثَّلاثُونْ حرف الواو مفهوم الوهن أولًا: المعنى اللغوي قال ابن فارس: ((الواو والهاء والنون كلمتان تدل إحداهما على ضعف، والأخرى على زمان))(١). فالضعف نحو: وهن الشيء يهن وهنا: ضعف، والزمان الوهن والموهن: ساعة تمضي من الليل، وأوهن الرجل: صار أو سار في تلك الساعة. ويطلق الوهن على ثلاثة معانٍ، هي: الضعف، وساعة من الليل، والفتور(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي قال الخليل: ((الوهن: الضعف في العمل، وفي الأشياء، وكذلك في العظم ونحوه))(٣). وقال الراغب الأصفهاني: ((الوهن: ضعف من حيث الخلق، أو الخلق)) (٤). وقال الفيومي: ((وهن: ضعف، فهو واهن في الأمر والعمل والبدن))(٥). وقيل: ((ضعف تماسك البدن أو الشيء من اشتماله على رخاوة، ولذهاب الصلابة منه))(٦). وقيل: ((انكسار حد الشيء، بعد قوة متحققة أو ممكنة، مما يؤدي إلى عجزه))(٧). (١) مقاييس اللغة، ١٤٩/٦. (٢) العين، الفراهيدي، ٩٢/٤، تهذيب اللغة، الأزهري، ٢٣٤/٦. (٣) العين، الفراهيدي ٤/ ٩٢. (٤) المفردات، ص٨٨٧. وانظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٢٨٧/٥. (٥) المصباح المنير، ٢/ ٦٧٤. وتابع المعاصرون الفيومي، انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٢/ ١٠٦٠، معجم الرائد، جبران مسعود، ص٨٧٤. وقد غلب الاستخدام المصطلحي للفظ (الوهن) في الطب والتشريح، وأطلق الأطباء العرب قديما مصطلح)) الوهن)) على حالة هي أقل من خلع المفصل. انظر: القانون في الطب، لابن سينا، ٢٤٥/٣. واليوم كثر استخدام اللفظ مصطلحًا، في علوم عديدة، ومن ذلك: وهن الرحم، ووهن الصوت، ووهن البصر، والوهن العضلي، والوهن العصبي، والوهن النفسي. (٦) المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، محمد حسن جبل، ٢٣٢٧/٤. (٧) من ألفاظ القوة ومقابلاتها في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي ص ١٥. ٢٨٦ جوبي القرآن الكريمِ الوهن الوهن في الاستعمال القرآني وردت مادة (وهن) في القرآن الكريم (٨) مرات(١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١ قَالَ رَبٍ إِنِّ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّى﴾ [مريم: ٤] الفعل المضارع ٣ ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] المصدر ٢ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنِ ﴾ [لقمان: ١٤] ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُؤمِنُ كَيْدِ الْكَفِرِينَ ١٨ اسم فاعل ١ [الأنفال: ١٨] اسم تفضيل ١ يَعْلَمُونَ ( ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ اٌلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنَكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ [العنكبوت: ٤١] وجاء الوهن في القرآن على معناه اللغوي وهو: الضعف(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص ١٤٣٣. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٤٩/٦. www. modoee.com ٢٨٧ حرف الواو الألفاظ ذات الصلة الضعف ١ الضعف لغةً قال الجوهري: ((الضعف خلاف القوة)»(١). الضعف اصطلاحًا قال الراغب: ((والضعف قد يكون في النفس، وفي البدن، وفي الحال))(٢). الصلة بين الوهن والضعف قال أبو هلال العسكري: ((الوهن هو أن يفعل الإنسان فعل الضعيف وهو قوي في نفسه، فهو من فعل الإنسان. أما الضعف فهو من فعل الله تعالى بالإنسان، كما أن القوة من فعله، تقول: خلقه الله ضعيفًا أو خلقه قويًا))(٣). وفرق بعضهم بينهما، فبين أن بينهما عمومًا وخصوصًا وجهيًا، فيجتمعان في الضعف إذا كان طارئًا، وينفرد الضعف في إطلاقه على الضعف الأصلي، وينفرد الوهن في صفات أخرى؛ إذ قد يكون الوهن جبنًا بعد شجاعة، أو فتورًا بعد عزيمة، أو توانيًا بعد همة، أو اختلالًا بعد إحكام إلخ (٤). القوة ٢ القوة لغة ((القوة تدل على الشدة، وهي خلاف الضعف)»(٥). القوة اصطلاحًا تستعمل تارة في معنى القدرة، وتارة للتهيؤ الموجود في الشيء، قد یکون في البدن أو في القلب أو المعاون أو القدرة الإلهية (٦). وأطلقت القوة في القرآن الكريم على خمسة معانٍ: الشدة والبطش، والأنصار والأعوان، والجد والاجتهاد، والسلاح، والقدرة والطاقة(٧). (١) الصحاح، ٤ /١٣٩٠. (٢) المفردات، ص٥٠٧. (٣) الفروق اللغوية، ص ١١٥. (٤) من ألفاظ القوة ومقابلاتها في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي ص ٢٢. (٥) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٦/٥. (٦) المفردات، الراغب ٦٩٤، بتصرف. (٧) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر، ص٣٨٣. ٢٨٨ جَوَُّور القرآن الكريم المهن الصلة بين الوهن والقوة الوهن: هو ضعف بعد قوة، فالعلاقة بينه وبين القوة علاقة تضاد. وقيل: إن لفظ (القوة) هو المقابل التام للفظ (الوهن)، فالقوة: شدة، وجد، وشجاعة، وإحكام، واستطاعة. والوهن: ضعف، وفتور، وجبن، وخلل، وعجز(١). الكسل ٣ الكسل لغة ((الكسل أصلٌ يدل على التثاقل عن الشيء والقعود عن إتمامه))(٢). الكسل اصطلاحًا ((الفتور في الأفعال لسآمة أو كراهية))(٣). الصلة بين الوهن والكسل الكسل هو فتور مع إمكان العزم والجد، وهو بهذا المعنى أخص من الوهن. السنة ١ العزم لغة ((عزم على الشيء: عقد ضميره على فعله، وعزم عزيمة: اجتهد وجد في أمره)) (٤). العزم اصطلاحًا ((العزم: عقد القلب على إمضاء الأمر))(٥). الصلة بين الوهن والعزم العزم يقابل الفتور، والفتور هو أحد معاني الوهن، ومن ثم فالعلاقة بين الوهن والعزم التضاد في المعنى. (١) من ألفاظ القوة ومقابلاتها في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي ص٢١. (٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٧٨/٥. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٩/٥. (٤) المصباح المنير، الفيومي، ٤٠٨/٢. (٥) المفردات، الراغب، ص٥٦٥. www. modoee.com ٢٨٩ حرف الواو أنواع الوهن وأسبابه يصنف (الوهن) في القرآن الكريم من حيث الشيء الواهن إلى ثلاثة أنواع: وهن الجسم، ووهن القلب، ووهن العمل. وفيما يأتي توضیح لها. أولًا: وهن الجسم وأسبابه ورد لفظ (وهن) للدلالة على وهن الجسم، مرتين في القرآن الكريم: الأولى للدلالة على وهن العظم. والأخرى للدلالة على وهن الحامل. وأما معنى الوهن وهو الدلالة على الضعف، فقد ورد في آیات عديدة کما في المرض أو مرحلة الشيخوخة. تبين آيات الكتاب الكريم أن الجسم يصيبه الوهن إما بسبب الكبر، وإما بسبب العوارض الطارئة كالحمل والولادة. ١. الوهن بسبب الكبر. يعرض للجسم الوهن بسبب الكبر، فیرق عظمه، ویشیب رأسه، ویرتعش صوته، وتزداد مخاوفه(١). وقد اجتمعت هذه المظاهر في نداء زكريا عليه السلام: ﴿إِذْ نَادَىْ رَبَّهُ نِدَآءُ خَفِيًّا قَالَ رَبٍ إِ وَهَنَ اُلْعَظْمُ مِنِى وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ ◌َيْبًا وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَلَبِكَ رَبِّ شَفِيًّا ) (١) انظر: التناسق الهرموني في أوائل سورة مريم، مجلة الإعجاز العلمي. وَإِ خِفْتُ اَلْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ أَمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٢-٥]. قال الرازي: ((واعلم أن زكريا عليه السلام قدم على السؤال أمورًا ثلاثة: أحدها: كونه ضعيفًا. والثاني: أن الله تعالى ما رد دعاءه البتة. والثالث: کون المطلوب بالدعاء سببًا للمنفعة في الدين، ثم بعد تقرير هذه الأمور الثلاثة صرح بالسؤال)) (٢). فزكريا يشكو من وهن جسمه بسبب الكبر، فذكر وهن عظمه، وشیب رأسه، ووهن العظم كما قال المفسرون: ضعفه، قال الطبري: ((ضعف ورق من الكبر)) (٣). وقال ابن كثير: ((ضعفت وخارت القوى» (٤). وقد بين الزمخشري وجه إسناد الوهن إلى العظم؛ ((لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن کان ما وراءه أوهن)»(٥). (٢) مفاتيح الغيب ٥٠٨/٢١. (٣) جامع البيان ١٤٣/١٨. وانظر: الكشاف، الزمخشري ٤/٣، فتح القدير، الشوكاني ٣٧٩/٣، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٨٩. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١١/٥. (٥) الكشاف ٣/ ٤. وتابعه عامة المفسرين، انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧٧/١١، البحر المحيط، أبو حيان ٢٣٩/٧، نظم الدرر، البقاعي ٢٩٠ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ المهن فالمفسرون يرون أن وهن العظم يستلزم توكيدًا لما فيه من الارتكان على حول الله وقوته، والتبري عن الأسباب الظاهرة)» (٤). وهن الجسم، كما قال الشنقيطي: «فوهنه يستلزم وهن غيره من البدن»(١). وقال ابن كثير: ((والمراد من هذا الإخبار وقال ابن عاشور: «لأن العظم هو قوام عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة البدن، وهو أصلب شيء فيه، فلا يبلغه والباطنة))(٥). الوهن إلا وقد بلغ ما فوقه)»(٢). وقال السعدي: ((شكا إلى ربه ضعفه كما ربط الرازي بين وصف النداء الظاهر والباطن)) (٦). بـ(الخفي)، وبين مظاهر الوهن في جسم زكريا، فذكر من الأوجه: ((خفي صوته؛ لضعفه وهرمه، كما جاء في صفة الشيخ: صوته خفات وسمعه تارات. فإن قيل: من شرط النداء الجهر، فكيف الجمع بين كونه نداء وخفيًا؟ والجواب من وجهين، الأول: أنه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصوت إلا أن الصوت كان ضعيفًا؛ لنهاية الضعف بسبب الکبر، فکان ﴿ندآء ﴾ نظرًا إلی قصده، و﴿خَفِيًّا﴾ نظرًا إلى الواقع))(٣). وبين الرازي أن ﴿وَهَنَ اُلْعَظُمُ﴾ هو استيلاء الضعف على باطن الجسم؛ لتداعي قوته، ثم قال: ((وأما أثر الضعف في الظاهر فذلك استیلاء الشیب على الرأس. فثبت أن هذا الكلام يدل على استيلاء الضعف على الباطن والظاهر، وذلك مما يزيد الدعاء ١٦٨/١٢، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٥٣/٥، فتح القدير، الشوكاني ٣٧٩/٣. (١) أضواء البيان ٣/ ٣٦٠. (٢) التحرير والتنوير ١٦/ ٦٤. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٥٠٧. كما ورد وهن الجسم من الكبر في قوله تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقِ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ﴾ [الروم: ٥٤]. فالآية تبين أن الإنسان بعد أن يبلغ قوته يعود إلى مرحلة الضعف بسبب الكبر. قال السعدي: ((يخبر تعالى عن سعة علمه وعظيم اقتداره وكمال حكمته، ابتدأ خلق الآدميين من ضعف وهو الأطوار الأول من خلقه من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى أن صار حيوانًا في الأرحام إلى أن ولد، وهو في سن الطفولية وهو إذ ذاك في غاية الضعف وعدم القوة والقدرة. ثم ما زال الله یزید في قوته شيئًا فشيئًا حتى بلغ سن الشباب واستوت قوته وكملت قواه الظاهرة والباطنة، ثم انتقل من هذا الطور ورجع إلى الضعف والشيبة والهرم)»(٧). (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٥٠٩. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٢/٥. (٦) تيسير الكريم الرحمن ص٤٨٩. (٧) المصدر السابق ص ٦٤٤. www. modoee.com ٢٩١ حرف الواو ومن الآيات التي تصف وهن الإنسان في هذه المرحلة، قوله تعالى: ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ تُنَّكِسْهُ فِ الْخَلْقِّ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾ [يس: ٦٨]. قال أبو السعود: ((أي: نقلبه فيه، ونخلقه على عكس ما خلقناه أولًا، فلا يزال يتزايد ضعفه وتتناقص قوته وتنتقص بنيته ويتغير شكله وصورته، حتى يعود إلى حالة شبيهة بحال الصبي في ضعف الجسد وقلة العقل، والخلو عن الفهم والإدراك)»(١). وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَنْوَفَّنَكُمَّ وَمِنكُمُ مَّنْ يُرَُّّ إِلَى أَزَلِ الْعُمُرِ لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠]. قال النيسابوري: ((أرذل العمر أخسه وأحقره. وقال السدي: هو حالة الخرف فيصير إلى حالة شبيهة بحال الطفل في النسيان وعدم التذكر، واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: أولها: سن النشوء. وثانيها: سن الوقوف وهو سن الشباب. وثالثها: الانحطاط الخفي الیسیر، وهو سن الكهولة. ورابعها: سن الانحطاط الظاهر، وهو سن الشيخوخة))(٢). ((إن أول من تنبه لظاهرة الشيخوخة كعلم مستقل هو الطبيب الفرنسي شاركوت عام (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/ ١٧٧. (٢) غرائب القرآن، النيسابوري ٢٨٢/٤، بتصرف. ١٨٨١ م، ولم يتبعه أغلب الباحثين إلا في القرن العشرين، ولذا نعجب أن يولي القرآن الکریم موضوع الشيخوخة عنايته قبل ذلك بأكثر من عشرة قرون، ولا تجد لهذا نظيرًا في أي كتاب آخر ينسب اليوم للوحي غير القرآن الكريم، وإن إدراك خفايا الشيخوخة في عصرنا حيث توفرت التقنيات إنما هو شهادة للقرآن)»(٣). ٢. الوهن بسبب العوارض الطارئة. تحدث القرآن الكريم عن وهن الجسم بسبب العوارض الطارئة، ومنها حمل الأم وولادتها. وقد جاءت الإشارة إلى وهن الحمل في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ،فِ عَامَيْنِ آَنِ أَشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيَكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: ١٤]. فالآية تتحدث عن وصية الله للإنسان بوالديه، ثم تخص والدته بالذكر؛ حيث حملته وهنا على وهن، ثم وضعته، ثم كان فصاله في عامین. وقد فسر الوهن في الآية بالضعف، وقيل: الجهد والمشقة التي تعانيها الأم (٤). (٣) الشيخوخة تنكيس في الخلق، محمد دودح، مجلة الإعجاز العلمي. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣٧/٢٠، معاني القرآن، الزجاج ٤ /١٩٦، الكشاف، الزمخشري ٣ / ٤٩٤. ٢٩٢ جوية القرآن الكريمِ الوهن وعامة المفسرين على أن الوهن في فلا تزال تلاقي المشاق، من حين يكون نطفة، من الوحم، والمرض، والضعف، والثقل، وتغير الحال، ثم وجع الولادة، ذلك الوجع الشدید»(٤). الآية يعود إلى الأم، فقوله: ﴿وَهْنًا﴾ حال من الفاعل ﴿أَمَّهُ﴾، والمعنى: حملته أمه في حال كونها واهنة وهنا على وهن. وذكر بعضهم أنه يُحتمل أن يكون حالًا من المفعول في ﴿حَلَتْهُ﴾، أي: الولد، فالواهن هو الجنين في بطن أمه إلا أن سياق الآية يدل على أن الوهن للأم؛ إذ الآية توصي الإنسان بوالديه، وتبين معاناة الأم في حمله، ثم في فصاله(١). كما ذكر المفسرون أقوالًا عديدة في المراد بالتركيب: ﴿وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ﴾، فقيل : ضعفًا بعد ضعف، وقال ابن عطية: ((وقيل: إشارة إلى مشقة الحمل ومشقة الولادة بعده، وقيل: إشارة إلى ضعف الولد وضعف الأم معه، ويحتمل أن أشار إلى تدرج حالها في زیادة الضعف، فکأنه لم یعین ضعفین بل كأنه قال: حملته أمه والضعف يتزيد بعد الضعف إلى أن ينقضي أمره)) (٢). وزاد أبو حيان في البحر المحيط: ((وقيل: وهنا على وهن: نطفة ثم علقة، إلى آخر النشأة، فعلى هذا يكون حالًا من الضمير المنصوب في ﴿حَلَتْهُ﴾، وهو الولد)»(٣). وقال السعدي: ((أي: مشقة على مشقة، (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٤٨/٤، البحر المحيط، أبو حيان ٨/ ٤١٣ - ٤١٤. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٤٨/٤. (٣) البحر المحيط، أبو حيان ٨/ ٤١٤. والآية تُذَكِّرُ الإنسان بحق والدیه علیه، وخاصة الأم، التي حملته وهنا على وهن، ثم وضعتہ کرها، ثم أرضعته عامین، قال سيد قطب «وما يملك الوليد وما يبلغ أن يعوض الوالدين بعض ما بذلاه، ولو وقف عمره عليهما. وهذه الصورة الموحية: ﴿حَمَلَتْهُ أُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ﴾ ترسم ظلال هذا البدل النبيل، والأم بطبيعة الحال تحتمل النصيب الأوفر وتجود به في انعطاف أشد وأعمق وأحنى وأرفق))(٥). وقد علل الشعراوي تذکیر الإنسان بدور الأم دون الأب، مع أن الله وصاه بوالديه، وذلك أن دور الأم كان والإنسان جنين ثم رضيع لا يدرك، فالأم كانت «تصنع لك وأنت صغير لا تدرك صنعها، فهو مستور عنك لا تعرفه، أما أفعال الأب وصنعه لك فجاء حال كبرك وإدراكك للأمور من حولك، فالابن يعرف ما قدم أبوه من أجله))(٦). ومن الوهن بسبب العوارض الطارئة ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ (٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٦٤٨. (٥) في ظلال القرآن ٢٧٨٨/٥. (٦) تفسير الشعراوي ١٩/ ١١٦٤١. www. modoee.com ٢٩٣ حرف الواو إِحْسَنَّاً حَمَلَتْهُ أُمُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرُمَّاً وَحَمْلُهُ. وَفِصَلُ، تَثُونَ شَهْرَأْ حَّىَ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىَّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَّتِىّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَِحًا تَرْضَنُهُ وَأَصْلِحْ لِ فِ ذُرِّيَّتِىٌ إِّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]. وقال السعدي: ((نبه على ذكر السبب الأم الموجب لذلك فذكر ما تحملته من ولدها وما قاسته من المكاره وقت حملها، ثم مشقة ولادتها المشقة الكبيرة ثم مشقة الرضاع وخدمة الحضانة، وليست المذكورات مدة يسيرة ساعة أو ساعتين، وإنما ذلك مدة طويلة قدرها ﴿تَثُونَ شَهْرًا﴾ للحمل تسعة أشهر ونحوها، والباقي للرضاع هذا هو الغالب))(١). ٣. من الإعجاز العلمي في آيات وهن الجسم. قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ وَهَنَ الْعَظِمُمِنِّ وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا﴾ [مريم: ٤]. ﴿وَهَنَ اُلْعَظْمُ﴾ يشير إلى مظهر من مظاهر الجسم نتيجة الكبر، وبلوغ مرحلة الشيخوخة، حيث تتناقص كثافة العظام، وتضعف قوتها، وتلين صلابتها، ويصاب النسيج العظمي بالهشاشة؛ مما يجعله عرضة سهلة للكسر (٢). (١) تيسير الكريم الرحمن ص ٧٨١. (٢) لا للشيخوخة المبكرة، سامي محمود ص٦١. ويقرر الأطباء أن الجسم يبلغ قوته في الأربعين، حيث إن ((الكتلة العظمية تبلغ ذروتها من حيث القوة والكثافة في سن الثلاثين إلى الأربعين، ثم تبدأ تتناقص كثافتها وتضعف قوتها بعد الأربعين، ويزداد التناقص كلما تقدم الإنسان في العمر))(٣). وإلى بلوغ ذروة الأشد يشير قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةً﴾ [الأحقاف: ١٥]. ثم تبدأ مرحلة الضعف لقوى الجسم، وهي مرحلة مقترنة بالشيخوخة (الشيبة)، وجاء الحديث عنها في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]. وتتبين دلالة الإعجاز في استخدام لفظ (الوهن) دون غيره من ألفاظ الضعف، أو اللين، فلفظ «الوهن يوحي بالتراكمية والتدرج في المقدار، وهو يتناسب مع حالة الهشاشة؛ فليس لها مقدار ثابت معين بل إنها تتزاید شدتها، ویمکن أن تحدث منها مضاعفات))(٤). ويشير العلماء إلى أن سبب وهن العظم (٣) التناسق الهرموني في أوائل سورة مريم، د. زهير رابح قرامي، موقع مجلة الإعجاز. (٤) قراءة علمية وإعجازية في وهن العظام عند الرجال، د. محمد الديب، موقع هيئة الإعجاز العلمي. ٢٩٤ مَوْشَوَالَرُ الْتَفْسِيرِالوَصو القرآن الكريمِ الوهن عند الكبر يعود إلى نقص كفاءة خلايا البناء العظمي، مما يؤدي إلى نقص امتصاص الكالسيوم، ومن ثم زيادة هدم العظام؛ حيث تنفرد خلايا الهدم بالعمل على نخر العظام ولا تواجهها خلايا البناء بالتعويض (١). وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ ﴾ [لقمان: ١٤]. تشير الآية إلى معاناة الأم أثناء حملها بولدها، ويقرر الأطباء أن الحامل تمر بمظاهر كثيرة من الوهن، خلال أشهر الحمل، وتعاني من آلام شديدة، سواء في منطقة الرحم أو المنطقة المحيطة به، أو في منطقة الثديين، أو في مناطق أخرى من جسمها، كالظهر والبطن والفخذين، ومجرى البول، والتهابات في العظام والأسنان. ويسهم الجنين أيضًا في وهن الأم؛ حيث يسحب ما يحتاج إليه من غذاء ودم من جسم أمه، مما يضاعف من وهنها. وفي الأشهر الأخيرة من الحمل تظهر أنواع أخرى من المتاعب الناتجة عن ضغط الرحم على المعدة والكبد، وتشكو الأم من ضيق في التنفس؛ لأن الرحم ملأ تجويف البطن. ومع اقتراب الوضع يزداد تقلص الرحم، وتتكرر الانقباضات، وتشتد آلامها، حتى تضع الحامل جنینھا کرها. (١) التناسق الهرموني في أوائل سورة مريم، زهير رابح قرامي، موقع مجلة الإعجاز. قال تعالى: ﴿حَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُّهًا﴾ [الأحقاف: ١٥](٢). ثالثًا: وهن القلب وأسبابه وهن القلب هو الضعف الذي يصيب قوته فيضعف ويفتر ويجبن، وقد جاء النهي فَلَاَ عنه في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع تَهِنُواْ﴾، وجاء منفيًّا في موضع رابع ﴿ وهَنُوا ﴾، فهو وصف ذمیم، ینزه الله عباده المؤمنين عن الاتصاف به. ويتبين من خلال آيات القرآن الكريم، أنَّ لوهن القلب سببين، هما: حبُّ الدنيا، وكراهية الموت. وقد جاء التصريح بهما في الحديث: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)، فقال قائل: ومن قلةٍ نحن يومئذ؟ قال: (بل أنتم يومئذ کثیر، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولینزعنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ الله في قلوبكم الوهن)، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: (حبَّ الدنيا، وكراهية الموت)(٣). (٢) انظر: حملته أمه وهنا على وهن، عبد المحسن صالح، ٨٨- ٩٥. (٣) أخرجه أبو داوود في سننه، من حديث ثوبان، رقم ٤٢٩٧، كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام. وأخرجه أحمد، رقم ٨٦٩٨، وحسنه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه لمسند أحمد ٨/ ٣٩٦، وحسنه الشيخ الأرناءوط في تحقيقه لسنن أبي داوود ٣٥٥/٦. وصححه الألباني، انظر: صحيح www. modoee.com ٢٩٥ حرف الواو قال البيضاوي: ((وأراد بـ (الوهن): ما "إلى الراحة والمهادنة؛ تجنبًا للقتال، ورغبة يوجبه، ولذلك فُسِّرَ بحب الدنيا وكراهة في الدنيا. الموت))(١). ١. حب الدنيا. قال تعالى: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَّكُمْ أَعْمَلَكُمْ ٣٥ ﴿ إِنَّمَا لِلْمَيَوَّةُ الدُّنْيَا لَّهِبٌ وَلَهْوٌّ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْتِّكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْئَلَّكُمْ أَمْوَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥-٣٦]. وهناك كثيرٌ من آيات القرآن الكريم قال البيضاوي: ((﴿فَلاَ تَهِنُواْ﴾ فلا تُبَيِّنُ أن حبُّ الدنيا يوهن القلب، ويضعفه، ويملؤه بالجبن. تضعفوا، ﴿وندعُوا إِلَى السَّلِّمِ﴾ ولا تدعوا إلى الصلح خورًا وتذللًا))(٢). وقال الشوكاني: ((فلا تضعفوا عن القتال، ولا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداء منکم، فإِنَّ ذلك لا يكون إلا عند الضعف))(٣). وقال سيد قطب ((إنَّ هذا النهي يكشف عن وجود أفراد من المسلمين كانوا يستثقلون تكاليف الجهاد الطويل ومشقته الدائمة، وتهن عزائمهم دونه ويرغبون في السلم والمهادنة؛ ليستريحوا من مشقة الحروب»(٤). فالوهن المنهي عنه في الآية هو فتور القلب عن العزم في الجهاد، ومِنْ ثَمَّ يميلُ الجامع الصغير، رقم ١٣٥٩/٢،٨١٨٣. (١) تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة ٣١٣/٣. (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ١٢٥/٥. (٣) فتح القدير ٤٩/٥. (٤) في ظلال القرآن ٦/ ٣٣٠٢. قال الرازي في تفسير قوله: ﴿إِنَّمَا ◌َلَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: ((يعني: كيف تمنعك الدنيا من طلب الآخرة بالجهاد)»(٥). وقال ابن عاشور: ((هذه الآية تعليل لمضمون قوله: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوَّا إِلَى السَّرِ﴾))(٦). قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ اْآَخِرَةِّ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِ اُلْأَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]. قال الزمخشري: ((أي: تباطأتم وتقاعستم، وضُمِّنَ معنى الميل والإخلاد فعدي ب﴿الَى﴾، والمعنى: ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاقَّ السفر ومتاعبه، ونحوه: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦]))(٧). وقال ابن كثير: «هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، حين طابت الثمار (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨/ ٦٢. (٦) التحرير والتنوير ١٣٢/٢٦. (٧) الكشاف ٢/ ٢٧١. ٢٩٦ جوية الْقُرآن الكَرِيمِ الوهن والظلال في شدة الحرِّ ﴿أَثَّاقَلْتُمْ إِلَى اُلْأَرْضِ﴾ أي: تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار، ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ أي: ما لكم فعلتم هكذا، أرضًا منكم بالدنيا بدلا من الآخرة؟!))(١). كما أنَّ حبَّ الدنيا يؤدي إلى الفشل، وهو الجبن والتنازع، فتهن القلوب، وتنکسر الهمم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهٌِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُم مَّا تُحِبُّونَّ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. فقال لهم: منکم من یرید الدنیا، وهم الذين كانوا سببًا في هزيمة المسلمين في أحد، وهذه الهزيمة هي التي سببت وهنهم بعد ذلك، فنهاهم الله عنه، وقال: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُتُم مُؤْمِنِينَ ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْعٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٠]. ٢. كراهية الموت. وقد تحدثت سورة آل عمران عن الوهن الذي أصاب المؤمنين، بعد هزيمتهم في أحد، وَبَيِّنَ لهم أنَّ القعود عن الجهاد كراهيةً (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٣/٤. للقتال لا يؤدي إلا إلى مزيد من الوهن، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَّحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْعُ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٣٩- ١٤٠]. قال البغوي: ((﴿وَلَا تَهِنُواْ﴾ أي: لا تضعفوا ولا تجبنوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح، وكان قد قتل يومئذ من المهاجرين خمسة منهم: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير، وقتل من الأنصار سبعون رجلاً، ﴿وَلَا تَحْزَنُواْ﴾ أي: على ما فاتكم))(٢). وكراهية القتال («تنشأ بسبب الهزائم والآلام والقروح التي تصيب المؤمنين، مما يؤدي إلى تسلل الوهن إلى قلوبهم، ویکون مظاهر هذا الوهن: ضعفًا بعد قوة، وجبنا بعد شجاعة، وفتورًا بعد عزيمة، ويدفعهم ذلك إلى القعود عن الجهاد، وإلقاء السلاح، والتخلي عن نصرة الحق، والرضا بالذل والهوان)) (٣). كما تحدث عن الربيين الذين قاتلوا مع النبیین، فلم یھنوا ولم يضعفوا، بل صبروا، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبٍِّ قَتَلَ مَعَهُرِبِيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُقُواْ وَمَا أُسْتَكَانُواْ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِينَ﴾ [آل عمران: (٢) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٥١٣. (٣) الوهن في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي ٤٥. www. modoee.com ٢٩٧ حرف الواو ١٤٦]. أي: ما وهنوا لمصابهم، فاللام؛ للتعليل والسببية، وتفيد أن سبب الوهن هو ما أصابهم في سبيل الله. قال الطبري: ((فما عجزوا لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله، ولا لقتل من قتل منهم، عن حرب أعداء الله، ولا نكلوا عن جهادهم»(١). وقال الماوردي: «فلم یھنوا بالخوف، ولا ضعفوا بنقصان القوة، ولا استكانوا بالخضوع)». وقال ابن إسحاق: «فما وهنوا بقتل نبيهم، ولا ضعفوا عن عدوهم، ولا استكانوا لما أصابهم»(٢). وقال الزمخشري: ((وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم))(٣). ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي أَبْتِغَاءِ وقال تعالى: اُلْقَوْرٌ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ﴾ [النساء: ١٠٤]. فقال الواحدي في تفسيرها: ((والمراد بالقوم ههنا: أبو سفيان وأصحابه، لمَّا انصرفوا عن أحد منهزمين، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيام، فندب النبي صلی الله عليه وسلم الناس (١) جامع البيان، الطبري ٢٦٩/٧. (٢) النكت والعيون، الماوردي ٤٢٨/١. (٣) الكشاف ٤٢٤/١. لذلك، فاشتكوا ما بهم من الجراحات، فأنزل الله هذه الآية))(٤). وبهذا يتبين أن وهن القلب في هذه المشاهد كلها سببه الهزيمة التي لحقت بالمسلمین في أحد، وما خلفته فیھم من آلام وأسقام، وقروح وجروح، فوهنوا لذلك، وتجلى هذا الوهن في المشهد الأول: في تضعضع قلوبهم وحزنها، وفي المشهد الثاني: تجلى في جبنٍ وانصرافٍ عن القتال، وفي المشهد الثالث: تجلى في تثاقل وفتورٍ. ومرد ذلك كله إلى كراهية القتال، سواء أکانت الکرامیة عن حزن أو خوف أو إعیاء. أما الوهن الوارد في سورة محمد فمرده إلى حبَّ الدنيا والتعلق بها (٥). ٣. وهن القلب معنىً. تحدث القرآن الكريم كثيرًا عن وهن القلب، وبين مظاهره المختلفة: * الحزن، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَّحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ إِن كُتُّم مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. الغضب، كما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَرَ أَلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]. الضيق، كما في قوله: ﴿ وَأُصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِّ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا (٤) التفسير البسيط ٧/ ٦٥. (٥) الوهن في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي ٤٩. ٢٩٨ جوبي القرآن الكريم الوهن تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]. التثاقل، كما في قوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَثَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِّ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةُ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ﴾ [التوبة: ٣٨]. الفشل، كقوله: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوّاً إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. الخوف، كما في قوله تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ اَلْمَوْتِّ فَإِذَا ذَهَبَ لَلْنَوْقُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِخَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩]. قال ابن كثير: ((﴿فَإِذَا جَّةَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ من الموتِ﴾ أي: من شدة خوفه و جزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال، ﴿فَإِذَا ذَهَبَ لَلْنَوْقُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، أي: فإذا كان الأمن، تكلموا كلامًا بليغًا فصيحًا عاليًا، وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك))(١). ٤ الحسرة، كما في قوله تعالى: ﴿يَكَُّهَا (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٠/٦. الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُوا كَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِ الْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من مظاهر وهن القلب، كما في الحديث: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال)(٢). ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القويُّ خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلِّ خيرٌ. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا و كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان)(٣). قال النووي: ((والمراد بالقوة هنا: عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في (٢) أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك، رقم ٦٣٦٣، كتاب الدعوات، باب التعوذ من غلبة الرجال. ومسلم، رقم ٢٧٠٦، كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من العجز والكسل. واللفظ للبخاري. (٣) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، رقم ٢٦٦٤، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز. www. modoee.com ٢٩٩ حرف الواو طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف له، ويطلب ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا. والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كلِّ ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها ومحافظة عليها، ونحو ذلك))(١). فالمؤمن الضعيف يراد به: من أصاب قلبه الوهن، كالفتور أو العجز أو الندم أو التحسر، ولذلك قابل بينه وبين المؤمن القوي الذي لا يعجز ولا یفتر، بل يستعين بالله ويرضى بقضائه. وصفات المؤمن الضعيف هي تلك الصفات التي استعاذ منها الرسول صلی الله علیه وسلم، من ممِّ وحزن، وعجز و کسل، وجبن وبخل. ثالثًا: وهن العمل وأسبابه: وهن العمل: هو ضعفه واختلاله وانعدام ثمرته، فلا یکون محکمًا، ولا مثمرًا، كبيت العنكبوت الذي لا يحمي من برد ولا حر. وقد تحدث القرآن الكريم كثيرًا عن وهن العمل، وفيما يأتي توضيح أمرين: صور وهن العمل، وتوهین الله كيد الكافرین. ١. صور وهن العمل. من صور وهن العمل ما يلي: صرف العمل فى غير محله. کمن يدعو من لا يسمعه ولا يستجيب (١) شرح صحيح مسلم ٢١٥/١٦. مؤشوار النفسي القرآن الكريمِ قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ اَلْعَنْكَبُوتِ أَتَّخَذَتْ بَيْئاً وَإِنَّ أَوْهَنَ اٌلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مِن ثَقْءٍ وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا اَلْعَلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١-٤٣]. قال الطبري: ((مثل الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله أولياء يرجون نصرها ونفعها عند حاجتهم إليها في ضعف احتیالهم، وقبح رواياتهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم، ﴿كَمَثَلِ اَلْعَنْكَبُوتِ﴾ في ضعفها، وقلة احتيالها لنفسها، ﴿أَتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ لنفسها، كيما يكنها، فلم يغن عنها شیئاً عند حاجتها إليه. فكذلك هؤلاء المشركون لم يغن عنهم -حين نزل بهم أمر الله، وحَلَّ بهم سخطه- أولياؤهم الذین اتخذوهم من دون الله شيئًا، ولم يدفعوا عنهم ما أحلَّ الله بهم من سخطه بعبادتهم إياهم))، ونقل عن قتادة قوله: «هذا مثل ضربه الله للمشرك؛ مثل إلهه الذي يدعوه من دون الله كمثل بيت العنكبوت واهن ضعيف لا ينفعه))(٢). (٢) جامع البيان، الطبري ٣٨/٢٠. ٣٠٠ المهن وقال ابن کثیر: «هذا مثل ضربه الله تعالی للمشرکین في اتخاذهم آلهة من دون الله، یرجون نصرهم ورزقهم، ویتمسکون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئًا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولیاء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع، فإنه مستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها؛ لقوتها وثباتها)»(١). فسبب وهن عمل المشرك أنه تعلق بغير الله، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ ◌ُْيَكِنَهُ, عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسْسَ بُلْيَكِنَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَنَھَارَ بِهِ، فِنَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ١٠٩]. قال الزمخشري: ((والمعنى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُلْيَكِنَهُ﴾ دينه على قاعدة قوية محكمة، وهي الحقُّ الذي هو تقوى الله ورضوانه، ﴿خَيْرٌ أَم مَنْ﴾ أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرفٍ هارٍ في قلة الثبات والاستمساك»(٢). قال ابن القيم: ((أعظم الناس خذلانًا (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٩/٦. (٢) الكشاف ٢/ ٣١٢. من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات. ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحرِّ والبرد ببيت العنكبوت،))(٣). الإتيان بالعمل بغير طريقته الصحيحة. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئَُّ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًّا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ -١٠٤]. قال الطبري: ((﴿بِالْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا﴾ يعني: بالذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحًا وفضلًا، فنالوا به عطبًا وهلاكًا ولم يدركوا طلبًا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحًا، فخاب رجاؤه. وخسر بيعه، ووکس في الذي رجا فضله»(٤). وقال تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣]. قال ابن عباس: ((يعني: الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام من عبدة الأوثان وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم لا يقبل الله منهم اجتهادًا في ضلالة، يدخلون النار يوم القيامة)» (٥). وقد يكون الوهن بسبب أنَّ العامل لم يتجه بعمله الوجهة الصحيحة، فالمؤمنون عليهم أن يطلبوا النصر من ربهم، ويستمدوا العون منه، فإذا فعلوا ذلك نصرهم وقوي (٣) مدارج السالكين ١/ ٤٥٥. (٤) جامع البيان، الطبري ١٨ /١٢٥. (٥) معالم التنزيل، البغوي ٢٤٤/٥. www. modoee.com ٣٠١ حرف الواو أمرهم، وإن والوا غیر ربهم خذلهم الله، وسلم يدعو ربه حين يصبح وحين يمسي: (أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)(٢). فوهن عملهم، وتشتت أمرهم. فمن ضعفت صلته بربه خذله وو کله إلى نفسه؛ فقوة عمل العامل تأتي من قوة صلته بربه، فإذا ضعفت تلك الصلة وارتخت، فقد وهن عمله وضعف. قال تعالى: ﴿إِن يَنصُرَّكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمّْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا أَلَّذِى يَنصُُكُمْ مِّنْ بَعْدِهِهُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوََّّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: ١٦٠]. فالخذلان إنما يكون بسبب وهن عملهم؛ إذ ضعفت صلتهم بربهم، فوهنوا فخذلهم الله. قال الخطيب: ((الذين يفوضون أمرهم إلى الله، ويشدون عزائمهم إليه، ويعلقون آمالهم به، هم الذين يحبهم الله ويتولاهم؛ لأنهم أحبوا الله وانتظموا في مجتمع أوليائه وإنهم إذ يلوذون بَحِمَى الله فإنما يستمسكون بالعروة الوثقى، ويعتصمون بأقوى معتصم، وهم بهذا في ضمان النصر، وعلى طريقه، ولن يغلبهم أحد. فإن تخلوا عن الله، وو کلوا أمرهم إلى حولهم وحیلتهم، فقد آذنوا الله أن يتخلى عنهم، وأن يَدَعَهُم إلى أنفسهم، وهذا خذلان مبين، ومن خذله الله فلا ناصر له))(١). ولذلك كان الرسول صلى الله عليه (١) التفسير القرآني للقرآن ٦٢٩/٢. فكانت النتيجة ذلك أن الله كفاه وحماه ونصره، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٌ. وَيُحَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]. وتُبَيِّنُ آيات القرآن الكريم صورًا شتى لوهن عمل المؤمنين جراء ضعف صلتهم بالله. منها: اتباع أهواء اليهود والنصارى، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ وَمَن يَتَوَلَّم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمُّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١]. ومنها: الركون إلى الظالمين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اَللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣]. ومنها: الوقوع في الذنوب والمعاصي، قال تعالى: ﴿َخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلَفَّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. الإتيان بما يبطل العمل. ٥ (٢) أخرجه أبو داوود عن أنس، رقم ٥٠٩٠، والنسائي، رقم ١٠٣٣٠، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم ٢٢٧، ١/ ٤٩٩. ٣٠٢ القرآن الكريم الوهن ومن ذلك توهين الأمر بعد إبرامه، كما والأذى، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَأَلَِّى نَقَضَتْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَثًا﴾ [النحل: ٩٢]. ٢٦٤]. قال البيضاوي: ((أي: نقضت غزلها من بعد إبرام وإحكام))(١). وفي تفسير ابن كثير: ((قال السدي: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت شيئًا نقضته بعد إبرامه. وقال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده. وهذا القول أرجح وأظهر، وسواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا))(٢). وقال السعدي: ((﴿وَلَا تَكُونُواْ ﴾ في نقضكم للعهود بأسوأ الأمثال وأقبحها وأدلها على سفه متعاطيها، وذلك ﴿الَّقِ ﴾ تغزل غزلًا قويًا، فإذا استحكم وتم ما أريد منه نقضته فجعلته (أنكنا ﴾ فتعبت على الغزل ثم على النقض، ولم تستفد سوى الخيبة والعناء وسفاهة العقل ونقص الرأي، فکذلك من نقض ما عاهد علیه، فهو ظالم جاهل سفيه ناقص الدين والمروءة)) (٣). ومن ذلك الشرك، فالمشرك تنقطع صلته بالله انقطاعًا تامًا، ولذلك فالله يحبط عمله، رَكُ اْ لَحَمـ ويرده عليه، كما قال: عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]. (١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٣٨/٣. (٢) تفسير القرآن الكريم ابن كثير ٤ /٥٩٩. (٣) تيسير الكريم الرحمن ٤٤٧. قال الشوكاني ((الإبطال للصدقات: إذهاب أثرها وإفساد منفعتها، أي: لا تبطلوها بالمنِّ والأذى أو بأحدهما))(٤). كما جاء الحديث عن هذا الوهن في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ كُرَابِ يقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ النَّمْثَانُ مَآءٌ حَقَّى إِذَا جَآءَهُ، لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]. وقوله: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَلَهُ مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد: ١]. وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَيْهِمَّ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ اسْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ اَلْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨]. حصول التنازع على العمل. التنازع على العمل يوهنه، ويفرق أمر الجماعة، ويشتت شملها، ولذلك حذر الله المؤمنين من التفرق، كما حذرهم من التنازع. قال تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ ومن ذلك إبطال الصدقات بالمنِّ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. (٤) فتح القدير ١/ ٣٢٧. www. modoee.com ٣٠٣ حرف الواو وقال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل وصار كلٌّ منهم وحده كسرها كلها))(٢). عمران: ١٠٤]. قال السعدي: ((أمرهم تعالى بما يعينهم على التقوى وهو الاجتماع والاعتصام بدين الله، وكون دعوى المؤمنين واحدة، مؤتلفين غير مختلفين، فإن في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم، وبالاجتماع يتمكنون من كلِّ أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، من التعاون على البر والتقوى، كما أن بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع روابطهم، ويصير كل واحد یعمل ویسعی في شهوة نفسه، ولو أدى إلى الضرر العام»(١). وقال ناهيًا المؤمنين عن التنازع: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحٌكٌ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. قال ابن القيم: ((أمر الله المجاهدين بخمسة أشياء، وذكر منها: اتفاق الكلمة وعدم التنازع الذي يوجب الفشل والوهن ،وهو جند يقوي به المتنازعون عدوهم عليهم، فإنهم في اجتماعهم كالحزمة من السهام لا يستطيع أحد كسرها، فإذا فرقها وصار كلّ منهم وحده كسرها، فإذا فرقها (١) تيسير الكريم الرحمن ١٤١. ٢. توهین الله کید الکافرین. قال تعالى: ﴿فَلَمّ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَنَّ وَلِيُبْلِىَ اَلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءٌ حَسَنَّا إِنَّ اللّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُومِنُ كَيْدِ الْكَفِرِينَ ﴾ [الأنفال: ١٧ -١٨]. قال الزمخشري: (﴿ ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرفع: أي: الغرض ذلكم، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُؤمِنُ﴾ معطوف على ذلك. يعنى: إن الغرض إيلاء المؤمنين وتوهين ﴿كَيْدِاَلْكَفِرِينَ﴾)»(٣). ويبين القرآن الكريم أنَّ وهن كيد الكافرين سببه كفرهم بالله وآياته، ومحاربتهم لله ورسوله، ومشاقتهم، كما قال تعالى: ﴿وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَّةُ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ اَلْحُُّّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَ كَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]. وقال: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُوّا إِلَّا بِحِبّلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]. (٢) الفروسية ٥٠٦. (٣) الكشاف ٢٠٨/٢، وانظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ / ٥١٢. ٣٠٤ مَؤُوابَرُ النَّفْسِدُ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ