Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الفَّلاَ
عناصر الموضوع
مفهوم الولاء
٢٣٢
الولاء في الاستعمال القرآني
٢٣٣
الألفاظ ذات الصلة
٢٣٤
اقتران الولي بالنصير في القرآن
٢٣٦
٢٣٧
ولاية الله تعالى لعباده
٢٥٢
ولاية الملائكة للمؤمنين
٢٥٦
ولاية المؤمنين
٢٦٤
ولاية الشيطان
ولاية الكافرين والمنافقين والظالمين
٢٧٠
أساليب القرآن في الحديث عن الولاء
٢٧٧
٢٨٠
الولاء في المثل القرآني
المُجَلَّدَ الخَامِسْ وَالثَّلاثُونْ
حرف الواو
مفهوم الولاء
أولًا: المعنى اللغوي:
أصله من مادة (ولي)، والوَلْيُ: القرب والدنو، يقال: تباعد بعد ولْي، أي: تباعد بعد قرب،
وكل مما يليك: أي مما يقاربك، والولاء: الموالون، يقال: هؤلاء ولاء فلان، أي: موالوه،
و(الولاء): ولاء المعتق، بمعنى: أن يكون ولاء المعتق لمعتقه بأن يكون هو الأولى في إرث
معتقه إن لم یکن له وارثٌ من نسبه.
ويطلق (الولاء) أيضًا على التتابع، يقال: والى بينهما ولاءً: أي تتابع، وافعل هذه الأشياء
على الولاء، أي: على التتابع، وتوالى عليه شهران: أي: تتابع، وتوالت عليه الأخبار: أي:
تتابعت.
ومنه أيضًا: تولى العمل: إذا تقلده، وتولى عنه: إذا أعرض، وولى هاربًا: إذا أدبر، والولي
ضد العدو، و(الولاية): السلطان والإمارة، ومنه وليت الأمر أليه ولاية، ووليت على الصبي
والمرأة، والفاعل والٍ، والجمع ولاة، و(الولاية) بالفتح والكسر: النصرة، وبالفتح أكثر،
يقال: هم على ولاية، أي: مجتمعون في النصرة.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، الذي يدور حول الحب والنصرة،
وعرفه أبو عاصم البركاتي، فقال: ((هو حب الله تعالى ورسوله ودين الإسلام وأتباعه
المسلمين، ونصرة الله تعالى ورسوله ودين الإسلام وأتباع المسلمين))(١).
وذكر محماس بن عبد الله الجلعود تعريفًا للموالاة، فقال: ((هي التقرب وإظهار الود
بالأقوال والأفعال والنوايا لمن يتخذه الإنسان وليًّا، فإن كان هذا التقرب والود مقصودًا به
الله ورسوله والمؤمنون، فهي الموالاة الشرعية الواجبة على كل مسلم، وإن كان المقصود
هم الكفار على اختلاف أجناسهم، فهي موالاة كفر وردة عن الإسلام))(٢).
فالولاء يتمثل في المحبة والمودة والاتباع والنصرة، وهذه معانٍ جليلة وقيمة أراد الإسلام
ترسيخها في نفوس المسلمين.
(١) الولاء والبراء في الإسلام، ص٤.
(٢) الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية، ٢٨/١.
٢٣٢
جَوَسُولَةُ النَّة
القرآن الكريمِ
الولاء
الولاء في الاستعمال القرآني
وردت مادة (ولي) في القرآن الكريم (٢٣٢) مرة، يخص موضوع البحث (١٢٤) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
﴿أَوْتَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَوْ قَوْمًا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمَْ
٣
[المجادلة: ١٤]
﴿إِنَّ وَلِقِىَ اللهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِينَ
١٩٦
المصدر
٢
[الكهف: ٤٤]
اسم الفاعل
١
﴿وَمَا لَهُم مِّن دُونِ مِنْ وَالٍ
١١ ﴾ [الرعد: ١١]
﴿وَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَ لَهُمْ
اسم المفعول
٢١
﴾ [محمد: ١١]
الصفة المشبهة
٨٦
﴿لَيْسَ نَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِىّ وَلَا شَفِيْعٌ﴾ [الأنعام: ٧٠]
وجاء الولاء في القرآن على أربعة أوجه(٢):
الأول: الرب: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَنَّخِذُ وَلِيَّ﴾ [الأنعام: ١٤] يعني: ربًّا.
الثاني: الولد: ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]. يعني: ولدًا.
الثالث: الناصر: ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَى عَن مَّوْلَى شَيْئًا﴾ [الدخان: ٤١].
الرابع: المولى الذي يعتق: ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِخْوَنُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ﴾
[الأحزاب: ٥].
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٤٦-٧٤٧.
(٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ٦١٣، ٦١٤، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي،
٥/ ٢٨٠، ٢٨٤، الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان، ص ٢٠٠، ٢٠١، الوجوه والنظائر، أبو هلال
العسكري، ص٤٩٣.
www. modoee.com
المثال
الفعل الماضي
الفعل المضارع
١١
[الأعراف: ١٩٦]
هُنَالِكَ الْوَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا
٤١
٢٣٣
حرف الواو
الألفاظ ذات الصلة
١
النصرة:
النصرة لغةً:
مصدر من مادة (نصر)، والنصر هو إعانة المظلوم، يقال: نصره على عدوه، ينصره نصرًا،
والاسم النصرة وهي العون(١).
النصرة اصطلاحًا:
قال المناوي: ((النصر والنصرة: العون))(٢).
الصلة بين النصرة والولاء:
يتضح أن النصرة من مستلزمات الولاء؛ لأنه كما ذكر سابقًا أنَّ الولاء يتحدد معناه في
الحب والنصرة، فمن والى شخصًا أحبه، ويقتضي هذا الرضا بأفعاله، ونصرته والدفاع عنه
إذا تعرض لظلم، أو ما شابه.
التعاون:
٢
التعاون لغةً:
تعاونوا: أعان بعضهم بعضًا، وقالوا: عاونه معاونةً وعوانًا، أعانه، والمعوان: الحسن
المعونة للناس(٣).
التعاون اصطلاحًا:
قال الراغب: ((التعاون: التظاهر)) (٤).
الصلة بين التعاون والولاء:
لاشك أن التعاون والمظاهرة من مستلزمات الولاء أيضًا، فمن والى شخصًا أعانه وظاهره
على عدوه.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤٤٣٩/٦، المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٨٠٨.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف، ص ٣٢٥.
(٣) انظر: تاج العروس، الزبيدي، ٤٣١/٣٥.
(٤) المفردات، ص ٥٩٨.
٢٣٤
جَوَسُور
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
ء
الولاء
البراء:
٣
البراء لغةً:
مصدر من (برأ)، وهو التباعد عن الشيء، ومنه البرء وهو السلامة من المرض، والوصف
منه براء، وبريء، وهما لغتان في القرآن، والبراءة تكون من العيوب والمكاره(١).
البراء اصطلاحًا:
البراءة ((هي انقطاع العصمة))(٢)، وقال الألوسي: ((هي عبارة عن إنهاء حكم الأمان،
ورفع الخطر المترتب على العهد السابق))(٣)، وقال محمد بن سعيد القحطاني: ((هو البعد
والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار))(٤).
الصلة بين البراء والولاء:
يتبين أن العلاقة بينهما متناقضة، فالبراء ضد الولاء، وهو متمثل في البغض والمعاداة،
فالأمران لا يجتمعان.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١/ ٢٤٠.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان، ٣٦٥/٥.
(٣) روح المعاني، ٤٢/١٠.
(٤) الولاء والبراء في الإسلام، ص ٩٠.
www. modoee.com
٢٣٥
حرف الواو
اقتران الولي بالنصير في القرآن
اقترن اسم الله تعالى (الولي أو المولى)
باسمه تعالى النصير ثلاث عشرة مرة في
القرآن الكريم، منها -على سبيل المثال-
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ
وَلِيًّا وَكَفَى بِاَللَّهِ تَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥].
وقوله: ﴿وَأَعْتَصِمُوا بِاللّهِ هُوَ مَوْلَئِكُمْ فَنِعْمَ
الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].
وقوله: ﴿بَلِ اَللَّهُ مَوْلَئُكُمْ وَهُوَ خَيْرُ
النَّصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠].
وذكرنا في العلاقة بين الولاء والنصرة،
أن النصرة من مقتضيات الولاء ومستلزماته،
وعليه يكون اسم الله تعالى (النصير) هو
مقتضى اسمه تعالى (الولي أو المولى). قال
البقاعي في بيان حكمة اقتران الولي بالنصير
عند تفسيره لآية النساء المذكورة: ((﴿وَلِيًّا﴾
أي: قريبًا بعمل جميع ما يفعله القريب
الشفيق.
ولما كان الولى قد تكون فيه قوة النصرة،
والنصير قد لا يكون له شفقة الولي، وكانت
النصرة أعظم ما يحتاج إلى الولي فيه،
أفردها بالذكر إعلامًا باجتماع الوصفين
مكررًا الفعل والاسم الأعظم اهتمامًا
بأمرها فقال: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ أي: الذي له
العظمة، ﴿نَصِيرًا﴾ أي: لمن والاه فلا يضره
عداوة أحد، فثقوا بولايته ونصرته دونهم،
ولا تبالوا بأحد منهم ولا من غيرهم، فهو
یکفیکم الجمیع»(١).
وقال الشعراوي في تفسيره لذات الآية:
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ نعم كفى به وليًّا؛ لأن غيره
من البشر إنما يملكون الأسباب، والحق
تعالى هو الذي خلق الأسباب، فيملك ما
هو فوق الأسباب، ولذلك يقول مطمئنًا لنا:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَحًا ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ
حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
و(الولي) دائمًا هو من يليك مباشرة
أي: أنه قريب منك. ﴿وَكَفَى بِاَللَّهِ نَصِيرًا﴾ إذن
فهناك قريب، وهناك أيضًا نصير، فقد يكون
هناك من هو قريب منك ولا ينصرك، لكن
الله ولي ونصير، فما دامت المسألة مسألة
معركة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا
وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾، كأن الحق ينبهنا: إياكم أن
تقولوا إننا نلتمس النصرة عند أحد، اصنعوا
ما في استطاعتکم أن تصنعوه، ثم اتركوا ما
فوق الاستطاعة إلى الله))(٢).
(١) تفسير المراغي ٢٦٢/٢.
(٢) تفسير الشعراوي، ٢٢٧٨/٤.
٢٣٦
جَوَسُو
القرآن الكريمِ
الولاء
ء
ولاية الله تعالى لعباده
إن الكلام عن ولاية الله عز وجل لعباده
تتطلب بيان أن الله جل جلاله هو وحده
الولي، وأن ولايته تعالى تنقسم إلى قسمين:
ولاية عامة لجميع خلقه، وولاية خاصة
الأصفيائه المؤمنين مع شرح موجبات هذه
الولاية لهم خاصة دون غيرهم، بالإضافة
إلى شرح أسباب الحرمان من ولاية الله عز
وجل، وتفصيل هذه الأمور فيما يأتي:
أولًا: الله تعالى هو الولي:
لقد سَمَّى الله عز وجل نفسه باسم
(الولي)، فهو من أسمائه الحسنى، وعرف
الزجاج هذا الاسم بقوله: ((هو فعيل من
الموالاة، والولي الناصر وهو تعالى وليهم
أي: المؤمنین.
بأن يتولى نصرهم وإرشادهم، كما
یتولی ذلك من الصبي ولیه، وهو یتولی یوم
الحساب ثوابهم وجزاءهم»(١).
وقيل: (الولي) هو المتولي لأمور العالم
والخلائق القائم بها، ومن أسماء الله عز
وجل أيضًا: (الوالي)، وهو مالك الأشياء
جميعها والمتصرف فيها، وكأن الولاية
تحمل معنى التدبير والقدرة والفعل معًا،
فأي عنصر فُقِدَ منها، فلا يطلق على صاحبها
(١) تفسير أسماء الله الحسنى، ص ٥٥.
اسم الوالي(٢).
وهناك آيتان قرآنيتان فقط أثبتتا أن الله
تعالى هو الولي، وهما: قوله تعالى:
أَّخَذُواْ مِن دُونِ: أَوْلِيَاءَ فَللَّهُ هُوَ الْوَلِىُّ وَهُوَ يُحِى
اَلْمَوْقَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٩].
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ
مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ، وَهُوَ الْوَلِيُّ
الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
فتلحظ من قوله: ﴿فَلَّهُ هُوَ الْوَلِىُّ﴾ في
الآية الأولى أنَّ الضمير (هو) ضمير فصل
يفيد التأكيد والحصر والقصر، ففي هذا
التركيب قصر جنس الولي بهذا الوصف
على الله تعالى وحده، وبما أن المشركين
قد عبدوا غير الله عز وجل، فيكون المعنى
المراد هو قصر الولاية الحقة على الله تعالى
وحده. يقول ابن عاشور: ((وأفاد ضمير
الفصل في قوله: ﴿فَلَّهُ هُوَ اَلْوَلِىُّ﴾ تأكيد
القصر وتحقيقه، وأنه لا مبالغة فيه تذكيرًا
بأن الولاية الحق في هذا الشأن مختصة بالله
تعالى))(٣).
ويظهر هذا المعنى جليًّا في قوله: ﴿وَهُوَ
أَلْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ حيث قصر صفة الولي
والحمد على الله جل جلاله وحده دون
غيره.
لأجل هذا يعترف المؤمنون دائمًا بأن
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٦/ ٤٩٢٠.
(٣) التحرير والتنوير، ٤٠/٢٥.
www. modoee.com
٢٣٧
حرف الواو
الله عز وجل هو وليهم ومولاهم. يقول الله من الأعمال الشاقة - وإن كانت في طاقتنا-
تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا كما كلفت الأمم الماضية قبلنا كبني إسرائيل،
أما رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم
فتحمل التيسير والتخفيف والسماحة، فهو
نبي الرحمة المهداة للأمم جميعها.
مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ
إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَاً
إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ رَبَّنَا
﴿رَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَابِهِ، ﴾ من
التكليف والمصائب والبلاء، فلا تبتلينا بما
لا قدرة لنا علیه من الفتن.
وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِءٌ وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ
لَنَا وَأَرْحَتْنَا أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
اُلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
والمعنى أن الله تعالى لا يكلف أحدًا
فوق طاقته، وهذا من رحمة الله تعالى ولطفه
بعباده، وللنفس الإنسانية ما كسبت من خير،
فلها الثواب عليه، وعليها ما اكتسبت من
الشر، فعليها العقاب عليه، ثم أرشد الله
عز وجل المؤمنين إلى هذا الدعاء الذي
تكفل لهم بإجابته، وهو: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ
إِن ◌َّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ أي: لا تعاقبنا على
فرضٍ تركناه، أو على حرام فعلناه نسيانًا، أو
أخطأنا الصواب في العملَ جهلًا منا بواجبه
الشرعي، ويؤيد هذا حديث النبي صلى الله
عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ،
والنسيان، وما استكرهوا عليه)(١).
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَاْ إِصْرًّا كَمَا
حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ أي: لا تكلفنا
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، رقم ٢٠٤٣، عن
أبي ذر الغفاري، كتاب الطلاق، باب طلاق
المكره والناسي، ١٩٩/٣.
وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة
المصابيح، ١٧٧١/٣، رقم ٦٢٩٣.
﴿وَأَعْفُ عَنَّا﴾ فيما بدر منا من معصية
بيننا وبينك.
وَأَغْفِرْلنا ﴾ فيما بدر منا من زلل بيننا
وبین عبادك، فلا تظهرهم على عيوبنا.
﴿وَأَرْحَمْنَآ﴾ فيما يستقبل، فجنبنا وباعد
بيننا وبين الوقوع في ذنوب أخرى.
﴿أَنْتَ مَوْلَئِنَا﴾ أي: متولي أمورنا،
ومالكنا، وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت
المستعان، وعليك التكلان، ولا حول ولا
قوة إلا بك.
﴿فَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك،
وكذبوا رسالة نبيك، وعبدوا غيرك، فأشركوا
معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا
العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة(٢).
ونخلص من هذا إلى أن الله تعالى
هو ولي المؤمنين حيث يتولى نصرهم
وإرشادهم، کما یتولی ثوابهم و جزاءهم يوم
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١٣٥/٣.
جَوَبُوبَةُ النَّفي
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٢٣٨
الولاء
الحساب، وأيضًا هو المتولي لأمور العالم ويفرحون، فالله جل جلاله هو الولي الذي
والخلائق القائم بها، فهو مالك الأشياء يتولى عباده بأنواع التدبير، ويتولى القيام بما
جميعها والمتصرف فيها.
ثانيًا: ولاية عامة للخلق جمیعًا:
عرفنا أن الله تعالى وحده هو المتصف
بالولاية الحقة، فإذا كان كذلك فهو الأولى
بالعبادة والأحق بها مما يعبد من دونه من
الآلهة والأوثان؛ فلهذا السبب نعى الله عز
وجل على المشركين وأنكر عليهم اتخاذهم
آلهة يعبدونها من دونه جل جلاله، فقال
تعالى: ﴿أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِهِ: أَوْلِيَةٌ فَاللَّهُ هُوَ
اَلْوَلِىُّ وَهُوَ يُحِى الْمَوْنَ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
[الشورى: ٩].
كما أخبر فيها أنه هو الولي الحق الذي
لا تنبغي العبادة إلا له وحده عز وجل، فإنه
وحده القادر على إحياء الموتى، وهو على
كل شيء قدير (١).
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى يُنَزِّلُ
اَلْفَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ، وَهُوَ
اَلْوَلِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
فالله تعالى هو الذي ينزل المطر الغزير
الذي يغيث البلاد والعباد من بعد انقطاعه
مدة يظن بها الناس أنه لن يأتيهم، فينشر الله
عز وجل بالمطر رحمته من إخراج الأقوات
للآدميين وبهائمهم، فيستبشرون بذلك
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
١٩٣/٧.
يصلح لهم دينهم ودنياهم، كما أنه الحميد
في تدبيره على ما له من كمال مطلق،
وما يوصله إلى خلقه من ألوان الإفضال
وأنواعه(٢).
وفي هذا المعنى يأمر الله عز وجل نبيه
محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يخاطب
المشركين قائلًا: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرٍ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِّ
أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَّ وَلَا تَكُونَنَّ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤].
أي: قل لهم يا محمد: أغير الله تعالى
أتخذ وليًّا معبودًا أواليه بالعبادة والمحبة،
وأشركه مع الله الذي أبدع السماوات
والأرض، وهو الغني عما سواه، الذي يطعم
عباده ولا يطعم، ولا يحتاج إلى من يطعمه،
فهو الذي يرزق ولا يرزق، كما أمرت أن
أنقاد بكليتي إلى هذا الإله الحقيقي (٣).
ونخلص من هذا إلى أن الله تعالى هو
وحده الولي، وولايته عز وجل ليست كأي
ولاية، فهو تعالى الولي الذي يتولى أمور
الخلائق، وهو مالك التدبير، وهو الولي
الذي صرف لخلقه ما ينفعهم في أمور دينهم
ودنياهم وأخراهم، كما أن هذه الولاية
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٧٥٨.
(٣) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ١٠٣/٢.
www. modoee.com
٢٣٩
حرف الواو
للخلق جميعًا دون تمييز بين مؤمن، أو كافر، [يوسف: ١٠١].
أو منافق، فهي ولاية عامة لجميع الناس.
ثالثًا: ولاية خاصة لأوليائه وأصفيائه
وموجباتها:
إن الله تعالى اصطفى أهل الإيمان من
خلقه، وحظاهم وأولاهم رعايته ونصرته،
فقال جل جلاله فيهم: ﴿اَللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾
[البقرة: ٢٥٧].
وقيل في معنى ﴿اللّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
أقوال، منها: الحافظ، والناصر، فهو ناصر
المؤمنين وحافظهم، وسمَّى الله تعالى
نفسه وليًّا؛ لأنه يلي أمور الخلق من النصر
والحفظ والرزق وغيره، ومنه سمي الولي
وليًّا؛ لأنه يلي أمور الناس(١).
ومعنى الآية أنَّ الله تعالى وليُّ الذين
آمنوا حیث یتولاهم بالنصرة والإرشاد، فهو
وحده الذي يخرجهم من ظلمات الضلالة
إلى نور الهداية، أو يخرجهم من ظلمات
العذاب في النار إلى نور الثواب في الجنة،
ولا يقدر على هذا إلا الله عز وجل (٢).
وهذا يوسف عليه السلام يقول: ﴿رَبِّقَدْ
ءَاتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ
فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَإِ، فِ الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ تَوَقَّتِ مُسْلِمًا وَأَلَّحِقْنِ بِالصَّلِحِينَ﴾
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤١/٢.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣٢٨/١.
فنادى ربه: يا رب أعطيتني من نعمة
الدنيا الجاه والسلطان، ومن نعمة العلم
تفسير الرؤيا، فيا مبدع السماوات والأرض
وخالقهما على غير مثال سابق، أنت یا
رب متولي أموري وشؤوني في الدنيا
والآخرة، فاقبضني مسلمًا، واجعل لحاقي
بالصالحين(٣)، فلا بد لهذه الولاية كي
تتحقق من موجبات؛ لأن هذه الولاية
لا تعطى ولا تمنح لأي شخص، وهذه
الموجبات متمثلة في ثلاث:
١. الإيمان.
يقول الله عز وجل في بيان ولايته
لأهل الإيمان: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِّهِيمَ
لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨].
والمعنى: إن أحق الناس بنصرة إبراهيم
علیه السلام وولایته هم الذین سلكوا طريقه
ومنهاجه، فوحدوا الله تعالى مخلصين
له الدين غير مشركين به، ثم نبينا محمد
صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه من
المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم هم
أولى الناس بإبراهيم عليه السلام كذلك،
فإن الله تعالى سوف ينصر المؤمنين بمحمد
صلى الله عليه وسلم، المصدقين له في
نبوته، وفیما جاءهم به من عند الله عز وجل،
(٣) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني، ٢/ ٦٣.
٢٤٠
القرآن الكريم
الولاء
فسينصرهم على من خالفهم من أهل الملل المقيم والراحة والفسحة والسرور))(٣).
الأخرى(١).
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا
مَوْلَ لَمُمْ﴾ [محمد: ١١].
والمعنى: أن الله جل جلاله هو ولي
المؤمنين وناصرهم، وقد نزلت هذه الآية
عقب غزوة أحد عندما صاح المشركون:
يوم بيوم -يقصدون عندما انتصر عليهم
النبي صلى الله عليه وسلم في بدر-، لنا
العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم للمؤمنين: قولوا: الله مولانا ولا
مولی لكم(٢).
وفي المقابل فالكافرون لا ينصرهم من
الله تعالى أحد. قال السعدي في تفسير قوله
تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ
الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]: (( و
يشمل ولايتهم لربهم، بأن تولوه فلا يبغون
عنه بدلًا ولا یشرکون به أحدًا، قد اتخذوه
حبيبًا ووليًا، ووالوا أولياءه وعادوا أعداءه،
فتولاهم بلطفه ومن عليهم بإحسانه،
فأخرجهم من ظلمات الكفر والمعاصي
والجهل إلى نور الإيمان والطاعة والعلم،
وكان جزاؤهم على هذا أن سلمهم من
ظلمات القبر والحشر والقيامة إلى النعيم
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٦/ ٤٩٧.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٢٣٤/١٦.
فالمؤمنون أمة واحدة يجمعها الإيمان
ويقول تعالى أيضًا في هذا الصدد: بالله عز وجل، والتصديق بكل ما جاء به
من غير تفريق بينهم بالأجناس والألوان
والقوميات والأوطان، فصورة المؤمنين
هذه من حيث تجمعهم هي أرقى صورة
للتجمع البشري الذي يليق به.
٢. التقوى.
يقول الله عز وجل في بيان ولايته لأهل
التقوى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ
يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ
أَوْلِيَاءَهُ:" إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُنَّقُونَ وَلَكِنَّ
أَكْتَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].
والمعنى: ما كان الله عز وجل ليعذب
المشركين والرسول صلى الله عليه وسلم
بين أظهرهم، لكنه سوف يعذبهم بعدما
یفارقهم النبي صلی الله عليه وسلم، و کیف
لا يعذبون والحال أنهم يصدون عن المسجد
الحرام كما صدوا النبي صلى الله عليه
وسلم والمؤمنين عنه عام الحديبية، وكانوا
يقولون: نحن ولاة البيت الحرام، نصد من
نشاء، وندخل من نشاء، فرد الله تعالى عليهم
بقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَآءُ﴾﴾ أي لم
يستحقوا أن يكونوا ولاة البيت الحرام وهم
مشرکون، فولاته الحقیقیون هم المسلمون،
وقيل: إن الضميرين في (أولياءه، أولياؤه)
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ١١١.
www. modoee.com
٢٤١
حرف الواو
(١).
یر جعان إلى الله عز وجل
ويقول الله تعالى أيضًا: ﴿ثُمَّ جَعَلْتَكَ
عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَتَّبِعْهَا وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَآءَ
الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ { إِنَّهُمْ لَنْ يُقْنُواْ عَنكَ مِنَ
اَللَّهِشَيْئاً وَإِنَّ الَّلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَاللَّهُ
وَإِىُّ الْمُنَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩ -١٨].
فهذه الآية تتحدث عن بني إسرائيل
الذين أنعم الله تعالى عليهم، وآتاهم
الكتاب والحكم والنبوة، وفضلهم على
عالمي زمانهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم،
فاختلفوا واتبعوا أهواءهم، فبين الله تعالى
أنهم لن يغنوا عن النبي صلى الله عليه
وسلم من الله تعالى شيئًا، وأن المتصفين
بالظلم لا ولاية بينهم وبين الله تعالى،
والله جل جلاله المتصف بجميع صفات
الكمال والجلال والجمال هو ولي المتقين
الذين همهم الأعظم هو الاتصاف بالحكمة
عن طريق اتخاذ الوقايات المنجية لهم من
سخط الله تعالى وعذابه، ولا ولاية بينه
وبين الظالمين(٢).
٣. الصلاح.
يقول الله عز وجل على لسان نبيه
محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ وَلِّىَ
اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ اَلْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِينَ﴾
[الأعراف: ١٩٦].
(١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ١ / ٦٤٣.
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٨٨/١٨.
و کأن النبي صلى اللهعليه وسلم يخاطب
المشركين قائلًا: لا أبالي بكم وبشركائكم؛
لأن وليي هو الله عز وجل الذي أنزل
القرآن العظيم الناطق بأنه وليي وناصري،
وإن شرکاءکم الذین تعبدونهم من دون الله
تعالى لا يستطيعون نصر أنفسهم فضلًا عن
نصركم أنتم، فالله عز وجل من عادته أن
يتولى الصالحين من عباده، وينصرهم ولا
یخذلهم(٣).
وهكذا تتضح ولاية الله تعالى الخاصة
بأوليائه وأصفيائه المؤمنين المتقين
الصالحين.
رابعًا: آثار ولاية الله للمؤمنين:
إن المؤمنين عندما يتخذون الله عز وجل
حبيبًا ووليًّا فلا یتولون غيره، ولا يشركون به
شيئًا، ویوالون أولیاءه، ويتبرؤون من أعدائه،
فإن الله تعالى سوف ينعم عليهم من منِّهِ
وإحسانه الشيء الكثير، فتظهر عليهم آثار
ولاية الله تعالى لهم.
ومن هذه الآثار: قوله تعالى: ﴿ الآ إنَّ
أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ )
٦٢
لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ
،ْ لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهَّ ذَلِكَ هُوَ الْفَوَّزُ
الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ -٦٤].
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
٣٠٧/٣.
٢٤٢
جَوَسُور
القرآن الكريمِ
الولاء
يتولونه بإخلاص العبادة له وحده،
ويتوكلون عليه، ولا يتخذون من دونه
أندادًا، ولا أولياء، ولا شفعاء، فإنه لا خوفٌ
علیهم يوم القيامة مما يخاف منه غيرهم من
أهوال الموقف وعذاب الآخرة، کما أنهم لا
يحزنون من لحوق مکروه بهم، أو ذهاب
محبوب عنهم؛ لأنهم لا يقصدون بذلك إلا
نيل رضا الله عز وجل، وكذلك لا خوف
علیهم في الحياة الدنيا مما يخاف منه غيرهم
من الكفار وضعاف الإيمان، فليس هذا
الجزاء إلا لأولياء الله تعالى الذين جمعوا
بين الإيمان الصحيح بالله جل جلاله
وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر،
والقدر خيره وشره، وبين ملكة التقوى له عز
وجل، فهؤلاء لهم البشرى في الحياة الدنيا
بالنصر وحسن العاقبة، وباستخلافهم في
الأرض ما أقاموا شرع الله تعالى، ونصروا
دینه، وأعلوا كلمته(١).
ويقول الله عز وجل في موضع آخر:
﴿وَهَذَا صِرَطُ رَيْكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَضَّلْنَا
الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴿ لَمْ دَارُ السَّلَمِ
عِندَ رَيْهِمٌّ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
[الأنعام: ١٢٧ - ١٢٦].
والمعنى: أن هذا البيان الذي جاء به
القرآن الكريم، أو طريق التوحيد، وإسلام
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ١٢٩/١١.
والمعنى: إن أولياء الله تعالى الذين الوجه إلى الله جل جلاله، هو الطريق
الذي ارتضاه الله تعالى مستقيمًا لا ميل فيه
إلى إفراط أو تفريط في الاعتقاد والأخلاق
والأعمال، ولا اعوجاج فيه إلى النظر
إلى الغير والشرك به، فقد بينت أحكامه،
وفصلت شرائعه، وميز فيه الخير من الشر،
ولكن هذا التفصيل، وهذا البيان ليس لأي
شخص، إنما هو ﴿لِقَوْمِ يدَّگرُونَ﴾ یذکرون
المعارف والحقائق التي هي مستقرة في
استعدادهم فيهتدوا بها؛ لأنهم هم الذين
علموا، فانتفعوا بعلمهم.
وأعد الله تعالى لهم الجزاء الجزيل،
والأجر الأوفى، وهو الجنة التي سماها الله
عز وجل دار السلام؛ وذلك لسلامتها من كل
عیب ونقص وآفة وکدر، وهمٍّ وغمِّ، إلی غیر
ذلك من المنغصات والمكدرات التى كانت
في الدنيا، فيلزم من هذا أن يكون نعيم الجنة
في غایة الکمال، بحیث لا يقدر على وصفه
الواصفون من نعيم الروح والقلب والبدن.
كما أن الله تعالى هو الذي يتولى تدبيرهم
وتربيتهم، حیث لطف بهم في جميع شؤون
أمورهم، وأعانهم على طاعته في الدنيا،
ويسر لهم كل طريق إلى محبته، كلُّ هذا
بسبب أعمالهم الصالحة التي قدموها في
دنياهم، وقصدوا بها رضا مولاهم جل
جلاله (٢)
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٤٨٨/٤،
www. modoee.com
٢٤٣
حرف الواو
هذا وقد ورد عن النبي صلى الله عليه قَدِيرٌ ٢) يُعَذِبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءٌ وَإِلَيْهِ
تُقْلَبُونَ ﴿ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ فِ الْأَرْضِ
وسلم في الحديث القدسي: (إن الله قال:
من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما وَلَا فِ السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَإِيٍّ
تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما وَلَا نَصِيرٍ ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِشَايَتِ اُللَّهِ
وَلِقَآَبِهِ: أُوْ لَئِكَ يَبِسُواْ مِن رَّحْمَتِ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠- ٢٣].
افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ
بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه
الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده
التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن
سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما
ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفس
المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته)(١).
فبين النبي عز وجل أنه من عادى لله
تعالى وليًّا فقد بارز الله تعالى بالمحاربة.
خامسًا: أسباب الحرمان من ولاية الله:
من خلال النظر في آيات الموضوع نجد
أن أسباب الحرمان من ولاية الله عز وجل
تتمثل في الآتي:
١. الكفر.
فالشخص الذي لا يؤمن بالله عز وجل
کیف یکون الله تعالی ولیه وناصره في الدنيا
وفي الآخرة؟ يقول الله تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا
فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقِّ ثُمَّ
اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٢٧٣.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٦٥٠٢،
عن أبي هريرة، كتاب الرقاق، باب التواضع،
٠١٠٥/٨
والمعنى: یأمر الله عز وجل نبيه محمدًا
صلى الله عليه وسلم أن يخاطب المشركين
الكافرين المنكرين قضية البعث بعد الممات
أن يسيروا في الأرض، فينظروا كيف بدأ الله
تعالی الأشياء وأوجدها من عدم، ولم يتعذر
عليه شيء من ذلك، فكذلك لا يتعذر عليه
إعادتها مرة أخرى بعد فنائها، فإن الله تعالى
قادر على ذلك، ولا يعجزه شيء.
وبعد إعادتهم بعد فنائهم، يعذب الله
تعالى منهم على ما أسلف من ذنوب في
حياته، ويرحم منهم من تاب وآمن وعمل
صالحًا، ثم یبین الله تعالی لهم أن رجوعهم
ومآلهم هو إلى الله جل جلاله، ثم يتوعدهم
ويتهددهم بأنهم لن يعجزوا الله تعالى في
الأرض ولا في السماء، ولن يكون لهم من
دون الله عز وجل من ولي يلي أمورهم، ولا
نصير ينصرهم من دون الله تعالى إن أراد
بهم سوءًا، کما لا یمنعهم منه أحد إن أراد أن
یوقع عقوبته عليهم.
ثم يذكر الله تعالى أن الذين كفروا
بحججه تعالى، وأنكروا أدلته، وجحدوا
جوسُوحَرَ النَّقين
القرآن الكريم
٢٤٤
الولاء
لقاءه والرجوع إليه يوم القيامة، فهؤلاء
يئسوا من رحمة الله تعالى في الآخرة عند
معاينتهم ما أعد الله تعالى لهم من العذاب
الموجع(١).
ويقول الله تعالى أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ
اَلْكَفِرِينَ وَأَعَدَّلَمْ سَعِيرًا ( خَلِينَ فِيهَا أَبْدَاً لَّا
◌َجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٥ -٦٤].
أي: إن الله عز وجل لعن الكافرين
فخذلهم وطردهم من رحمته، وأعد لهم في
الآخرة جهنم ماکثین فیھا أبدًا بلا انقطاع،
فلا يجدون فيها وليًّا قريبًا ينفعهم، ولا نصیرًا
مانعًا یمنعهم من عذاب الله عز وجل (٢).
٢. النفاق.
إن الشخص المنافق هو الذي يظهر
خلاف ما يبطن، حيث يظهر الإسلام،
ويخفي الكفر، فخطره على الإسلام
والمسلمين أشد من خطر الكفار؛ لأن
عداءهم للمسلمین غير واضح ولا ظاهر،
فمن اتصف بهذه الخصلة السيئة يحرم نفسه
من ولاية الله عز وجل له في الدنيا والآخرة.
يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتٍ تَطَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ
يَتَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَأَرْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ
فَرِقٌّ مِنْهُمُ النَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ
بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّ فِرَارًا ، وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم
مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَنَوَّهَا وَمَا تَتَّقُواْ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣،٢٠/٢٠.
(٢) انظر: تفسير السمر قندي، ٣/ ٧٤.
بِّ إِلَا يَسِيرًا ، وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللَّهَ مِن
قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اُلّهِ مَسْئُولًا
٥ قُلُ أَنْ يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُم مِّنَ اَلْمَوْتِ
أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ قُلْ مَن ذَا
الَّذِى يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوْمًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ
رَحْمَةٌ وَلَا يَجِدُونَ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيَّا وَلَا نَصِيرًا ﴾
[الأحزاب: ١٣ - ١٧].
ففي هذه الآيات یبین الله عز وجل حال
المنافقين في غزوة الأحزاب حيث تواصوا
فيما بينهم بالفرار عندما ظنوا أن المسلمين
سوف ينهزمون في المعركة، وعندها لا
يكون لهم نصيبٌ من الغنائم، فتعللوا
بانكشاف بيوتهم، وضياع ما فيها، مع علمهم
أنهم يكذبون في عذرهم هذا، فهم جبناء لا
يريدون إلا مجرد الفرار مع أنهم عاهدوا الله
تعالی سابقًا أنهم لن یولوا الأدبار.
لكن لما ظهر الجد لم يساعدهم
الصدق، ولم يتذكروا أن الله تعالى سوف
يسألهم عن العهود التي قدموها، فيعاقبهم
على ما أذنبوا. عندئذٍ يأمر الله تعالى نبيه
محمدًا صلی الله عليه وسلم أن يخبرهم أن
الفرار من المعركة خوف القتل أو الموت لن
ينفعهم؛ لأن الآجال إذا حان وقتها فلا تأخير
لها، ولا تقدیم علیھا، وإن بقوا أحياء فلن
یکون متاعهم في الدنيا إلا قليلًا.
كما يخبرهم أيضًا أنه من الذي يمنعهم
من الله عز وجل إن أراد أن يوقع بهم
www. modoee.com
٢٤٥
حرف الواو
مكروهًا، أو يحقق لهم أمرًا مرجوًا، ومن عليه وسلم أن يرد عليهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ
هُدَى اَللَّهِ هُوَ اَلْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠].
الذي يصرف عنهم دونه عدوًا؟!(١).
٣. اتباع الهوى.
إن من لم يأتمر بأوامر الله تعالی، وينتهي
عما نهى الله تعالى عنه، فإنه يعرض نفسه
للحرمان من ولاية الله تعالى، وحفظه
ورعايته ونصرته له.
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ
يقول الله عز وجل:
اَلْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَّعَ مِلَتُهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى
اللَّهِ هُوَ اَلْهُدَىُّ وَلَيْنِ أَنَّبَعْتَ أَهْوَآَ هُم بَعْدَ الَّذِى
◌َءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اَللَّهِ مِن وَلٍِ وَلَ نَصِيرٍ﴾
[البقرة: ١٢٠].
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم
يرجو إيمان أهل الكتاب قبل غيرهم؛ لذلك
كبر عليه إعراضهم عن إجابة دعوته، فأراد
الله تعالی أن ییئسه من الطمع في إسلامهم،
فعلق رضا أهل الكتاب عن النبي صلى الله
عليه وسلم بما هو مستحيل أن يحدث،
فليس غرض اليهود ومبلغ الرضا منهم ما
يقترحونه عليه من الآيات، وما يوردونه
من الأمور التي فيها تشدد وتعنت، فإنك
يا محمد لو جئتهم بكل ما طلبوه تعنتًا لم
يرضوا عنك، ثم أخبره الله تعالى بأنهم لن
يرضوا عنك حتى يدخل في دينهم، ويتبع
ملتهم.
ثم أمر الله تعالی نبیه محمدًا صلی الله
(١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري، ١٥٤/٣.
جومبو
القرآن الكريم
أي: أن الهدى الحقيقي محصور فقط في
اتباع ما أمر الله تعالى به، لا فيما أنتم عليه
من الكتب المحرفة، والشرائع المنسوخة،
ثم أتبع ذلك بوعيد شديد للنبي صلى
الله عليه وسلم إن فكر في اتباع أهوائهم،
وحاول إرضاءهم وتلبية طلباتهم، ولا يخفى
ما في هذا من تعريض لأمة النبي صلى الله
عليه وسلم، وتحذيرًا لهم من أن يقعوا في
شيء من ذلك، فإن لم يمتثلوا لأمر الله عز
وجل حينئذٍ لن يجدوا من یکون لهم ولیًا
وناصرًا من عذاب الله عز وجل؛ لأن الله
تعالى أعلمهم حقيقة اليهود وما هم عليه (٢).
يقول سيد قطب رحمه الله في قوله
تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الَْهُودُ وَلَا النَّصَرَىُّ حَّى
تََّعَ مِلَتْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].
((فتلك هي العلة الأصيلة، ليس الذي
ينقصهم هو البرهان، وليس الذي ينقصهم
هو الاقتناع بأنك على الحق، وأن الذي
جاءك من ربك الحق، ولو قدمت إليهم ما
قدمت، ولو توددت إليهم ما توددت، لن
يرضيهم من هذا كله شيء، إلا أن تتبع ملتهم
وتترك ما معك من الحق. إنها العقدة الدائمة
التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان إنها
هي العقيدة. هذه حقيقة المعركة التي يشنها
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ١ / ١٥٧.
٢٤٦
الولاء
اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وبينهم صلح الحديبية، كتب فيه: بسم الله
الرحمن الرحيم، فاعترضوا قائلين: ما
وقت ضد الجماعة المسلمة))(١).
نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة، يعنون به
مسيلمة الكذاب، وكانوا لا ينكرون اسم الله
تعالی.
ويقول الله جل جلاله: ﴿ وَأَلَّذِينَ ءَاتَيْتَهُمُ
اَلْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ
مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ، قُلْ إِنَّمَا أُمِتُّ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَّ
أُشْرِكَ بِهَّ إِلَيْهِ أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَثَابٍ
وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ حُكْمًا عَبَّاً وَلَيِنِ اتَّعْتَ أَهْوَآءَهُم
بَعْدَمَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَّكَ مِنَ اَللَّهِ مِن وَإِّ وَلَا
وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧-٣٦].
هناك قولان في المقصود ب﴿ وَالَّذِينَ
ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ﴾ وهما:
الأول: هم أصحاب النبي محمد صلى
الله علیه وسلم الذین آتاهم الله عز وجل
القرآن، فهم يفرحون بهذا القرآن النازل على
النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الأحزاب
الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وهم اليهود والنصارى ينكرون حافظًا(٢).
بعض القرآن.
الثاني: المسلمون من اليهود أمثال عبد
الله بن سلام وأصحابه، فهؤلاء قد ساءهم
ذكر اسم الله تعالى (الرحمن) في القرآن
الكريم مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كثر
ذكره في القرآن فرحوا به، فأنزل الله تعالى
الآية.
ويقصد بـ ﴿الْأَحْزَابِ﴾ مشركي مكة،
فلما عقد النبي صلى الله عليه وسلم بينه
(١) في ظلال القرآن، ١٠٨/١.
فيأمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله
عليه وسلم أن يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ
اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ ثم يذكر الله عز وجل
أنه كما أنزل القرآن الكريم على محمد
صلى الله عليه وسلم، فأنكره الأحزاب،
كذلك أنزل الحكم والدين عربيًا، فنسب
إلى العرب؛ لأنه نزل بلغتهم، فكذب به
الأحزاب، ثم توعد الله عز وجل النبي صلى
الله عليه وسلم أنه إن اتبع أهواء أهل الكتاب
في الملة بعد ما جاءه من العلم الصحيح من
الله تعالی، فلن یجد منه عز وجل ناصرًا ولا
٤. الضلال.
وهو عكس الهداية والتوفيق، فمن كان
على ضلالة فكيف يكون الله تعالى وليه
وناصره؟!
يقول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَهْدِ اَللَّهُ فَهُوَ
اَلْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَمْ أَوْلِيَاءُ مِن دُونٌِ
٠١١١٠٠٠ ٠٠
وَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبَّكْمًا
وَصُمَّا مَأْوَهُمْ جَهَنَّمٌ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ
سَعِيرًا﴾[الإسراء: ٩٧].
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٣٢٢/٤.
www. modoee.com
٢٤٧
حرف الواو
فهو المهتدي، فهؤلاء سبق لهم حكم الله
تعالی بالإیمان، فوجب أن یصیروا مؤمنین،
ومن سبق علیهم حكم الله تعالى بالضلال،
استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال، وأن
یوجد من یصرفهم عنه حین یحشرهم الله
عز وجل على وجوههم خزیًا عميًا ویکمًا،
لا يبصرون ولا ينطقون، فمقرهم ودارهم
هي جهنم، كلما تهيأت للانطفاء، سعرها
الله تعالى بهم، فلا يفتر عنهم العذاب، ولا
يخفف عنهم من عذابها، فلم يظلمهم الله
تعالى؛ بل جازاهم بسبب كفرهم بآيات
الله تعالى، وإنكارهم البعث وكمال قدرته
تعالى(١).
ويقول الله عز وجل مخبرًا عن حال
أصحاب الكهف عندما كانوا بداخله:
﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَّزَوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ
ذَاتَ آلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ
وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهُّ مَنْ يَهْدِ
اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَن ◌َجِدَ لَهُ، وَلِيًّا
قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
فأيها المخاطب إنك ترى الشمس إذا
طلعت فإنها تميل عن كهفهم جهة اليمين،
وإذا غربت تقطعهم وتبعد عنهم جهة
الشمال، وحال الشمس هذه كرامة لهم
(١) انظر: مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي،
٦٣٧/١، تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص ٤٦٧.
أي: من وفقه الله تعالى إلى الهداية من الله عز وجل؛ لئلا تؤذیھم بحرها، وقد
كانوا في متسع من الكهف بحيث لا تصيبهم
الشمس لا في ابتداء النهار ولا في آخره،
وذلك الصنيع هو من دلائل قدرة الله تعالى
الباهرة، فمن يوفقه الله تعالى للإيمان،
ويرشده إلى طريق السعادة، فهو المهتدي
حقًا، ومن يضلله الله تعالى بسوء عمله
فلن تجد له من دون الله تعالى من يهديه
ویرشده(٢).
ونلمح من قصة أصحاب الكهف أن
هؤلاء الفتية كانوا حريصين على الهداية
واتباع دين الله عز وجل؛ لذلك كان الله
تعالى لهم مؤيدًا وناصرًا، فلم يخذلهم، ولم
يدع أيدي الشر تطالهم؛ بل أکرمهم الله جل
جلاله بهذه الكرامة الباهرة، فمن يصدق
الله يصدقه الله، وفي المقابل من لم يكن
في داخله استعداد للهداية، فلن يجد له ولیًا
ومرشدًا إلى طريق الهداية والسعادة.
ويقول الله تعالى في موضع آخر:
﴿وَمَنْ يُضْلِيلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ, مِن وَإِيٍّ مِنْ بَعْدِهِهُ وَتَرَى
القَِّمِينَ لَمَّا رَأَوْ اَلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى
ث وَرَنَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا
مَرّ مِّن سَچیلٍ
خَشِمِينَ مِنَ الذُّلِ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيُّ
وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوّاً
أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةُّ أَلَّا إِنَّ الظَّالِمِينَ
فِيِ عَذَابٍ مُقِيمٍ ( وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآء
(٢) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني، ٢/ ١٧٠.
مَوَسُولَ التقييم
القرآن الكريم
٢٤٨
الولاء
فَا لَهُ مِن
يَنْصَرُونَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يَضْلِلِ اللهُ
١
سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤- ٤٦].
حیث یخبر الله جل جلاله أنه وحده
المنفرد بالهداية والإضلال، وأن من يضلله
الله تعالى فبسبب ظلمه لنفسه بالمعاصي
والذنوب والآثام، فما له من ولي يتولى
أمره ویهدیه(١)، فكان ضلاله وعدم هدايته
إلى طريق الرشاد سببا من أسباب الحرمان
من ولاية الله تعالى له، كما قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ لَّا يُجِبْ دَاعِىَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ
وَلَيْسَ لَهُ، مِن دُونِ، أَوْلِيَاءٌ أُوْلَكَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾
[الأحقاف: ٣٢].
٥. الظلم.
يقول الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِتْنَذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهًا
وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِلَا رَيِّبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ
فِيِ السَّعِيرِ ، وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةٌ وَحِدَةً
وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِ رَحْمَيِّهِ، وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم
مِن وَلِيٍّ وَلَا تَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨،٧].
والمعنى: أن الله تعالى أوحى إلى النبي
صلى الله عليه وسلم القرآن وهو كلام
عربي، واقتضت الحكمة الإلهية اختيار
الأمة العربية لتكون أول من يتلقى الإسلام
وينشره بين الأمم، ولو روعي فيه جميع
الأمم المخاطبة بدعوة الإسلام لاقتضى
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٧٦١.
أن ينزل القرآن بلغات لا تحصى، لكن الله
عز وجل اختار له أفضل اللغات، كما اختار
إنزاله على أفضل البشر، وهذا الإنزال لأجل
إنذار المشركين من أهل مكة ومن حولها
ما ينذرونه من العذاب في الدنيا والآخرة،
وتنذرهم أيضًا يوم القيامة وما يكون فيه
من أهوال وشدائد، وسمي بالجمع؛ لأن
الخلائق تجمع فيه للحساب، ففريق من
هذه الخلائق سیکون في الجنة، وفريق آخر
سیکون في النار.
وهذا أمرٌ شاء الله تعالى تقديره بأن
أوجد من أسبابه بحكمته، فلو شاء القدر
أسباب اتحادهم على عقيدة واحدة من
الهدى، فيكونون جميعًا في نفس المصير
في الجنة، ولكن الله جل جلاله شاء
مشيئة أخرى جرت وفق حكمته، وهي أنه
تعالى خلقهم على قابلية واستعداد للهدى
والضلال، کما مکنھم من کسب أفعالهم،
ووضح لهم طريق الخير من الشر، فكان
منهم المهتدون، وهم الذين شاء الله تعالى
إدخالهم في رحمته، ومنهم الظالمون الذين
ظلموا أنفسهم بحرمانها من الهداية، وظلموا
غيرهم بالتعدي على حقوقهم فتجاوزوا
الحد، فهؤلاء لیس لهم ولي یدفع عنهم ما
حاق بهم، ولا نصير يثأر لهم(٢).
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٥/٢٥.
www. modoee.com
٢٤٩
حرف الواو
٦. عمل السيئات.
يقول الله عز وجل: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْوَلَآ
أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُ مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَّ
بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَّهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾
[النساء: ١٢٣].
أي: ليس أمر النجاة والتزكية بالأماني
التي يمني بها أهل الكتاب أنفسهم، وهي
عبارة عن أحاديث وتوهمات وتخيلات
مجردة عن العمل الصالح، فقد أخبر الله
تعالى عن هذه الأماني عندما قالوا: ﴿وَقَالُوا
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى
تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١].
فإن مجرد الانتساب إلى أي دین کان لا
يفيد صاحبه شيئًا إن لم يأت بعمل صالح
یبرهن على صدق دعواه، لذلك يقول الله:
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،﴾.
والسوء هي كلمة شاملة لأي ذنب کان
صغيرًا أم كبيرًا، قليلًا أم كثيرًا، دنيويًا أم
أخرویًا.
والناس في هذا الأمر درجات لا يعلمها
إلا الله تعالى، فمنهم مقل ومنهم مکثر،
ومن کان عمله کله سوءًا -وهذا لا ينطبق إلا
علی الکافر- فإذا مات دون توبة إلى الله عز
وجل جوزي بالخلود في العذاب الأليم يوم
القيامة.
وحينئذٍ ليس له ولي يحصل له المطلوب
به، ولا نصير يدفع عنه المرهوب إلا الله
تعالى. أما من كان مستقيمًا في أغلب
أحواله، ویعمل الصالحات، ويصدر عنه من
بعض الذنوب الصغيرة، فما یصیبه من هم أو
غم، أو أذى في نفسه، أو ماله، أو أهله، فإنها
مكفرات لهذه الذنوب التي قدرها الله تعالى
لطفًا بعباده(١).
کما یحذر الله عز وجل عباده من اللهو
واللعب، وإضاعة العمر فيما لا يفيد، فضلًا
عن عمل السيئات والذنوب، فيأمر الله
تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم
بقوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا
وَلَهْوَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن
تُبْسَلَ نَفْسُنُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَا مِن دُونِ
اللَّهِ وَإِنَّ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا
يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواً
لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ
يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠].
أي: يا أيها الرسول دع الذين اتخذوا
دینهم -الذي کان یجب أن يتبعوا تعاليمه،
ويهتدوا به- اتخذوه لعبًا ولهوًا، فإنهم لما
عملوا هذه الأعمال التي ختم الله تعالی بها
على قلوبهم، ودس بها على نفوسهم، ولم
یعملوا لیوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من
أتى الله بقلب سليم.
فأضاعوا أعمارهم فيما لا يفيد، وهو
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٢٠٥.
٢٥٠
صَوسُو ◌َةُ النَّفي
جوي
لِلْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ