Indexed OCR Text
Pages 41-47
الوقت سادسًا: الأذكار والأدعية: ذكر الله تعالى مستحب في جميع الأوقات، ولكن يزداد استحبابه في أوقات مخصوصة، كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اَلَيْلِ وَقُرْءَانَ اَلْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ اُلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ٧٨ [الإسراء: ٧٨]. فقراءة القرآن - كلام الله- عموما في أي وقت لها فضلها العظيم، ولكنها في ساعة الفجر اختصت مع ذلك بشهود الملائكة (١)، وكما قال تعالى لنبيه زكريا عليه السلام: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِّ وَاَلْإِبْكَرِ﴾ [آل عمران: ٤١]. وقال لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَتْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِلْعَشِيِّ وَالْإِبْكَرِ ﴾﴾ [غافر: ٥٥]. وقال لعموم المؤمنين: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ، وَسَبِّحُوهُ بَكْرَةً ﴾ [الأحزاب: ٤١- ٤٢]. وَأَصِيلًا ® فأمر الله تعالى بذكره عموما في كل وقت، ثم خص فيه بعض الأوقات تنبيها على شرف العبادة فيها، فذكر تعالى من ذلك و قتین: الأول: وهو وقت الغداء أو الإبكار، وهو (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ٣٠٧. أول النهار، وهو ما بين طلوع الفجر إلى الضحى(٢). والثاني: العشي أو الأصيل وهو آخر النهار، وهو ((ما بين العصر إلى المغرب))(٣). وهما وقتان فاضلان ولذكر الله فيهما مزية وفضيلة على غيرهما، فمن فضلهما أن الله أقسم بكل واحد منهما، فأقسم تعالی بالصبح كما في قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَشْفَرَ ٣٤ [المدثر : ٣٤]. وكما في قوله: ﴿وَلِصُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ [التكوير: ١٨]. ١٨ وأقسم تعالى بالعصر، كما في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ ﴾ [العصر: ١] على أحد أوجه التفسير في الآية (٤)، فوقتا الغدو والعشي وقتان مشهودان من الملائكة، كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم (٢) انظر: تفسير البسيط، الواحدي ٢٤٤/٥، مفاتيح الغيب، الرازي ٢١٦/٨. (٣) جامع البيان، الطبري ١٣/ ٣٥٥. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧٩/٢٠. www. modoee.com ٢٢٣ حرف الواو وهم يصلون)(١). كما شرع تعالى فيهما أذكار الصباح ولأجل فضيلة هذين الوقتين خصهما والمساء. الله تعالى بالأمر بالذكر فيهما، فإن الفضيلة الأزمنة والأمكنة أثرًا في فضيلة ما يقع فيهما من العبادات (٢). كما يضاعف الثواب في ليلة القدر لشرفها، وكما تضاعف الصلاة في المسجد الحرام لمكانته، ولذلك أيضًا فقد أوجب الله تعالى في هذين الوقتين -الغداة والعشي - صلاتین عظیمتین جلیلتين، وهما صلاة الفجر وصلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى التي خصها الله بتوكيد المحافظة عليها. قال تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ ()﴾ [البقرة: ٢٣٨](٣). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت الصلوات، باب فضل صلاة العصر، رقم ٥٥٥، ١١٥/١، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما، رقم ٤٣٩/١،٦٣٢. (٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٦٨/١٢، تفسير المراغي ١٠٦/٢٣. (٣) اختلف في الصلاة الوسطى اختلافا كثيرا، وقد ذكر الحافظ ابن كثير الأقوال في ذلك، ثم قال: وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها، وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر. وقد ثبتت السنة بأنها العصر، فتعین المصیر إليها. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٥٤/١. قال تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَيْكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ اُلْغُرُوبِ ()﴾ [ق: ٣٩]. ((وهذا تفسير ما جاء في الأحاديث: من قال کذا و کذا حین یصبح وحين يمسي، أن المراد به قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وأن محل هذه الأذكار بعد الصبح وبعد العصر)) (٤) . كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال: حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرةٍ، لم یأت أحدٌ يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحدٌ قال مثل ما قال أو زاد عليه)(٥). وغير ذلك من الأحاديث، وهكذا يظل المؤمن مراقبًا لهذين الوقتين الفاضلين، لیذکر الله تعالی فیهما ويغتنمهما في ذلك. وكما جعل الشارع للذكر أوقاتا مخصوصة يزداد فيها شرفه ويعظم أجره، جعل ذلك للدعاء أيضًا، فللدعاء أوقات (٤) الوابل الصيب من الكلم الطيب، ابن القيم ص ٩٣. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، رقم ٢٦٩٢، ٢٠٧١/٤. جُوَسُولَة النَّقِين الْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٢٤ الوقت مخصوصة یکون فيها أقرب للإجابة، من ذلك ساعة الاضطرار والتي يحصل فيها كمال التوجه إلى الله، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوْءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الْأَرْضُِّ أَوِلَهُ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًاً مَّا نَذَكَرُونَ ﴾ [النمل: ٦٢]. وكما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل لیلةٍ إلى السماء الدنيا، حین یبقی ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له)(١). ولا يخفى ما في هذا الحديث من الترغيب في الدعاء والحرص عليه في هذا الوقت. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل، والإجابة فيه، رقم ١،٧٥٨ /٠٥٢١ أوقات فاضلة ورد في القرآن الکریم ذکر بعض الأوقات المخصوصة وبيان فضلها، وذلك تنبيها عليها وحضا على الانتفاع بها واغتنامها، وهو من طريقة القرآن في الهداية إلى خير الأمور وأقومها، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا اَلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِىِ هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. وسنتحدث عن تلك الأوقات المخصوصة في النقاط الآتية: أولًا: شهر رمضان: قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدَى لِلنَّاسِ وَبَيْنَتٍ مِّنَ اُلْهُدَى وَاُلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فبین تعالی شرف هذا الشهر من بين سائر الشهور، باختياره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه (٢). وذهب الجمهور في معنى نزول القرآن إلى أنه: نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك مفرقا على النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة، وقيل: معنى إنزاله في شهر رمضان: ابتداء إنزاله فيه، وذلك لأن مبادئ الملل والدول هي التي یؤرخ بها (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٥٠١. www. modoee.com ٢٢٥ حرف الواو لكونها أشرف الأوقات(١). وبعد أن بین تعالی فضل هذا الشهر وما حصل فيه من الفضل العظيم بإنزال القرآن المشتمل على الهداية والبيان والفرقان بين الحق والباطل، نبه جل شأنه عباده إلى اغتنام هذا الشهر المبارك، وأن يشكروه تعالى فيما أنعم به علیهم فيه، فأمر بصيامه، فكأنه قال: حقيق بشهر، هذا فضله، وهذا إحسان الله علیکم فيه، أن يكون موسما للعباد مفروضا (٢) فیه الصيام(٢). قال ابن كثير: «أي: يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (من تقدم من ذنبه)(٣). يتنزلون عند تلاوة القرآن ويحيطون بحلق صام رمضان، إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظیما له»(٥). ثانيًا: ليلة القدر: وقد أنزل الله تعالى سورة كاملة في بيان فضلها، هي سورة القدر، ومما ذكره تعالى فيها من ذلك: أنها الليلة التي أنزل فيها القرآن. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥٢/٥. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٦. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان، رقم ٣٨، ١٦/١، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح، رقم ٧٦٠، ٥٢٣/١. (١)﴾ [القدر: ١]. وأن العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر خالية منها(٤)، كما في قوله تعالى: ﴿لَتْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر : ٣]. وأن الملائكة يكثر نزولها فيها كما في قوله تعالى: ﴿فَزَّلُ الْمَلِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ [القدر: ٤]. وما ذكره الحافظ ابن كثير من كثرة بركة ليلة القدر جاءت الإشارة إليه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا ﴾ [الدخان: ٣]. مُنذِرِينَ فالليلة المباركة هي ليلة القدر، ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان فقد أبعد النجعة، فإن نص القرآن أنها في رمضان (٦). وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى اغتنام هذه الليلة المباركة ورغب في ذلك، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي (٤) انظر تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي ص٨١٥. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٤/٨. (٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٥/٧. جُوسُوحَرَ النَّقِينَ القرآن الكريم ٢٢٦ الوقت الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم رابعًا: الأشهر الحرم: قال: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)(١). ثالثًا: العشر الأوائل من ذي الحجة: وقد أقسم الله تعالى بها في قوله: ﴿وَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢](٢). وقسمه تعالى بها فيه إشعار بفضلها، وهي ليال عظيمة فيها تؤدى مناسك الحج، كالإحرام ودخول مكة وأعمال الطواف، وفي ثامنتها ليلة التروية، وتاسعتها ليلة عرفة وعاشرتها ليلة النحر(٣). وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذَّه الأيام العشر، فقالوا: یا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيءٍ)(٤). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا ونية، رقم ١٩٠١، ٢٦/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح، رقم ٠٥٢٣/١،٧٦٠ (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٠/٨. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١٣/٣٠. (٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الصوم، باب وهي أربعة أشهر: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، كما بينها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. ففي الحديث عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعةٌ حرمٌ، ثلاثٌ متوالياتٌ: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، مضر الذي بین جمادى، وشعبان)(٥). وقد ورد ذكرها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَئِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَئِلُونَكُمْ كَافَّةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ [التوبة: ٣٦]. ما جاء في العمل في أيام العشر، رقم ٧٥٧، ٠١٢١/٣ وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٥٥٤٨، ٢ / ٩٧٣. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في سبع أرضين، رقم ١٠٧/٤،٣١٩٧، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، وهو التراويح، رقم ١٦٧٩، ١٣٠٥/٣. www. modoee.com ٢٢٧ حرف الواو أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب، دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهرًا، لأنها مختلفة الأعداد، منها ما یزید علی ثلاثین ومنها ما ينقص، وشهور العرب لا تزید علی ثلاثین وإن کان منها ما ينقص، والذي ینقص لیس یتعین له شهر، وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سیر القمر في البروج(١). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ اَلْقَيِّمُ﴾ أي: هذا هو الشرع المستقيم، من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم، والحذو بها على ما سبق في كتاب الله الأول أي: اللوح المحفوظ (٢). وقد خص الله تعالى الأشهر الحرم من بین سائر الشهور بمزید حرمتها. قال العلامة السعدي رحمه الله: ((سميت حرما لزيادة حرمتها، وتحريم القتال فيها، ﴿فَلَا تَظْلِّمُواْ فِيِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ يحتمل أن الضمير يعود إلى الاثني عشر شهرًا، وأن الله تعالی بین أنه جعلها مقادير للعباد، وأن تعمر بطاعته، ويشكر الله تعالى على منته بها، وتقبيضها لمصالح العباد، فلتحذروا من (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٣/٨. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /١٤٨. قال الإمام القرطبي: ((هذه الآية تدل على ظلم أنفسكم فيها. ويحتمل أن الضمير يعود إلى الأربعة الحرم، وأن هذا نهي لهم عن الظلم فيها، خصوصا مع النهي عن الظلم كل وقت، لزيادة تحريمها، وكون الظلم فيها أشد منه في غيرها)»(٣). وقال قتادة رحمه الله: ((الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئةً ووزرًا، من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم علی کل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم من أمره ما شاء)»(٤). وقد حذر القرآن الكريم من التلاعب بالأشهر الحرم كما كانت العرب تفعل، وعد ذلك من الكفر. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَِّّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ يُضَلُّ بِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاِقُواْ عِدَّةَ مَا حَّمَ اَللَّهُ فَيُحِلُواْ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ زُيَّنَ لَهُمْ سُوَهُ أَعْمَلِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ [التوبة : ٣٧]. ٣٧ الْكَفِرِينَ أي: ((إنما التأخير الذي يؤخره أهل الشرك بالله من شهور الحرم الأربعة، وتصييرهم الحرام منهن حلالا والحلال منهن حرامًا، زيادة في كفرهم وجحودهم أحكام الله وآياته»(٥). (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٣٦. (٤) جامع البيان، الطبري ٢٣٩/١٤. (٥) المصدر السابق ١٤ / ٢٤٣. ٢٢٨ جَوَسُولَة النَّقِين القرآن الكريم الوقت خامسًا: يوم الجمعة: وقد سمى الله تعالى سورة من كتابه باسمه (سورة الجمعة)، جاء فيها ذكر يوم الجمعة في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ ﴾ [الجمعة: ٩]. تَعْلَمُونَ وهو أفضل أيام الأسبوع (١)، كما جاء في الحديث عن أبى هريرة أن النبى صلى الله علیه وسلم قال: (خیر یوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلّق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)(٢). وقد أقسم الله تعالى به كما في قوله ﴾ [البروج: ٣]. تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُورٍ ) أقسم بشاهد، وهو يوم الجمعة، ومشهود وهو يوم عرفة (٣) قال ابن كثير: ((﴿وَشَاهِدٍ﴾ يوم الجمعة. وما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، ولا يستعيذ فيها من شر إلا أعاذه، ﴿وَمَشْهُورٍ﴾ يوم عرفة)» (٤) . (١) انظر: زاد المعاد، ابن القيم ١ / ٦٠. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة، رقم ٨٥٤، ٥٨٥/٢. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٣٣/٢٤. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٤/٨. وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في استغلال هذا اليوم الفضيل بالعمل الصالح، كما جاء في الحديث عن أوس بن أوس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضةٌ علي، قال: فقالوا: يا رسول الله: وكيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرمت؟ - قال: يقولون: بليت - قال: إن الله تبارك وتعالى حرم على الأرض أجساد الأنبياء صلى الله عليهم) (٥). وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) (٦). موضوعات ذات صلة: الأجل، الذكر، العبادة، الليل، النهار (٥) أخرجه أبو داود في سننه، باب تفريع أبواب الوتر، باب في الاستغفار، رقم ١٥٣١، ٨٨/٢. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٤٤٠/١،٢٢١٢. (٦) أخرجه الحاكم في مستدركه، رقم ٣٣٩٢، ٣٩٩/٢. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخر جاه. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٠١١٠٤/٢،٦٤٧٠ www. modoee.com ٢٢٩