Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الوَقْتُ
عناصر الموضوع
مفهوم الوقت
١٨٤
الوقت في الاستعمال القرآني
١٨٥
الألفاظ ذات الصلة
١٨٦
١٨٩
الوقت نعمة إلهية
١٩٣
أهمية الوقت
١٩٩
استثمار الوقت
٢٠٢
معوقات استثمار الوقت
٢٠٩
الوقت في الأحكام الشرعية
٢٢٥
أوقات فاضلة
المُجَلَّدَ الخَامِسْ، وَالثَّلاثُونْ

حرف الواو
مفهوم الوقت
أولًا: المعنى اللغوي:
((الواو والقاف والتاء: أصلٌّ يدل على حد شيءٍ وكنهه في زمان وغيره، منه الوقت: الزمان
المعلوم، والموقوت: الشيء المحدود))(١)، ووقت الشيء بالتخفيف فهو موقوتٌ إذا بين له
وقتا ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
أي: مفروضا في الأوقات، والتوقيت تحديد الأوقات، ويقال: وقته ليوم كذا توقيتًا
• [المرسلات: ١١](٢)، وفي لسان العرب:
فَتَتْ
﴿وَإِذَا الرُّسُلُ
مثل أجله، ومنه قوله تعالى:
((الوقت: مقدار من الزمان، وكل شيء قدرت له حينا، فهو مؤقت، وكذلك ما قدرت غايته،
فهو مؤقت.))(٣) وقال الكفوي: ((الوقت، لغة: المقدار من الدهر، وأكثر ما يستعمل في
الماضي كالميقات، ونهاية الزمان المفروض لعمل، ولهذا لا يكاد يقال إلا مقيدا.))(٤)
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
بالنظر في أقوال العلماء في الدلالة اللغوية والاصطلاحية للوقت نجد أنه لا فرق بينهما،
فالوقت هو الدهر، وهو حياة الإنسان التي ينبغي أن تعمر بالطاعات، وهو المقدار من الزمان،
ولا يكاد يذكر إلا مقيدًا، مثل أوقات العبادات كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وآجال أداء
الديون والحقوق، وعدد النساء.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٣١/٦.
(٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص٣٤٣.
(٣) لسان العرب، ابن منظور ١٠٧/٢.
(٤) الكليات، أبو البقاء الكفوي ص٩٤٥.
مُوسُوراً
القرآن الكَرِيْمِ
١٨٤

الوقت
الوقت في الاستعمال القرآني
وردت مادة (وقت) في القرآن الكريم (١٣) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
﴿وَإِذَا الرّسُلُ أَقِّنَتْ ﴾ [المرسلات: ١١]
المصدر
٣
﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ(
﴾[الحجر: ٣٨]
٣٨
اسم
٨
﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ [الشعراء: ٣٨]
اسم مفعول
١
[النساء: ١٠٣]
وجاء في القرآن بمعناه في اللغة وهو: الزمان المعلوم. والموقوت: الشيء المحدود(٢).
والميقات: الوقت المضروب للفعل (٣).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٧٥٧.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٦/ ١٢٣.
(٣) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص٣٤٣.
١٠٣
﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا
www. modoee.com
١٨٥

حرف الواو
الألفاظ ذات الصلة
١
الأوان:
الأوان لغةً:
الحين والزمان، والجمع: آونة مثل: زمان وأزمنة، تقول: جاء أوان البرد (١)، و((آن الشيء
أينا حان))(٢).
الأوان اصطلاحًا:
((أوان الشيء: وقته الذي يوجد فيه وجمعه آونة))(٣)، و(الأوان) أعم من (الوقت).
الصلة بين الأوان والوقت:
أن (الوقت): مقدار من الزمان مفروض لأمر ما، و(الأوان): الحين، وهو الزمان قل أو
کثر، وسواء كان مفروضا أم لا، فكل وقت أوان دون العكس (٤)، ولذلك يقال عن الأمر الذي
يقع بشكل غير منتظم زمانيا: أحيانا يقع كذا، أما الأمر الذي يقع بانتظام زمانيا فيقال عنه: في
وقت كذا يقع.
الميقات:
٢
الميقات لغةً:
((مصدر (الوقت)»(٥).
الميقات اصطلاحًا:
((الوقت المضروب للشيء، والوعد الذي جعل له وقت وقد يقال الميقات للمكان الذي
يجعل وقتا للشيء، كميقات الحج))(٦).
الصلة بين الميقات والوقت:
أن الميقات: ما قدر ليعمل فيه عمل من الأعمال، وأما الوقت فهو: وقت الشيء قدره
مقدر، أو لم يقدره(٧).
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٣٩٢/١٥، مختار الصحاح، الرازي ص٢٦.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٤٠/١٣.
(٣) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٦٦.
(٤) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص٥٧٦.
(٥) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٩/ ١٩٨.
(٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨٧٩.
(٧) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص٥٢٦.
١٨٦
الْقُرآن الكَرِيمِ

الوقت
الدهر:
٣
الدهر لغةً:
((الزمان))(١) قال ابن فارس: ((الدال والهاء والراء أصل واحد، وهو الغلبة والقهر. وسمي
الدهر دهرا؛ لأنه يأتي على كل شيء ويغلبه))(٢).
الدهر اصطلاحًا:
اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه وعليه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنَ عَلَى الْإِنسَنِ مِينٌ
مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًّا مَّذْكُورًا ﴾ [الإنسان: ١].
ثم عبر به عن كل مدة كثيرة (٢).
الصلة بين الدهر والوقت:
أن الدهر يعبر به عن كل مدة كثيرة، بخلاف الوقت فإنه يقع على المدة القليلة والكثيرة،
ويقال: دهر فلان: مدة حياته. (٤).
الساعة:
٤
الساعة لغةً:
قال ابن فارس: ((السين والواو والعين يدل على استمرار الشيء ومضيه من ذلك الساعة
سميت بذلك)»(٥).
الساعة اصطلاحًا:
هي جزء من أجزاء الزمان، قال الراغب: ((الساعة جزء من أجزاء الزمان، ويعبر به عن
القيامة))(٦).
الصلة بين الساعة والوقت:
أن الساعة هي الوقت المنقطع من غيره، والوقت اسم الجنس ولهذا تقول إن الساعة
عندي ولا تقول الوقت عندي))(٧).
(١) الصحاح، الجوهري ٢/ ٦٦١.
(٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٠٥/٢.
(٣) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص١٦٨.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣١٩.
(٥) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٠٥/٢.
(٦) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٤٣٤.
(٧) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص ٢٧٢.
www. modoee.com
١٨٧

حرف الواو
الحين:
٥
الحين لغةً:
((الزمان قليله وكثيره)) (١).
الحين اصطلاحًا:
((وقت بلوغ الشيء وحصوله، وهو مبهم المعنى ويتخصص بالمضاف إليه))(٢).
الصلة بين الحين والوقت:
الوقت قدر من الزمان مفروض مميز من جملته، مشار إليه بعينه، وكذلك الحين هو مدة
أطول من الوقت وأفسح وأبعد، وإنما تقترن أبدا هاتان اللفظتان بما يميزهما ويفصلهما من
جملة الزمان الذي هو كل لهما، فيقال: وقت كذا وحين كذا، فينسب إلى حال أو شخص أو
ما أشبه ذلك.
فإذا أريد بهما الإبهام لا الإفهام قيل: كان كذا أو يكون كذا في حين أو وقت، فيعلم
السامع أن المتكلم لم يؤثر تعيين الوقت والحين، وهما لا محالة معينان محصلان(٣).
٦ العصر:
العصر لغةً:
الدهر، وجمعه: عصور، قال تعالى: ﴿وَاَلْعَصْرِ )) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ [العصر: ١ -
٢](٤)، أي: الدهر.
العصر اصطلاحًا:
((العصر: الدهر واليوم والليلة والعشاء إلى احمرار الشمس))(٥).
الصلة بين العصر والوقت:
الوقت هو مقدار من الزمان مفروض لأمر ما، وأما العصر فهو الزمن والظرف الذي يملؤه
الإنسان في حياته بعمله.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٢٥/٢.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٦٧، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٥٠.
(٣) الهوامل والشوامل، ابن مسكويه ص٥٨.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٦٩.
(٥) الكليات، أبو البقاء الكفوي ص ٦٥٢.
١٨٨
مَوَسُو ◌َرَ
القرآن الكريمِ

الوقت
الوقت نعمة إلهية
أولًا: الوقت نعمة إلهية:
من أجل نعم الله تعالى على الإنسان
في حياته نعمة الوقت، والتي لولاها لما
تمکن من القيام بأي عمل ينتفع به في دنياه
أو آخرته، فبالوقت واستغلاله يؤدي العبادة
لخالقه ويتقرب إليه، بل إن في الوقت فرصة
متاحة له إن كان معرضا عن عبادة الله
وطاعته لکی یتوب ویؤوب إليه، وبالوقت
أيضًا يتمكن من العمل والإنتاج، فالوقت
ساحة العمل والانتفاع وميدان للجد
والاجتهاد.
وقد أوضح الله تعالى في كتابه العزيز
عظم نعمة الوقت وتنظيمه في عدة مواضع،
وبين أن ذلك من آياته الباهرة لعباده،
ورحمته الواسعة بهم.
قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِّ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ
وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ
نِعْمَتَ اللهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومُ
كَفَّارُ (٣٠)﴾ [إبراهيم: ٣٣-٣٤].
فامتن الله تعالى على عباده بتسخير
الليل والنهار والشمس والقمر لتنتظم أمور
حياتهم وأعمالهم ..
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الَّلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَّيْنِّ
فَحَوْنَا ءَايَةً أَلَّيْلِ وَحَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً
لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ
اَلْسِنِينَ وَاَلِسَابَّ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَلْتَهُ تَفْصِيلًا
﴾ [الإسراء: ١٢].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((يمتن
تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها
مخالفته بین الليل والنهار، ليسكنوا في الليل
وينتشروا في النهار للمعايش والصناعات
والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام
والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا
مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات
والمعاملات والإجارات وغير ذلك؛
ولهذا قال: ﴿لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾،
أي: في معایشکم وأسفاركم ونحو ذلك،
﴿وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ أَلِسِنِينَ وَاَلْحِسَابَ﴾، فإنه
لو كان الزمان كله نسقا واحدا وأسلوبا
متساويا لما عرف شيء من ذلك))(١).
فالليل والنهار نعمتان عظيمتان على
الإنسان، ولا غنى له عن أحدهما، فتتعذر
حياة الإنسان والحيوان والنبات لو كان الليل
سرمدًا إلى يوم القيامة، وكذا تتعذر الحياة لو
كان النهار سرمدًا إلى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَدَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ
عَلَيْكُمُ الَّلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ
اَللَّهِيَأْتِيِكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ، قُلْ
أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اَللَّهِ يَأْتِيِكُم
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩/٥.
www. modoee.com
١٨٩

حرف الواو
بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيَةٍ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ
[القصص: ٧١- ٧٢].
والمعنى: ((أخبروني من يقدر على هذا؟
والسرمد: الدائم المتصل، من السرد وهو
المتابعة)»(١).
وفي الآيتين السابقتين امتن الله تعالى
على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار،
اللذين لا قوام لهم بدونهما. وبين لهم أنه
لو جعل الليل دائما عليهم سرمدا إلى يوم
القيامة، لأضر ذلك بهم، ولسئمته النفوس،
ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيِكُم
بِضِيَآءٍ﴾ أي: تبصرون به وتستأنسون
بسببه، ثم أخبر أنه لو جعل النهار سرمدا
دائما مستمرا إلى يوم القيامة، لأضر ذلك
بهم، ولتعبت الأبدان وكلت من كثرة
الحركات والأشغال؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ إِلَهُ
غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِكُمْ بِلْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ﴾ أي:
تستریحون من حر کاتکم وأشغالکم(٢).
قال الزمخشري: ((فإن قلت: هلا
قيل: بنهار تتصرفون فيه، كما قيل: ﴿بِلَيْلٍ
تَسْكُنُونَفِيهِ ﴾؟
قلت: ذكر الضياء وهو ضوء الشمس:
لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة، ليس
التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس
بتلك المنزلة، ومن ثمة قرن بالضياء ﴿أَفَلَا
(١) الكشاف، الزمخشري ٤٢٨/٣.
تَسْمَعُونَ﴾ لأن السمع يدرك ما لا يدركه
البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده،
وقرن بالليل ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ لأن غيرك
يبصر من منفعة الظلام ما تبصره. وأنت من
السکون ونحوہ ومن رحمته زاوج بین اللیل
والنهار لأغراض ثلاثة: لتسكنوا في أحدهما
وهو الليل، ولتبتغوا من فضل الله في الآخر
وهو النهار ولإرادة شکرکم»(٣).
قال تعالى: ﴿وَمِنْ زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَيْلَ
وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ )
• [القصص: ٧٣].
وقال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ
٥﴾ [الرحمن: ٥].
أي: بحساب دقیق، وتقدیر حکیم بحیث
لا يشوب جريهما اختلال أو اضطراب (٤)،
لايجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها،
ويدلان بذلك على عدد الشهور والسنين)) (٥)
والأيام، ولولا الليل والنهار والشمس
والقمر لم يدر أحد کیف یحسب لأن الدهر
يكون كله ليلا أو نهارا. فالشمس والقمر
يجريان بحساب ومنازل محكمة ليعرف
الإنسان بذلك شهر الصوم، وأشهر الحج،
ويوم الجمعة، وعدد النساء اللاتي تعتد
بالشهور، كاليائسة والصغيرة والمتوفى عنها
(٣) الكشاف، الزمخشري ٤٢٨/٣-٤٢٩.
(٤) انظر: الوسيط، محمد سيد طنطاوي
٠١٣٠/١٤
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٢/٦. (٥) فتح القدير، الشوكاني ١٥٨/٥.
١٩٠
جوية
القرآن الكريم

الوقت
زوجها (١)، ومدة الحمل، ومدة الرضاعة،
ومدة الإجارة، وآجال الخلائق، وتاريخ
الأمم والشعوب، وغير ذلك من الأمور
المستفادة معرفتها من جريان الشمس
والقمر، وهو من تيسير الله تعالى على خلقه
في أمور حياتهم، ومن مظاهر رحمته تعالى
بهم، كما يشهد له مطلع السورة: ﴿الرَّحْمَنُ
[الرحمن: ١].
أي: الرحمن هو الذي أنعم بذلك،
ولذلك يكثر في هذه السورة قوله تعالى:
﴿فَبِأَقِّ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
[الرحمن: ١٣].
حیث تکرر واحدًا وثلاثین مرة فيها.
وقد أنعم الله تعالى على خلقه بتنظيم
أوقاتهم وجعلها أياما وشهورا وسنين،
ليعلموا من ذلك ما مضى من أعمارهم
وأوقاتهم، وليتنبهوا إلى اقتراب آجالهم،
ودنو حسابهم، فیکون ذلك دافعا وحافزا
لهم على العمل والجد والاستعداد ليوم
الحساب.
ثانيًا: الوقت مسؤولية:
وهذه النعمة العظيمة على الإنسان في
تنظيم وقته سيسأله الله تعالى عنها.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ
النَّعِيمِ ﴾ [التكاثر: ٨].
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ٤٩١.
والنعيم لفظ عام، فهو يشمل كل ما
يتنعم به الإنسان في الدنيا، سيسأل عنه يوم
القيامة (٢).
والوقت من أجل النعم، وقد أورد
الإمام ابن كثير رحمه الله عند تفسيره لهذه
الآية حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم
في الإشارة إلى نعمة الوقت والحث على
اغتنامها: عن ابن عباس رضي الله عنهما،
قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(نعمتان مغبونٌ (٣) فيهما كثيرٌ من الناس:
الصحة والفراغ) (٤).
ثم قال ابن كثير: ((ومعنى هذا: أنهم
مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا
يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما
وجب عليه، فهو مغبون»(٥).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٥٨٦، أضواء
البيان، الشنقيطي ٩/ ٨٦،٨٥.
(٣) الغبن: الخسارة، وهو بالسكون في البيع،
وبالتحريك في الرأي، ويصح كل منهما في
هذا الخبر فإن من لا يستعمل الصحة والفراغ
فيما ينبغي فقد غبن لكونه باعهما ببخس ولم
يحمد رأيه في ذلك، وقوله في الحديث:
(مغبون فيهما كثير من الناس)، كقوله تعالى:
﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾، فالكثير في
الحديث في مقابلة القليل في الآية.
انظر: فتح الباري، ابن حجر العسقلاني
٢٣٠/١١.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب لا عيش إلا عيش الآخرة، رقم ٦٤١٢،
٨٨/٨.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٨/٨.
www. modoee.com
١٩١

حرف الواو
فالوقت نعمة عظيمة من نعم الله تعالی
على عباده، سيسألهم عنها وما عملوا فيها،
ومن اللطائف أن السورة التي تلت هذه الآية
من سورة التكاثر في المصحف، هي سورة
العصر، وفي مطلعها قسمه تعالى بالعصر:
﴿وَالْعَصْرِ ﴾ [العصر: ١].
وهو الوقت، وفي ذلك إشارة إلى نعمة
الوقت ودخوله في النعيم المسؤول عنه يوم
القيامة.
وفي الحديث عن أبي برزة الأسلمي
رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم
القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن
علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه
وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه)(١).
فالواجب على العبد حتی ینجو بنفسه في
ذلك اليوم العصيب، أن يحافظ على قضاء
وقته في طاعة الله تعالى، ويقوم بشكر نعمة
الله عليه في ذلك.
وقد أمر الله تعالى عباده بالحفاظ على
نعمة الوقت وصيانته، ومن ذلك أنه تعالى
حرم عليهم الانتحار وقتل النفس بغير الحق
عمومًا.
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة
والرقائق والورع، باب في القيامة، رقم
٠٦١٢/٤،٢٤١٧
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٢،٧٣٠٠/ ٠١٢٢١
مَ الَرُ الْتَفْسِيْ
القرآن الكريم
قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ
اللَّهُ إِلَا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣].
وفي ذلك حفظ لحياة الإنسان وعمره
ووقته، ومن ذلك أيضًا تحريمه تعالى بعض
الأشياء كالخمر والميسر وغيرهما مما
فيه إضاعة الوقت ومشغلة عن طاعة الله
والتفكر في خلقه.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ
بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآَةَ فِ الْخَيْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ
عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنْنَهُونَ
[المائدة: ٩١].
١٩٢

الوقت
أهمية الوقت
الوقت عمر الإنسان، ورأس ماله، ولولا
الوقت لما تعلم متعلم ولا وصل سائر،
ولولا الوقت لما بدا من اجتهاد نبي الله نوح
عليه السلام في دعوته لقومه ما بدا، ﴿ وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَّةٍ إلَّا
خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الْعُوفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ
[العنكبوت: ١٤].
ولولا الوقت لما تعجب من قصة
أصحاب الكهف من تعجب، ﴿ وَلَیِثُواْ فِى
كَهْفِهِمْ ثَلَثَ مِاْتَةٍ سِنِينَ وَأَزْدَادُواْتِعًا﴾
[الكهف: ٢٥].
ولما كان الوقت بتلك الأهمية والقيمة
في حياة الإنسان، أشار القرآن الكريم إلى
أهميته، لينبه على ضرورة اغتنامه وصرفه
فيما ينبغي من العبادات وأعمال البر التي
يهدي إليها القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾
[الإسراء: ٩].
ومن الإشارات القرآنية التي تدل على
أهمية الوقت وفضله ما يلي:
أولًا: القسم بالوقت:
ولعظم مكانة الوقت أقسم الله تعالى
به على مختلف أطواره (الليل، والنهار،
والفجر، والصبح، والضحى، والعصر) في
عدة مواضع من كتابه الكريم، ومما لا شك
فيه أن الله تعالى إذا أقسم بأمر فإنما يدل هذا
القسم على مكانة المقسم به العالية، وأهميته
البالغة، ومنافعه الحسية والمعنوية التي يريد
لفت أنظار الناس إليها.
فقد أقسم تعالى بالفجر، قال تعالى:
﴿وَالْفَجْرِ )﴾ [الفجر: ١]كما أقسم بالصبح
في قوله تعالى: ﴿وَأَلُّحِ إِذَا أَشْفَرَ
[المدثر : ٣٤].
١٨
وقوله تعالى: ﴿وَلِصُّْحِ إِذَا نَنَفَّسَ
[التكوير: ١٨].
أقسم تعالى بالفجر، الذي هو آخر
الليل ومقدمة النهار، لما في إدبار الليل
وإقبال النهار، من الآيات الدالة على كمال
قدرة الله تعالى، وأنه وحده المدبر لجميع
الأمور، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ويقع
في الفجر صلاة فاضلة معظمة، يحسن أن
يقسم الله بها (١).
قال السعدي: ((أقسم تعالى بالقمر،
وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره،
لاشتمال المذكورات على آيات الله
العظيمة)»(٢).
ومن ذلك قسمه تعالى بالضحى على
إنعامه على رسوله صلى الله عليه وسلم
وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه، كما في قوله
تعالى: ﴿وَالضُّحَىِ ، وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى ◌ْ مَا
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٩٢٣.
(٢) انظر: المصدر السابق ص ٨٩٧.
www. modoee.com
١٩٣

حرف الواو
وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ، وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾
[الضحى: ١ - ٥].
قال ابن القيم رحمه الله: ((فتأمل مطابقة
هذا القسم -وهو نور الضحى - الذي يوافى
بعد ظلام الليل للمقسم عليه -وهو نور
الوحي- الذي وافاه بعد احتباسه عنه حتى
قال أعداؤه: ودع محمدًا ربه، فأقسم بضوء
النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي
ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه)»(١).
ومن ذلك قسمه تعالی بالليل، وقد أقسم
الله تعالى به في ثمانية مواضع، سبعة منها
بإفراد الليل وهي:
﴿وَأَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴾ [المدثر: ٣٣].
﴿وَأَلَّيْلِ إِذَا عَسْمَسَ ﴾ [التكوير: ١٧].
﴿وَأَلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (٣)﴾ [الانشقاق: ١٧].
﴿وَأَلَيْلِ إِذَا يَسْرِ ﴾ [الفجر: ٤].
﴿وَأَلَيْلِ إِذَا يَفْشَّنَهَا ﴾ [الشمس: ٤].
﴿وَلَيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾ [الليل: ١].
﴿وَأَيْلِ إِذَا سَجَى ﴾ [الضحى: ٢].
وواحد بالجمع وهو قوله تعالى: ﴿وَيَالٍ
عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢].
((فهو سبحانه يقسم بالليل في جميع
أحواله إذ هو من آياته الدالة عليه)»(٢).
فالليل فيه السكن والمأوى والهدوء
(١) التبيان في أقسام القرآن، ابن القيم ص٧٣.
(٢) المصدر السابق ص٥٥.
والراحة والستر.
ومن ذلك أيضًا قسمه تعالى بالنهار،
فقد أقسم بالنهار في موضعين، قال تعالى:
﴿وَاَلْتَّهَارِ إِذَا جَلَّنَا ﴾ [الشمس: ٣].
﴿وَلَنَّهَارِ إِذَا تَلَّ
وقال تعالی:
[الليل: ٢].
يعني: النهار إذا جلى الظلمة وأضاء
الدنيا(٣).
ومن ذلك أيضًا قسمه تعالى بالعصر،
كما في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ ))• إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى
خُسْرٍ ن﴾ [العصر: ١- ٢].
والعصر: «الزمان الذي يقع فيه حركات
بني آدم، من خير وشر)) (٤)، ((فأقسم بالعصر
الذي هو زمان أفعال الانسان ومحلها على
عاقبة تلك الأفعال وجزائها)»(٥)، وفيه إشارة
إلى ضرورة صرف هذا الوقت في طاعة
الله، وإلا فإن ضيع وقته في معصية الله فقد
خسر أوقاته، و خسر نفسه معها ..
ثانيًا: الثناء على مستثمري الوقت:
ومما يبين اهتمام القرآن الكريم بالوقت
وعنايته به: ثناؤه على مستثمريه من العباد
والصالحين والدعاة وغيرهم من الطائعين
لرب العالمين، والآيات في ذلك كثيرة جدًّا.
(٣) انظر: تفسير السمرقندي ٥٨٥/٣، معالم
التنزيل، البغوي ٤٣٥/٨.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٠/٨.
(٥) التبيان في أقسام القرآن، ابن القيم ص ٨٤.
١٩٤
القرآن الكريمِ

الوقت
قال الله تعالى في وصفه المحسنين
من عباده: ﴿َلِخِذِينَ مَآ ءَالَتُهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ
كَانُواْ قَلِيلًا مِنَ الَّيْلِ
١٦
كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ
مَا يَهْجَعُونَ
وَبِاْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الشَّـ
١٧
[الذاريات: ١٦-١٨].
كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل
إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر، ثم في
السحر أخذوا في الاستغفار(١)، فمدح الله
أفعالهم وانتفاعهم بوقتهم.
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ
سَلِجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ
هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَنَذَگّرُ
أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾ [الزمر: ٩].
وقوله في مدح صفوته وأحبائه: ﴿ وَالَّذِينَ
يَبِتُونَ لِرَيْهِمْ سُخَدًا وَقِيَمًا
[الفرقان: ٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ وَأَخْتِلَافِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَتٍ لِّأُوْلِ
الْأَلْبَبِ » الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا
وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
إنهم يستغلون أوقاتهم على جميع
الهيئات قائمين وقاعدين وعلى جنوبهم،
ولذلك كانوا أهلاً لاستجابة الله لهم،
وإكرامه لهم، ﴿فَأُسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِ لَآ
(١) انظر تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٤١٧.
أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٌ بَعْضُكُمْ
مِّنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
وأخبر تعالى عن نبيه زكريا عليه السلام:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ, وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْبَى
وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَدُّ إِنَّهُمْ كَانُواْ
يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبَّ وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ ))
[الأنبياء: ٩٠].
فمدحه تعالى في إسراعه بالخير ودعائه
له، وذلك كله من زكريا من حسن تصرفه في
و قته و عمارته له.
ثالثًا: توبيخ مضيعي الوقت:
ومما يبين اهتمام القرآن الكريم بالوقت
وعنايته به: توبيخه لمضيعيه من الكفرة
والعصاة والغافلين عن طاعة رب العالمين،
ممن أضاعوا أوقاتهم في اللهو واللعب،
والآيات في ذلك كثيرة جدًّا.
قال الله تعالى في وصف حال أهل النار:
﴿وَهُمْ يَصْطَرُِّونَ فِيهَا رَبَّنَآَ أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ
صَلِحًاً غَيْرُ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُم مَّا
يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَّكَّرَ وَجَاءَ كُمُ النَّذِيرٌّ فَذُوقُواْ
فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ ﴾ [فاطر: ٣٧].
فأخبر تعالى عن صراخهم واستغاثتهم
وعويلهم(٢)، يقولون: ربنا أخرجنا من هذه
النار لكي نعمل صالحا غير ما كنا نعمل
(٢) انظر: تفسير الجلالين ص ٥٧٦.
www. modoee.com
١٩٥

حرف الواو
في دنيانا من قبل، فيقال لهم جوابا على ما أباطيلهم، ويلهوا في دنياهم حتى يلاقوا
يومهم الذي يوعدون وهو يوم القيامة» (٣)
﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ
كما قال تعالى:
طلبوه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن
تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ ((والاستفهام تقريع
للتوبيخ والتعمير: تطويل العمر، كما قال
تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَذُّ أَحَدُهُمْ لَوْ
يُعَمَُّ أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ
أَن يُعَمَّرِّ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
٩٦
[البقرة: ٩٦]))(١).
والغرض من الاستفهام في قوله: ﴿أُوَلَمْ
نُعَمِّرَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ توبيخهم
في إضاعة أعمارهم وأوقاتهم، وعدم
الانتفاع بها.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «أي: أو
ما عشتم في الدنيا أعمارا لو كنتم ممن ينتفع
بالحق لانتفعتم به في مدة عمر کم؟»(٢).
ومن توبيخ القرآن الكريم على إضاعة
الوقت، ما ذكره الله تعالى في كثير من
الآيات من التعريض بالكفرة لإضاعتهم
أوقاتهم في اللعب والخوض في الباطل،
وتوعدهم بالعذاب.
قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَقَّى
يُلَفُوا يَوْمَهُالَّذِى يُوعَدُونَ ﴾ [الزخرف: ٨٣].
والمعنى: ((فذرهم يخوضوا ويلعبوا أي:
اترك الكفار حيث لم يهتدوا بما هديتهم به
ولا أجابوك فيما دعوتهم إليه يخوضوا في
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١٩/٢٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٥٣.
يَوْمَ يَخُْونَ مِنَ
حَّ يُلَقُواْ يَوْمَعُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ (١)
خَشِعَةً
اٌلْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَنَّهُمٍ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ )
٤٤
أَبْصَرُ هُرْ تَرْهَقُّهُمْ زِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَانُواأْمُعَدُونَ
[المعارج: ٤٢ -٤٤].
قوله تعالى: ((﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ﴾
أي: يخوضوا بالأقوال الباطلة، والعقائد
الفاسدة، ويلعبوا بدینهم، ويأكلوا ویشربوا،
ويتمتعوا ﴿حَّ ◌ُلْقُو ◌ْيَوْمَعُالَّذِى يُوعَدُونَ﴾ فإن الله
قد أعد لهم فيه من النكال والوبال ما هو
عاقبة خوضهم ولعبهم.
ثم ذكر حال الخلق حين يلاقون يومهم
الذي يوعدون، فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَعْدَاثِ
أي: القبور، ﴿سِرَاءًا﴾ مجيبين لدعوة الداعي،
مهطعين إليها ﴿كَأَنَهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي:
كأنهم إلى علم يؤمون ويسرعون أي: فلا
يتمكنون من الاستعصاء للداعي، والالتواء
لنداء المنادي، بل يأتون أذلاء مقهورين
للقيام بين يدي رب العالمين،
أَبْصَرُ هُمْ تَرْهَمُهُمْ ذِلَّةٌ﴾.
وذلك أن الذلة والقلق قد ملك
قلوبهم، واستولى على أفئدتهم، فخشعت
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٤ /٦٤٩.
وانظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٢٣/٧،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢١/١٦،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٧٠.
١٩٦
جَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريمِ

الوقت
منهم الأبصار، وسكنت منهم الحركات،
وانقطعت الأصوات، فهذه الحال والمآل،
هو يومهم ﴿الَّذِى كَانُوْيُعَدُونَ﴾ ولا بد من
الوفاء بوعد الله))(١)
ثالثًا: المفاضلة بين الأعمال بسبب
الوقت:
ومن اهتمام القرآن بالوقت واعتنائه به
أنه فاضل بين بعض الأعمال بسبب الوقت
والتبكير فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُنْ
أَلَّا تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهِ مِيَّثُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
E
لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ
أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَنتَلُواْ
وَكُلَّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
• [الحديد: ١٠].
فجعل تعالى النفقة والقتال في سبيله قبل
الفتح وهو فتح مكة - وعليه أكثر المفسرين-
أو صلح الحديبية، أعظم من نظيريهما مما
كان بعد الفتح المذكور (٢)، وذلك لعظم
موقع نصرة الرسول -صلوات الله وسلامه
عليه- بالنفس، وإنفاق المال في تلك الحال
وذلك الوقت، وفي المسلمين قلة، وفي
الكافرين شوكة وكثرة عدد، فكانت الحاجة
إلى النصرة والمعاونة أشد، بخلاف ما بعد
الفتح، فإن الإسلام صار في ذلك الوقت
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٨٨.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٣٩/١٧.
قويا، والكفر ضعيفا(٣).
وقال تعالى: ﴿وَالسَِّقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه
وسلم (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم
أنفق مثل أحدٍ، ذهبًا ما بلغ مد أحدهم، ولا
نصيفه)(٤).
وفي رواية مسلم عن أبي سعيد رضي
الله عنه: قال: كان بین خالد بن الوليد، وبین
عبد الرحمن بن عوفٍ شيءٌ، فسبه خالدٌ،
فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (لا
تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو
أنفق مثل أحدٍ ذهبًا، ما أدرك مد أحدهم، ولا
نصیقه)(٥).
قال الإمام ابن أبي العز الحنفي: ((فالنبي
صلی الله عليه وسلم يقول لخالد رضي الله
عنه" ونحوه: (لا تسبوا أصحابي)، يعني عبد
الرحمن رضي الله عنه وأمثاله، لأن عبد
الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون،
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٥٣/٢٩،
محاسن التأويل، القاسمي ٩/ ١٤٣.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي
صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذا
خلیلا)، رقم ٨/٥،٣٦٧٣.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل
الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب تحريم
سب الصحابة رضي الله عنهم، رقم ٢٥٤١،
١٩٦٧/٤.
www. modoee.com
١٩٧

حرف الواو
وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من
اغتسل یوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح،
فكأنما قرب بدنةً(٣)، ومن راح في الساعة
الثانية، فكأنما قرب بقرةً، ومن راح في
الساعة الثالثة، فكأنما قرب کبشّا أقرن، ومن
راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجةً،
ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب
بيضةً، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة
يستمعون الذكر)(٤).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «قوله:
فكأنما «قرب بدنة» أي: تصدق بها متقربا
إلى الله وقيل: المراد أن للمبادر في أول
ساعة نظير ما لصاحب البدنة من الثواب
ممن شرع له القربان؛ لأن القربان لم يشرع
لهذه الأمة على الكيفية التي كانت للأمم
السالفة» (٥).
وهكذا تظهر فضيلة الوقت في مضاعفة
ثواب العمل، وفي ذلك حث للمسلم على
حفظ الوقت والتبكير فيه.
وكقوله صلى الله عليه وسلم في
الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
(١) شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز
٦٩١/٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت
الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، رقم
٥٢٧، ١١٢/١، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى
أفضل الأعمال، رقم ٨٥، ١/ ٩٠.
(٣) البدنة: البعير ذكرا كان أو أنثى.
انظر: فتح الباري، ابن حجر العسقلاني
٣٦٧/٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب فضل الجمعة، رقم ٨٨١، ٣/٢، ومسلم
في صحيحه، كتاب الجمعة، باب الطيب
والسواك يوم الجمعة، رقم ٨٥٠، ٥٨٢/٢.
(٥) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني ٢/ ٣٦٦.
١٩٨
جوب
القرآن الكريمِ
وهم أهل بيعة الرضوان، فهم أفضل وأخص
بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم
الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة
النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة، ومنهم
خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر
إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء،
منهم أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية.
والمقصود أنه نهى من له صحبة آخرًا أن
يسب من له صحبة أولًا، لامتيازهم عنهم
من الصحبة بما لا يمكن أن یشرکوهم فیه،
حتی لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد
أحدهم ولا نصيفه))(١).
ومن تفضيل الأعمال بالوقت قول النبي
صلی الله عليه وسلم في الحديث عن عبد
الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (سألت
النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب
إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) قال: ثم
أيّ؟ قال: (بر الوالدين) قال: ثم أيُّ؟ قال:
(الجهاد في سبيل الله)(٢).

الوقت
استثمار الوقت
لقد حث القرآن الكريم على استثمار
الوقت، واستغلاله الأمثل بالعمل الصالح
النافع، وذلك لأن الإسلام دين العمل والجد
والإنتاج، لا دين الكسل والنوم، وسنبين من
خلال المطلبين التاليين مجالات استثمار
الوقت، والتي تتمثل في: عبادة الخالق
وعمارة الأرض.
أولًا: عبادة الخالق:
من أشرف الأمور التي يجب على
المسلم أن يشغل بها أوقاته ويعمرها به
هي عبادته لربه وخالقه الذي خلقه وملك
أمره، وبيده رزقه وهدايته ومصيره، فبعبادة
العبد لربه يحصل نجاته وفوزه وسعادته،
وبدونها يكون من الآبقين الخاسرين في
الدنيا والآخرة.
وعمارة الوقت بالعبادة عند العبد اللبيب
الذي فقه معنى العبادة تستغرق جميع
الوقت، وذلك كما قال ابن قيم الجوزية
رحمه الله: ((وعمارة الوقت الاشتغال في
جميع آنائه بما يقرب إلى الله، أو يعين
على ذلك من مأكل أو مشرب، أو منكح،
أو منام، أو راحة. فإنه متى أخذها بنية القوة
علی ما يحبه الله، وتجنب ما يسخطه. كانت
من عمارة الوقت، وإن كان له فيها أتم لذة،
فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات
والطيبات، فالمحب الصادق ربما كان سيره
القلبي في حال أكله وشربه، وجماع أهله
وراحته، أقوى من سيره البدني في بعض
الأحيان)»(١).
والآيات في الأمر بعمارة الوقت في طاعة
الله أكثر من أن تحصى، منها قوله تعالى لنبيه
صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنصَبْ
وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَبِ ﴾ [الشرح: ٧-٨].
وهو أمر من الله لنبيه أصلا وللمؤمنين
تبعا (٢) إذا فرغ من أمور الدنيا وأشغالها
وقطع عنه علائقها، فلينصب في العبادة،
ويقوم إليها نشيطا فارغ البال، وأن يخلص
لربه النية والرغبة (٣).
والنصب: التعب بعد الاجتهاد، والأمر
بالنصب في الآية توجيه عام للأخذ بحظ
الآخرة بعد الفراغ من عمل الدنيا، كما في
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ
لَّكَ عَسَقَ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا ()
[الإسراء: ٧٩].
وقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَلِ هِىَ أَشَدُّ وَحْنَا وَأَقْوَمُ قِيلًا
﴾ [المزمل: ٦].
أي: لأنها وقت الفراغ من عمل النهار
وفي سكون الليل، وهكذا يكون وقته كله
مشغولا، إما للدنيا وإما للدين، وفي ذلك
حل لمشكلة الفراغ التي شغلت العالم حيث
(١) مدارج السالكين، ابن القيم ٢/ ١٧.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩٢٩.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٣/٨.
www. modoee.com
١٩٩

حرف الواو
لم تترك للمسلم فراغا في وقته؛ لأنه إما في والأبنية))(٢).
عمل للدنيا، وإما في عمل للآخرة (١).
ومن الآيات التي تحث على توظيف
الوقت وإعماره في تحقيق العبودية لله،
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ
ذِكْرًا كَثِيرًا ، وَسَبِّحُوُ بَكْرَةُ وَأَصِيلًا ﴾
[الأحزاب: ٤١- ٤٢].
وهي في الإكثار من ذكر الله تعالى
وتسبيحه وتعظيمه، وإعمار المؤمن وقته
بذلك.
ثانيًا: إعمار الأرض:
من الأمور التي حض القرآن الكريم
على استثمار الوقت فيها: عمارة الأرض
وإصلاحها.
قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ
وَأَسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّ
قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾﴾ [هود: ٦١].
وقد نهى في المقابل عن الفساد في
الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَعْثَوْاْ فِى
اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٤].
قال أبو بكر الجصاص رحمه الله:
((وقوله: ﴿وَأَسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ يعني: أمركم من
عمارتها بما تحتاجون إليه وفيه الدلالة على
وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٥٧٨/٨،
٥٧٩.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
﴿واستعمركُمْ فِيهَا﴾ أي: «جعلكم فيها عمارا
تعمرونها وتستغلونها)»(٣).
وقال السعدي: ((﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾
أي: خلقكم فيها ﴿وَأَسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا﴾ أي:
استخلفكم فيها، وأنعم عليكم بالنعم
الظاهرة والباطنة، ومكنكم في الأرض،
تبنون، وتغرسون، وتزرعون، وتحرثون
ما شئتم، وتنتفعون بمنافعها، وتستغلون
مصالحها، فكما أنه لا شريك له في
جميع ذلك، فلا تشركوا به في عبادته.
﴿فَأَسْتَغْفِرُوهُ ﴾ مما صدر منكم، من الكفر،
والشرك، والمعاصي، وأقلعوا عنها، ﴿ثُمَّ
تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ أي: ارجعوا إليه بالتوبة النصوح،
والإنابة، ﴿إِنَّ رَبِّ قَرِيبٌ أُجِيبٌ﴾ أي: قريب
ممن دعاه دعاء مسألة، أو دعاء عبادة، يجيبه
بإعطائه سؤله، وقبول عبادته، وإثابته عليها،
أجل الثواب)) (٤).
وقد وجه النبي صلی الله عليه وسلم أمته
إلى عمارة الأرض وإصلاحها في أكثر من
حدیث، کما جاء عن عائشة رضي الله عنها،
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من
أعمر أرضًا ليست لأحدٍ فهو أحق)(٥).
(٢) أحكام القرآن، أبو بكر الجصاص ٣١٢/٣.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣١/٤.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٨٤.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
٢٠٠
جوبيبو
القرآن الكريمِ

الوقت
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((المراد
من أعمر أرضا بالإحياء فهو أحق به من غيره
وحذف متعلق أحق للعلم به))(١).
وعن سعید بن زيد رضي الله عنه عن
النبي صلی الله علیه وسلم قال: (من أحيا
أرضًا ميتةً فهي له)(٢).
شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بفقد الحياة
وإحياء الموات أن یعمد الشخص لأرض لا
يعلم تقدم ملك عليها لأحد فيحييها بالسقي
أو الزرع أو الغرس أو البناء فتصير بذلك
ملكه سواء كانت فيما قرب من العمران أم
بعد سواء أذن له الإمام في ذلك أم لم يأذن
وهذا قول الجمهور))(٣).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (ما
من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا،
فیأکل منه طیرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ، إلا كان له
به صدقةٌ)(٤).
المزارعة، باب من أحيا أرضا مواتا، رقم
٠١٠٦/٣،٢٣٣٥
(١) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني ٢٠/٥.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة
والرقائق والورع، باب في القيامة، رقم
١٣٧٨، ٦٥٤/٣.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
١٠٣٦/٢،٥٩٧٦.
(٣) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني ١٨/٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المزارعة، باب فضل الزرع والغرس إذا
كما جاء في الحديث عن أنس بن مالك
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم
فسیلٌ، فإن استطاع أن لا یقوم حتى يغرسها
فليفعل) (٥).
يقول الدكتور وهبة الزحيلي ((إن
والأرض الميتة أي: ((التي لم تعمر الله سبحانه استخلف البشر في الأرض
بقصد عمارة الكون وإنمائه واستغلال
كنوزه وثرواته، والناس في ذلك شركاء،
والمسلمون ينفذون أمر الله ومقاصده، قال
الله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَكُ
فِيَهَا﴾ [هود: ٦١].
والاستعمار: معناه التمكين والتسلط،
كما هو واضح من قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ
مَكَّنَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَِشَُ
قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ [الأعراف: ١٠].
وقوله عز شأنه: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا
فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
تفيد الاختصاص
واللام في
على جهة الانتفاع للمخاطبين، أي: أن
ذلك مختص بكم، مما يدل على أن الانتفاع
بجميع مخلوقات الأرض، وما فيها من
أكل منه، رقم ٢٣٢٠، ١٠٣/٣، ومسلم في
صحيحه، كتاب المساقاة، باب فضل الغرس
والزرع، رقم ١٥٥٣، ١١٨٩/٣.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٢٩٨١،
٢٩٦/٢٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١/ ٣٠٠، رقم ١٤٢٤.
www. modoee.com
٢٠١

حرف الواو
خيرات مأذون فيه، بل مطلوب شرعًا،
واعتبر الفقهاء تعلم أصول الحراثة والزراعة
ونحوها مما تتم به المعايش التي بها قوام
الدين والدنيا من فروض الكفاية)»(١).
معوقات استثمار الوقت
في هذا المبحث نذكر بعض المعوقات
في استثمار الوقت مما أشار إليه القرآن
الكريم، وذلك لخطورتها في إضاعة الوقت
وإذهابه، وبالله التوفيق.
أولًا: طول الأمل:
وأول هذه المعوقات وأخطرها على
الوقت والانتفاع به: هو طول الأمل، بمعنى
((استشعار طول البقاء في الدنيا حتى يغلب
على القلب فيأخذ في العمل بمقتضاه))(٢).
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:
((طول الأمل، وما من آفة أعظم منه، فإنه
لولا طول الأمل، ما وقع إهمال أصلًا، وإنما
تقدم المعاصي، وتؤخر التوبة، لطول الأمل،
وتبادر الشهوات، وتنسى الإنابة، لطول
الأمل))(٣).
وقد ذكره الله تعالى في صفات أهل
الكفر والشرك، قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ
يَأْكُلُواْ وَيَتَمَثَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُّ فَسَوْفَ
مَعْلَمُنَ ا
﴾ [الحجر: ٣].
٣
فبين تعالى حالهم في غفلتهم وإضاعتهم
لأوقاتهم في الباطل والشهوات، وأن من
أسباب ذلك طول أملهم في البقاء في الدنيا
(١) الفقه الإسلامي وأدلته، د.وهبة الزحيلي
٠٦٣٨٧/٨
(٢) منتهى السول على وسائل الوصول إلى
شمائل الرسول، عبد الله اللحجي ٣٧٩/٢.
(٣) صيد الخاطر، ابن الجوزي ص٢٠٦.
٢٠٢
جوُو ◌َةَ النَّفْتَبـ
القرآن الكريم