Indexed OCR Text
Pages 21-28
الوفاء
الكيل والميزان، أي: لم يكلف المعطي أكثر من الشيء الطفيف، وهو القليل النزر،
والمطفف: المقلل حق صاحب الحق عما
مما وجب علیه، ولم یکلف صاحب الحق
الرضا بأقل من حقه، حتى لا تضيق نفسه
عنه، بل أمر كل واحد منهما بما يسعه مما لا
حرج عليه فیه))(١).
له من الوفاء والتمام في كيل أو وزن؛ ومنه
قيل للقوم الذي يكونون سواء في حسبة أو
عدد: هم سواء كطف الصاع، يعني بذلك:
كقرب الممتلئ منه ناقص عن الملء))(٢).
وجاء في توجيه الأنبياء لأقوامهم
وصيتهم بإيفاء الكيل والميزان، ومن
ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَوْقُواْ الْكَيْلَ
وَاُلْمِيزَانَ﴾ [الأعراف: ٨٥].
وقوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ
وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [هود: ٨٥].
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْقُوْ اَلْكَّلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُواْ
بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيّ﴾ [الإسراء: ٣٥].
وقوله تعالى: ﴿أَوْقُواْ الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ
الْمُخْسِرِينَ ﴾ [الشعراء: ١٨١].
وجاء التحذير من عدم الوفاء في الكيل
والميزان، والوعيد على ذلك بالويل في قوله
تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ
عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ () وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َّزَنُهُمْ
يُخْسِرُونَ ﴾ [المطففين: ١-٣].
قال الطبري: «والويل هو: الوادي الذي
يسيل من صديد أهل جهنم في أسفلها
للذين يطففون، يعني: للذين ينقصون
الناس، ويبخسونهم حقوقهم في مكاييلهم
إذا كالوهم، أو موازينهم إذا وزنوا لهم
عن الواجب لهم من الوفاء، وأصل ذلك
(١) معالم التنزيل، ٢٠٤/٣.
وقال السعدي: ((وفسر الله المطففين
بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ﴾ أي:
أخذوا منهم وفاء عما ثبت لهم قبلهم
يُسْتوفُونَ﴾ يستوفونه كاملا من غير نقص.
﴿وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو ◌َّزَنُوهُمْ﴾ أي: إذا أعطوا
الناس حقهم، الذي للناس علیھم بکیل أو
وزن، ﴿يُخْسِرُونَ﴾ أي: ينقصونهم ذلك،
إما بمكيال وميزان ناقصين، أو بعدم ملء
المكيال والميزان، أو نحو ذلك. فهذا سرقة
لأموال الناس، وعدم إنصاف لهم منهم))(٣).
ويستنبط مما جاء به القرآن الكريم أن
التطفيف: ((هو الاستيفاء من الناس عند
الکیل أو الوزن، والإنقاص والإخسار عند
الکیل أو الوزن لهم. ويلحق بالوزن والكيل
ما أشبههما من المقاييس والمعايير التي
يتعامل بها الناس)) (٤)
قال الإمام النيسابوري رحمه الله: اعلم
أن أمر المكيال والميزان عظيم؛ لأن مدار
معاملات الخلق عليهما ولهذا جرى على
(٢) جامع البيان، ٢٤/ ٢٧٧.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٩١٥.
(٤) انظر: المفردات، الراغب، ص ٣١٤،٣٨.
www. modoee.com
١٧٥
حرف الواو
قوم شعيب بسببه ما جرى(١).
وقد عد ابن حجر الهيثمي التطفيف من
الکبائر وجعلہ شاملا لبخس نحو الکیل أو
الوزن أو الذرع، وذلك لأنه من أكل أموال
الناس بالباطل؛ ولهذا اشتد الوعيد عليه كما
علمته من الآية والأحاديث، وأيضًا فإنما
سمي مطففا لأنه لا يكاد يأخذ إلا الشيء
الطفيف وذلك ضرب من السرقة والخيانة
مع ما فيه من الإنباء عن عدم الأنفة والمروءة
بالكلية، ومن ثم عوقب بالويل الذي هو
شدة العذاب، أو الوادي في جهنم لو سيرت
فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حره، نعوذ
بالله منه، وأيضًا فقد شدد الله تعالى عقوبة
قوم شعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام
على بخسهم المكيال والميزان(٢).
ومما سبق يظهر دعوة القرآن الکریم إلى
الوفاء بالكيل والميزان، وعدم تطفيفه للوفاء
بحقوق الناس، وعدم أكلها بالباطل.
سابعًا: الوفاء بالبيعة:
ومن أبرز مجالات الوفاء: الوفاء بالبيعة.
ومن الآيات التي تشير إلى الوفاء
بالبيعة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةُ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ
وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ
(١) غرائب القرآن، ٣٠/ ٤٤.
(٢) انظر، الزواجر، ص ٣٣٤.
وَالْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ،
مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ.
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١)﴾ [التوبة: ١١١].
قال ابن عاشور: ((قوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ
حَقًّا﴾ أي: وعدا حقا عليه ولا أحد أوفى
بعهده منه، فالاستفهام إنكاري بتنزيل السامع
منزلة من يجعل هذا الوعد محتملا للوفاء
وعدمه كغالب الوعود فيقال: ومن أوفى
بعهده من الله إنكارا عليه. و ﴿أُوْفَ﴾
اسم تفضيل من وفى بالعهد إذا فعل ما عاهد
على فعله. و ﴿مِنَ﴾ تفضيلية، وذكر
اسم الجلالة عوضا عن ضميره لإحضار
المعنى الجامع لصفات الكمال. والعهد:
الوعد بحلف والوعد الموكد، والبيعة عهد،
والوصية عهد. وتفرع على كون الوعد حقا
علی الله، وعلی أن الله أوفی بعهده من کل
واعد، أن يستبشر المؤمنون ببيعهم هذا،
فالخطاب للمؤمنين من هذه الأمة))(٣).
ومدح الله الذين أوفوا ببيعة النبي صلى
الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ
يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيبِهِمْ
فَمَنْ ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْنَى بِمَا
عَهَدَ عَلَيْهُ اَللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾
[الفتح: ١٠]
قال النسفي: ((ومعنى الآية: تقرير أن عقد
المیثاق مع الرسول کعقده مع الله من غير
(٣) التحرير والتنوير، ٢١٠/١٠.
١٧٦
مَشَارَةُ البقية
جوبيه
القرآن الكريم
الوفاء
تفاوت بينهما كقوله ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ
أَطَاعَ اللَّهُ ﴾ [النساء: ٨٠].
وقوله ﴿فَمَنْ ثَکَثَ﴾ نقض العهد ولم
یف بالبيعة ﴿﴿إِنَّمَا ینگُثُ علَى نَقْسِهِ﴾ فلا
يعود ضرر نكثه إلا عليه(١).
والبيعة عقد يقوم به ((أهل الحل
والعقد)) وهم الجماعة الذين تنعقد البيعة
بمبايعتهم وهم (( أولي الأمر)) فهم أصحاب
الأمر المطاع من كبار الأمراء وكبار العلماء
قد أمر الله تعالی بطاعتهم في قوله سبحانه:
◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ
وَالرَّسُولِ إِن كُمُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: ٥٩]
والوفاء بالبيعة عهد؛ لأن البيعة معاهدة
على السمع والطاعة في غير معصية الله قال
الله تعالى ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
وقال رسول الله صلی الله عليه وسلم:
(على المرء المسلم السمع والطاعة فيما
أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر
بمعصية فلا سمع ولا طاعة) (٢).
ونقض البيعة غدر: لقوله صلى الله عليه
وسلم: (لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له
(١) مدارك التنزيل، ٣٣٢/٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ١٨٣٩،
كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في
غير معصية وتحريمها في المعصية.
بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم غدرا من
أمير عامة) (٣).
قال ابن رجب: ((أما السمع والطاعة
لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا،
وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم،
وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة
ربهم)» (٤) .
وقال ابن تيمية: «وقد استفاض وتقرر في
غیر هذا الموضع ما قد أمر به صلى الله عليه
وسلم من طاعة الأمراء في غير معصية الله،
ومناصحتهم والصبر عليهم في حكمهم
وقسمهم، والغزو معهم والصلاة خلفهم،
ونحو ذلك من متابعتهم في الحسنات التي
لا یقوم بها إلا هم؛ فإنه من باب التعاون على
البر والتقوى، وما نهى عنه من تصديقهم
بكذبهم، وإعانتهم على ظلمهم، وطاعتهم
في معصية الله ونحو ذلك مما هو من باب
التعاون على الإثم والعدوان» (٥).
فالوفاء بالبيعة من الأمور المهمة ومن
صور الوفاء التي يجب التزامها والقيام
بها على وجه الكمال والتمام لأنها بمثابة
العقد والعهد الذي حذرنا القرآن من نقضه
والإخلال به.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ١٧٣٨،
كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر.
(٤) جامع العلوم والحكم، / ١١٧.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢١/٣٥.
www. modoee.com
١٧٧
حرف الواو
أثر الوفاء على الفرد والمجتمع
والوفاء له أثره الإيجابي الفاعل المحمود
على الفرد والمجتمع، وسيكون الحديث
عنه في النقاط الآتية:
أولًا: أثر الوفاء على الفرد:
١. تحقیق تقوی الله ومحبته.
فإن من يلتزم بالوفاء في سلوكه وتصرفاته
يحقق التقوى المأمور بها شرعًا، وقد كان
الوفاء سبيلًا لذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَ مَنْ أَوْنَ بِعَهْدِهِ، وَأُتَّقَى
فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾[آل عمران: ٧٦].
وربط القرآن بين تمام العهد ووفائه
ومحبة الله، فقال سبحانه:
إلَيْهِمْ
فَأْتِمُوا
عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ
[التوبة: ٤].
قال الزمخشري: «کل من أوفی بما عاهد
عليه واتقى الله في ترك الخيانة والغدر، فإن
الله يحبه))(١).
وعدد الله من صفات المؤمنين الصادقين
قيامهم بالوفاء بالعهد، فقال سبحانه:
﴿وَالْمُوقُّونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّنِينَ
فِي الْبَأْسَاءِ وَالشَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ
(٧٧)) [ البقرة:
صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ "
١٧٧].
٢. نيل الأجر العظيم.
(١) الكشاف، ٣٧٥/١.
جَوَسُوعَة النفسية
القرآن الكريم
وقد ربط القرآن بين تحقيق الوفاء
وحصول المسلم على الأجر العظيم من
الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْقَى
بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًاً عَظِيمًا ﴾
[الفتح: ١٠].
قال السعدي: «قوله: ﴿وَمَنْ أَوْنَى بِمَا
عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ أي: أتى به كاملا موفرا،
﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يعلم عظمه
وقدره إلا الذى آتاه إياه)) (٢)
وكذلك بين القرآن أن الوفاء بعهد الله فيه
الفوز العظيم للمسلم كما قال تعالى: ﴿وَمَنَّ
أَوْلَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِّ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ
الَّذِى بَايَعْتُم بِدٍ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
١)﴾ [ التوبة: ١١١].
٣. نيل الفلاح.
ومن آثار الوفاء على الفرد نيل الفلاح
حيث أخبر القرآن من صفات المؤمنين
المفلحين:
﴿وَالَّذِينَ هُوْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ
رَعُونَ ﴾[المؤمنون: ٨].
٤. وفاء الله بعهود عباده.
فمن آثار الوفاء أن الفرد الذي يفي بعهده
مع الله يكون جزاؤه من جنس ما صنع،
كما جاء في قوله تعالى: ﴿وآونُواْ بِعْدِى أُوفِ
بِعَهْدِكُمْ وَإِقَّنِىَ فَأَرْهَبُونِ ﴾ [البقرة: ٤٠].
قال الطبري: ((وعهده إياهم أنهم إذا
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٧٩٢.
١٧٨
الوفاء
فعلوا ذلك أدخلهم الجنة»(١).
وذكر عز وجل صفات أولي الألباب
ذکر منها أنهم یوفون بعهد الله ولا ينقضون
الميثاق، ثم بين عاقبة هؤلاء، فقال عز وجل:
الَّذِينَ يُوفُّونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِيثَقَ ))
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ
رَّهُمْ وَغَافُونَ سُوَءَ الْحِسَابِ ) وَالَّذِينَ صَبَرُواْ
أَبْتِغَاءَ وَجْدِ رَبِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا
رَزَقْتَهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةٌ وَيَدْرَءُونَ بِالَْسَنَةِ السَّيِّئَةَ
أُوْلَكَ لَّمْ عُقْبَىَ الدَّارِ ﴾ [الرعد: ٢٠- ٢٢].
ومما يبين أن الجزاء من جنس العمل
فأصحاب الوفاء والصدق لهم جزاؤهم
على صدقهم، كما قال تعالى: ﴿مِّنَ
اٌلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ
فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَدُ وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِرٌ وَمَا بَدَّلُواْ
تَبْدِيلًا (٣) لِيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾
[الأحزاب: ٢٣ - ٢٤].
٥. تحمل المسؤولية والالتزام.
ومن آثار الوفاء على الفرد أنه يجعل
المسلم متحملًا لمسؤولية قوله وفعله،
وملتزمًا بعهوده ومواثيقه، كما قال الله
تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ
مَسْئُولًا ﴾[الإسراء: ٣٤].
قال ابن كثير: ((أي: الذي تعاهدون عليه
الناس والعقود التي تعاملونهم بها، فإن
العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه
(١) جامع البيان، ١/ ٢٥٠.
﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ أي: عنه))(٢).
وقال أبوالسعود: ((وقوله: ﴿وَأَوْفُواْ
بِالْعَهْدِ﴾ سواءٌ جرى بينكم وبين ربكم
أو بينكم وبين غيركم من الناس، والإيفاء
بالعهد والوفاء به هو القيام بمقتضاه
والمحافظة عليه ﴿إِنَّ الْعَهْدَ﴾ أظهر في
مقام الإضمار إظهارًا لكم والعناية بشأنه،
﴿كَانَ مَسْئُولًا ﴾ أي: مسؤولًا عنه))(٣).
٦. أداء حقوق العباد.
والمسلم عندما يلتزم بالوفاء في عهوده
وعقوده وما لديه من أمانات وبالوفاء في
الكيل والميزان يكون قد أدى ما عليه من
حقوق العباد فلا يطالبه أحد بشيء يوم
القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ
الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِنِ
كَانَ مِثْقَالَ جَنَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنْيِنَا بِهَاً
وَكَفَى بِنَاحَسِينَ ﴾[الأنبياء: ٤٧].
٧. السلامة من النفاق.
ومن جملة آثار الوفاء على الفرد السلامة
من النفاق حيث إن نقض العهود والمواثيق
وإخلاف الوعود من أبرز صفات المنافقين؛
فالوفاء من خاصية أهل الإيمان، والخيانة
والغدر من خاصية أهل النفاق، كما قال
تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ
يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٧٤/٥.
(٣) إرشاد العقل السليم، ٤/ ١٩٢.
www. modoee.com
١٧٩
حرف الواو
يَكْذِبُونَ ﴾[التوبة: ٧٧].
قال ابن عاشور: «جعل فعلهم ذلك سببًا
في بقاء النفاق في قلوبهم إلى موتهم، وذلك
جزاء تمردهم على النفاق))(١).
ثانيًا: أثر الوفاء على المجتمع:
١. تحقيق الاستقرار داخل المجتمع.
إن وجود الوفاء من عوامل الاستقرار
في المجتمعات؛ فاستشعار الجميع لأهمية
الوفاء وتطبيقه بينهم يجعل المجتمع مستقرًا
تسوده الطمأنينة لأفراده، خاصة عندما تتدرج
دائرة الوفاء من محيط الأسرة إلى المسجد
إلى المدرسة إلى الجامعة إلى الوظيفة، وكل
جوانب المعاملات بين الناس.
إن الوفاء بالعهد ((يثمر الكثير من خصال
الخير فهو يثمر قوة الثقة، وإذا ما أنست من
وفاء إنسان قويت ثقتك فيه وارتاحت نفسك
إليه، إنه يثمر الاطمئنان والأمانة، يثمر النجدة
والشهامة والمروءة، والمجتمع الذي يسوده
الوفاء مجتمع متين البناء، تظلله روح المودة
والصفاء ويشد أزره التعاون البناء(٢).
وقد مدح الله الذين يفون بعهودهم
ومواثيقهم، وأنهم من الذين صدقوا، وذلك
في قوله تعالى: ﴿وَالْمُوقُّونَ بِعَهْدِهِمْ
إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَِّ وَحِينَ
(١) التحرير والتنوير، ٢٧٢/٦.
(٢) قيمة الوفاء في المنظور الإسلامي، طه خضير،
ص ٤٠.
الْبَأْسُِّ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ
(١﴾ [البقرة: ١٧٧].
وأن ذلك من أبرز صفات المجتمع
المسلم وأنهم من أولي الألباب قال تعالى:
﴿إِّ يَتَذَّكَّرُ أُوْلُواْ آلْأَ لْبِ ٦ الَّذِينَ يُونُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِشَقَ ﴾ [الرعد: ١٩- ٢٠].
٢. حفظ الحقوق وصيانتها.
وجود الوفاء في داخل المجتمع
يعمل على حفظ الحقوق وصيانتها وعدم
تضييعها، ومن ثم تختفي الكثير من
المنازعات والشكاوي حول ضياع الحقوق
وصعوبة الحصول عليها؛ فالمسلم بالتزامه
بالوفاء بعهوده ومواثيقه وأمانات الناس لديه
يجنب المجتمع الكثير من المشكلات.
ويظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَوْقُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَأَوْقُواْ
اَلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الأعراف: ٨٥].
وقوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ اَلْمِكْيَالَ
وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [هود: ٨٥].
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْقُوْ اَلْكَّلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزُِّواْ
بِالْقِسْطَاسِ الْمُستَقِيَّ﴾ [الإسراء: ٣٥].
وقوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ
الْمُخْسِرِينَ { (١٨)﴾ [الشعراء: ١٨١].
٣. صيانة الدماء والأنفس.
ومن آثار الوفاء أنه يصون المجتمع
من إراقة الدماء بغير حق وقتل الأنفس من
١٨٠
صَوْبَةُ بَرُ الْتَقِّ
جوسين
القرآن الكريم
الوفاء
خلال التزام المسلم بالعهود والمواثيق مع إذ كل المعاملات والعلاقات الاجتماعية
غير المسلمين في المجتمع الإسلامي،
والوفاء لهم بحقوقهم.
والوعود والعهود تتوقف على الوفاء، فإذا
انعدم الوفاء انعدمت الثقة، وساء التعامل
وساد التنافر (١).
فمن يرتبط مع المسلمین بعهد أو میثاق،
فإنه يدرك أي أمن يعيش فيه، وأي حياة
مستقرة يحياها، فلا خوف على نفسه أو أهله
أو مجتمعه من الدولة المسلمة. وقد قال الله
تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا
(٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤].
وتتحقق صيانة الدماء والأنفس من
خلال الوفاء بالبيعة وعدم نقضها مما يجنب
المجتمع الكثير من الفتن والاختلاف
والتنازع الذي يفضي إلى سفك الدماء،
وقتل الأبرياء. ويظهر هذا من قوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَوْنَى بِمَا عَهَدَ عَلَهُ اللَّهَ فَسَيُؤْيِهِ أَجْرًا
عَظِيمًا ﴾ [الفتح: ١٠].
٤. تحقيق التعاون ودفع التنازع.
والوفاء في داخل المجتمع يخلق روحًا
من التعاون والتناصر والتواد بين أفراد
المجتمع، ويقلل الشحناء والبغضاء والنفرة
والكراهية والظلم. ويظهر هذا في قوله
تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُم
◌ِهِ. لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وبقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا
عَهَدتُّمْ ﴾ [النحل: ٩١].
((فالوفاء صفة أساسية في بنية المجتمع
الإسلامي، حيث تشمل سائر المعاملات،
٥. القدوة الحسنة.
إن المجتمع المسلم عندما يلتزم بقيمة
الوفاء یکون قد قدم صورة طيبة عن الإسلام،
مما يجعله قدوة للمجتمعات الأخرى،
وصورة حقيقة معبرة عن توجيهات الإسلام
في هذا الشأن، ولعل ذلك له أثر أيضًا في
دخول غير المسلمين في الإسلام لما يرونه
من واقع حي ملموس في الوفاء بالعهود
والمواثيق والأيمان والأمانات والعقود. وقد
جعل الله من صفات المجتمع المسلم ما
جاء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُوقُّونَ بِعَهْدِهِمْ
إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ
الْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ
(١٧٧ ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وأن ذلك من أبرز صفات المجتمع
المسلم وأنهم من أولي الألباب.
ـوم
قال تعالى: ﴿إِّ يَنَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَ لْبَبِ
١٩
الَّذِينَ يُوفُّونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ
٢٠
[الرعد: ١٩ - ٢٠].
٦. الرخاء والبركة.
ومن آثار الوفاء والقيام والالتزام به وجود
(١) موسوعة نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين
٣٦٦٨/٨.
www. modoee.com
١٨١
حرف الواو
الرخاء والبركة، ويظهر ذلك في الوفاء بأموال
وحقوق الناس وعدم تضييعها، والوفاء
بالكيل والميزان مما يترتب عليه رضى
الله تعالى عن هذا المجتمع ((فحينما يلزم
المجتمع بالوفاء بالكيل والميزان يتحقق
الرخاء والاستقرار الاقتصادي، ويبارك الله
تعالى في الأموال، وتصلح أحوال الناس،
وتسود الثقة بين أفراد المجتمع، وتظهر
عليهم علامات البر والصدق، ويعم الخير
أرجاء المجتمع المسلم))(١).
وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوْفِ
بِعَهْدِكُمْ وَإِنَّنَىَ فَأَرْهَبُونِ ﴾ [البقرة: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿بَ مَنْ أَوْنَ بِعَهْدِهِ، وَاتَّقَى
فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: ٧٦].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ
فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: ١٠].
موضوعات ذات صلة:
البيعة، الثبات، الرجولة، العهد، الميثاق
(١) الوفاء في ضوء القرآن الكريم، وفاء حيدر
شقورة، ص ١٧٠.
مَوَسُولَةُ النفسية
القرآن الكريمِ
١٨٢