Indexed OCR Text

Pages 1-20

جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكَرِّيْمِ
الوَقَّاء
2
عناصر الموضوع
مفهوم الوفاء
١٥٦
الوفاء في الاستعمال القرآني
١٥٧
الألفاظ ذات الصلة
١٥٨
١٦٠
مجالات الوفاء
١٧٨
أثر الوفاء على الفرد والمجتمع
المُجَلَّدَ الخَامِسْ، وَالثَّلاثُونْ

حرف الواو
مفهوم الوفاء
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: (وفي) ((الواو والفاء والحرف المعتل: كلمةٌ تدل على إكمالٍ وإتمام. منه
الوفاء: إتمام العهد وإكمال الشرط. ووفى: أوفى، فهو وفيٌّ. ويقولون: أو فيتك الشيء، إذا
قضيته إياه وافيًا. وتوفيت الشيء واستوفيته؛ إذا أخذته كله حتى لم تترك منه شيئًا)) (١).
وقال ابن منظور: ((معنى الوفاء في اللغة الخلق الشريف العالي الرفيع)»(٢).
«يقال: وفى بعهده وأوفى، ووفيت بالعهد وأوفيت به سواء، فمن قال وفی فإنه يقول تم
كقولك وفى لنا فلانٌ أي: تم لنا قوله ولم يغدر، ومن قال أوفى فمعناه أوفاني حقه أي: أتمه
ولم ينقص منه شيئًا، وكذلك أوفى الكيل أي: أتمه ولم ينقص منه شيئًا))(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب: الوفاء بالعهد: إتمامه وعدم نقض حفظه (٤).
وقال أيضاً: الوفاء صدق اللسان والفعل معًا (٥)
وقال الجرجاني: الوفاء: هو ملازمة طريق المواساة، ومحافظة عهود الخلطاء (٦).
وقيل: الوفاء: المحافظة على العهد والالتزام به، ومنه الوفاء بالالتزام، ووفاء الدين،
والوفاء بالعهد (٧).
فالوفاء يدور حول الالتزام والإكمال والتمام والمحافظة على ما ألزم الإنسان به نفسه من
عهود أو مواثيق أو وعود أو أمانات أو غير ذلك مما يضاف إلى كلمة الوفاء.
(١) مقاييس اللغة، ١٢٩/٦.
(٢) لسان العرب، ٣٩٨/١٥.
(٣) لسان العرب، ابن منظور، ٣٩٨/١٥.
(٤) المفردات، ص٥٢٨.
(٥) الذريعة إلى مكارم الشريعة، ص ٢٩٢.
(٦) التعريفات، الجرجاني، ص ٢٧٤.
(٧) معجم لغة الفقهاء، قلعجي وقنيبي، ١/ ٥٠٧.
١٥٦
جوببية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الوفاء
الوفاء في الاستعمال القرآني
وردت مادة (وفي) في القرآن الكريم (٦٦) مرة، يخص موضوع البحث منها (٤١)
ة(١).
مرة
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
﴿وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ
٧٠
٦
[الزمر: ٧٠]
الفعل المضارع
٢٠
﴿يُوقُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمَّا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]
﴿وَأَوْفُواْ بِاَلْعَهْدِ ◌ّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا
٣٤
فعل الأمر
١١
[الإسراء: ٣٤]
اسم الفاعل
٢
﴿وَإِنَّا لَمُوَقُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيِّرَ مَنْقُوصٍ
١٠٩ ﴾ [هود: ١٠٩]
اسم تفضيل
٢
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]
وجاء الوفاء في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: التمام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِبْزَهِيمَ اَلَّذِى
وَلَّىَ﴾ [النجم: ٣٧]. يعني: أنه بذل المجهود في جميع ما طولب به وأداه تامًا كاملًا(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٥٦، ٧٥٧، المعجم
المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الواو ص ١٤١٧.
(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٢٤٤/٥، ٢٤٥، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٣٢٧/٤.
www. modoee.com
١٥٧
المثال
الفعل الماضي

حرف الواو
الألفاظ ذات الصلة
١
الصدق:
الصدق لغةً:
نقيض الكذب، صدق، يصدق، صدقًا، وصدقًا، وتصادقًا، قيل: صدقه الحديث: أنبأه
بالصدق، ويقال: صدقت القوم، أي: قلت لهم صدقًا وتصادقًا في الحديث وفي المودة(١).
الصدق اصطلاحًا:
مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلم(٢).
وقال الراغب: الصدق مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معا، ومتى انخرم شرط من
ذلك لم يكن صدقاً تاما (٣).
الصلة بين الصدق والوفاء:
قال الماوردي: ((الصدق والوفاء توأمان، والصبر والحلم توأمان فيهن تمام كل دين،
وصلاح کل دنیا، وأضدادهن سبب كل فرقة وأصل كل فساد (٤).
وقيل: بین الوفاء والصدق عموم وخصوص ((فکل وفاء صدق، ولیس کل صدق وفاء.
فإن الوفاء قد يكون بالفعل دون القول، ولا يكون الصدق إلا في القول، لأنه نوع من أنواع
الخبر، والخبر قول))(٥).
الأمانة:
٢
الأمانة لغةً:
لها أصلان متقاربان: أولهما: الأمانة التي ضد الخيانة، ومعناه سكون القلب. والآخر:
التصديق (٦).
الأمانة اصطلاحًا:
قال الكفوي: الأمانة: كل ما افترض الله على العباد فهو أمانة كالصلاة والزكاة والصيام
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٩٣/١٥.
(٢) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ٥١١.
(٣) المفردات، الراغب، ص ٢٧٧.
(٤) أدب الدنيا والدين، ص٣٢٥.
(٥) الفروق اللغوية، العسكري، ص ٥٧٥.
(٦) انظر: مقاييس اللغة، ١٣٣/١.
مَوَسُو حَدًا
القرآن الكريمِ
١٥٨

الوفاء
وأداء الدين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار، وقال في موضع آخر: كل ما
يؤتمن عليه من أموال وحرم وأسرار فهو أمانة (١).
الصلة بين الأمانة والوفاء:
معنى الأمانة قريب من معنى الوفاء؛ فإذا كانت الأمانة بمعنى الفرائض فمن الوفاء إتمامها
كاملة غير منقوصة، وكذا إذا كانت بمعنى الوديعة.
قال النسفي: ومعنى الخون النقص كما أن معنى الإيفاء التمام، ومنه تخونه إذا انتقصه، ثم
استعمل في ضد الأمانة والوفاء، لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان
فيه(٢).
الخيانة:
٣
الخيانة لغةً:
الاحتيال والخداع. فالخيانة خلاف الأمانة (٣).
الخيانة اصطلاحًا:
((مخالفة الحق بنقض العهد في السر)) (٤).
الصلة بين الخيانة والوفاء:
من خلال معرفة معنى الخيانة يلاحظ أنها تأتي في مقابل الوفاء خاصة، وأن الوفاء يقوم
على الإتمام والإكمال والالتزام بالعهود والمواثيق، والخيانة تنصرف إلى نقضها وعدم
الوفاء بها، ومن استعمال القرآن للخيانة بمعنى نقض العهود والمواثيق وعدم الوفاء بها ما
جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَنَبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْفَآَيِنِينَ
٥٨
[الأنفال: ٥٨].
(١) الكليات، ص ١٧٦، ١٨٦ بتصرف يسير.
(٢) مدارك التنزيل، ١ /٤١٧.
(٣) انظر: المغرب في ترتيب المعرب، الخوارزمي، ص ١٥٦.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٣٠٥.
www. modoee.com
١٥٩

حرف الواو
مجالات الوفاء
والوفاء له مجالات كثيرة يجب على
المسلم أن يقوم بها على وجه الإكمال
والإتمام، حتى يكون قد حقق الوفاء المأمور
به في الشريعة، ومن أبرز هذه المجالات:
أولًا: الوفاء بالعهود والمواثيق:
والوفاء بالعهود والمواثيق من الأمور
المهمة في حياة المسلم، والتي جاءت
الكثير من النصوص الشرعية تأمر بالوفاء بها
على وجه التمام والكمال.
ويشمل ذلك الوفاء بالعهد والميثاق مع
الله سبحانه، أو مع الناس، وقد جاء الأمر
بذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوْنِ
بِعَهْدِكُمْ وَإِنَّىَ فَأَرْهَبُونِ ﴾ [البقرة: ٤٠].
وقد بين الشيخ ابن عثمين أهمية الوفاء
بالعهد مع الله فقال: ((ومن فوائد هذه الآية أن
من وفى لله بعهده وفى الله له؛ لقوله تعالى:
﴿وأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِپِعَهْدِكُمْ ﴾ بل إن الله أكرم
من عبده، حیث یجزیه الحسنة بعشر أمثالها؛
وأن من نكث بعهد الله فإنه يعاقب بحرمانه
ما رتب الله تعالى على الوفاء بالعهد؛ وذلك
لأن المنطوق في الآية أن من وفى لله وفى
الله له؛ فيكون المفهوم أن من لم يف فإنه
یعاقب، ولا یعطی ما وعد به؛ وهذا مقتضى
عدل الله عز وجل (١).
(١) تفسير القرآن الكريم، الفاتحة والبقرة،
ومن الآيات التي تحث على الوفاء
بالعهود والمواثيق قوله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ
أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
[الأنعام: ١٥٢].
والآية تجعل الوفاء بعهد الله من وصية
الله لعباده كما قال ابن كثير: ((وقوله:
﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ﴾ أي: وبوصية الله
التي أوصاكم بها فأوفوا. وإيفاء ذلك: أن
تطيعوه فيما أمركم ونهاكم، وتعملوا بكتابه
وسنة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد الله.
﴿ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
يقول تعالى: هذا وصاكم به، وأمركم به،
وأكد علیکم فیه»(٢).
وقد جاء الأمر أيضًا بالوفاء بالعهود
والمواثيق في قوله تعالى: ﴿ وَأَوْقُواْ بِعَهْدِ
اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١].
قال القرطبي: ((﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾
لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه
الإنسان من بيع الإنسان من بيع أو صلة أو
موافقة للديانة)) (٣).
وعن سر إيثار التعبير ب﴿وَأَوْقُواْ ﴾ فلأن
فيه دلالة على التمسك بالعهد تمسكًا تامًّا،
وأداءً وافيًا لا نقيصة فيه، وهذا ما يناسب
الحديث عن العهد مع الله تعالى، لذا أضيف
العهد الى الله في قوله: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾
٩٨/٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٣٦٥/٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، ١٦٩/١٠.
١٦٠
جَوْسُو حَد النفسية الوضوي
القُرآن الكَرِيْمِ

الوفاء
لإبراز عظمة هذا العهد وفخامته، وللحث
على الالتزام به وعدم نقضه، هذا ما أوحى
به لفظ الجلالة بما فيه من معاني الجلالة
والعزة، لأنه اسم الله الأعظم. والإتيان
بـ (إذا) الظرفية لتأكید الوفاء بالعهد(١).
وبين القرآن أن الإنسان سيسأل عن عهده
الذي أعطاه لغيره وذلك في قوله تعالى:
﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولً ا
[الإسراء: ٣٤].
قال ابن كثير: ((أي: الذي تعاهدون عليه
الناس والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد
والعقد کل منهما يسأل صاحبه عنه)»(٢).
وقال الطبري: ((يقول: وأوفوا بالعقد
الذي تعاقدون الناس في الصلح بين أهل
الحرب والإسلام، وفيما بينكم أيضًا،
والبيوع والأشربة والإجارات، وغير ذلك
من العقود؛ لأن الله جل ثناؤه سائل ناقض
العهد عن نقضه إياه، يقول: فلا تنقضوا
العهود الجائزة بينكم وبين من عاهدتموه
أيها الناس فتخفروه، وتغدروا بمن
أعطيتموه ذلك. وإنما عنى بذلك أن العهد
كان مطلوبًا، يقال في الكلام: ليسئلن فلان
عهد فلان)»(٣).
٠
وقد مدح الله الذين يفون بعهودهم
ومواثيقھم، وأنهم من الذين صدقوا، وذلك
(١) الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، ٢/ ١٥٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٧٤/٥.
(٣) جامع البيان، ٤٤٤/١٧.
في قوله تعالى: ﴿وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ
إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرِّ وَحِينَ
الْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ
﴾ [البقرة: ١٧٧].
١٧٧
وأنهم من المتقين قال تعالى: ﴿بَلَ مَنْ
أَوْقَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
٧٦
[آل عمران: ٧٦].
وانهم من أولي الألباب قال تعالى: ﴿إِنّا
يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا
يَنقُضُّونَ الْمِيثَقَ ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٠].
وأن له الأجر العظيم من الله سبحانه:
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًاً
عَظِيمًا ﴾ [الفتح: ١٠].
وقد ورد في السنة النبوية أيضًا ما يأمر
بالوفاء بالعهود والمواثيق والإنكار على من
خالف ذلك، وأنه مما أمر به الإسلام، فعن
عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال:
(أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: سألتك
ماذا يأمركم فزعمت أنه أمركم بالصلاة
والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء
الأمانة، قال: وهذه صفة نبي) (٤).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفي
بالعهود حتى في أشد الظروف، فعن الحسن
بن علی پن أبی رافع رضي الله عنه أن أبا
رافعٍ أخبره قال: (بعثّنی قریشٌ إلى رسول
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٢٥٣٥،
كتاب الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد.
www. modoee.com
١٦١

حرف الواو
الله صلى الله عليه وسلم فلما رأيت رسول (من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة
ولا يشدها حتى يمضي أمده، أو ینبذ إليهم
على سواء) (٤).
الله صلى الله عليه وسلم، القى فى قلبى
الإسلام، فقلت: يا رسول الله إنى والله
لا أرجع إلیھم أبدًا فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (إني لا أخيس بالعهد
ولا أحبس البرد، ولكن ارجع فإن كان فى
نفسك الذى فى نفسك الآن فارجع). قال:
فذهبت ثم أتیت النبى صلى الله عليه وسلم
فأسلمت)(١).
قال ابن الأثير: (((إني لا أخيس بالعهد)
أي: لا أنقضه. یقال: خاس بعهده یخیس،
وخاس بوعده إذا أخلفه)) (٢)
ویبین النبي صلى الله عليه وسلم أن من
لا یوفون بعهودهم إنما یفضحون يوم القيامة
ویکون لهم علامة جزاء علی غدرهم، وهذا
وإنْ دلَّ فإنما يدلُّ على عظم هذا الأمر في
الإسلام، فعن عبد الله رضي الله عنه: عن
النبي صلی الله عليه وسلم قال: (لكل غادرٍ
لواءٌ يوم القيامة يقال هذه غدرة فلانٍ) (٣).
و ثبت عنه صلی الله عليه وسلم أنه قال:
(١) أخرجه أبو داود في سننه، کتاب الجهاد، باب
الإمام يستجن به في العهود، ٢٧٦٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٢٥١٠.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، ١٩٠/٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٣٠١٥،
كتاب أبواب الجزية والموادعة، باب إثم
الغادر للبر والفاجر، ومسلم في صحيحه،
رقم ١٧٣٦، كتاب الجهاد والسير، باب
تحریم الغدر. واللفظ له.
بل كان النبي صلى الله عليه وسلم
يوجه أصحابه رضي الله عنهم إلى الوفاء
بعهودهم، ولا يطلب منهم نقضها مهما
كان الأمر، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله
عنه قال: (ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني
خرجت أنا وأبي حسيلٌ قال فأخذنا كفار
قريش، قالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا:
ما نريده ما نريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد
الله وميثاقه لتنصرفن إلى المدينة ولا نقاتل
معه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأخبرناه الخبر، فقال: انصرفا نفي لهم
بعهدهم ونستعين الله عليهم) (٥).
ولقد استنبط أهل العلم من هذه النصوص
وغيرها أن الوفاء بالعهود والمواثيق من
الأمور اللازمة والمهمة، كما قال ابن تيمية:
(جاء الكتاب والسنة بالأمر بالوفاء بالعهود
والشروط والمواثيق والعقود وبأداء الأمانة،
ورعاية ذلك، والنهي عن الغدر ونقض
العهود والخيانة، والتشديد على من يفعل
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب السير، باب
ما جاء في الغدر، رقم ١٥٨٠.
وصححه الألباني في صحيح أبي داود، رقم
٢٤٦٨.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ١٧٨٧،
كتاب الجهاد والسير، باب الوفاء بالعهد.
مَوسُوبة النفسية
الْقُرآن الكَرِيمِ
١٦٢

الوفاء
ذلك))(١).
وقال الشيخ صالح الفوزان: ((من الوصايا
العظمیة: الوفاء بعهد الله عز وجل بأن تعبده
ولا تشرك به شيئًا؛ والوفاء بالمواثيق التي
تكون بين الناس بعضهم مع بعض، فإذا
عاهدت سلطانًا، أو أميرًا، أو عاهدت أحدًا
من الناس فلا تغدر العهد)»(٢).
وبعض العلماء قد عد النقض العهود
والمواثيق من الكبائر والموبقات، كما ذكر
الذهبي فقال: ((الكبيرة الخامسة والأربعون:
الغدر وعدم الوفاء بالعهد» (٣).
ومن خلال ما سبق يتضح لنا أهمية
ووجوب الوفاء بالعهود والمواثيق وإتمامها
والقيام بها على وجه الكمال، ويشمل
ذلك كل العهود والمواثيق سواء مع الله
سبحانه أم مع الناس على اختلاف أنواعهم،
مسلمين أم غير مسلمين، طالما أعطيناهم
عهودًا ومواثيق.
ثانيًا: الوفاء بالوعود:
ومن المجالات المهمة من مجالات
الوفاء، الوفاء بالوعود، لأنه دليل على صدق
المسلم، وتمام إيمانه، وكمال إسلامه.
والوفاء بالوعد: هو الصبر على ما يبذله
الإنسان من نفسه ويرهنه به لسانه. والخروج
(١) القواعد النورانية الفقهية، ص ١٩٦.
(٢) إعانة المستفید بشرح كتاب التوحيد، ص٣٩.
(٣) الكبائر، ص ١٦٨.
مما يضمنه (بمقتضى العهد الذي قطعه على
نفسه) وإن كان مجحفا به، فليس يعد وفيا
من لم تلحقه بوفائه أذية وإن قلت، وكلما
أضر به الدخول تحت ما حكم به على نفسه
كان ذلك أبلغ في الوفاء (٤).
والوعد: ((هو الإخبار بإيصال الخير في
المستقبل، والإخلاف: جعل الوعد خلافا،
وقيل: هو عدم الوفاء به)) (٥).
قال ابن حجر العسقلاني: ((المراد
بالوعد، الوعد بالخير، أما الوعد بالشر
فيستحب إخلافه، وقد يجب ما لم يترتب
على ترك إنفاذه مفسدة،))(٦).
فالوعد لا بد أن یکون بمعروف، فحين
یکون الوعد بشر، لا يجب الوفاء به. وإن
زمن الوفاء بالوعد هو المستقبل، ولیس الآن
(حين الوعد). ((وينبغي أن يفرق بين الوعد
والنذر؛ لكون الوفاء بهما في المستقبل
فيتشابهان من هذا الوجه، لكن هذا التشابه
لا یمنع وجود الفرق بينهما، فالنذر وإن کان
فيه معنى الوعد، إلا أن فيه معنى القربة إلى
الله تعالى، وأن في عدم الوفاء به الكفارة،
ولیس کذلك الوعد»(٧).
وهناك فرق بین الوعد والعهد، إذ العهد،
يراد به الأمان واليمين والموثق والذمة
(٤) تهذيب الأخلاق، الجاحظ، ص ٢٤.
(٥) عمدة القاري، بدر الدين العيني، ٢٢٠/١.
(٦) انظر: فتح الباري، ١/ ٩٠.
(٧) الوفاء بالوعد، د. إبراهيم فاضل الدبو، ص ٥.
www. modoee.com
١٦٣

حرف الواو
والحفاظ والوصية، فتقول: عهد الله علي
لأفعلن كذا (١) والعهد يراد به ما تعبد الله به
من أمور الدين، أو ما یکون بين العباد مما
یکون بخلفه إتلاف مال أو نفس، أو إدخال
ضرر کثیر.
أما الوعد ففيما لا يتعلق ذلك به حق
لمخلوق. أو ما لا يؤدي إلى إخلافه کثیر
ضرر، فمن نقض عهده فذلك من كبائر
الذنوب ويبلغ به الهلاك، ومن أخلف
وعدہ کان إثما ولا يبلغ فاعلوہ إلی الکفر
والهلاك(٢).
وقيل: العهد ما یکون من الجانبین، وأما
ما يكون من جانب فوعد، ونقضه خلف
وعد (٣).
وقيل: العهد ما كان من الوعد مقرونا
بشرط، نحو قولك: إن فعلت کذا فعلت كذا
وما دمت على ذلك فأنا عليه، والعهد يقتضي
الوفاء والوعد يقتضي الإيجاز، ويقال: نقض
العهد وأخلف الوعد (٤).
ومع ما نقلناه من خلاف بين العهد
والوعد، فإن العسقلاني ذكر أنه قد يتحد
معناهما(٥).
(١) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ٤٦٠.
(٢) انظر: المصنف، ابن أبي شيبة، ٢/ ٢٠٠.
(٣) بريقة محمودية، أبو سعيد الخادمي، ٢٨١/٢.
(٤) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص
٣٧٩.
(٥) انظر: فتح الباري، ابن حجر، ١/ ٩٠.
القرآن الكريمِ
ولعل ما يؤيد هذا الرأي قوله تعالى:
﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَيْنْ ءَاتَنْنَا مِن
فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ
٧٥
فَلَمَآ ءَاتَنُهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَهُم
مُعْرِضُونَ (٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ
يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْاللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ
يَكْذِبُونَ ﴾[التوبة: ٧٥ - ٧٧].
إذ بدأ الذكر الحكيم بقوله: ﴿وَمِنْهُم
مَنْ عَهَدَ اللَّهَ﴾ فلما أخلفوا رتب عليهم
ما رتب، ثم علله بقوله: ﴿ِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا
وَعَدُوهُ﴾ (٦).
والوعد مباح (٧). فلكل شخص أن یعد
بالمعروف والخير من يشاء من الناس،
لكن الذي ينبغي الإشارة إليه هو أن يتحفظ
الشخص في إطلاق الوعود للناس؛ لأن
الوفاء بالوعد أمر مستقبل، والشخص لا
يملك معرفة أحواله المستقبلية؛ إذ قد یکون
الواعد عاجزًا عن الوفاء فيكون مخلفًا
للوعد، فيوصم بخصلة من خصال النفاق؛
لذلك فإن الإمام الغزالي رحمه الله قد اعتبر
وعد الكاذب آفة، إذ يقول: ((إن اللسان سباق
إلى الوعد، ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء
فيصير الوعد خلفًا، وذلك من أمارات
النفاق»(٨).
وقد جعل الله تعالى الوفاء بالوعود من
(٦) الوفاء بالوعد، إبراهيم فاضل الدبو، ص ٥.
(٧) أحكام القرآن، الجصاص، ٤٤٢/٣.
(٨) إحياء علوم الدين، الغزالي، ١٣٢/٣.
١٦٤

الوفاء
صفات الأنبياء، فقال سبحانه عن نبي الله وأمرهم بتأدية الشرع فلا بد من ظهور وعد
منهم يقتضي القيام بذلك ويدل على القيام
إسماعيل عليه السلام: ﴿وَأَذَّكُرْ فِي الْكِنَبِ
إِسْمَعِيلٌ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نِّيًّا)﴾
[مريم: ٥٤].
بسائر ما يخصه من العبادة. وأما الثاني: فهو
أنه عليه السلام كان إذا وعد الناس بشيء
أنجز وعده، فالله تعالى وصفه بهذا الخلق
الشريف (٣).
قال القرطبي: ((وخصه الله تعالى
بصدق الوعد وإن كان موجودا في غيره من
الأنبياء تشريفًا له وإكرامًا، كالتلقيب بنحو
الحليم والأواه والصديق، ولأنه المشهور
المتواصف من خصاله. وصدق الوعد
محمود وهو من خلق النبيين والمرسلين،
وضده وهو الخلف مذموم، وذلك من
أخلاق الفاسقين والمنافقين على ما تقدم
بيانه في براءة. وقد أثنى الله تعالى على نبيه
إسماعیل فوصفه بصدق الوعد» (١).
الخلة. ولذا کان ضدها نفاقًا، کما صرحت
به الأخبار)) (٢).
وبین الرازي أنواع الوعد التي صدق فيها
إسماعيل عليه السلام فقال: ((وهذا الوعد
يمكن أن يكون المراد فيما بينه وبين الله
تعالی ویمکن أن یکون المراد فیما بینه وبین
الناس.
أما الأول: فهو أن یکون المراد أنه کان لا
يخالف شيئا مما يؤمر به من طاعة ربه، وذلك
لأن الله تعالى إذا أرسل الملك إلى الأنبياء
(١) الجامع لأحكام القرآن، ١١٤/١١.
(٢) محاسن التأويل، ١٠٤/٧.
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم
عدم الوفاء بالوعود من صفات المنافق،
فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق
ثلاث إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا
وعد أخلف) (٤).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع
وقال القاسمي: ((وفيه تنبيه بعظم هذه من كُنَّ فيه كان منافقًا أو كانت فيه خصلة
من أربعة كانت فيه خصلة من النفاق حتى
يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف،
وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) (٥).
ومخلف الوعد يكون فاسد النية عديم
الوفاء، قال العيني: ((ونبه بقوله: (إذا وعد
أخلف) على فساد النية؛ لأن خلف الوعد لا
يقدح إلا إذا عزم عليه مقارنًا بوعده، أما إذا
کان عازما ثم عرض له مانع أو بدا له رأي،
(٣) مفاتيح الغيب، ٢١ /٥٤٩.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٢٥٣٦،
كتاب الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٢٣٢٧،
كتاب المظالم، باب إذا خاصم فجر.
www. modoee.com
١٦٥

حرف الواو
فهذا لم توجد فيه صفة النفاق)) (١).
أنّ
من
قال النووي: ((أجمعوا على
وعد إنسانًا شيئًا ليس بمنھيٍّ عنه فينبغي أن
يفي بوعده، وهل ذلك واجب أو مستحب
فيه خلاف، ذهب الشافعي وأبو حنيفة
والجمهور إلى أنه مستحبُّ، فلو تركه فاته
الفضل وارتكب المكروه كراهة شديدة ولا
يأثم يعني: من حيث هو خلف. وإن كان
یأثم، إن قصد به الأذى. قال: وذهب جماعة
إلی أنه واجب، منهم عمر بن عبد العزيز
وبعضهم إلى التفصيل، ويؤيد الوجه الأول
ما أورده في الإحياء حيث قال: وكان النبي
صلى الله عليه وسلم إذا وعد وعدًا قال: ((
عسى ))، وكان ابن مسعود لا يعد وعدًا إلا
ویقول: إن شاء الله تعالى، وهو الأولى، ثم
إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من
الوفاء إلا أن يتعذر، فإن كان عند الوعد عازمًا
على أن لا يفي به فهذا هو النفاق انتهى)) (٢).
ويظهر بذلك أهمية الوفاء بالوعود وعدم
إخلافها لما فيه من التشبه بصفات المنافقين.
ثالثًا: الوفاء بالعقود:
ومن الأمور المهمة في حياة المسلم
الحرص على الوفاء بالعقود، وقد جاء النصُّ
على ذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَوَّقُواْ بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: ١]
(١) عمدة القاري، ٢ / ٩٣.
(٢) تحفة الأحوذي، ٢٤٠/٥.
قال ابن عاشور: ((فالتعريف في العقود
تعريف الجنس للاستغراق، فشمل العقود
التي عاقد المسلمون عليها ربهم، وهو
الامتثال لشريعته، وشمل العقود التي عاقد
المسلمون عليها المشركين، ويشمل العقود
التي يتعاقدها المسلمون بينهم))(٣).
وما ذكره ابن عاشور هو الراجح في
نظري؛ لدلالة العقود عليها.
قال الثعالبي: (فالآية عامة في الوفاء
بالعقود، وهي الربوط في القول، کلّ ذلك
في تعاهد على بِرِّ أو في عقدة نكاح، أو
بيع، أو غيره، فمعنى الآية: أمر الله جميع
المؤمنين بالوفاء على عقدٍ جارٍ على رسم
الشريعة، وفسر بعض الناس لفظ العقود
بالعهود. وأصوب ما يقال في هذه الآية: أن
تعمم ألفاظها بغاية ما تتناول، فيعمم لفظ
المؤمنین في مؤمني أهل الكتاب، وفي كلِّ
مظهر للإيمان، وإن لم يبطنه، وفي المؤمنين
حقيقة، ويعمم لفظ العقود في كل ربط بقول
موافق للحقِّ والشرع))(٤).
وقال القرطبي: ((فأمر الله سبحانه بالوفاء
بالعقود؛ قال الحسن: يعني بذلك عقود
الدين، وهي ما عقده المرء على نفسه؛ من
بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق
ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٩/٥.
(٤) الجواهر الحسان، ٤٣٦/١.
١٦٦
مَوَسُوعَة النفسية
القرآن الكريم

الوفاء
وتدبير، وغير ذلك من الأمور، ما كان ذلك ١١٩] فالموفون بالعقود صادقون، فنفعهم
الصدق بالوفاء يوم القيامة بما وعدهم من
الكرامة»(٣).
غير خارج عن الشريعة؛ وكذلك ما عقده
على نفسه لله من الطاعات، كالحج والصيام
والاعتكاف والقيام والنذر، وما أشبه ذلك
من طاعات ملة الإسلام)) (١).
وما من شك أنه من الأهمية بمكان أن
يحرص المسلم على الوفاء بالعقود التي
أبرمها ((فالأمر بالإيفاء بالعقود يدلّ على
وجوب ذلك، فتعين أنَّ إيفاء العاقد بعقده
حقٍّ علیه،فلذلك یقضی به علیه،لأن العقود
شرعت لسد حاجات الأمة، فهي من قسم
المناسب الحاجي، فيكون إتمامها حاجيًّا؛
لأنَّ مكمل كلٌّ قسم من أقسام المناسب
الثلاثة يلحق بمكمله: إن ضروريًّا، أو
حاجًّا، أو تحسينًا(٢).
قال ابن تيمية: ((وأما سورة المائدة فإنها
سورة العقود، وهي العهود والمواثيق التي
يعقدها بنو آدم بينهم وبين ربهم، ويعقدها
بعضهم لبعضٍ، مثل عقد الإيمان وعقد
الأيمان، فأمر الله بالوفاء بالعهود، والوفاء
بالعهود من صفات الصادقين دون الكاذبين،
وختم السورة بما يناسب ما فيها فقال: ﴿قَالَ
اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّتُ
تَرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَا أَبْدًا رَضِىَ اللهُ
(١١٩) [المائدة:
عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (
(١) الجامع لأحكام القرآن، ٦/ ٣٢.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٠/٥.
الوفاء بالعهود والعقود من أَجَلٌّ مراتب
السعادة(٤). قال صلى الله عليه وسلم: (لا
إیمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد
له) (٥).
وكما قال ابن رجب: ((وأما عهود
المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد،
ونقضها أعظم إثما، ويدخل في العهود
التي يجب الوفاء بها، ويحرم الغدر فيها:
جميع عقود المسلمين فيما بينهم، إذا
تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات
وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء
بها. والمقصود بالمبايعات والمناكحات
والعقود التي توجب الوفاء هي التي على
شرعة الله ومنهاجه، لا التي على خلاف
ذلك، وفي ذلك يقول رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (من اشترط شرطًا ليس
في کتاب الله فليس له، وإن شرطه مائة مرةٍ،
(٣) المسائل والأجوبة، ص٢٠٣.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٢/١٩.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٤/ ٤٨١، رقم
١١٩٣٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٧١٧٩.
www. modoee.com
١٦٧

حرف الواو
شرط الله أحق وأوثق) (١))(٢).
وما من شك أن حرص المسلم على
الوفاء بالعقود التي أبرمها يدلُّ على
الاستجابة لتوجيهات الشرع الحنيف،
ويعطي صورة طيبة عن المسلمين أن عندهم
الوفاء دینا یتعبدون الله به.
رابعًا: الوفاء بالأيمان والنذور
والكفارات:
١. الوفاء بالأيمان.
وما ينبغي الوفاء به في حياة المسلم
الوفاء بالأيمان، ذلك لأن الإنسان قد يحلف
بالله وهو أمر عظيم؛ فالواجب أن يفي بيمينه
التي أقسمها ویبر بها.
وأما الأيمان فهي جمع يمين (واليمين
أصله الجارحة، واليمين في الحلف
مستعار من اليد؛ اعتبارًا بما يفعله المعاهد
والمحالف وغيره(٣).
قال ابن حجر: ((وأصل اليمين في اللغة
اليد وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا
تحالفوا أخذ كلَّ بیمین صاحبه، وقيل: لأن
اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء، فمسمى
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٢٤٢٢،
كتاب العتق، باب ما يجوز من شروط
المكاتب ومن اشترط شرطا ليس في كتاب
الله، ومسلم في صحيحه، رقم ١٥٠٤، كتاب
العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق.
(٢) جامع العلوم والحكم، ص ٥٠.
(٣) المفردات، الراغب، ص ٥٢٢.
الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه، وسمي
المحلوف عليه يمينًا لتلبسه بها، واليمين هي
توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله)) (٤).
وشأن اليمين عند الله عظيم، وخطر
التساهل بها جسيم، فليست اليمين مجرد
كلمة تمر على اللسان، ولكنها عهد وميثاق
ينتهي عندها حده، ويجب أن يوافي حقه،
ومن ثم فلا ينبغي للإنسان التسرع إلى
اليمين إلا عند الحاجة، وكثرة الحلف تدلَّ
على الاستخفاف بالمحلوف به، وعدم
تعظيمه، وكثرة الحلف بالباطل من صفات
المنافقين، قال الله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى
اَلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [المجادلة: ١٤]
قال ابن عاشور: ((والتوجيهات القرآنية
بشأن اليمين قبل صدوره تضيق الحالات
التي یشرع فيها، ومرد ذلك إلى أمرين:
أولهما: ارتباط الیمین بتعظیم الله تعالى،
وبالتالي فإنَّ من تعظيمه جلَّ وعلا أن يصان
اسمه من الابتذال بكثرة الحلف بغير حاجة
إلى ضرورة أو مصلحة راجحة.
الثاني: مقصود الحالف إشهاد الله على
صدقه فيما قاله، ومن أجل ذلك تضمن
اليمين معنى قويًّا في الصدق، وحينئذٍ
فالواجب على المسلم التحرز من إشهاد
الله على أمر قد يكون واقع الحال أو المآل
بخلافه، لئلا يكون مستخفًّا بمن أشهده
(٤) فتح الباري، ١١/ ٥٢٥.
فَضْو
◌َ النَّسيـ
جَوَُّور
القرآن الكريم
١٦٨

الوفاء
والتحرز لا يكون إلا بالإقلال من اليمين جميع ما غزلن، فهذا كان دأبها، ومعناه: أنها
وحصرها في أضيق الحدود)) (١).
عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
٢) وَلَا تَكُونُوا كَأَلَِّى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ
بَعْدٍ قُوَّةٍ أَنْكَنَّا نَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلًا
بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةُ هِىَ أَرْبَ مِنْ أُمَّ إِنَّمَا
يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ، وَلَيُبَيَِّنَّ لَكُمْ يَوْمَ اَلْقِيَمَةِ مَا
كُتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [النحل: ٩١ - ٩٢]
وَأَوْفُواْ
قال البغوي: ((قوله تعالى:
بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ﴾ والعهد هاهنا
هو: اليمين. قال الشعبي: العهد يمين
وكفارته كفارة يمين، ﴿وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ
بعد توكيدِهَا ﴾ تشديدها، فتحنثوا فيها،
﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ شهيدًا
بالوفاء. ثم ضرب الله مثلا لنقض العهد
فقال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا
مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ﴾ أي: من بعد غزله وإحكامه.
قال الكلبي، ومقاتل: هي امرأة خرقاء
حمقاء من قريش، كانت تغزل الغزل من
الصوف والشعر والوبر، وتأمر جواريها
بذلك، فكُنَّ يغزلن من الغداة إلى نصف
النهار، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض
(١) التحرير والتنوير، ٣٧٨/١.
لم تكف عن العمل، ولا حين عملت كفت
عن النقض، فكذلك أنتم إذا نقضتم العهد،
لا کففتم عن العهد، ولا حین عاهدتم وفیتم
وقد حذر القرآن الكريم من نقض
الأيمان وعدم الوفاء بها فقال سبحانه:
﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا تَنَقُضُوا بِه. ﴿أَنَكَنَا﴾ يعني: أنقاضًا واحدتها
الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ ))نكث(( وهو ما نقض بعد الفتل، غزلًا كان
أو حبلاً. ﴿لَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُرْدَخَلَّا بَيْنَكُمْ﴾
أي: دخلا وخيانة وخديعة، و «الدخل» ما
يدخل في الشيء للفساد. قال مجاهد: وذلك
أنهم كانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا قومًا
أكثر منهم وأعزَّ نقضوا حلف هؤلاء وحالفوا
الأكثر، فمعناه: طلبتم العزّ بنقض العهد، بأن
كانت أمة أكثر من أمة. فنهاهم الله عن ذلك.
﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ يختبركم الله بأمره
إياكم بالوفاء بالعهد»(٢).
وهذه الآية يظهر فيها التحذير من عدم
الوفاء ومن نکث العهد، ومن التلاعب باسم
الحق جلَّ وعلا فهو سبحانه يعلم من يفي
بعهده، ویعرف لاسمه الكريم جلاله، ومن
لا يوقر الله، ولا يحفل بالعهد الذي قطعه،
وأشهد الله عليه، والله سبحانه غيور على
حماه أن يستباح، فمن استباحه فقد أورد
نفسه موارد الهالكين (٣).
ولا يوجد ثمة تعارض بين هذه الآية
وبين الآيات الأخرى التي توجه المسلم إلى
(٢) معالم التنزيل، ٣٩/٥.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب،
٣٥٣/٧.
www. modoee.com
١٦٩

حرف الواو
كفارة اليمين عند الحنث في يمينه حيث قال على حث أو منع))(٢).
ابن كثير بعد أن تحدث وبين خطورة نقض
الأيمان والرجوع فيها بعد توکیدها:
((ولا تعارض بين هذا وبين قوله:
﴿ وَلَا
تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُّوَأْ
وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسُِ وَاللَّهُ سَمِيعُ
﴾ [البقرة: ٢٢٤].
عَلِيمُ
وبين قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ
إِذَا حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ
[المائدة :
لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
٨٩].
أي: لا تترکوها بلا تکفیر، وبین قوله،
عليه السلام فيما ثبت عنه في الصحيحين:
(إني والله إن شاء الله، لا أحلف علی یمین
فأری غیرها خیرًا منها، إلا أتيت الذي هو
خير وتحللتها). وفي رواية: (وكفرت عن
یمیني) (١).
لا تعارض بین ھذا کله، ولا بين الآية
المذكورة هاهنا وهي قوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا
الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ
عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴾ [النحل: ٩١].
لأن هذه الأيمان، المراد بها الداخلة في
العهود والمواثيق، لا الأيمان التي هي واردة
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٢٩٦٤،
كتاب الخمس، باب ومن الدليل على أن
الخمس لنوائب المسلمين، ومسلم في
صحيحه، رقم ١٦٤٩، كتاب الإيمان، باب
ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها.
٢. الوفاء بالنذور.
وما ينبغي الوفاء به في حياة المسلم الوفاء
بالنذور، حيث إنها قربة أوجبها المسلم على
نفسه فيما بينه وبين الله، فمن الوفاء أن
يقوم بما أوجبه على نفسه على وجه الكمال
والتمام.
وقد مدح الله عباده الأبرار، وبین أن من
أعمالهم الجلیلة في الدنیا أنهم کانوا یوفون
بنذرهم كما قال تعالى: ﴿يُوقُونَ بِالنَّذْرِ وَيَّنَافُونَ
يَوْمًّا كَانَ شَرُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧].
قال ابن كثير: «أي: یتعبدون لله فیما
أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة
بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم
بطريق النذر)» (٣).
فالمراد بالنذر هنا: أي بكل ما نذروه
وأعطوا به عهدًا (٤).
والمعنى: يوفون بما أوجبه الله عليهم
من الطاعات.
(قال قتادة، ومجاهد: يوفون بطاعة الله
من الصلاة والحج ونحوهما. وقال عكرمة:
یوفون إذا نذروا في حق الله سبحانه، والنذر
في الشرع ما أوجبه المكلف على نفسه،
فالمعنى: يوفون بما أوجبوه على أنفسهم.
وقال الكلبي: يوفون بالعهد، أي: يتممون
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٥٩٨/٤.
(٣) المصدر السابق، ٢٨٧/٨.
(٤) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٦/ ٤٦٣.
مَوَسُولَةُ الـ
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
١٧٠

الوفاء
العهد. والأولى حمل النذر هنا على ما أوجبه أشد من طاعتهم في وفائه؛ ولأن النذر لو
العبد على نفسه من غير تخصيص))(١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ذکر
سبحانه من أعمال الأبرار ما ينبه سامعه
علی جمعهم لأعمال البر کلها فذكر سبحانه
وفاءهم بالنذر وخوفهم من ربهم، وإطعامهم
الطعام على محبتهم له وإخلاصهم لربهم
في طاعتهم، وذكر سبحانه الوفاء بالنذر
وهو أضعف الواجبات، فإن العبد هو الذي
أو جبه على نفسه بالتزامه فهو دون ما أوجبه
الله سبحانه عليه، فإذا وفى لله بأضعف
الواجبين الذي التزمه هو فهو بأن يوفى
بالواجب الأعظم الذي أوجبه الله عليه أولى
وأحرى))(٢).
وقد جاء في السنة النبوية ما يدلُّ على
ضرورة الوفاء بالنذر، فعن عائشة رضي الله
عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (من نذر أن یطیع الله فلیطعه، ومن نذر
أن يعصيه فلا يعصه) (٣).
قال ابن قدامة: (وأجمع المسلمون على
صحة النذر في الجملة، ولزوم الوفاء به،.
وما ورد من النهي عنه فهو نهي كراهة، لا
نهي تحريم؛ لأنه لو كان حرامًا لما مدح
الموفين به؛ لأن ذنبهم في ارتكاب المحرم
(١) فتح القدير، الشوكاني، ٧/ ٣٧٥.
(٢) جامع الرسائل، ١/ ٧١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٦٣١٨،
كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة.
كان مستحبًّا، لفعله النبي صلى الله عليه
وسلم وأفاضل أصحابه(( (٤).
قال ابن حجر: ((النهى عن النذر
والتشديد فیه ليس هو أن يكون مأثمًا،ولو
كان كذلك ما أمر الله أن يوفی به، ولا حمد
فاعله، ولکن وجهه عندي تعظيم شأن النذر
وتغليظ أمره؛ لئلا يستهان بشأنه، فيفرط في
الوفاء به، ويترك القيام به»(٥).
وبين الله سبحانه أن من جملة الأعمال
التي يقوم بها الحاج ﴿وَلْيُوفُواْنُذُورَهُمْ
وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَنِيقِ ﴾ [الحج:
٢٩].
قال ابن كثير: ((وقوله: ﴿وَلْيُونُوا
نُذُورَهُمْ ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس: يعني: نحر ما نذر من أمر البدن.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد:
﴿وَلْيُوقُواْ نُذُورَهُمْ﴾: نذر الحج والهدي
وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج.
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد:
﴿وَلْيُوفُوْنُّذُورَهُمْ ﴾ كلَّ نذر إلى أجل.
وقال عكرمة: ﴿وَلْيُوفُواْ تُذُورَهُمْ﴾
قال: حجهم)) (٦).
وقال النسفي: ((قوله: ﴿وَلْيُوفُواْ
نُذُورَهُمْ ﴾ مواجب حجهم، والعرب تقول
(٤) المغني، ٣٧٦/٢٢.
(٥) فتح الباري، ١١/ ٥٧٧.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ٤١٧/٥.
www. modoee.com
١٧١

حرف الواو
لكلٍّ من خرج عما وجب عليه: وفَّى بنذره أو الإعتاق، فليصم ثلاثة أيام متتابعة، ذلك
وإن لم ينذر، أو ما ينذرونه من أعمال البر كفارة أيمانكم أيها المؤمنون فاحفظوا
أيمانكم عن الابتذال وأقلوا من الحلف لغير
في حجهم))(١).
الضرورة (٢).
٣. الوفاء بالكفارات.
وما ينبغي الوفاء به في حياة المسلم
الوفاء بالكفارات، حيث يجب على المسلم
الذي وجبت عليه الكفارة أن يقوم بالوفاء
بما عليه كاملًا غير منقوص.
ومن الكفارات: كفارة اليمين، وفيها جاء
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ أَيْمَنْكُمْ
وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفَّرَتُهُ
إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدّ
فَصِيَامُ ثَثَةٍ أَيَّاءٍ ذَلِكَ كَفََّرَةُ أَيْمَنِّكُمْ إِذَا
حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ
ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾[المائدة: ٨٩].
فالمراد ((أنه لا يؤاخذكم الله - أيها
المؤمنون - بما جرى على ألسنتكم من لغو
اليمين، الذي لم تتقصدوا فيه الكذب، أو لم
تتعمد قلوبكم العزم على الحلف به، ولكن
يؤاخذكم بما وثقتموه من الأيمان، فكفارة
هذا النوع من الأيمان أن تطعموا عشرة
مساكين من الطعام الوسط الذي تطعمون
منه أهلیکم، أو تكسوهم بكسوة وسط، أو
تعتقوا عبدًا مملوكًا أو أمة لوجه الله، فإذا
لم يقدر الشخص على الإطعام أو الكسوة
(١) مدارك التنزيل، ٣٥٥/٢.
مَشَوالَرُ النَّفْسَيْ
القرآن الكريمِ
ومن الكفارات: كفارة الظهار، وقد جاء
فيها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن ◌ِسَآءِهٍِْ
ثُمَّيَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَّآسًا
ذَلِكُمْ تُوعَفُونَ بِّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (
٣
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَهِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ
يَتَمَاشَا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطِعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينَاً
ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ
وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: ٢-٣].
وعن الحكمة منها قال أبو السعود:
«وهذه الكفارات تزجرون بها عن ارتكاب
المنكر المذكور، فإن الغرامات مزاجرٌ
عن تعاطي الجنايات، والمراد بذكره بیان
أن المقصود من شرع هذا الحكم ليس
تعريضكم للثواب بمباشرتكم لتحرير الرقبة
الذي هو علمٌ في استتباع الثواب العظيم، بل
هو ردعكم وزجركم عن مباشرة ما يوجبه
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال التي من
جملتها التكفير وما يوجبه من جناية الظهار
﴿خَبِيرٌ﴾ أي: عالمٌ بظواهرها وبواطنها
ومجازيكم بها، فحافظوا على حدود ما شرع
لكم ولا تخلوا بشيءٍ منها))(٣).
(٢) روائع البيان في تفسير آيات الأحكام،
الصابوني، ١ / ٢٦٠.
(٣) إرشاد العقل السليم، ٢٨٦/٦.
١٧٢

الوفاء
ومن الكفارات: كفارة القتل الخطأ وجاء
فيها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ
يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَن قَّثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا
فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ.
إِلََّ أَن يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن
كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَقْ
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ
◌ُؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
حَكِيمًا ﴾[١
فكلُّ هذه الكفارات يجب الوفاء بها
رعاية لحق الله تعالى، ودليل على وفاء
المسلم بعهده فيما بينه وبين الله تعالی.
ومما ينبغي التنبيه إليه أن الكفارات
خمسة: كفارة اليمين، وكفارة الحلق،
وكفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة
الإفطار. والأربعة التي عرف وجوبها
بالكتاب العزيز، فكفارة اليمين وكفارة
الحلق وكفارة القتل وكفارة الظهار. وكفارة
الإفطار عرفت بالسنة النبوية (١).
خامسًا: الوفاء بالأمانات:
ومن أعظم مجالات الوفاء: الوفاء
بالأمانات، ومعناها واسع يدخل فيها الكثير
من أمور الدين والدنيا، وهي من أعظم ما
(١) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، ٥٥/٣٥.
يجب على المسلم الوفاء به.
ولقد دلت الكثير من النصوص الشرعية
على أهمية الوفاء بالأمانات استجابة لأمر
الله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ
إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَّحْكُمُواْ
بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ فِتَا يَعِظُكُمْ بِّهِ إِنََّهُ كَانَ سَمِيعً بَصِيرًا﴾
[النساء: ٥٨].
قال الرازي: ((أمر المؤمنين في هذه الآية
بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت
تلك الأمور من باب المذاهب والدیانات،
أو من باب الدنيا والمعاملات، وأيضًا لما
ذكر في الآية السابقة الثواب العظيم للذين
آمنوا وعملوا الصالحات، وكان من أجل
الأعمال الصالحة الأمانة، لا جرم أمر بها في
هذه الآية)) (٢)
وبين الألوسي أن الأمانة هنا تشمل
جميع ما يؤتمن عليه الإنسان فقال: ((والآية
عند أكثر المفسرين عامة في كل ما اؤتمنوا
عليه وعوهدوا من جهة الله تعالى ومن
جهة الناس، كالتكاليف الشرعية، والأموال
المودعة، والإيمان، والنذور، والعقود
ونحوها، وجمعت الأمانة دون العهد،
قيل: لأنها متنوعة متعددة جدًّا بالنسبة إلى
کل مکلف من جهته تعالی، ولا يكاد يخلو
مكلف من ذلك ولا كذلك العهد)) (٣).
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٤٣/٥.
(٣) روح المعاني، ١٣ / ١٧٠.
www. modoee.com
١٧٣

حرف الواو
وفي مدح الذين يراعون العهد ويؤدون صلى الله عليه وسلم إلا قال: (لا إيمان لمن
لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) (٢).
أمانة الوفاء بالعهد، قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ
لِأَمَنَّتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨].
قال ابن عاشور: «هذه صفة أخری من
جلائل صفات المؤمنین، تنحل إلی فضیلتین
هما؛ فضيلة أداء الأمانة التي يؤتمنون عليها،
وفضيلة الوفاء بالعهد. فالأمانة تكون غالبًا
من النفائس التي يخشى صاحبها عليها
التلف، فيجعلها عند من يظن فيه حفظها،
وفي الغالب يكون ذلك على انفراد بين
المؤتمن والأمين، فهي لنفاستها قد تغري
الأمين عليها بأن لا يردها، وبأن يجحدها
ربها، ولكون دفعها في الغالب عريًا عن
الإشهاد، تبعث محبتها الأمين على التمسك
بها وعدم ردها؛ فلذلك جعل الله ردها من
شعب الإيمان))(١).
وجاء التحذير من خيانة الأمانة في كثير
من المواضع منها قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْلَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَنْتِكُمْ
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٧]
وجميع الآيات التي تأمر بالوفاء بعهد
الله يدخل فيها الوفاء بالأمانات على تعدد
أنواعها ومجالاتها.
وفي السنة الكثير من الأحاديث التي
توصي بأهمية الوفاء بالأمانات فعن أنس بن
مالكِ رضي الله عنه قال: ما خطبنا نبي الله
(١) التحرير والتنوير، ٩/ ٣٣٤.
والأمانة تفرق بين المؤمن والمنافق،
والخيانة علامة من علامات النفاق، فقد
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق
ثلاثٌ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف،
وإذا اؤتمن خان)(٣).
سادسًا: الوفاء في الكيل والميزان:
ومن أبرز مجالات الوفاء: الوفاء
في الكيل والميزان، وقد جاءت الدعوة
إلى ذلك في أكثر من موضع من القرآن
خاصة في دعوة الأنبياء لأقوامهم وتقويم
هذا الانحراف لدى أتباعهم، لما يترتب
على وجوده من مفاسد خطيرة على الفرد
والمجتمع.
ومما جاء في ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ
اُلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢].
قال البغوي: ((قوله: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ
وَاُلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل، ﴿لَا تُكَلِّفُ
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: طاقتها في إيفاء
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٢٤/ ٤٨١، رقم
١١٩٣٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٢٠٥/٢، رقم ٧١٧٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٢٥٣٦،
كتاب الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد.
مَوَسُوعَةُ النَفسِير
القرآن الكريم
١٧٤